المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌التمهيد لهذا البحث - تأملات في السور والآيات

[أحمد قشوع]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الفصل الأولبين البسملة وفاتحة الكتاب

- ‌البسملةأول آية في القرآن الكريم

- ‌المبحث الأولالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)

- ‌المطلب الأول: بسم الله

- ‌توضيح ميسر

- ‌المطلب الثاني: ماذا تعنيه (بسم الله) (درس عملي)

- ‌المبحث الثاني (الاسمان الرفيقان)

- ‌المطلب الأول: الرحمة مع أعظم رب في الوجود

- ‌المطلب الثاني: (درس عملي)؛ (الرحمن الرحيم)

- ‌المطلب الثالث:البسملة قاعدة من قواعد الاتزان في الحياة

- ‌المبحث الثالثمناسبة البسملة والرحمةفي سورة الفاتحة مع الهداية

- ‌المبحث الرابعصور من رحمات الله

- ‌المبحث الخامسبين البسملة والفاتحة آية عظيمةفي بداية سورة عظيمة

- ‌المبحث السادسحمدُ الله على رحمته

- ‌الفصل الثانيما بين سورتي الفاتحة والبقرة

- ‌المبحث الأول(أواخر سورة الفاتحة وما تشير إليه)ما المقصود بالمغضوب عليهم والضالين، وما هو سبب وصفهم بهاتين الصفتين

- ‌المبحث الثانيمقدمة سورة البقرة وما تشير إليهوالربط بينها وبين الفاتحة

- ‌تمهيد للمبحث:

- ‌المبحث الثالث قوله تعالى:[ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين]وما تشير إليه، ومَن المخاطب من تلك الإشارة؟وما المناسبة في ذلك مع سورة الفاتحة

- ‌المبحث الرابعطريق الحق وطريق الباطلبين سورتي الفاتحة والبقرة

- ‌الفصل الثالثنظرية الرؤية القلبيةفي سورة البقرة

- ‌المبحث الأولمدخل إلى موضوع الفصلتأصيل الرؤية القلبية

- ‌المبحث الثانيشرح مصطلحات الفصل

- ‌التمهيد لهذا البحث

- ‌أهمية الرؤية القلبية

- ‌لماذا ندرس هذه الآيات

- ‌المبحث الثالثوقفات مع آيات الرؤية القلبيةفي سورة البقرة

- ‌المطلب الأول الموطن الأول:

- ‌قياس ذلك على الرؤية القلبية

- ‌المطلب الثاني الموطن الثاني: أيضًا في بني إسرائيل وجاءت في موضع آخر بعد الموضع الأول بآيتين

- ‌نتيجة الرؤية القلبية واستعمالها:

- ‌المطلب الثالث الموطن الثالث:

- ‌وهناك موطن رابع في الآية التي تليها

- ‌الخرائط الذهنية

- ‌الخاتمة

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌التمهيد لهذا البحث

‌التمهيد لهذا البحث

ص: 117

لنا في هذا المبحث عدة وقفات:

الوقفة الأولى: أن القرآن الكريم عمومًا

(1)

، وسورة البقرة خصوصًا، اشتملت على كثيرٍ من الفوائد، والعلوم العامة والخاصة، فكان من الأمور التي اهتمت بها، فقه القلوب ووظائفها، وأنواعها وتفاصيلها، بل وجعل أنواع القلوب مقياسًا لأصناف البشر

(2)

، والذي هو ركن من أركان الإيمان

(3)

.

وما كان هذا المبحث إلا جزءًا يسيرًا جدًّا، من اهتمام تلك السورة العظيمة بموضوع القلوب.

على سبيل المثال، لو نظرنا إلى الآيات التي في بداية السورة الكريمة، سوف نجدها تتكلم عن أعظم أعمال القلوب، وهو اليقين

(4)

، يقول تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى

(1)

انظر الضوء المنير على التفسير (1/ 143).

(2)

بمعنى قلب مختوم عليه، قلب منافق وكافر، قلب أغبش، قلب عاصي، قلب منير، قلب مؤمن، وهكذا، علمًا أن هذه الأصناف، حتى يقيس الإنسان بها نفسه أولًا.

(3)

الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق العلامة الألباني يرحمه الله (322).

(4)

واليقين أعلى درجات الإيمان (حاشية الكتاب)، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين يرحمه الله (2/ 78).

ص: 119

لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)}.

هذا غير الاهتمام بالقلوب وأنواعها بين طيات السورة الكريمة، فقد جاء في قوله تعالى في آيات كريمات تذكر في طياتها القلوب وأعمالها والحديث عنها:

1 ـ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} قلوب مختومة.

2.

{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)} قلوب مريضة.

وكما أنه جاء الاهتمام بالقلب في هذه السورة العظيمة سورة البقرة، فقد ذكر من ضمن هذه الاهتمامات أمور متعلقة بالقلب وأسراره أيضًا، ومن وهذه الأمور الرؤية القلبية.

الوقفة الثانية: أن هناك أمورًا اختص الله بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل موضوع الرؤية القلبية، والتي جاءت في أكثر من آية في القرآن الكريم، منها آيات في سورة البقرة، كما جاء ذلك أيضًا في سورٍ أخرى، وفسرها المفسرون بـ ألم تر بقلبك يا محمد (يعني الرؤية هنا رؤية قلبية).

ص: 120

والله جل وعلا وتقدس كما أنه وهب نبيه الرؤية القلبية -بدلالة الآيات السابقة- كذلك وهب أمته جزءاً يسيراً مما اختص به نبيهم ورسولهم صلى الله عليه وسلم

(1)

، وهذا المغزى من الاستشهاد بهذه الآية، إذ إن الأمر توجيه لأمته صلى الله عليه وسلم أيضًا.

مثالًا على ذلك:

النبوة التي كلف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، نجد أنه يقابلها جزء متجزئ لأمته ونصيب منها، والمتمثلة بالرؤيا الصالحة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، في معرفة الأمور الغيبية

(2)

، وبالطبع وكما هو معلوم الدين بالضرورة، أن هذا لا يدخل فيه الأحكام بتاتًا

(3)

.

(1)

على سبيل المثال ما قاله ابن عاشور يرحمه الله في تفسيره قوله تعالى سورة الانعام {يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا

قَرْنًا} (والرؤية يجوز أن تكون قلبية) التحرير والتنوير (7/ 137).

(2)

عند مسلم (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) حديث رقم [2263]، ويقول الحافظ ابن حجر يرحمه الله في كلامه عن الاهتمام بالرؤيا:(لما تشتمل عليه من الاطلاع على بعض الغيب وأسرار الكائنات) فتح الباري (12/ 437).

(3)

يقول الإمام ابن حزم يرحمه الله في كتابه المحلى: (الشرائع لا تُؤْخَذ بالمنامات)(ص/650)، وانظر فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله، للشويعر (2/ 385).

ص: 121

وأيضًا هي جزء من الوحي

(1)

، فلعل الأمر في الرؤية القلبية المذكورة في الآيات، في سورة البقرة، تلميح أن أمته لها نصيبٌ من تلك الرؤية القلبية التي وهبها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، كما أن ذلك في الرؤيا الصالحة والتي دلت عليها أحاديث كثيرة، أنها جزء من النبوة، وحديث:(لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة)

(2)

يبين ذلك.

فسميت نبوة، مع أن من يراها هو من أمته صلى الله عليه وسلم في الأغلب

(3)

.

وأن من أقسام الخطاب في القرآن الكريم

(4)

، ما هو لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو لأمته عليه السلام، والآية التي تذكر بين جنبيها موضوع الرؤية القلبية في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي

(1)

يقول الإمام القرطبي يرحمه الله في موضوع الرؤيا: (المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء، فأُكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وهو الاطلاع على الغيب

الخ، فتح الباري (12/ 362).

(2)

صحيح البخاري (9/ 31) حديث رقم [6990].

(3)

ومن رآها وهو غير مؤمن، فهي تزكية للرؤى وليس للرائي، وهي أيضًا، أن رحمة الله تعم الجميع فمن الممكن أن يراها.

(4)

نقل كلام ابن الجوزي يرحمه الله من كتابه (النفيس) أكثر من ثلاثين نوع، ومنها خطاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، النفيس كتاب مفقود، ولكن نقل عنه السيوطي يرحمه الله في الإتقان فهو المرجع (3/ 109)، وانظر تفسير جزء عمّ، للعلامة ابن عثيمين يرحمه الله (ص 156).

ص: 122

إِسْرَائِيلَ (246)} واضحٌ فيها، أن السياق، سياق له ولأمته صلى الله عليه وسلم، ويتأكد هذا إذا نظرنا للآيات السابقة واللاحقة، ويتأكد أكثر أن السرد فيه قصص من الماضي الذي حدث، ولم يشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم هي كثيرة تلك القصص التي لم يعِشها الرسول صلى الله عليه وسلم زمنيًّا، ولكنه عاشها وجدانيًّا، يقول الرازي: إنه تعالى وتقدس يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الاعتبار للسامع، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد، ومزيد الخضوع والانقياد فقال:

(ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم)

(1)

، مثال آخر، قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ (1)}

(2)

، فالخطاب عام مع الكل على وجهٍ يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأمة، وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم في أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له

(3)

.

ويقول الرازي: (هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه، كقوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن

(1)

مفاتيح الغيب (6/ 495)، وانظر تفسير النيسابوري (1/ 660).

(2)

سورة الطلاق.

(3)

الأحكام للآمدي (2/ 262).

ص: 123

لعدتهن)

(1)

، وهذا مثال فقط، وإلا فالموضوع له كتبه المتخصصة.

الوقفة الثالثة: أن سورة البقرة ذكرت أنواع الرؤية القلبية بين طياتها، ومنها الرؤى المنامية، وهذا في قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ

يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)} يستحيي نساءكم، ما هو سبب هذا الفعل؟ هو بسبب رؤيا رآها فرعون، ذُكرت في كتب التاريخ.

ذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناسٍ من الصحابة رضي الله عنهم: أن فرعون رأى في منامه، كأن نارًا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر، وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحزأة والسحرة وسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك

(1)

مفاتيح الغيب (6/ 495)، وانظر تفسير الشيخ ابن عثيمين

يرحمه الله لسورة البقرة (3/ 205)، وانظر أيضًا تفسيره جزء عمّ (219).

ص: 124

أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان. انتهى كلامه

(1)

.

ومن الرؤية القلبية أيضًا الاستخارة، فهي من النفل، وقد جاء ذكرها متضمنًا في قوله تعالى:(يقيمون الصلاة)، يقول الإمام ابن عاشور:(أي الذين يقيمون الصلوات الخمس المفروضة ويتقربون بالنوافل)، والاستخارة من النوافل

(2)

، وهي من أدوات الرؤية القلبية، وبذلك يتضح أن سورة البقرة، اشتملت على أنواع من الرؤية القلبية.

الوقفة الرابعة: أن الرؤية القلبية تحتاج إلى درجة كبيرة من الإيمان، لذلك جاء ذكر المتقين في بداية سورة البقرة، والتقوى من الأعمال القلبية.

الوقفة الخامسة: أن الأعمال تقسم إلى أعمال قلوب، وأعمال جوارح، ويقاس ذلك أيضًا، على أقسام الرؤية، فهي رؤية قلبية، ورؤية جوارح بالعين المجردة.

(1)

تفسير البغوي (1/ 91)، ومضة، وهذا تبعات سؤال من لا يفقه في تفسير الأحلام، يجعلون الرؤيا حلم، والحلم رؤيا ويخلطون بين الأمور.

(2)

التحرير والتنوير (6/ 240).

ص: 125