المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إيراد المسند إليه ضميرا: - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٤

[حامد عونى]

الفصل: ‌إيراد المسند إليه ضميرا:

حاتم يقري الضيف وحاتم يفك العاني1. من صدق وده حفظ عهده. مرعى ولا كالسعدان.

قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم

واستوثقوا من رتاج الباب والدار

خليلي إما أن تعينا وتسعدا

وإما كفافا لا علي ولا ليا

1 الأسير.

ص: 82

‌تعريف المسند إليه:

اعلم أن الأصل في المسند إليه أن يكون معرفة1؛ لأن المقصود الحكم على شيء معلوم لدى المخاطب؛ ولأنه المحكوم عليه، والحكم على المجهول لا يفيد، لا معنى إذًا لالتماس نكتة لمطلق تعريفه كما فعلوا في الإيضاح، والنكرة وإن أمكن أن تخصص بالوصف، بحيث لا يشاركها فيه غيرها كما تقول مثلا:"لقيني رجل حياك أمس، وهو يحمل حقيبة سوداء" لكن ليس ذلك في قوة تخصيص المعرفة؛ لأن تخصيصها وضعي، وتخصيص النكرة ليس كذلك.

ثم إن التعريف على وجوه كثيرة يكون بالإضمار، وبالعلمية، وبالموصولية وبالإشارة، وبأل المعرفة، وبالإضافة، ولا يخلو وجه من هذه الوجوه من أن يتعلق به غرض للبليغ.

1 بخلاف المسند فإن الأصل فيه أن يكون نكرة؛ لأن المقصود فيه إثبات مفهومه لشيء فتعريفه حينئذ أمر زائد على المقصود يحتاج إلى داع.

ص: 82

‌إيراد المسند إليه ضميرا:

الضمير -كما هو معلوم- أنواع ثلاثة: ضمير تكلم "كأنا"، وضمير خطاب "كأنت"، وضمير غيبة "كهو"، ولا بد لهذا الأخير من أن يتقدمه مرجع يعود هو إليه، وإلا لم يفهم منه معنى، غير أن تقدم المرجع يكون على وجوه ثلاثة:

1-

أن يتقدم لفظا -تحقيقا أو تقديرا- فالمتقدم في اللفظ تحقيقا هو ما ينطق به أولا، وبالضمير ثانيا كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى

ص: 82

يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} فمرجع الضمير لفظ الجلالة، وقد تقدم على الضمير لفظا تحقيقا إذ قد نطق به أولا، وكقول أبي تمام:

بيمن أبي إسحاق طالت يد العلا

وقامت قناة الدين واشتد كاهله

هو البحر من أي النواحي أتيته

فلجته المعروف والبحر ساحله

والمتقدم لفظا في التقدير هو ما نطق به بعد الضمير كقولهم: "نعم فارسا علي" على رأي من يجعل المخصوص مبتدأ مؤخرا، والجملة قبله خبرا مقدما، فمرجع الضمير حينئذ هو المخصوص، وقد تأخر عن الضمير في اللفظ، ولكنه في التقدير متقدم عليه؛ لأنه مبتدأ والمبتدأ مرتبته التقدم على الخبر، فكأن قد لفظ به أولا، وأما تمثيلهم بنحو قولهم:"في داره صديقك" فليس مما نحن فيه، وهو أن يكون الضمير مسندا إليه.

2-

أن يتقدم المرجع معنى، وذلك بأن يدل عليه لفظ سابق من جنسه، أو ترشد إليه قرينة حال، فمثال ما دل عليه لفظ قوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} فمرجع الضمير هو "العدل" المدلول عليه بلفظ "اعدلوا"، فهو لم يتقدم لفظا، وإنما تقدم معناه في الفعل، ومثله قوله تعالى:{وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} فمرجع الضمير هو معنى الرجوع المفهوم من قوله "ارجعوا"، ومثال ما دلت عليه قرينة حال قوله تعال:{وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} ، فمرجع الضمير المستتر في "ترك" هو "الميت"، ولم يدل عليه لفظ سابق، بل دلت عليه قرينة حال هي أن الكلام مسوق لبيان الإرث، ومثله قوله تعالى:{حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} فالمرجع وهو "الشمس" لم يدل عليه لفظ سابق كما في "عدلوا"، ولكن ذكر العشى والتواري بالحجاب، وسياق الكلام كل ذلك قرائن تدل على أن المراد هو "الشمس".

3-

أن يتقدم المرجع حكما كضميري رب والشأن نحو "ربه فتى"،

ص: 83

ونحو قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فالمرجع في هذين لم يتقدم لفظا، ولا معنى، وكان حقه أن يتقدم؛ لأن وضع الضمير على أن يعود على متقدم، وإنما أخر لنكتة هي البيان بعد الإبهام لهذا كان المرجع في حكم المتقدم.

إذا علمت هذا فاعلم أن نكتة إيراد المسند إليه ضميرا هي أن يكون الحديث في أحد المقامات الثلاثة الآتية: مقام التكلم، مقام الخطاب، مقام الغيبة.

فإذا كان المتكلم هو المحدث عن نفسه كان المقام للتكلم، فينبغي أن يقول "أنا"، وإذا كان يخاطب إنسانا أمامه كان المقام للخطاب، فينبغي أن يقول "أنت"، وإذا كان يخبر عن غائب كان المقام للغيبة، فينبغي أن يقول "هو"، فمثالي الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" وكقول بشار بن برد:

أنا المرعث لا أخفى على أحد

ذرت بي الشمس للقاصي وللداني1

يصف نفسه بأنه ذائع الصيت، واضح الأمر، يعرفه كل من يراه لشهرته.

ومثال الثاني قول الشاعر:

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني

وأشمت بي من كان فيك يلوم

ومثال الثالث قول الشاعر:

من البيض الوجوه بنو سنان

لو أنك تستضيء بهم أضاءوا

1 الرعثة بضم الراء القرط يعلق بشحمة الأذن، ولقب بشار بالمرعث لرعثة كانت له في صغره به، وذرت الشمس طلعت.

ص: 84

هم حلوا من الشرف المعلى

ومن حسب العشيرة حيث شاءوا

وهذه الضمائر الثلاثة إنما تدل على مقاماتها دلالة قاطعة، لا احتمال فيها، فلا ينافي ذلك أن الاسم الظاهر قد يؤتى به في مقام التكلم، كما يقال مثلا:"فاروق يأمرك بكذا" فإنه وإن جاز أن يقال هذا في مقام التكلم، على معنى: أنا آمرك بكذا بأن كان المتكلم هو فاروقا نفسه، لكن دلالته على هذا المقام ليست قاطعة لاحتمال أن يكون هذا الكلام إخبارا عن الملك فاروق بأنه يأمر بكذا، فيكون المقام للغيبة لا للتكلم، بخلاف نحو: أنا آمرك بكذا، أو هو يأمر بكذا فإنه نص في التكلم، أو الغيبة، على أننا لو راعينا أن في مدلول الضمير اختصارا ليس في الاسم الظاهر لخرج مثل القول المتقدم إذ صدر من فاروق نفسه، فإن الحديث هنا -وإن كان في مقام التكلم- لا اختصار فيه.

تنبيه:

وضعت المعارف على أن تستعمل في معين بالذات فالضمير، والعلم، والإشارة، والموصول، والمحلى بأل، والإضافة كل واحد من هؤلاء موضوع لأن يستعمل في شخص بعينه1، ومن جملة هذه المعارف ضمير الخطاب، فهو إذًا موضوع لأن يستعمل في معين خصوصا إذا علمنا أن معنى الخطاب توجيه الكلام إلى حاضر مشاهد -واحدًا كان أو أكثر2- وهو لا يكون إلا معينا كقولك تخاطب شخصا أمامك: أنت استرققتني بمعروفك، وقد يخرج الخطاب عن وضعه، فيخاطب:

1 قيل إن المعرف بلام العهد الذهني من جملة المعارف مع أنه لا يستعمل في معين، وأجيب أنه في حكم النكرة والكلام في معرفة ليست كذلك، وقد يجاب أن المعرف بلام العهد الذهني مستعمل في الجنس، وهو في نفسه معين وإن كان باعتبار وجوده في ضمن فرد ما غير معين، ولا يرد على الجواب الثاني النكرة بناء على أنها موضوعة للجنس لا للفرد الشائع؛ لأن تعين الجنس معتبر في المعرف بلام العهد الذهني غير معتبر في النكرة.

2 فضمير المخاطب بصيغة التثنية لاثنين معينين وبصيغة الجمع لجماعة معينة أو للجميع على سبيل الشمول كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" ، فإن الشمول الاستغراقي من قبيل التعيين.

ص: 85

1-

غير المشاهد إذا كان مستحضرا في القلب كأنه نصب العين كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، ونحو: لا إله إلا أنت، وما أشبه ذلك.

2-

غير المعين بأن يراد به مطلق مخاطب على طريق المجاز المرسل علاقته الإطلاق1، وذلك حيث أريد تعميم الخطاب أي: توجيهه إلى كل من يتأتى خطابه، لكن لا على سبيل التناول دفعة واحدة، بل على سبيل البدل أي: كل فرد من أفراد المخاطبين2 كما في قولك: "فلان لئيم إن أحسنت إليه أساء إليك"، فليس المراد بالضمير في قولك:"إن أحسنت" مخاطبا معينا كما في الأصل في الخطاب، وإنما أريد مطلق مخاطب على سبيل البدل أي: فرد من أفراد هذا المطلق إشارة إلى أن سوء معاملة اللئيم لا يختص به واحد دون آخر ومنه قول المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ، فليس المراد بقوله:{وَلَوْ تَرَى} مخاطبا معينا، وإنما أريد مطلق مخاطب على سبيل البدل إشارة إلى أن حالة المجرمين في ذلك اليوم من تنكيس الرءوس خوفا وخجلا، ومن رثاثة الهيئة، واسوداد الوجه، وغير ذلك من سمات الخزي والخذلان، قد تناهت في الظهور والافتضاح لأهل المحشر إلى حيث يمتنع خفاؤها فلا يختص بها راء دون راء، وإذ كان كذلك فلا يختص بهذا الخطاب مخاطب دون مخاطب، بل كل من تتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب، تلك هي نكتة العدول بالخطاب عن أصل وضعه.

1 ذلك لأن ضمير المخاطب موضوع بالوضع العام لكل معين فإذا لم يقصد به معين كان مجازا لاستعماله في غير ما وضع له.

2 وإنما كان عمومه بدليا لا شموليا للإشارة إلى أن الخطاب لم يخرج عن أصل وضعه من كل وجه حتى يكون كالنكرات في العموم بل يصاحبه الإفراد المناسب للتعيين.

ص: 86