الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله
(1)
(2)
(3)
.
(4)
وبعد،
فبدايةً علينا أن نفهم ونعي أن القرآن الكريم أُنزل رحمةً للعالمين، بمعنى أنه لم ينزل لطائفة معينة، ولكن للجميع، يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ
(1)
خطبة الحاجة للإمام الألباني يرحمه الله ص (6).
(2)
سورة آل عمران الآية (102).
(3)
سورة النساء الآية (1).
(4)
سورة الأحزاب، الآيتان (71، 70).
نُورًا مُبِينًا (174)}
(1)
يقول الإمام ابن كثير يرحمه الله: (مخاطباً جميع الناس)
(2)
، فلفظ الناس هو من الألفاظ العامة في القرآن الكريم في الأصل.
إن هذا الكتاب الذي بين يديك محاولة لتسليط الضوء على بعض الفوائد المستنبطة من آيات كتاب الله الحكيم، وجدتها بعد تدبر وتفكر من مجتهد مقصر، ولكنه أحب القرآن
والهدف من تأليفه وكأنه درس يتعلم فيه لمعنى التدبر وكيفية الوصول لهذه المرحلة، أكثر من أنه كتاب يسترسل لكثير من الفوائد.
وجعلت أكبر همي أن أسلط الضوء على علم المناسبات
(3)
بين السور والآيات، وأن يكون هذا الربط واضحًا جليًّا للقارئ مفهومًا له، متوسعًا فيه
…
فلماذا؟ هذه الآية جاءت بعد تلك، ولماذا الآية تلك أتت بعد الآية التي سبقتها؟
وسبب اهتمامي بهذا العلم، لأنه يعطي انطباعًا للمتدبر ــ ولا أقول للقارئ ــ لتسلسل مواضيع القرآن الكريم،
(1)
سورة النساء
(2)
تفسيره (2/ 481).
(3)
علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن، (نظم الدرر للبقاعي 1/ 6).
وترابط آياته، مما يجعل الإنسان يتشوق لدراسته، وتتبع مناسباته، والاجتهاد في معرفة معنى الآيات، فيزداد حبه لهذا الكتاب العظيم، فيكون لديه الشغف لمعرفة المزيد، بل ولا يسأم من ذلك بتاتًا، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه:(أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري)
(1)
.
وكتاب الله جميعه كأنه آية واحدة هي شريعة الله
(2)
من التصاقه ببعضه، والقراءة العادية ــ مع أهميتها ــ لا توصل للهدف المنشود، وقد اهتم السابقون جل الاهتمام بعلم المناسبات، وألفوا فيه المؤلفات؛ قال بعضهم عنه: إنَّ حَقًّا على الْمُفَسّر أَن يتطلب مناسبات لمواقع الْآيَات، مَا وجد إِلَى ذَلِك سَبِيلًا
(3)
.
ويقول الرازي يرحمه الله: (إني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منبهين لهذه الأسرار)
(4)
.
ويقول أيضًا: أكثر لطائف القرآن مودَعة في الترتيبات والروابط
(5)
.
(1)
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، للأرناؤوط (3/ 253).
(2)
انظر كتاب التفسير القرآني للقرآن المؤلف: عبدالكريم يونس الخطيب
(3)
الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (1/ 81)، وانظر البرهان (1/ 35)، والإتقان (2/ 138).
(4)
التفسير الكبير (7/ 106).
(5)
التفسير الكبير (10/ 110).
وقال الزركشي: واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول
(3)
.
وقال البقاعي مبينًا فائدة جليلة من فوائد معرفة هذا العلم: "وبهذا العلم: يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب"
(4)
.
ولا أحدثكم عن كم السعادة والفائدة التي جنيتها بتدبر كتاب الله، ويا لها من تجربة فريدة ونادرة، راجيًا من الله أن يكون لكل مسلم نصيب منها.
وما أجمل ذلك الشعور الذي أشعر به وهو أنه العظيم الكريم الرحمن الرحيم منزل القرآن عندما نعلم أنه لا يحرمنا من هذا الكتاب العظيم بتقصيرنا ومعاصينا وبُعدنا، بل وييسر لنا قراءته ودراسته فله الحمد والمنة، فأبوابه مفتوحة للسائلين.
واستقيت منهجي ممن سبقني من أهل العلم والمعرفة من قواعدهم وفوائدهم.
(3)
البرهان (1/ 35).
(4)
نظم الدرر (1/ 8).
ومن الطرق التي سلطت عليها الضوء في هذا الكتاب طريقة التدبر في المسألة المشار إليها، فما هي الفوائد التي سوف تستنبط من المشار إليه في الآيات؟ ، وفي نفس الوقت ما هي الفوائد التي تستنبط من توجيه الخطاب للقارئ أو السامع (المخاطب)؟ فإن شأن التدبر كبير، وقواعده كثيرة في كتاب الله العظيم، وبينَّا هذا في الوقف على قوله تعالى:(ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وما قبله في فوائد من البسملة في بداية الكتاب.
والوقفات التي في مؤلفي هذا، عبارة عن لطائف قصيرة وخفيفة، إلا في بعض المواضع، فآثرت فيها البسط والتوسع لأهميتها ولندرة الفائدة فيها.
وتدبر القرآن متشعب جدًّا، ولا يظن الظان أن آيات الكافرين هي للكافرين فقط، وآيات المنافقين هي للمنافقين فقط، بل إن المؤمنين معنيون ببعض الآيات حتى تكون لهم تحذيرًا وتنبيهًا، والنظر في عبر من كان قبلهم.
وهناك ما لفت نظري وانتباهي ألا وهو موضوع الرؤية القلبية في سورة البقرة فاستطردت فيه أتأمل سِيَّمَا أنني لم أجد من يتكلم عنه من قبل كما ذكرته ــ ولا أدعي الكمال ــ ولكن هي نظرة
متأمل في كتاب الله فأفردت له فصلًا لعله يفي ببعض ما أريد .. ولعله نقطة انطلاقة لدارس آخر يفتح الله عليه ما لم يفتح لعباده من قبل، فسبحانه له الفضل والمنة.
وسوف تلاحظ ــ أخي القارئ ــ في هذا الكتاب الذي أسأل الله أن يجعله مباركًا أنني قد أطلتُ في شرح المقدمات للسور والرابط بين الفاتحة والبقرة وليس هذا في باقي فصوله.
وكوني آتي بالجديد في مؤلفاتي لا يعني هذا أنني لا أقنع برأي علماء التفسير الأجلاء، ولكن لدي قناعة قوية أنه كان لديهم الكثير الذي أرادوا كتابته والإبحار فيه لكن الأعمار تفنى ولا تفنى الفوائد من كتاب الله العلي العظيم سبحانه، وقناعة مني بأن المفسرين الأوائل لولا الله ثم هم لما توصلنا لأقل الفوائد، ولكن لعلهم كثفوا جهدهم للتأسيس والتأصيل، وبالكاد يكفي العمر لمثل هذا، وها هم رحلوا عن الدنيا وهم
…
ما زالوا يتمنون أنهم بذلوا أكثر من جهدهم، هذا رغم أنهم لا يستطيعون، وهذ معروف عن السلف يرحمهم الله، قال عبدالرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا
(1)
.
(1)
سير أعلام النبلاء (7/ 447).
ولا أفسر كل آية؛ فتجدني أقف بعض الوقفات التي فتح الله عليَّ بها بفضله ومنه وكرمه.
وإن محاولتي لمعرفة معنى أو تفسير آية لا يعني هذا أنني انتهيت من تفسيرها ومعرفة كيانها، ولكن لعلي اقتربت أكثر من معناها لأن القرآن لا تنفد معانيه
…
لماذا كل هذا؟
الراحة والانبساط، مما يحصل للبعض عندما ينتقل من مكان لآخر أو من بلد لآخر يظن أنه غادر من عالمه إلى عالم آخر.
وهذا الأمر غير صحيح وترجمة ما حصل آنفًا، هو أنك انتقلت من مكان إلى آخر في نفس العالم الذي تعيش فيه، عالم الحياة والواقع، بينما أن الراحة والسعادة الحقيقية هي ليست في عالمنا إطلاقًا فهذه الحياة جبلت على الكدر مهما حصل.
إن خروجك الحقيقي من هذا العالم هو الراحة الحقيقة
…
كيف أخرج من هذا العالم؟
هناك عوالم كثيرة
(1)
حولنا
…
منها ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ عالم القرآن؛ فالقرآن كتاب منزل من السماء، فهو
(1)
انظر تفسير ابن كثير (1/ 133).
منزل من عالم آخر ليس من عالمنا عالم الأرض
…
لذلك إذا عشنا مع القرآن ندخل في عالمه ونخرج من عالمنا حقيقة
…
فإذا تدبرناه وكأننا لا ندرك ما حولنا لأننا أصبحنا في عالمه.
وأذكِّر إخواني وأحبابي القراء الكرام بأن كتاب الله هو الكتاب الوحيد الذي سيكون معنا في الآخرة من الكتب التي كانت معنا في الدنيا: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها)
(1)
.
وكلما حاولت أن أُشبع الموضوع من أكثر من جانب لا أستطيع فأعجز عجزًا شديدًا لأن كتاب الله لا تنتهي عجائبه، فالوقوف مع الآيات على ما يتطلب من علم له علاقة وطيدة بالفتح الرباني النابع من التأصيل الصحيح على منهج النبوة، وهناك أمور كثيرة في الوحي مهما درسناها وفكرنا فيها سيكون فيها جانب خفي عنا، وهذا من خصائص شريعتنا السمحة.
وكما تجدون أن المفسرين في أحايين كثيرة يسرد أحدهم أكثر ممن سبقه في تفصيل الآيات، وهكذا، وكل هذا
(1)
مسند الإمام أحمد، شعيب الأرناؤوط يرحمهما الله (11/ 44).
حتى نتيقن أن تفسير القرآن يحتاج للنظرة الروحية مع العلمية، وليست العلمية فقط، فكم من مفسرٍ كان في كلامه نفحات إيمانية من الصعب قياسها على علمٍ نظري، إلا أنه كان لديه من التجليات والإيمانيات مما فتح الله به عليه.