الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكأن تحققه متوقف عليهما لهذا كان علم البيان بمنزلة المركب، وعلم المعاني منه بمثابة المفرد، وذلك هو وجه تقديمه عليه.
تعريفه: هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال1.
1 قيل: إن أحوال اللفظ العربي أخذت في تعريف علم المعاني فهو إذًا متوقف عليها، وهي لا تعرف إلا منه؛ لأنه الباحث عن أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال، فهي إذًا متوقفة عليه، ففي التعريف حينئذ دور، وأجيب بأن الجهة منفكة؛ لأن العلم متوقف عليها من حيث تصور ماهيته، وهي متوقفة عليه من حيث حصولها، وتحققها خارجا.
تحليل لهذا التعريف:
المراد بالعلم الملكة التي يقتدر بها على معرفة المسائل الجزئية التي تندرج تحت قواعد هذا الفن.
بيان ذلك: أن واضع هذا الفن تتبع كلام العرب فوجدهم يؤكدون القول لمنكر الحكم، فيقولون:"إن حسانا لشاعر، وإن زيادا لخطيب، وإن عليا لشجاع"، فاستنبط من تتبع هذه الجزئيات قاعدة عامة هي: كل كلام يلقى للمنكر يجب توكيده، ووجدهم يرسلون القول خلوا من التأكيد إذا خاطبوا خالي الذهن، فيقولون:"حسان شاعر، وزياد خطيب، وعلي شجاع" فاستخلص من ذلك أصلا عاما هو: "كل كلام يلقى لخالي الذهن يجب خلوه من التأكيد، وهكذا استقصى أساليبهم، فاستخرج منها قواعد الفن وأصوله، وفيها تندرج مسائله وقضاياه الجزئية.
وبممارسة هذه القواعد والأصول ومزاولتها تتربى في النفس ملكة، وهي قوة راسخة في النفس يتمكن بها الإنسان متى شاء من استحضار جزئيات هذا الفن، فإذا خاطبت منكرا لحكم من الأحكام كشاعرية حافظ مثلا استطعت بهذه الملكة الناشئة من ممارسة تلك القواعد أن تستخرج الجزئي المندرج تحت القاعدة القائلة: كل كلام يراد إلقاؤه إلى منكر يجب
توكيده، وذلك الجزئي هو: أن هذا الكلام الخاص المراد إلقاؤه إلى منكر معين يجب توكيده1، فيقال:"إن حافظا لشاعر"، وتلك الملكة هي "العلم" على هذا الرأي.
ويجوز أن يراد بالعلم القواعد والأصول، فيكون العلم حينئذ بمعنى المعلوم2، قال بعضهم: وهو أولى؛ لأن الكثير الشائع في استعمالاتهم إطلاق العلم على الأصول والقواعد؛ ولأنه لا يحوج إلى ارتكاب استخدام3 في قولهم: "وينحصر في ثمانية أبواب" إذ المنحصر في الأبواب الثمانية هو القواعد والأصول ولا معنى لانحصار الملكة فيها؛ لأنها -كما سبق- قوة قائمة بالنفس، والاستخدام خلاف الأصل، غير أن المشهور في العرف استعمال العلم في الملكة القائمة بالنفس، ولذلك رجحوه على استعماله بمعنى القواعد، وقد صرح بذلك العلامة عبد الحكيم.
ومعنى "يعرف به": يستخرج به إن جرينا على أن المراد بالعلم الملكة، والباء حينئذ للسببية أي: يستخرج بسبب الملكة المسائل الجزئية، وإن جرينا على أن المراد بالعلم: القواعد والأصول كان المعنى يستخرج منه؛ لأن القواعد هي التي تستخرج منها تلك المسائل الجزئية.
والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة له من التأكيد، والتعريف، والتنكير والتقديم، والتأخير، والذكر، والحذف، وغير ذلك فهي إذًا أوصاف فقط.
1 يعلم من هذا أن الجزئيات المستخرجة من القواعد بالملكة هي القضايا ذات الموضوعات الجزئية كقولهم: هذا الكلام المراد القاؤه لهذا المنكر يجب توكيده، وهذا الكلام المراد إلقاؤه لهذا المنكر يجب توكيده، وهذا الكلام المراد إلقاؤه لهذا المريض
يجب إيجازه، وهذا الكلام المراد إلقاؤه لهذا الممدوح يجب إطنابه. وهذه القضايا الجزئية غير أحوال
اللفظ المراد معرفتها بالعلم المفسر بالملكة كالتأكيد، أو الإيجاز، أو الإطناب الواقع في الكلام الموجه للمخاطب- ويجاب بأن معرفة جزئيات القواعد وسيلة لمعرفة أحوال اللفظ، فمعرفة أن هذا الكلام الملقى إلى هذا المنكر يجب توكيده مؤدية إلى معرفة أن هذا التأكيد مناسب لهذا الإنكار وهكذا.
2 ولا يضر حينئذ استعمال المشترك في التعريف لصحة إرادة كل من معنييه، ومحل المنع إذا لم تصح إرادة ذلك، ولا يصح إطلاق العلم على الإدراك لفساد المعنى حينئذ إذ إن الإدراك لا يدرك به.
3 هو ذكر اللفظ بمعنى وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر.
أما الحال في قولنا: "مقتضى الحال" فالمراد بها: الأمر الداعي؛ لأن يعتبر المتكلم في كلامه خصوصية ما "كالإنكار" مثلا فإنه حال للمخاطب تدعو المتكلم إلى أن يسم كلامه بسمة خاصة هي التأكيد محوا لهذا الإنكار، و"كالذكاء" فإنه حال للمخاطب تدعو المتكلم إلى أن يحذف في كلامه اعتمادا على هذا الذكاء وهكذا.. فالحال هنا حينئذ وصف للمخاطب بخلاف الحال هناك.
ومقتضى الحال على التحقيق: هو الكلام الكلي الموسوم بطابع خاص كالكلام المطلق المؤكد، أو المحذوف منه، أو المطنب، أو نحو ذلك فالإنكار مثلا حال للمخاطب، وهذه الحال إنما تقتضي مطلق كلام مؤكد بأي طريق من طرق التأكيد، والذكاء حال له تقتضي مطلق كلام محذوف منه، والغباوة حال تقتضي مطلق كلام لا حذف فيه وهكذا
…
فمقتضى الحال إذًا هو الكلام المكيف بكيفية خاصة غير منظور فيه إلى تعبير خاص.
واللفظ المطابق له: هو تلك العبارة الخاصة الصادرة من المتكلم إلى المخاطب مشتملة على تأكيد، أو حذف، أو غيرهما من سائر الأحوال.
ومعنى مطابقة هذا اللفظ لمقتضى الحال: اندراجه فيه، وصيرورته فردا من أفراده أي: إن هذا اللفظ الخاص الصادر من المتكلم بسبب اشتماله على حال خاصة طابق الكلام الكلي، الذي هو مقتضى الحال بمعنى: أنه اندرج تحته، وصار أحد أفراده، فقولك للمنكر مثلا:"إن زيادا لخطيب" لفظ مشتمل على حال هي التأكيد، وبسبب اشتماله على هذا التأكيد طابق مقتضى الحال الذي هو مطلق كلام مؤكد بمعنى: أنه اندرج في هذا المطلق، وصار جزئيا من جزئياته.
أما ما قيل من أن مقتضى الحال هو تلك الصفات من التأكيد، والتقديم، والتأخير، وغيرها فغير صحيح إذ لا يستقيم حينئذ أنها أحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال؛ لأنها هي بعينها مقتضى الحال، فيلزم عليه اتحاد المطابق -بفتح الباء- الذي هو مقتضى الحال، والمطابق بسببه الذي هو حال اللفظ، فحال اللفظ في نحو:"إن محمدا قائم" للمنكر هو التأكيد، وقد طابق