المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السادس عشرهل تشرع العقيقة بغير الغنم - تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم - الكتاب

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولفي استحبابِ طَلبِ الوَلدِ

- ‌الباب الثانيفي كَراهةِ تَسخُّطِ البناتِ

- ‌الباب الثالثفي استحبابِ بشارةِ من وُلد له ولدٌ وتهنئتهِ

- ‌الباب الخامسفي استحبابِ تَحنيكه

- ‌الباب السَّادسفي العَقيقةِ وأحكامِها

- ‌تحقيق رأي أبي حنيفة

- ‌الفصل السَّادسهل يُكْرهُ تَسميتُها عَقيقة

- ‌ الذبحُ في موضعهِ أفضلَ من الصَّدقة بثمنه

- ‌ يُستحبُّ أن يُقالَ عليها ما يُقالُ على الأضحيةِ

- ‌يُستحبُّ فيها ما يستحبُّ في الأضحيةِ

- ‌الفصل الثالث عشرفي كَراهةِ كَسْرِ عِظامِها

- ‌الفصل السَّادس عشرهل تُشرعُ العقيقةُ بغير الغَنم

- ‌القزع أربعة أنواع:

- ‌ استحباب(4)الأسماء المضافة إلى الله

- ‌ اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة

- ‌ حكمةِ خَفْضِ النِّساء:

- ‌«مَنْ تطبَّبَ ولم يُعْلَمْ منه طِبٌّ فهو ضَامِنٌ»

- ‌فصلٌ في وقت الفطام

- ‌فصلفي وَطءِ المُرْضعِ، وهو الغَيلُ

- ‌ما جاءت به الرسل مع العقل ثلاثة أقسام

- ‌فصلفي مقدارِ زمانِ الحَمْلِ واختلافِ الأَجِنَّة

- ‌فصلفي ذِكرِ أَحوالِ الجنِينِ بعد تَحرِيكِه وانقِلابهِ عندَ تَمامِ نِصفِ السَّنَةِ

- ‌ وعلوَّ أَحدِهما سببٌ لمجانسة الولد للعالي ماؤه

- ‌ فهرس مراجع ومصادر التَّحقيق

الفصل: ‌الفصل السادس عشرهل تشرع العقيقة بغير الغنم

‌الفصل السَّادس عشر

هل تُشرعُ العقيقةُ بغير الغَنم

كالإبل والبقر أمْ لا؟

وقد اختلف الفقهاء: هل يقوم غير الغنم مقامَها في العَقِيقَة؟

قال ابنُ المُنْذِر

(1)

: "واختلفوا في العَقِيقَة بغير الغنم، فروينا عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنه كان يَعُقُّ عن ولدِه الجزورَ.

وعن أبي بَكْرةَ أنه نَحَرَ عن وَلده عبدِ الرَّحمن جَزُورًا، فأطْعمَ أهْلَ البَصْرةِ".

ثم ساقَ عنِ الحَسَنِ، قال: كان أنسُ بنُ مالكٍ يَعُقُّ عن ولدِه الجَزُورَ.

ثم ذكرَ مِن حَديثِ يحيى بنِ يحيى: أنبأنا هُشَيمٌ عن عُيَينَةَ بنِ عبدِالرَّحمن، عن أبيه، أن أبا بكرةَ وُلِدَ له ابنُه عبدُ الرَّحمنِ، وكانَ أوَّلَ مولودٍ وُلِدَ في البَّصرة، فَنَحَرَ عنهُ جَزُورًا فأطْعمَ أهلَ البصرةِ

(2)

.

وأنكر بعضهم ذلك، وقال: أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشاتين عن الغُلام، وعن الجارِية بشاة، ولا يجوز أن يُعَقَّ بغير ذلك.

(1)

انظر: الإشراف لابن المنذر: 3/ 415 ـ 416.

(2)

الإشراف، الموضع نفسه.

ص: 120

روِّينا عن يوسف بن مَاهكٍ، أنَّه دخل مع ابنِ أَبي مُلَيكَةَ على حفصةَ بنتِ عبد الرَّحمنِ بنِ أبي بكر

(1)

ـ ووَلدَتْ للمُنْذِرِ بنِ الزُّبَير غُلامًا ـ فقلتُ: هلَّا عقَّيتِ جزورًا؟ فقالتْ: معاذَ الله، كانت عمَّتي تقول: عن الغُلام شاتان، وعن الجَارِيَة شاةٌ

(2)

.

وقال مالكٌ: الضأن في العَقِيْقَة أحبُّ إليَّ من البقر، والغنمُ أحبُّ إليَّ من الإبل، والبقرُ والإبل في الهدي أحبُّ إلي من الغنم، والإبل في الهدي أحبُّ إليَّ من البقر

(3)

.

قال ابن المُنْذِر

(4)

: ولعلَّ حجةَ مَنْ رأى أن العَقِيقَةِ تُجزِئ بالإبل والبقر، قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم:"مع الغُلام عَقِيقتُهُ، فأهْرِيْقُوا عنهُ دمًا" ولم يذكر دمًا دونَ

(5)

دمٍ، فما ذُبِحَ عنِ المولودِ على ظاهرِ هذا الخَبَرِ يُجزئُ.

قال: ويجوز أن يقول قائلٌ: إنَّ هذا مُجمَلٌ، وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"عن الغُلامِ شاتانِ وعنِ الجَارِيَةِ شاةٌ" مفسَّرٌ، والمفَّسرُ أَوْلَى مِنَ المُجمَل.

(1)

في "ج": بكرة.

(2)

الإشراف: 3/ 416. وانظر: سنن البيهقي: 9/ 301. وفيه: "فقيل: عُقّي عنه جزورًا"

(3)

الإشراف: 3/ 416. وانظر: التمهيد لابن عبدالبر: 4/ 315.

(4)

الإشراف: 3/ 416. وانظر: الحاوي الكبير للماوردي: 127 - 128، وفتح العزيز للرافعي: 12/ 170.

(5)

في "أ": غير.

ص: 121

الفصل السَّابع عشر

في بيانِ مَصْرِفِها

قال الخَلّال في "جامعه" في "باب ذكر ما يتصدَّق به من العقيقة ويُهدي":

أخبرنا عبد الله بن أحمَد، أنَّ أباه قال: العقيقة تُؤكل ويُهدَى منها

(1)

.

أخبرني عِصْمَةُ بنُ عصامٍ، حدّثنا حَنبل، قال: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن العقيقة كيف يُصنعُ بها؟ قال: كيفَ شِئْتَ.

قال: وكان ابنُ سِيرِينَ يقول: اصنعْ ما شئتَ. قيل له: يأكلُها أهلُها؟ قال: نعم. ولا تُؤكلُ كلُّها، ولكن يأكلُ ويُطعِم

(2)

.

وكذلك قال في رواية الأثرَمِ

(3)

.

وقال في رواية أبي الحارث وصالح ابنه: يأكل ويطعم جيرانه

(4)

.

(1)

انظر: مسائل عبدالله:3/ 879.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 8/ 241، وفي طبعة القبلة: 12/ 123، وابن أبي الدنيا في العيال: 1/ 214.

(3)

انظر: مسائل الإمام أحمد، لابنه صالح: 2/ 210.

(4)

المرجع السابق نفسه.

ص: 122

وقال له ابنُه عبدُ الله: كم يَقْسِمُ مِنَ العقيقة؟ قالَ: ما أحبَّ

(1)

.

وقال المَيمُونيُّ: سألتُ أبا عبد الله: يُؤكَلُ من العقيقة؟ قال: نعم، يُؤكلُ منها.

قلت: كم؟ قال: لا أدري، أمَّا الأضاحي، فحديثُ ابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ.

ثم قال لي: ولكنَّ العقِيقةَ يُؤكَلُ منها.

قلت: يشبهها في أكل الأضحيةِ؟ قال: نعم يُؤْكَلُ منها.

وقال الميمونيُّ: قال أبو عبدِ الله: يُهْدِي ثلُثَ الأُضْحِيَةِ إلى الجيرانِ، قلتُ: الفقراءُ من الجيرانِ؟ قال: بلى فقراءُ الجيرانِ. قال تُشَبِّهُ العقيقهَ به؟ قال: نعم، من شبَّهه به فَليسَ ببعيدٍ.

قال الخَلّال: أخبرني محمَّد بن علي، حدّثنا الأَثْرَم، أن أبا عبد الله قيل له في العقيقة: يدَّخرُ منها مِثْل الأَضاحِي؟ قال: لا أدري.

أخبرني منصور أنَّ جعفرًا حدَّثهم قال: سمعتُ أبا عبد الله يُسأل عن العَقِيقَة، قيل: يبعثُ منها إلى القابلةِ بشيء؟ أُراه قال: نعم.

وأخبرني عبد الملك، أنه سمع أبا عبد الله يقول: ويُهدِي إلى القابلة

(1)

انظر: مسائل الإمام أحمد، لابنه عبدالله: 3/ 880.

ص: 123

منها، يُحْكَى

(1)

أنه أهدى إلى القابلةِ حين عقَّ عن الحُسَيْن ـ يعني عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ.

قال الخَلّال: أخبرنا محمَّدُ بنُ أَحْمَدَ، قال: حدّثني أبي، حدّثنا حَفْصُ بنُ غياثٍ، حدّثنا جعفرُ بنُ محمَّدٍ، عن أبيه، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَهُمْ: أنْ يَبْعَثُوا إلى القَابِلَةِ برِجْلٍ من العَقِيقَة.

ورواه البَيْهَقِيُّ من حديث حسينِ بنِ زيدٍ، عن جعفر بنِ محمَّدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ فاطمةَ، فقال: زِنِي شَعْرَ الحُسَينِ وتَصَدَّقِي بوزنهِ فِضَّةً، وأَعْطِي القَابِلَةَ رِجْلَ العَقِيقَةِ

(2)

.

وروى الحُمَيديّ عن حسين بن زيد

(3)

، عن جعفرِ بنِ محمَّدٍ عن أبيه، أنَّ عليًّا أعطى القابلةَ رِجْلَ العقيقةِ

(4)

.

واختُلِفَ هل يُدْعَى إليها النَّاسُ كما يُفْعلُ بالولِيمةِ، أو يُهدِي ولا يَدعُو النَّاسَ إليها؟

فقال أبُو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ: "قولُ مالكٍ: إنَّه يكسر عظامَها ويُطعِم

(1)

ساقطة من "أ".

(2)

أخرجه البيهقي في السنن: 9/ 304، وفي شعب الإيمان: 15/ 113. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 3/ 179 ـ 180. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" فتعقبه الذهبي بقوله: "فقلت: لا".

(3)

ابن زيد. ساقطة من "أ".

(4)

أخرجه البيهقي في السنن: 9/ 304، وفي شعب الإيمان: 15/ 113.

ص: 124

منها الجيرانَ، ولا يُدْعَى الرِّجالُ كما يُفعل بالوليمة، ولا أعرف غيره كَرِهَ ذلك"

(1)

، والله أعلم.

(1)

التمهيد: 4/ 321، والاستذكار: 5/ 559. وانظر: المغني لابن قدامة: 13/ 395 وما بعدها، الحاوي الكبير للماوردي: 15/ 129، فتح العزيز للرافعي: 12/ 118.

ص: 125

الفصل الثامن عشر

في حُكمِ اجتماعِ العقيقةِ والأُضحيةِ

قال الخَلّال: "باب ما روي أنَّ الأضحية تجزئ عن العقيقةِ".

أخبرنا عبد الملك الميموني، أنه قال لأبي عبد الله: يجوز أن يُضحّى عن الصبيِّ مكانَ العقيقةِ؟ قال: لا أدري، ثم قال: غيرُ واحدٍ يقول به. قلت: من التَّابعِين؟ قال: نعم.

وأخبرني عبد الملك في موضعٍ آخرَ، قال: ذكر أبو عبد الله أنَّ بعضهم قال: فإنْ ضحَّى أجزأَ عن العقيقةِ.

وأخبرنا عِصْمَةُ بنُ عِصَامٍ، حدّثنا حَنْبَل: أن أبا عبد الله قال: أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقةِ ـ إن شاء الله تعالى ـ لمن لم يَعقَّ.

وأخبرني عصمةُ بن عصامٍ في موضعٍ آخرَ، قال: حدّثنا حَنْبَل: أن أبا عبد الله قال: فإن ضحَّى عنه أجزأتْ عنه الضحيَّةُ عن العُقُوقِ.

قال: ورأيت أبا عبد الله اشترى أضحيةً ذبحها عنه وعن أهله، وكان ابنُه عبدُ اللهِ صغيرًا فذبحها ـ أُرَاهُ أراد بذلك العقيقةَ والأضحيةَ ـ وقَسَم اللحمَ وأكلَ منها.

أخبرنا عبد الله بن أَحْمَد قال

(1)

: سألت أبي عن العقيقةِ يومَ

(1)

انظر: مسائل الإمام أحمد، لابنه عبدالله: 3/ 880.

ص: 126

الأَضْحَى: تجزئ أن تكونَ أُضحيةً وعَقيقةً؟ قال: إمَّا أضحيةً، وإما عقيقةً، على ما سمَّى

(1)

.

وهذا يقتضي ثلاث روايات عن أبي عبد الله:

إحداها: إجزاؤها عنهما.

والثانية: وقوعها عن أحدهما.

والثالثة: التوقُّف

(2)

.

ووجه عدم وقوعها عنهما: أنهما ذَبْحَانِ بسببَينِ مختلفَين، فلا يقوم الذَّبحُ الواحدُ عنهما، كدم المُتْعةِ، ودمِ الفِدْيَةِ.

ووجه الإجزاء: حصولُ المقصودِ منها بذبحٍ واحدٍ، فإنَّ الأضحيةَ عن المولودِ مشروعةٌ كالعقيقةِ عنه، فإذا ضحَّى ونَوَى أن تكون عقيقةً وأضحيةً وقعَ ذلكَ عنهما، كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحيةَ المسجدِ وسنةَ المكتوبةِ، أو صلَّى بعدَ الطوافِ فرضًا أو سنَّةَ مكتوبةٍ، وقع عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبحَ المتمتِّعُ والقَارِنُ شاةً يومَ النحرِ أجزأهُ عن دمِ المتعةِ وعن الأضحيةِ، والله أعلم.

(1)

في "أ": تسمي. وعند عبدالرزاق ـ في الجامع لمعمر برقم 7996 ـ عن معمر عن قتادة: "من لم يعق عنه أجزأته أضحيته" وعند ابن أبي شيبة: 12/ 329 عن محمد ابن سيرين والحسن: "يجزئ عن الغلام الأضحية من العقيقة".

(2)

انظر: الإنصاف للمرداوي: 4/ 111. فقد ذكر روايتين منصوصتين.

ص: 127

الفصل التاسع عشر

في حُكمِ من لم يَعُقَّ عنه أبواه هَلْ يَعُقُّ عن نفسهِ إذا بَلغَ

(1)

؟

قال الخَلّال: "باب ما يستحب لمن لم يُعَقَّ عنه صغيرًا أن يَعُقَّ عن نفسه كبيرًا" ثم ذكر من مسائل إسماعيلَ بنِ سعيدِ الشَّالَنْجِيِّ، قال: سألت أَحمد عن الرجل يخبرُه والدُه أنه لم يَعُقَّ عنه، هل يَعُقُّ عن نفسه؟ قال: ذلك على الأب

(2)

.

ومن مسائل المَيمُونِيِّ، قال: قلت لأبي عبد الله: إن لم يَعُقَّ عنه صغيرًا، يَعقَّ عنه كبيرًا؟ فذكر شيئًا يروى عن الكبير ضعَّفه، ورأيته يستحسن إن لم يَعُقَّ عنه صغيرًا أن يَعقَّ عنه كبيرًا، وقال: إن فعلَه إنسانٌ لم أكرهْهُ.

قال: وأخبرني عبد الملك في موضعٍ آخرَ، أنه قال لأبي عبد الله: فيَعقُّ عنه كبيرًا؟ قال: لم أسمع في الكبير شيئًا. قلت: أبوه كان معسرًا ثم أَيْسَرَ فأراد أن لا يدع ابنَه حتى يَعُقَّ عنه، قال: لا أدري، ولم أسمع في الكبير شيئًا. ثم قال لي: ومن فَعَله فَحَسنٌ، ومِن النَّاس مَن يُوجِبُه.

(1)

إذا بلغ. ساقطة من "ج". وانظر فيما سبق ص (80).

(2)

وانظر: فتح الباري لابن حجر: 9/ 595.

ص: 128

قال الخَلّال: أخبرني أبو المثنَّى العَنْبَرِيُّ، أنَّ أبا داود حدَّثهم، قال: سمعت أَحْمَد يحدِّث بحديث الهيثم بن جميل، عن عبد الله بن المُثَنَّى، عن ثُمَامَةَ، عن أنسٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسهِ

(1)

.

قال أَحمد: عبدُ الله بنُ المحرَّر عن قَتادَة عن أنس "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نَفْسِه" مُنْكَرٌ، وضعَّفَ عبدَ الله بنَ محرّرٍ

(2)

.

قال الخَلّال: أنبأنا محمَّد بن عَوف الحِمْصِيّ، حدّثنا الهيثم بن جميل، حدّثنا عبد الله بن المثنَّى، عن رجل من آل أنس، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد ما جاءته النبوَّةُ

(3)

.

وفي "مصنف عبد الرزَّاق": أنبأنا عبد الله بن محرّر عن قتادةَ عن أنس، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوَّة. قال عبد الرزَّاق: إنما تركوا ابنَ محرّر

(4)

لهذا الحديث

(5)

.

(1)

ومن هذه الطريق أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار: 3/ 78 ـ 79، والطبراني في الأوسط: 1/ 529 برقم (998)، والبيهقي: 9/ 300. قال الهيثمي في المجمع 4/ 59: "رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة".

(2)

في "ج، د": محرز.

(3)

وانظر: المغني لابن قدامة: 13/ 397، والحاوي الكبير للماوردي: 15/ 129.

(4)

في (ج، د): محرز.

(5)

أخرجه عبدالرزاق في المصنف: 4/ 329، والبزار برقم (7281) وقال: تفرد به عبدالله وهو ضعيف، وابن عدي في الكامل: 5/ 21، وابن حبان في المجروحين: 2/ 23.

قال الحافظ في الفتح 9/ 595: "وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين: أحدهما من رواية إسماعيل بن مسلم عن قتادة، وإسماعيل ضعيف. ثانيهما من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل وداود بن المحبر قالا حدثنا عبدالله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، وداود ضعيف لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري، فالحديث قوي الإسناد، وقد أخرجه محمد بن عبدالملك بن أيمن عن إبراهيم بن إسحاق السراج عن عمرو الناقد، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أحمد بن مسعود كلاهما عن الهيثم بن جميل وحده به، فلولا ما في عبدالله بن المثنى من المقال لكان هذا الحديث صحيحًا".

ص: 129

الفصل العشرون

في حُكمِ جلدِها وسَواقطِها

قال الخَلّال: أخبرني عبد الملك المَيمُونِيُّ، أن أبا عبد الله قال له إنسان في العقيقة: الجلدُ والرأسُ والسَّقَطُ يُباع ويُتَصَدَّقُ به؟ قال: يُتَصَدَّقُ به

(1)

.

وقال عبد الله بن أَحْمَد: حدّثنا أبي، حدّثنا يزيد، حدّثنا

(2)

هشام، عن الحَسَنِ، أنه قال: يُكرَه

(3)

أن يُعطي جلد العَقِيقَةِ والأُضحيةِ على أن

(1)

انظر: التمام لأبي يعلى: 2/ 234. والسَّقَط: أحشاء الذبيحة كالكرِش والمصران.

(2)

في "ج": ابن.

(3)

"وقال عبدالله

قال: يكره" ساقط من "د".

ص: 130

يعمل به

(1)

.

قلت: معناه: يكره أن يعطى في أُجرة الجازر والطبَّاخ.

وقد تقدم قوله في رواية حَنْبَل: اصنع بها ما شئت، وقوله في رواية عبد الله: يقسم منها ما أحبَّ

(2)

.

وقال أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته"

(3)

: ويجوز بيعُ جُلُودِها وسَواقِطِهَا ورأسِها، والصدقةُ بثمن ذلك. نصَّ عليه.

وقيل: يحرم البيع ولا يصحُّ

(4)

.

وقيل: يُنقَل حُكمُ الأُضحيةِ إلى العقيقةِ وعكسهُ، فيكونُ فيهما روايتانِ بالنَّقْلِ والتَّخْريج، والتَّفرقةُ أشهرُ وأَظهرُ.

قلت: النصُّ الذي ذَكرَهُ هو ما ذكرناه من مسائل الميمُونيِّ، وهو مُحْتَمِلٌ لما ذكره، ومحتمل

(5)

لعكسه: أنَّه يتصدَّق به دونَ ثَمَنِه، فتأمَّلْهُ! إلا أنْ يكونَ عنه نصٌّ آخرُ صريحٌ بالبيعِ.

(1)

انظر: مسائل الإمام أحمد، برواية عبدالله: 3/ 880، والمغني: 13/ 382 ـ 383.

(2)

تقدم في ص (122 أو 123).

(3)

الرعاية الصغرى لابن حمدان: 1/ 257، وتصحفت في "ب" إلى: روايته. وانظر: الإنصاف للمرداوي: 4/ 113 فقد نقل هذا النص.

(4)

انظر: التمام لأبي يعلى: 2/ 233.

(5)

ساقطة من "أ".

ص: 131

وقد قال في رواية جعفرِ بنِ محمَّدٍ ـ وقد سُئلَ عن جلد البقرة في الأُضحية؟ ـ فقال: قد رُوي عن ابن عمرَ أنه قال: يبيعُه ويتصدَّقُ به. وهو مخالفٌ لجِلْدِ الشَّاةِ، فيُتَّخَذُ منه مُصَلًّى، وهذا لا ينتفعُ به في البيت. قال: إنَّ جلدَ البقرةِ يَبْلُغُ كَذَا.

قال الخَلّال: وأخبرني عبدُ الملك بن عبدِ الحميدِ، أنَّ أبا عبدِ الله قال: إنَّ ابنَ عمرَ باعَ جِلْدَ بقرةٍ وتصدَّق بثمنهِ. قال: وهذا لا يُباعُ، لأنَّ جلد البعيرِ والبقرةِ لا يَنْتَفِعُ به أحدٌ، يتَّخذُهُ في البيتِ يجلسُ عليه

(1)

، ولا يصلُحُ هاهنا لشيء

(2)

، إنَّما يُباعُ ويُتَصدَّقُ بثمنِه، وجِلْدُ الشاةِ يُتّخذُ لِضرُوبٍ

(3)

.

وقال الأثرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ الله ـ وذكر قولَ ابنِ عمرَ أنه كان يقول في جِلْدِ البقرةِ: يُباع ويُتصدَّق به ـ وكأنَّه يذهبُ إلى أنَّ ثمنَهُ كثيرٌ.

وقال أبو الحارث: سُئلَ أبو عبد الله عن جلد البقرة إذا ضحَّى بها، فقال: ابنُ عمرَ يُروَى عنه أنّه يبيعُه ويتصدَّقُ به.

وقال إسْحَاق بنُ منصور

(4)

: قلتُ لأبي عبدِ الله: جلودُ الأضَاحِي ما

(1)

في "أ، ج": يحبس عنده، وفي "د": يجلس عنده.

(2)

في "أ": لبيته.

(3)

انظر: التمام لأبي يعلى: 2/ 234.

(4)

مسائل أحمد وإسحاق: 8/ 4048.

ص: 132

يُصْنَعُ بها؟ قال: ينتفعُ بها ويتصدَّقُ بثمنها، قلت: تُباعُ ويُتصدَّقُ بثمنِهَا؟ قال: نعم، حديثُ ابنِ عُمرَ.

وقال المَرْوَزِيُّ: مذهبُ أبي عبد الله لا تُباع

(1)

جُلودُ الأضَاحي، وأن يتصدق بها

(2)

، واحتج بحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه أَمَرَ أن يُتَصَدَّقَ بجلودِها وأَجِلَّتِها

(3)

.

وقال: وفي رواية حَنْبَل لا بأس أن يتخذ من جلود الأُضحية وطاءً يَقعُد عليه، ولا يُباع إلا أن يتصدَّق به؟ فقال: لا، ينتفع بجلود الأضاحي. قيل له: يأخذه لنفسه ينتفع به؟ قال: ما كان واجبًا، أو كان عليه نذرًا، وما أشبه هذا، فإنه يبيعه ويتصدق بثمنه، وما كان تطوعًا، فإنه ينتفع به في منزله إن شاء.

قال: وقال في رواية جعفر بن محمَّد: يتصدَّق بجلد الأُضحية ويتخذ منه في البيت إهابًا، ولا يبيعُه.

وفي رواية أبي الحارث: يتصدق به ويتخذ منه إهابًا أو مصلًّى في البيت.

(1)

في "أ، ج": يباع.

(2)

انظر: الإنصاف للمرداوي: 4/ 92 ـ 93، والفروع لابن مفلح: 3/ 554.

(3)

انظر: صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الجلال والبُدْن: 3/ 549، وصحيح مسلم في الحج، باب الصدقة بلحوم الهدي والأضاحي وجلودها وجلالها: 2/ 954.

ص: 133

وفي رواية ابن منصور

(1)

: يتصدَّق بجلودها، وينتفعُ بها، ولا يبيعُها.

وفي رواية الميموني: لا يباعُ، ويتصدَّق به. قالوا له: فيبيعه ويتصدق بثمنه

(2)

؟ قال: لا، يتصدق به كما هو.

وقال أَحْمَد بنُ القَاسِمِ: إنَّ أبا عبد الله قال في جِلْد الأُضحيَةِ: يستحبُّ أن يكون ثمنها في المُنْخُلِ

(3)

، أو الشيءِ مما يُستعمَل في البيت، ولا يُعطى الجزَّار.

قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن جلود الأضاحي؟ قال: الشَّعبيُّ وإبراهيمُ يقولان: لا، يبتاع به غربال، أو مُنْخُلٌ. قال: يقولون: يُبتاعُ بالجِلد غربالٌ أو مُنخُل ولا يبيعه ويشتري به. قلت: يعاوض

(4)

به؟ قال: نعم. قلت: يعجبك هذا؟ قال: إنما يجعله لله ولا يبيعه، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر عليًّا أن يتصدق بالجلال والجلود. قلت: فيعطى الذي يذبح؟ قال: لا، قلت: أبيعه وأتصدَّق به؟ قال: لا، كان ابن عمر يدفعه إليهم فيبيعونه لأنفسهم. قلت: أبيعه بثلاثة دراهم وأُعطيه ثلاثةَ مساكين؟

(1)

مسائل أحمد وإسحاق: 8/ 4048.

(2)

ساقطة من "أ".

(3)

المنخل ـ بضم الميم ـ ما ينخل به، وهو من النوادر التي وردت بالضم، والقياس الكسر، لأنه اسم آلةٍ. انظر: المصباح المنير للفيومي: 2/ 597.

(4)

في "أ": تعارض.

ص: 134

قال: اجْمَعْهُمْ وادْفَعْهُ إليهم.

قال: وكان مسروقٌ وعَلْقمةُ يتَّخذونه مُصلًّى أو شيئًا في البيت، هذا أرخص ما يكون فيه أن يتَّخذه في بيته.

وقال حربٌ

(1)

: قلت لأحمدَ: رجلٌ أخذ جلد أُضحية فقوَّمه وتصدَّق بثمنه، وحَبَسَ الجِلْد، قال: لا بأس أن يبيع جلد الأُضحية.

ثم قال الخَلّال: "باب استحبابه لبيع جلد البقرة ويتصدق بثمنه": أخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمَّد حدثهم، أن أبا عبد الله، قيل له: جلد البقرة؟ قال: قد روي عن ابن عمر أنه قال: يبيعه ويتصدق به، وهو مخالف لجلد الشاة، يتخذ منه مُصلًّى، وهذا لا ينتفع به في البيت، قال: إن جلد البقرة يبلغ كذا.

وقال أبو الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن جلد البقرة إذا ضحَّى بها؟ فقال: ابنُ عمرَ يُروى عنه أنه قال: يبيعُه ويتصدَّقُ به.

وقال مُهَنَّا: سألت أَحْمَد عن الرجل يشتري البقرة يُضحِّي بها، يبيعُ جِلْدَهَا بعشرينَ درهمًا وأكثرَ من عشرينَ، فيشتري بثمن الجِلْدِ أُضحيةً يضحِّي بها، ما ترى في ذلك؟ فقال: يُروَى فيه عن ابنِ عمرَ مِثلُ هذا.

(1)

حرب بن إسماعيل بن خلف الكِرماني المتوفى سنة (280) للهجرة، وهو من تلامذة الإمام أحمد بن حنبل وممن روى عنه المسائل.

ص: 135

وقال إسْحَاق بنُ منصور

(1)

: قلت لأبي عبد الله: جلود الأضاحي ما يُصنع بها؟ قال: يُنتفع بها ويُتصَدَّق بها، وتُباع

(2)

ويُتصدَّق بثمنها. قلت: تباع ويتصدق بثمنها! قال: نعم، حديثُ ابنِ عمرَ.

فهذه نصوصُه في جلود العقيقةِ والأُضحيةِ، وفي الواجبِ والمُستحَبِّ كما تَرى

(3)

. والله أعلمُ.

(1)

مسائل أحمد وإسحاق: 8/ 4048.

(2)

"ويتصدق بها، وتباع" ساقط من "أ، ج".

(3)

وانظر: المغني لابن قدامة: 13/ 396، والإنصاف للمرداوي: 4/ 113 ـ 114، وفتح العزيز للرافعي: 12/ 112 ـ 116، والحاوي الكبير للماوردي: 15/ 129.

ص: 136

الفصل الحادي والعشرون

فيما يُقال عند ذَبحِها

قال ابن المُنْذِر: "ذكر تسمية من يعُقُّ عنه": حدّثنا عبد الله بن محمَّد، حدّثنا أبي، حدّثنا هشام عن ابن جُرَيْج، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "اذْبحُوا عَلى اسْمِه فقولُوا: بَسْمِ الله، اللهمَّ لك، وإليك، هذه عقيقةُ فلانٍ"

(1)

.

قال ابن المنذرِ: وهذا حسنٌ. وإن نوى العقيقةَ ولم يتكلم به أجزأه، إن شاء الله

(2)

.

وقال الخَلّال: "باب ما يقال عند ذبح العقيقة": أخبرني أَحمد بنُ محمَّدِ بنِ مَطَر، وزكريا بنُ يحيى، أنَّ أبا طالب حدَّثهم، أنه سأل أبا

(1)

وأخرجه عبدالرزاق: 4/ 330، وأبو يعلى: 4/ 301، والبيهقي: 9/ 304، وصححه الحاكم: 4/ 237 ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ أبي يعلى، فإني لم أعرفه". وأخرج ابن أبي شيبة: 12/ 329 ـ 330 من طريق هشام الدستوائي عن قتادة قال: يسمِّي على العقيقة كما يسمي على الأضحية: بسم الله عقيقة فلان. ومن طريق سعيد عن قتادة نحوه وزاد: "اللهمَّ منك ولك، عقيقة فلان، بسم الله والله أكبر. ثم ذبح". وانظر: فتح الباري: 9/ 734.

(2)

انظر: الإشراف على مذاهب العلماء: 3/ 420.

ص: 137

عبدالله: إذا أراد الرجلُ أن يَعُقَّ كيف يقول؟ قال: يقول: بسم الله. ويذبح على النيَّة كما يضحِّي بنيَّته، يقول: هذه عقيقةُ فلانٍ بنِ فلانٍ.

وظاهر هذا: أنه اعتبر النيَّة واللفظ جميعًا، كما يلبِّي ويُحْرِمُ عن غيره بالنيَّة واللفظِ، فيقول: لبَّيْكَ اللهمَّ عن فلان، أو إحْرَامِي عن فلان.

ويؤخذ من هذا: أنه إذا أهدى له ثواب عمل، أن ينويه عنه، ويقول: اللهم هذا عن فلان، أو اجعل ثوابه لفلان.

وقد قال بعضهم: ينبغي أن يعلقه بالشرط فيقول: اللهمَّ إن كنتَ قَبِلْتَ منِّي هذا العملَ، فاجعلْ ثوابَه لفلانٍ؛ لأنه

(1)

لا يَدري أقُبِلَ منه أم لا؟

وهذا لا حاجة إليه، والحديثُ يردُّه، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقل لمن سمعه يلبِّي عن شُبْرُمَةَ: قل: اللهمَّ إن كنت قبلت إحرامي فاجعله عن شُبْرُمَة

(2)

، ولا قال لأحدٍ ممَّن سأله أن يحجَّ عن قريبه ذلك، ولا في حديث واحدٍ ألبتةَ، وهَديُه أَوْلَى ما اتُّبِعَ.

ولا يُحفظ عن أحدٍ من السَّلَف ألبتة أنه علَّق الإهداءَ والضحيَّةَ

(1)

في "أ": فإنه.

(2)

أخرج أبو داود في المناسك، باب الرجل يحج عن غيره: 7/ 160 عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبَّيْكَ عن شبرمة. قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي. قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شُبرُمةَ".

ص: 138

والعَقِيْقَةَ عن الغير بالشَّرْط. بل المنقولُ عنهم: اللهمَّ هذا عن فلان ابنِ فلانٍ. وهذا كافٍ، فإن الله سبحانه إنما يُوصِل إليه ما قَبِلَهُ من العمل، شَرَطَهُ المُهْدِي أو لم يَشْرُطْهُ. والله أعلم.

ص: 139

الفصل الثاني والعشرون

في حُكم اختصاصها بالأسابيعِ

ها هنا أربعةُ أمورٍ تتعلَّقُ بالأسابيعِ

(1)

: عقيقتُه، وحَلْقُ رأسِهِ، وتسميتُهُ، وخِتَانُه.

فالأوَّلان مستحبَّان في اليوم السَّابع اتفاقًا.

وأمَّا تسميتُه وختانُه

(2)

فيه، فمختلَفٌ فيهما ــ كما سنذكره إن شاء الله تعالى ــ.

وقد تقدَّمتِ الآثارُ بذبحِ العقيقةِ يوم السَّابعِ

(3)

.

وحكمةُ هذا ـ والله أعلم ـ أنَّ الطفل حين يُولَد يكون أمْرُه متردِّدًا بين السلامة والعَطَب، ولا يُدْرَى هل هو من أهل الحياة أم لا، إلى أن تأتيَ عليه مدة يُستدلُّ بما يُشاهَدُ من أحواله فيها على سلامةِ بِنْيَتِهِ وصحَّةِ خِلْقَتِهِ، وأنّه قابلٌ للحياة، وجعل مقدار تلك المدة أيام الأسبوع، فإنه دورٌ يوميٌّ، كما أن السنَةَ دورٌ شهريٌّ.

(1)

في "د": السابع.

(2)

"فالأولان مستحبان

ختانه" ساقط من"أ". ولعله سبق نظر.

(3)

فيما سبق، ص (86) وما بعدها. وانظر: المغني: 13/ 396 ـ 397، وفتح العزيز: 12/ 117، والحاوي الكبير: 15/ 130.

ص: 140

هذا هو الزمان الذي قدَّره الله يوم خلقَ السماواتِ والأرضَ، وهو ــ سبحانه ــ خصَّ أيام تخليق العالم بستةِ أيامٍ، وكنَّى كلَّ يوم منها اسمًا يخصُّه به، وخصَّ كلَّ يوم منها بصنف من الخليقة أَوْجَدَهُ فيها، وجعل يومَ إكمالِ الخلق واجتماعِه ــ وهو يومُ اجتماع الخليقة ــ مَجْمعًا وعيدًا للمؤمنين، يجتمعون فيه لعبادته، وذِكْره، والثناءِ عليه، وتحميدِه وتمجيدِه، والتفرُّغِ من أشغال الدنيا لشُكْرِه، والإقبالِ على خدمته، وذكر ما كان في ذلك اليوم من المبدأ، وما يكونُ فيه من المَعاد، وهو اليومُ الذي استوى فيه الربُّ تبارك وتعالى على عرشه، واليومُ الذي خلق الله فيه أبانا آدم، واليومُ الذي أسكنه فيه الجنَّة، واليومُ الذي أخرجه فيه منها، واليومُ الذي ينقضي فيه أجلُ الدنيا، وتقوم الساعةُ، وفيه يجيء الله سبحانه وتعالى، ويُحاسِب خَلْقَهُ، ويدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم

(1)

.

والمقصود: أن هذه الأيام أوَّل مراتب العمر، فإذا استكملها المولودُ، انتقل إلى المرتبة الثانية وهي الشُّهور، فإذا استكملها انتقل إلى الثالثة وهي السنين، فما نقص عن هذه الأيام، فغيرُ مستوفٍ للخليقة، وما زاد عليها فهو مكرَّر يُعاد عند ذكره اسمُ ما تقدَّم من عدده، فكانت الستةُ غايةً لتمام الخلْق، وجُمِعَ في آخر اليوم السَّادس منها، فجُعِلَت تسميةُ

(1)

وانظر ما كتبه المصنف في زاد المعاد: 1/ 375 - 425 ضمن فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائصها.

ص: 141

المولود، وإماطةُ الأذى عنه، وفِدْيَتُه، وفكُّ رهانِه في اليومِ السَّابعِ، كما جعل الله سبحانه اليومَ السَّابعَ من الأسبوع عيدًا لهم، يجتمعون فيه مُظْهِرين

(1)

شُكْرَهُ وذِكْرَهُ، فَرِحينَ بما آتاهم الله من فضلِه، من تفضيلِه لهم على سائر الخلائقِ المخلوقةِ في الأيام قبلَه.

وأيضًا: فإنَّ الله سبحانه أجرى حكمته بتغيُّر حال العبد في كلِّ سبعة أيام وانتقالِهِ من حالٍ إلى حال، فكان السبعة طورًا من أطواره، وطَبَقًا من أطْبَاقهِ، ولهذا تجد المريضَ تتغيَّر أحواله في اليوم السَّابع ولا بدَّ، إمَّا إلى قوة، وإمَّا إلى انحطاط.

ولما اقتضت حكمته سبحانه ذلك، شرعَ لعباده كلَّ سبعةِ أيام يومًا يرغبون فيه إليه، يتضرَّعون إليه ويدعونه، فيكون ذلك مِنْ أَعْظَمِ الأسبابِ في صلاحِهم وفي معاشِهم ومَعَادِهم، ودفْعِ كثيرٍ من الشُّرور عنهم، فسبحانَ من بَهَرَتْ حكمتُه العقولَ في شَرْعه وخَلْقِه! والله أعلم.

(1)

في "ب": يظهرون.

ص: 142

الباب السَّابع

في حلقِ رأسهِ والتَّصدُّقِ بوزنِ شَعْره

قال أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ

(1)

: أمَّا حلْقُ رأس الصبيِّ عند العقيقة، فإن العلماء كانوا يستحبُّون ذلك، وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في حديث العقيقة:"ويُحلَقُ رأسُه ويُسَمَّى".

وقال الخَلّال "في الجامع": "ذِكْرُ حلق رأسِ الصبيِّ والصدقة بوزن شَعْرِهِ": أخبرني محمّد بن عليٍّ، حدّثنا صالح، أنَّ أباه قال: يُستحبُّ أن يحلق يومَ سابعهِ

(2)

.

وروى الحَسَنُ عن سَمُرَةَ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يحلق رأسه".

ورَوَى سَلْمانُ بنُ عَامرٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أمِيطُوا عنه الأذَى"

(3)

.

قال: وسُئلَ الحَسَنُ عن قَولِه صلى الله عليه وسلم: "أمِيطُوا عنه الأذى؟ " قال: يُحْلَقُ رأسُهُ.

وقال حَنبَل: سمعت أبا عبد الله يقول: يُحلقُ رأسُ الصبيِّ.

(1)

التمهيد: 4/ 318. وانظر: الاستذكار له أيضًا: 5/ 549 ـ 550.

(2)

انظر: مسائل الإمام أحمد برواية صالح: 2/ 209، ورواية أبي داود، ص (256)، ومسائل أحمد وإسحاق: 8/ 3948.

(3)

تقدم تخريجهما ص (49).

ص: 143

وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: قلتُ لأبي عبد الله: يُحْلَقُ رأسُ الصبيِّ

(1)

؟ قال: نعم، قلت: فيُدَمَّى، قال: لا، هذا مِنْ فِعلِ الجاهليَّة.

وقال صالح بنُ أَحْمَد: قال أبي: ويقال إنَّ فاطمةَ رضي الله عنها حلقتْ رأسَ الحَسَنِ والحُسَيْن، وتصدَّقتْ بوَزْنِ شَعْرِهِمَا وَرِقًا

(2)

.

وقال حَنْبَل سمعتُ أبا عبد الله قال: لا بأسَ أن يتصدَّق بوزنِ شَعْرِ الصبيِّ.

وقد روى مَالِكٌ في "مُوطَّئِهِ" عن جعفرِ بنِ محمَّدٍ، عن أبيهِ قالَ: وَزَنَتْ فاطمةُ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وزَيْنَبَ وأُمِّ كُلْثُومٍ، فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضّةً

(3)

.

وفي "الموطأ" أيضًا، عن ربيعةَ بنِ أَبي عبدِ الرَّحمنِ، عن محمَّدٍ بنِ عليٍّ بن الحسينٍ، أنه قالَ: وَزَنَتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فتصدَّقتْ بِزِنَتِهِ فِضّةً

(4)

.

وقال يحيى بنُ بُكَيْر: حدّثنا ابنُ لَهِيْعَةَ، عن عُمَارَةَ بنِ غَزِيَّة، عن

(1)

في "أ، ج": يحلق رأسه.

(2)

مسائل الإمام أحمد بروية صالح: 2/ 213.

(3)

موطأ مالك، كتاب العقيقة، باب ما جاء في العقيقة: 1/ 418، وأخرجه أبو داود في المراسيل، ص 279 برقم 380. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير جعفر بن محمد فإنه من رجال مسلم.

(4)

انظر: الموضع السابق من الموطأ.

ص: 144

رَبِيْعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمن، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمرَ برأس الحَسَنِ والحُسَيْنِ، يومَ سابعِهما فحُلقا وتصدّق بوزنهِ فضةً

(1)

.

وقال عبد الرزَّاق: أخبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ، قال: سمعت محمَّدَ بنَ عليٍّ يقول: كانتْ فاطمةُ ابنة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا يُولَدُ لها ولدٌ إلَّا أَمَرَتْ بِحَلْقِ رَأْسِهِ

(2)

، وتصدَّقَتْ بوَزْنِ شَعْرِه وَرِقًا

(3)

.

قال أبو عُمَرَ: قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح

(4)

.

قلت: وكأنه ـ والله أعلم ـ قصد بذلك تمييزه عن مناسك الحاج، وأن لا يشبَّه به، فإنَّ السنَّة في حقِّه أن يقدِّم النَّحْرَ على الحَلْق، ولا أحفظُ عن غير عطاءٍ في ذلك شيئًا.

وقد ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمَّد بن الحُسَيْن، عن عليٍّ، قال: عقَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الحَسَنِ شاةً، وقال:"يا فاطمةُ! احْلِقِي رأسَهُ وتصدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً" فوَزَنَاهُ، فكان وزنهُ درهمًا أو بعضَ درهَمٍ

(5)

.

(1)

أخرجه البيهقي في السنن: 9/ 299.

(2)

في "أ، ج": به فحلق رأسه.

(3)

انظر: المصنف لعبد الرزاق: 4/ 333.

(4)

انظر: الاستذكار لابن عبدالبر: 5/ 550. ورواه ابن أبي الدنيا في العيال: 1/ 222.

(5)

أخرجه الترمذي في الأضاحي، باب العقيقة بشاة: 4/ 84، والحاكم: 4/ 237، والبيهقي: 9/ 304 وقال: "هذا منقطع".

ص: 145

وقد ذكر البيهقِيُّ من حديث ابن عقيل، عن علي بن أبي الحُسَيْن، عن أبي رافع، أنَّ حسنًا حين وَلَدَتْهُ أمُّه، أرادت أن تَعقَّ عنه بكبشٍ عظيمٍ، فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:"لا تَعُقِّي عنه بشيءٍ، ولكنِ احْلِقِي شَعْرَ رأسِهِ، ثم تصدَّقِي بوزنه من الوَرِقِ في سبيل الله أو على ابن السبيل". وولدتِ الحُسَيْنَ من العام المقبل، فصنعتْ مثل ذلك

(1)

.

قال البيهقيُّ

(2)

: إنْ صحَّ فكأنه أراد أن يتولى العقيقةَ عنهما بنفسه كما روينا.

فصل

ويتعلَّق بالحَلْقِ مسألةُ القَزَعِ، وهي: حَلْقُ بعضِ رأسِ الصبيِّ وتَرْكُ بعضِهِ. وقال

(3)

: وقد أخرجاه في "الصحيحين" من حديث عُبيدِ الله

(4)

ابنِ عمرَ، عن عُمَرَ بن نافعٍ، عن أبيه، عن ابن عمرَ، قال: نهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنِ القَزَعِ

(5)

.

(1)

أخرجه البيهقي في السنن: 9/ 304.

(2)

في الموضع السابق نفسه.

(3)

أي البيهقي، في الموضع السابق.

(4)

في ("أ، ج": عبدالله.

(5)

أخرجه البخاري في اللباس، باب القزع: 10/ 363، ومسلم في اللباس، باب كراهية القزع: 3/ 1675 برقم (2120).

ص: 146