الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(2-1)
أنواع صلوات التطوع
التطوع نوعان:
الأول: التطوع المطلق، وهو الذي لم يأت فيه الشارع بحد.
فمثلاً: صدقة التطوع لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت، ولو نصف تمرة، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى.
ولكن في هذا التطوع المطلق ينبغي أن لا يداوم عليه مداومة السنن الراتبة، وأن لا يؤدي إلى بدعة أو مشابهة أهلها.
الثاني: التطوع المقيد، وهو ما جاء له حد في الشرع.
فمثلاً: من أراد أن يأتي بسنة الفجر الراتبة؛ لا يتحقق منه الإتيان بها إلا بركعتين قبل صلاة الفجر بعد دخول وقتها بنية راتبة الفجر، وكذا مثلاً: من أراد أن يصلي صلاة الكسوف؛ لا تتحقق صلاته إلا بالصفة المشروعة، وكذا صلاة العيدين
…
وغيرها من السنن التي جاء الشرع لها بوصف معين.
وموضوع هذه الرسالة هو: النوع الثاني من التطوع؛ أعني: التطوع المقيد.
(3-1)
فضل صلوات التطوع
وردت في فضل صلوات التطوع أحاديث كثيرة؛ منها:
أ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم (1) الصلاة". قال: " يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي؛ أتمها أم نقصها (2) ؟
فإن كانت
(1) أي: المتعلقة بحق الله تعالى. " دليل الفالحين"(3/580) .
(2)
قال ابن العربي في " عارضة الأحوذي"(2/207) : "يحتمل أن يكون يكمل له ما نقص من فرض الصلاة واعدادها بفضل التطوع، ويحتمل ما نقصه من الخشوع.
والأول عندي أظهر؛ لقوله: " ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال"، وليس في الزكاة إلا فرض أو فضل؛ فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها، كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع ووعده أنفذ وعزمه أعم وأتم" اهـ
قال العراقي فيما نقله عنه في "تحفة الأحوذي"(1/318) : " يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله فيها، وإنما فعله في التطوع.
ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضاً من فروضها وشروطها.
ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأساً، فلم يصله، فيعوض عنه من التطوع، والله سبحانه وتعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلوات المفروضة ". اهـ.
تامة؛ كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً، قال: انظروا؛ هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع؛ قال: أتمموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. (1)
والحديث فيه بيان حكمة من حكم مشروعية صلوات التطوع.
ب) عن ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي؛ قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي:"سل". فقلت: أسألك مرافقتك في
(1) حديث صحيح لغيره.
أخرجه أحمد في "المسند"(2/290) ، وابن المبارك في "الزهد"(915) ، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"، حديث رقم 864/1 / 322-عون) واللفظ له، والنسائي في (كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة، (1/232) ، والترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، حديث رقم 413، 1/318 – تحفة) وقال الترمذي: " حسن غريب من هذا الوجه"، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/262)، وقال:"صحيح الإسناد".
والحديث حسنه البغوي في " شرح السنة"(4/159) ، وصححه محقق "شرح السنة" وكذا صححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه"(1/240) ، وفي " صحيح سنن الترمذي"(1/130) ، وفي "صحيح سنن النسائي"(1/101) ، وفي "صحيح سنن أبي داود"(1/163) .
الجنة. قال: " أو غير ذلك؟ ". قلت: هو ذاك! قال: " فأعني على نفسك بكثرة السجود". أخرجه مسلم وأصحاب السنن (1) .
ج) عن معدان بن أبي طلحة اليعمري؛ قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة (أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله) ؟ فسكت، ثم سألته؟ فسكت، ثم سألته الثالثة؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " عليك بكثرة السجود لله (2) ؛ فإنك لا
(1) حديث صحيح.
أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(106و 1236) ، وأخرجه مسلم في "صحيحه"(كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، حديث رقم 489) واللفظ له، والنسائي في (كتاب الإمامة، باب فضل السجود، 2/227) ، والترمذي في (أبواب الدعوات، باب منه، ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل، حديث رقم 3416، 4/234- تحفة) مقتصراً على طرف منه دون محل الشاهد، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث رقم 1320، 1/507-عون) ، وابن ماجه في (كتاب الدعاء، باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل، 3879) أخرج طرفاً منه دون محل الشاهد.
وليس لربيعة بن كعب في الكتب الستة سوى هذا الحديث. انظر: "تحفة الأشراف"(3/168) .
(2)
المراد بالسجود هنا: صلوات التطوع؛ لأن السجود بغير صلاة أو لغير سبب، غير مرغب فيه على انفراده. والسجود وإن كان يصدق على الفرض، لكن الإتيان بالفرائض لابد منه لكل مسلم، وإنما أرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى شيء يختص به ينال به ما طلبه.
ولذلك أورد ابن حجر العسقلاني حديث ربيعة بن مالك في باب صلاة التطوع من "بلوغ المرام"(2/3-سبل) .
فإن قلت: ما السر في التعبير عن الركعة بالسجود؟
فالجواب: لأن السجود أكثر أعمال الصلاة تحققاً في العبودية لله عز وجل؛ فهو كاسر للنفس، ومذل لها، وفيه يتحقق معنى من معاني العبودية؛ وهو: الخضوع، حيث حقيقة العبادة تمام المحبة لله مع تمام الخضوع له، وأي نفس انكسرت وذلت لله عز وجل؛ استحقت الرحمة، ولما ورد في السجود عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛
ص 16
فأكثروا الدعاء" أخرجه مسلم في (كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، حديث رقم 482) .
تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة". قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته؟ فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. (1) .
والحديثان يدلان على فضيلة الإكثار من صلوات التطوع.
(1) حديث صحيح.
أخرجه مسلم في (كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، حديث رقم 488) واللفظ له، والنسائي في (كتاب الإمامة، باب ثواب من سجد لله عز وجل سجدة، 2/228) ، وابن ماجه في (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في كثرة السجود، حديث رقم 1423) ، والترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود، حديث رقم 388، 1/300 – تحفة) .
تنبيه: هذا الحديث عزاه المباركفوري في "تحفة الأحوذي"(1/300) لأبي داود ولم أجده، ولم يعزه إليه في "تحفة الأشراف"(2/140) ، وكذا لم يشر في "ذخائر المواريث" إلى أبي داود فيمن أخرجه.