الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول
في استحبابِ طَلبِ الوَلدِ
قال الله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة/187]، فَرَوَى شُعْبَةُ عن الحَكَمِ عن مُجاهِدٍ، قال: هو الولد
(1)
.
وقالَه الحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ البصْريُّ، والسُّدّيّ، والضّحَّاكُ
(2)
.
وأرفع ما فيه: ما رواه محمَّدُ بنُ سعدٍ عن أبيه: حدّثني عمِّي قال: حدّثني أَبي عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: هو الوَلدُ
(3)
.
وقال ابنُ زيدٍ: هو الجِمَاعُ
(4)
.
وقال قَتَادَة: ابْتَغُوا الرُّخْصةَ التي كتبَ اللهُ لكم
(5)
.
وعن ابن عبَّاس روايةٌ أخرى، قال: ليلة القدر
(6)
.
(1)
انظر: تفسير مجاهد:1/ 97، وأخرجه عنه أيضًا: الطبري: 3/ 244، وسعيد بن منصور:2/ 697، والثوري في التفسير، ص 58، والبغوي في التفسير: 1/ 207.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 3/ 245 ـ 247، وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 317، والدر المنثور: 2/ 280، وتفسير البغوي: 1/ 207.
(3)
أخرجه الطبري: 3/ 245، وابن أبي حاتم: 1/ 317. وانظر: الدر المنثور: 2/ 280.
(4)
أخرجه الطبري: 3/ 246، وابن أبي حاتم: 1/ 317.
(5)
أخرجه الطبري: 3/ 247، وعبد الرزاق في التفسير: 1/ 71، والبغوي: 1/ 207.
(6)
أخرجه الطبري: 3/ 246، والإمام أحمد في العلل: 1/ 412، وابن أبي حاتم: 1/ 317، وعزاه في الدر المنثور 2/ 280 لابن المنذر.
والتحقيقُ أنْ يُقال: لما خفَّف اللهُ عن الأُمَّة بإباحةِ الجماع ليلةَ الصَّوْمِ إلى طُلوعِ الفجرِ، وكان المُجامِعُ يَغْلبُ عليهِ حُكْمُ الشّهوةِ، وقضاءُ الوَطَرِ حتى لا يكادُ يخطُر بقلبهِ غيرُ ذلك، أَرْشَدَهُمْ ـ سبحانه ـ إلى أنْ يَطلُبوا رِضَاهُ في مثلِ هذه اللَّذةِ، ولا يُبَاشِرُوهَا بِحُكْمِ مجرَّدِ الشهوةِ، بل يَبْتَغُوا
(1)
بها ما كَتبَ اللهُ لهم من الأَجْرِ والوَلَدِ الذي يَخرُجُ من أصْلابِهم يَعْبُدُ اللهَ لا يُشْركُ به شيئًا، ويبتغوا
(2)
ما أباحَ اللهُ لهم من الرُّخْصةِ بحُكْمِ محبَّته لقَبولِ رُخَصِهِ
(3)
، فإنَّ اللهَ يحبُّ أن يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كما يَكْرَهُ أَنْ تُؤتَى مَعْصِيَتُهُ
(4)
، ومما كَتَبَ اللهُ لهم
(5)
: ليلة القدرِ،
(1)
في "ج": يبتغون.
(2)
في "ج": يبتغون.
(3)
في "أ": رخصته.
(4)
أخرج الإمام أحمد في "المسند": 2/ 108 وفي طبعة الرسالة:10/ 107، عن ابن عُمَر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يُحبُّ أَنْ تُؤتَى رُخصُهُ كما يَكره أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيتُه". وهو حديث صحيح، وقد روي من حديث جماعة من الصحابة، فأخرجه: ابن حبان في صحيحه برقم (2742 و 3568) وفي الثقات: 7/ 186، والبيهقي: 3/ 140، والطبراني في الكبير:10/ 30 و 11/ 323. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 162: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن".
(5)
في (أ، ب، ج): كُتِب لهم.
فأُمِرُوا
(1)
أن يَبْتغُوهَا.
لكنْ يبقَى أن يُقال: فما تعلُّق ذلك بإباحةِ مُبَاشَرةِ أزواجِهِمْ؟
فيقال: فيه إرشادٌ إلى أنْ لا يَشْغَلَهُم
(2)
ما أُبيحَ لهم مِنَ المُبَاشَرَةِ عن طَلَبِ هذه الليلةِ التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فكأنَّه ـ سبحانه ـ يقول: اقضُوا وَطَرَكُمْ من نسائِكمْ ليلةَ الصِّيامِ، ولا يَشْغَلْكُمْ ذلك عن ابتغاءِ ما كَتَبَ اللهُ لكم
(3)
من هذه الليلةِ التي فضَّلكمُ بها. والله أعلم.
وعن أَنَسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأمر بالبَاءَةِ، وينهى عن التبتُّل نهيًا شديدًا
(4)
، ويقول:"تزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإني مُكاثِرٌ بكمُ الأنبياءَ يومَ القيامَةِ" رواه الإمامُ أَحمَد
(5)
وأبو حَاتِم في "صحيحه"
(6)
.
(1)
في "د": وأمروا.
(2)
في "ج": أن يشغلهم.
(3)
في "ج": ما كتب لكم.
(4)
الباءة هنا: الزواج. والتبتُّل: هو ترك النكاح انقطاعًا إلى العبادة. انظر: شرح السنة للبغوي: 9/ 4.
(5)
في المسند: 3/ 158، وفي طبعة الرسالة:20/ 63.
(6)
أبو حاتم ابن حبان في الصحيح برقم (4028)، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (5095)، والبيهقي: 7/ 81 ـ 82، وسعيد بن منصور برقم (490). قال الهيثمي في المجمع 4/ 258:"إسناده حسن". والحديث صحيح، وهو مروي عن جماعة من الصحابة. انظر: إرواء الغليل: 6/ 195، التعليق على المسند: 20/ 63 ـ 64.
وعن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنِّي أَصَبْتُ امرأةً ذاتَ حَسَبٍ وجمَالٍ، وإنها لا تَلِدُ، أفأتَزوَّجُهَا؟ قال:"لا"، ثم أتاهُ الثانيةَ فنهاهُ، ثم أتاه الثالثةَ، فقال:"تزوَّجُوا الوَلُودَ، فإني مُكاثرٌ بِكُمْ" رواه أبو داود والنَّسائِيُّ
(1)
.
وعن عبدِ الله بنِ عَمْروٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "انْكحُوا أُمَّهاتِ الأولادِ، فإنِّي أُباهِي بِكُم يومَ القِيامةِ" رواه الإمام أَحمد
(2)
.
وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "النِّكاحُ مِنْ سُنَّتي، ومَنْ لم يَعملْ بسنَّتي فَلَيسَ مِنِّي، وتَزوَّجُوا فإنِّي مكاثرٌ بِكمُ الأُمَمَ يومَ القِيامَةِ"
(3)
.
(1)
أخرجه أبو داود في النكاح، باب في تزويج الأبكار: 7/ 586 ـ 587 (مع بذل المجهود)، والنسائي في النكاح، باب كراهية تزويج العقيم: 6/ 5 ـ 66، وصححه الحاكم: 2/ 162، ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان برقم (4056).
(2)
في المسند: 2/ 171 ـ 172، وفي طبعة الرسالة: 11/ 172. وفيه حيي بن عبدالله المعافري، وقد وثِّق وفيه ضعفٌ. وله شاهد من حديث معقل بن يسار ـ السابق ـ وآخر من حديث أنس عند سعيد بن منصور وابن حبان، فيتقوى بهما. انظر: التعليق على المسند: 1/ 172. وقوله: "أمهات الأولاد" أي: ذوات الأولاد، أوالمرأة الولود.
(3)
أخرجه ابن ماجه في النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح: 1/ 592. قال البوصيري في الزوائد: "إسناده ضعيف، لاتفاقهم على ضعف عيسى بن ميمون المديني، لكن له شاهد صحيح". وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: 3/ 116، سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني رقم (2383).
وقد روى حمَّادُ بنُ سلَمَةَ، عن عاصمٍ، عن أَبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ العبدَ لَتُرْفعُ له الدَّرجةُ فيقولُ: أيْ رَبِّ أنَّى لي هذا! فيقولُ: باستغفارِ وَلَدِكَ لكَ مِنْ بَعدِكَ"
(1)
.
فصل
ومما يرغِّب في الولد: ما رواه مُسْلمٌ في "صحيحه" عن أبي حسَّان، قال تُوفِّي ابنانِ لي، فقلتُ لأبي هُرَيْرَةَ: سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا تحدّثُناهُ يطيِّب أنفُسَنا عن مَوْتَانا؟ قال: نعم، "صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجنَّة، يَلْقَى أحدُهم أباه ـ أو قال: أبَوَيه ـ فيأخذُ بناحية ثوبه أو يدِه كما آخذ أنا بِصَنِيفَةِ
(2)
ثوبِكَ هذا، فلَا يُفَارِقُهُ حتى يُدْخِلَهُ اللهُ وأباه الجنَّةَ"
(3)
.
(1)
رواه الإمام أحمد: 2/ 509، وفي طبعة الرسالة: 16/ 356 ـ 357، باختلاف في ألفاظ يسيرة، ورواه البيهقي: 7/ 78 ـ 79، وابن أبي شيبة: 3/ 387، وبمعناه عند ابن ماجه في الأدب، باب بر الوالدين برقم (3660). وقال البوصيري في الزوائد:"إسناده صحيح، ورجاله ثقات".
(2)
في "أ، ب، ج": بصَنَفة.
(3)
أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه: 4/ 2029 برقم (2635). و"دعاميص الجنة": صغار أهلها. وأصل الدعموص: دويبة تكون في مستنقع الماء لا تفارقه. أي: إن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها. و"صنيفة الثوب": طرفه. ويقال أيضًا: صنفة.
وقال وَكِيْع
(1)
: حدّثنا شُعْبَةُ، عن مُعَاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبيه
(2)
: أنَّ رجلًا كان يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومعه ابنٌ له، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أتحبُّه؟ " فقال: يا رسولَ الله، أحبَّك الله كما أحبُّه. ففقَدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:"ما فعل ابنُ فلانٍ؟ " قالوا: يا رسولَ الله! مات. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبيه: "أَمَا تحبُّ أن لا تأتيَ بابًا من أبواب الجنَّة إلا وجدتَه ينتظرُكَ عليهِ؟ " فقال رجلٌ: ألَهُ خاصَّةً يا رسولَ الله، أو لكلِّنا؟ قال:"بَلْ لِكُلِّكم"
(3)
.
قال أَحمد: [حدثنا عبدالصمد] حدّثنا عَبْدُ ربِّه بنُ بَارِقٍ الحَنَفِيُّ، [حَدَّثنا سِمَاك]
(4)
، أبو زُمَيْل الحَنَفِيُّ
(5)
، قال سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول:
(1)
هكذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: وقال أَحمد: حدّثنا وكِيع ..
(2)
عن أبيه. ساقطة من "ب".
(3)
أخرجه الإمام أحمد: 3/ 436 و 5/ 35، وفي طبعة الرسالة: 24/ 361، والنسائي في الجنائز، باب الأمر بالاحتساب والصبر عند نزول المصيبة:
4/ 22 - 23، والطبراني في الكبير: 19/ 31، وصححه الحاكم: 1/ 384 ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان: 17/ 260، وابن أبي شيبة: 3/ 354.
قال السِّنْدِيُّ في التعليق على المسند: قوله: "أحبك الله" بيان شدة محبته لابنه، أو أنه كان يعرف قدر محبة الله تعالى لعباده المؤمنين فضلاً عن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فضلا عن سيد ولد آدم عليه السلام. وقوله:"أما تحب؟ " قاله تسلية له وحثًّا له على الصبر على فقده.
(4)
ما بين القوسين ليس في الأصول، وهو في المسند.
(5)
في "ج": أبو زبيد الحنفي، وفي "د": أبو زميد الحنفي. وكلاهما تحريف.
سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ كانَ له فَرَطَانِ من أُمَّتي دَخَلَ الجنَّةَ". فقالتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: بأَبِي [أنتَ وأمِّي]
(1)
، فمَنْ كانَ لهُ فَرَطٌ؟ فقال:"ومَنْ كانَ له فَرَطٌ يا مُوَفَّقَةُ"، قالتْ: فمَنْ لم يكنْ لهُ فرَطٌ في أمَّتكَ
(2)
؟ قال: "فأنا فَرَطُ أمَّتي، لم يُصَابُوا بِمِثْلي"
(3)
.
وفي "الصحيحين" عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال للنِّساءِ:"ما مِنْكنَّ امرأةٌ يموتُ لها ثلاثةٌ من الوَلَدِ، إلا كانُوا لها حِجَابًا مِن النَّارِ" فقالت امرأة: واثنانِ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "واثنانِ"
(4)
.
(1)
ليست في المسند.
(2)
في "د" والمسند: من أمتك.
(3)
أخرجه الإمام أحمد: 1/ 334 ـ 335، وفي طبعة الرسالة: 5/ 213، وإسناده حسن، رواه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في ثواب من قدَّم ولدًا: 3/ 376 وقال: "هذا حديث حسن غريب" وفي الشمائل، برقم (480)، والطبراني في الكبير: 20/ 197 برقم (12880)، والبيهقي في السنن: 4/ 68، وفي شعب الإيمان: 17/ 256 ـ 257، والبغوي في شرح السنة: 5/ 456 ـ 457.
و (الفَرَط): من يتقدم الإنسان ليهيئ له الماء وغيره في السفر. والمراد هنا: الولد الذي مات قبل أبويه. انظر: تعليق السندي على المسند، الموضع السابق.
(4)
أخرجه البخاري في العلم، باب هل يجعل للنساء يوم على حدة: 1/ 195، وفي الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب: 3/ 218، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه: 4/ 2028 ـ 2029 برقم (2633).
وفي "صحيح مُسْلِمٍ" من حديث أبي هُرَيْرَة نحوه
(1)
.
ورواه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ابنُ مسعودٍ، وأبو بَرْزَةَ الأسْلَمِيّ
(2)
.
وفي "الصَّحِيْحَيْنِ" عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يموتُ لهُ ثلاثةٌ مِنَ الوَلَدِ لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ، فتمسُّه النَّارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ"
(3)
.
وفي "صحيح البخاريِّ" من حديث أنَسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِم يموتُ له ثلاثةٌ مِنَ الوَلَد لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلا أَدْخَلَهُ
(1)
في الموضع السابق: 4/ 2028 برقم (2632).
(2)
حديث ابن مسعود أخرجه الإمام أحمد: 1/ 421، في طبعة الرسالة: 7/ 101، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في ثواب من قدّم ولدًا: 3/ 375 وقال: "هذا حديث غريب وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه"، وأخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في ثواب من أصيب بولده: 1/ 512. وحديث أبي برزة الأسلمي أخرجه الإمام أحمد: 4/ 212، وفي طبعة الرسالة: 29/ 402، وصححه الحاكم: 1/ 71، ووافقه الذهبي، ورواه الطبراني في الكبير: 3/ 300. قال الهيثمي في المجمع 2/ 8: "رواه أحمد من حديث أبي برزة ورجاله ثقات".
(3)
أخرجه البخاري في العلم، باب هل يجعل للنساء يوم على حدة: 1/ 196، وفي الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب: 3/ 218، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه: 4/ 2028 برقم (2632).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لم يبلغوا الحنث" أي لم يبلغوا مبلغ الرجال. و"تحلَّة القسم": أي ما ينحل به القسم، وهو اليمين. قال ابن قتيبة: معناه تقليل مدة ورودها. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: 16/ 180.
اللهُ الجنَّة بفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ"
(1)
.
وفي "صحيح مُسْلمٍ" عن أبي هُرَيْرَةَ قال: أتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم امرأةٌ بصبيٍّ لها، فقالت: يا نبيَّ الله! ادعُ الله له، لقد
(2)
دفنتُ ثلاثةً، فقال:"دفنتِ ثلاثةً! " قالت: نعم، قال:"لقد احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَديدٍ من النَّارِ"
(3)
.
فالولدُ إنَّه إنْ عاشَ بعد أبوَيهِ نفَعَهُمَا، وإنْ ماتَ قبلَهُمَا نَفَعَهُمَا.
وقد روى مُسْلِمٌ في "صحيحه" من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مَاتَ الإنْسَانُ انقَطعَ عنهُ عَمَلُهُ إلا من ثلاثٍ: صَدقةٍ جاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صَالحٍ يَدْعُو لَهُ"
(4)
.
فصل
فإن قيل: ما تقولونَ في قوله عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي
(1)
أخرجه البخاري في الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب: 3/ 118.
(2)
في "أ": فقد، وفي (ب، ج): فلقد.
(3)
أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه: 4/ 2030 برقم (2636).
ومعناه: امتنعتِ بمانع وثيق. وأصل الحظر المنع، وأصل الحظار ـ بالكسر وبالفتح ـ ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط.
(4)
أخرجه مسلم في الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته: 3/ 1255 برقم (1631).
الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء/ 3].
قال الشّافِعِيّ: "أن لا تكثر عيالكم"
(1)
. فدلَّ على أنَّ قِلَّةَ العيال أَوْلى؟.
قيل: قد
(2)
قال الشّافِعِيُّ رحمه الله ذلك، وخَالفَه جمهورُ المفسِّرينَ من السَّلَف والخَلَفِ، وقالوا: معنى الآية: ذلك أدْنَى أن لا تَجُوروا ولا تَمِيلُوا، فإنَّه يُقالُ: عَالَ الرَّجُل يَعُولُ عَوْلًا: إذا مَالَ وجَارَ. ومنه عَوْلُ الفَرائضِ؛ لأنَّ سِهَامَها زادتْ. ويقال: عَالَ يَعِيلُ عَيْلةً: إذا احتاج. قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} [التوبة/ 28].
وقال الشاعر:
(1)
جاء في "أحكام القرآن" للإمام الشافعي، الذي جمعه البيهقي من كلام الإمام 1/ 260:"وقوله: {أَلَّا تَعُولُوا}؛ أي: لا يكثر من تعولوا، إذا اقتصر المرء على واحدة: وإن أباح له أكثر منها. أخبرنا أبو الحسن بن بشران العدل ببغداد أنا أبو عمر محمد بن عبدالواحد اللغوي، صاحب ثعلب، في كتاب: "ياقوتة الصراط" (ص 95 منه)؛ في قوله عز وجل: {أَلَّا تَعُولُوا} أي: أن لا تجوروا، و (تعولوا): تكثر عيالكم. وروينا عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ذلك أدنى أن لا يكثر من تعولونه".
(2)
ساقطة من "أ".
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ متَى غِنَاه
…
ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ
(1)
أي: متى يحتاج ويفتقر.
وأمَّا كثرةُ العِيَالِ، فليس من هذا ولا من هذا، ولكنَّه من (أَفْعَلَ). يقال: أَعَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ: إذا كثُر عيالُه، مثل: ألْبَنَ وأَتْمَر: إذا صار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ. هذا قول أهل اللغة.
قال الوَاحِدِيُّ في "بسيطه": "ومعنى {تَعُولُوا} :تجُوروا. عن جميع أهل التفسير واللغة.
ورُويَ ذلك مرفوعًا، روت عَائِشَةُ رضي الله عنها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله
(2)
: {أَلَّا تَعُولُوا} قال
(3)
: "أن لا تجُورُوا"
(4)
.
ورُوِيَ: "أن لا تَمِيلُوا".
قال: وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والحَسَنِ وقَتادةَ والرَّبِيعِ والسُّدّيّ
(1)
البيت لأُحَيْحةَ بن الجُلاح من قصيدة له في جمهرة أشعار العرب: 2/ 659، وهو من شواهد الفرَّاء في معاني القرآن:1/ 255، والطبري: 7/ 549، واللسان: 13/ 517.
(2)
ساقط من "أ". وفي "ب": قال.
(3)
ليست في "د".
(4)
أخرجه ابن المنذر في التفسير برقم (1336)، وابن أبي حاتم: 3/ 860، وابن حبان برقم (4104) عن عائشة. قال ابن أبي حاتم:"قال أبي هذا خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف". وانظر: الدر المنثور للسيوطي: 2/ 403.
وأبي مالكٍ
(1)
وعِكْرِمَةَ والفَرَّاءِ والزَّجَّاجِ وابْنِ قُتَيبَةَ وابنِ الأنْبَارِيِّ"
(2)
.
قلت: ويدلُّ على تعيُّنِ هذا المعنى من الآية ـ وإنْ كان ما ذكَرَهُ الشّافِعِيُّ ــ رحمه الله ــ لغةً حَكَاهَا الفرَّاءُ عن الكِسَائيِّ، أنه قال: ومِنَ الصَّحابةِ مَنْ يقولُ: عَالَ يَعُولُ: إذا كَثُرَ عِيَالهُ، قال الكِسَائيّ: وهي لغةٌ فصيحةٌ سمعتُها من العرب.
لكنْ يتعيَّنُ الأولُ لوجوهٍ:
(أحدها): أنَّه المعروفُ في اللغةِ الذي لا يكاد يُعرَفُ سواه، ولا يُعرَف
(3)
عَالَ يَعُولُ: إذا كثر عياله؛ إلا في حكاية الكِسَائيّ. وسائرُ أهلِ اللغةِ على خِلافِهِ.
(الثاني): أنَّ هذا مَرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولو كان من الغَرائِبِ فإنَّه يَصْلُحُ للتَّرجيحِ.
(1)
في "ج": ابن مالك. وأبو مالك هو غزوان الغفاري.
(2)
إلى هنا ينتهي ما نقله المصنف عن الواحدي في "البسيط"(6/ 310 - 311).
وانظر الأقوال المنقولة عن المفسرين المذكورين في: سنن سعيد بن منصور: 3/ 1144 - 1145، وتفسير ابن أبي حاتم: 3/ 860، وتفسير الطبري: 7/ 549، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 117، وتفسير مجاهد: 1/ 144، وتفسير سفيان الثوري، ص 87، ومعاني القرآن للزجّاج: 2/ 7، ومعاني القرآن للفرَّاء: 1/ 255.
(3)
ولا يعرف. ساقط من "ج".
(الثالث): أنَّه مرويٌّ عن عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ، ولم يُعرَف
(1)
لهما مخالفٌ من المفسِّرينَ. وقد قال الحاكمُ أبو عبد الله: تفسيرُ الصحابيِّ
ــ عندنا ــ في حُكْمِ المرفوعِ
(2)
.
(الرابع): أنَّ الأدلَّةَ التي ذكرناها على
(3)
استحبابِ تزوُّجِ الوَلُود، وإخبارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه يُكاثِر بأمته الأُممَ يوم القيامة، يردُّ هذا التفسيرَ.
(الخامس): أنَّ سِيَاقَ الآية إنَّما هو في نَقْلِهِمْ ممَّا يخافونَ الظُّلمَ والجَوْرَ فيهِ إلى غيره، فإنَّه قالَ في أوَّلها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي
(1)
في "أ": ولم يعلم.
(2)
قال الحاكم في المستدرك 2/ 258: "ليعلم طالب الحديث أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مُسْنَدٌ". وهذا الكلام في تفسيرٍ يتعلق بسبب نزول آية، كقول جابر: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قُبلها كان الولد أحول، فنزلت {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . رواه مسلم برقم (2592). أو نحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مدخل للرأي فيه. وقد صرّح بذلك في "معرفة علوم الحديث" ص (19 ـ 20) فقال:"ومن الموقوفات ما حدَّثناه أحمد بن كامل بسنده عن أبي هريرة في قوله تعالى: {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} قال: "تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحمًا على عظم". قال الحاكم: هذا وأشباهه يعدُّ في تفسير الصحابة من الموقوفات، فأما ما نقول: إن تفسير الصحابة مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع. انظر: تدريب الراوي للسيوطي: 1/ 288 ـ 289، النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر:2/ 530 - 532.
(3)
في "أ": في. وهي ساقطة من "ب".
الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء/3]. فدلَّهم
ــ سبحانه ــ على ما يتخلَّصونَ به من ظُلْمِ اليَتامَى، وهو نكاحُ ما طَابَ لهم من النِّساءِ البَوَالِغِ، وأباحَ لهم منه أربعًا
(1)
.
ثم دلَّهم على ما يتخلَّصونَ به من الجَوْر والظُّلْم في عَدَمِ التَّسْوِيةِ بينهنَّ، فقال:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء/ 3]. ثم أخبر ـ سبحانه ـ أنَّ الواحدةَ ومِلْكَ اليمينِ أدْنَى إلى عَدَمِ المَيْل والجَوْرِ. وهذا صريحٌ في المقصُودِ.
(السَّادس): أنه لا يلْتَئِمُ قولُه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} في الأربعِ، فَانكِحُوا واحدةً أو تسَرَّوا ما شِئْتُم بمِلْكِ اليمينِ، فإنَّ ذلك أقْرَبُ إلى أنْ لا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، بل هذا أجنبيٌّ مِن الأوَّل، فتَأمَّلْهُ!
(السَّابع): أنَّه من الممتنع أنْ يُقَالَ لهم: إنْ خِفْتُم ألَّا تَعْدِلُوا بَيْنَ الأَرْبَعِ، فلَكُمْ أن تَتَسَرَّوا بمائة سُرِّيَةٍ وأكثرَ، فإنَّه أَدْنَى ألَّا تَكْثُرَ عِيالُكُم.
(الثامن): أنَّ قولَه: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} تعليلٌ لكلِّ واحدٍ من الحُكْمَيْن المتقدِّمَيْن، وهُمَا: نقلُهم من نكاحِ اليتامَى إلى نكاحِ النِّساءِ البَوَالِغِ، ومن نكاحِ الأربعِ إلى نكاحِ الواحدةِ أو مِلْكِ اليمينِ، ولا يليقُ تعليلُ ذلك بِقِلَّةِ العِيَالِ.
(1)
ساقطة من "أ، د".
(التاسع): أنَّه ـ سبحانه ـ قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} ، ولم يقلْ: وإنْ خفتُم أن تَفْتَقِرُوا
(1)
أو تَحتاجُوا. ولو كان المرادُ قلةَ العيالِ، لكان الأنسبُ أنْ يقولَ ذلك.
(العاشر): أنَّه سبحانه وتعالى إذا ذكَرَ حُكْمًا منهيًّا عنه، وعلَّل النَّهيَ بِعِلَّة، أو أباحَ شيئًا وعلَّلَ عدَمَهُ بِعلَّةٍ، فلا بدَّ أن تكون العِلَّةُ مُضَادّةً لضدِّ الحُكْمِ المعلَّلِ، وقد علَّل ـ سبحانه ـ إباحةَ نكاحِ غير اليتامَى والاقتصارَ على الواحدةِ أو مِلْكِ اليمينِ بأنَّه أقربُ إلى عَدَمِ الجَوْرِ. ومعلومٌ أنَّ كثرةَ العيالِ لا تُضَادُّ عَدَمَ الحُكْمِ المُعَلَّلِ، فلا يحسُنُ التَّعليلُ بهِ. والله أعلم
(2)
.
(1)
في "ج": أن لا تفتقروا.
(2)
ذكر المصنف خمسة وجوه من هذا المبحث في "عدة الصابرين"، ص (302 - 303). وانظر: مجموع الفتاوى: 32/ 70 - 71.