الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
في ذِكْر حُججِ من كرهها
قالوا: روى عَمْرو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن العَقِيقَةِ، فقال:"لا أُحِبُّ العُقُوقَ"
(1)
.
قالوا: ولأنها من فِعْلِ أهلِ الكتابِ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن اليهود تَعُقُّ عن الغُلامِ ولا تَعُقَّ عن الجَارِيَة. ذكره البَيْهَقِيّ
(2)
.
قالوا: وهي من الذَّبَائِح التي كانت الجاهليَّةُ تفعلُها، فأَبْطَلها الإسلامُ
(3)
،
(1)
أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 614، والنسائي في العقيقة: 7/ 162 ـ 163، والإمام أحمد: 2/ 194، وفي طبعة الرسالة: 11/ 320، ومحمد ابن الحسن في الموطأ: 2/ 652، وهو في رواية الليثي: 1/، 418، وأخرجه ابن أبي شيبة:8/ 51، وفي طبعة القبلة: 12/ 324، وعبد الرزاق: 4/ 329، والبيهقي في السنن: 9/ 301 ـ 302، وفي شعب الإيمان: 15/ 106، وصححه الحاكم: 4/ 23.
(2)
في السنن: 9/ 301، وفي شعب الإيمان: 15/ 106.
(3)
قال الإمام محمد بن الحسن في "الموطأ" 2/ 665 مع شرحه التعليق الممجَّد لأبي الحسنات اللكنوي: "أما العقيقة: فبلغنا أنها كانت في الجاهلية، وقد فُعلت في أول الإسلام، ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله، ونسخ شهر رمضان كل صوم كان قبله
…
كذلك بلغنا". قال أبو الحسنات اللّكنوي: "المراد من كون العقيقة مرفوضة: يحتمل أن يكون رفض عقيقة الجاهلية بالطريقة التي كانوا يفعلونها. وبالجملة: فالحكم بنفي مشروعيتها في الإسلام مطلقًا غير صحيح".
هذا، و
تحقيق رأي أبي حنيفة
أن العقيقة ليست واجبة ولا سنة متأكدة، وليست بدعة كما زعم بعضهم، ولكنها مستحبة، وإنما كره أبو حنيفة اسم العقوق، كما جاء في الحديث. انظر: عمدة القاري شرح البخاري للبدر العيني: 21/ 83.
كالعَتِيْرَةِ والفَرَعِ
(1)
.
قالوا: وقد روى الإمام أَحمد من حديث أبي رافعٍ أن الحَسنَ بنَ عليٍّ لما وُلِد أرادتْ أمُّه فاطمةُ
(2)
أن تَعُقَّ عنه بكبشين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَعُقِّي ولكنِ احلقِي شَعْرَ رأسِهِ
(3)
فتصدَّقِي بوَزْنهِ من الوَرِق"
(4)
. ثم وُلِدَ حُسَينٌ فصنعتْ مِثْلَ ذلك
(5)
.
(1)
العتيرة: شاة كانوا يذبحونها في الجاهلية للأصنام في شهر رجب. والفَرَع: أول ما تلده الناقة، كانوا يذبحونه لآلهتهم ويتبركون به، فنهى عنه الشارع. انظر: المصباح المنير للفيومي: 2/ 391.
(2)
في "ج": لما أرادت فاطمة أمه.
(3)
في "ج": احلقي رأسه.
(4)
الوَرِق: الدراهم المضروبة. والفضة: غير المضروبة.
(5)
أخرجه الإمام أحمد: 6/ 390، وفي طبعة الرسالة: 45/ 173، والبيهقي في السنن: 9/ 304، وفي شعب الإيمان: 15/ 106، والطبراني في الكبير: 7/ 9 برقم 918 و 2576، وابن أبي شيبة: 8/ 235، وفي طبعة دار القبلة: 12/ 319. وقال الهيثمي في المجمع 4/ 57: "رواه أحمد والطبراني في الكبير وهو حديث حسن". وانظر: إرواء الغليل برقم 4281، والتعليق على المسند، الموضع السابق. وسيأتي كلام المؤلف في تضعيفه ص (61) وفي بيان معناه لو صحَّ.
الفصل الثالث
في أَدلَّةِ الاستحبابِ
فأمَّا أهلُ الحديثِ قاطبةً، وفقهاؤهُم، وجمهورُ أهلِ العِلْمِ، فقالوا: هي من سُنَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
واحتجُّوا على ذلك بما رواه البُخَاريّ في "صحيحه" عن سَلْمانَ بنِ عامر الضَّبّيِّ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مع الغُلامِ عَقِيقَتُهُ، فأهْرِيقُوا عنهُ دَمًا، وأَمِيطُوا عنهُ الأذَى"
(1)
.
وعن سَمُرَةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعَقِيقَتِه، تُذبح عنه يومَ سَابعهِ، ويُسَمَّى فيه، ويُحْلَقُ رأسُهُ" رواه أهلُ السُّنَنِ كلُّهم، وقال التّرْمِذِيّ:"هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ"
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري في العقيقة، باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة: 9/ 590.
(2)
رواه أبو داود في الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 610، والترمذي في الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة: 4/ 101، والنسائي في العقيقة، باب متى يعق؟: 7/ 177، وابن ماجه في الذبائح، باب العقيقة: 2/ 1506 - 1507 برقم (3165)، والإمام أحمد: 5/ 17، وفي طبعة الرسالة: 33/ 356، وابن أبي شيبة: 8/ 236، وفي طبعة دار القبلة: 12/ 320، والدارمي في السنن: 2/ 81 برقم (1969)، وابن عبدالبر في التمهيد: 4/ 307، والبيهقي: 9/ 299، وصححه الحاكم: 4/ 237 ووافقه الذهبي.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عنِ الغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتانِ، وعنِ الجَارِية شاةٌ" رواه الإمام أَحمد والتّرْمِذِيُّ وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ"
(1)
.
وفي لفظ: أمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نَعُقَّ عن الجَارِيَة شاةً وعن الغُلام شاتين. رواه الإمام أَحْمَد في "مسنده"
(2)
.
وعن أمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ أنها سألتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن العَقيقةِ فقال: "عن الغُلام شَاتَانِ وعن الأنثى واحدةٌ، ولا يَضرُّكم ذُكْرَانًا كُنَّ أو إناثًا". رواه الإمام أَحمد والتّرمذِيّ وقال: "هذا حديث صحيح"
(3)
.
وقال الضّحَّاك بنُ مَخْلَد: أخبرنا أبوحَفْصٍ سالمُ بنُ تميمٍ
(4)
، عن
(1)
رواه الإمام أحمد: 6/ 31، وفي طبعة الرسالة: 40/ 30، والترمذي في الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة: 4/ 96 - 97، وصححه ابن حبان برقم (5313)، ورواه عبدالرزاق: 4/ 327، والبيهقي: 9/ 301.
(2)
المسند: 6/ 251، وفي طبعة الرسالة: 43/ 231، وابن ماجه في الذبائح، باب العقيقة: 2/ 1065، والبيهقي في السنن: 9/ 301، وفي شعب الإيمان: 15/ 104.
(3)
رواه الإمام أحمد: 6/ 381، وفي طبعة الرسالة: 45/ 116، وأبو داود في الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 608، والترمذي في الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة: 4/ 98، وقال:"هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في العقيقة، باب العقيقة عن الجارية وكم يعق؟: 7/ 165، وابن ماجه في الذبائح، باب العقيقة: 2/ 1065، وابن أبي شيبة: 12/ 322، وصححه الحاكم: 4/ 237 ووافقه الذهبي.
(4)
في (ج، د): سالم بن سهم.
أبيه، عن عبدِ الرَّحمن الأعْرَجِ، عن أبي هُرَيرَة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ اليَهودَ تَعُقُّ عن الغُلامِ ولا تَعُقُّ عن الجَارِيَة، فَعقُّوا عن الغُلامِ شاتَيْنِ وعنِ الجَاريَة شاةً". ذكره البيهقِيُّ
(1)
.
وعن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَيْنِ كَبْشًا كبشًا. رواه أبو داود والنَّسائيّ. ولفظ النَّسائيّ: "بكبشينِ كبشينِ"
(2)
.
وعن عَمْرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَر بتسميةِ المولودِ يومَ سابعِهِ ووضْعِ الأذى عنه والعقِّ
(3)
. قال التّرْمِذِيّ: "هذا حديث حسن غريب".
وعن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِىّ: قال كنَّا في الجاهليَّة، إذا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غلامٌ ذَبحَ شاةً ولَطَّخَ رأسَه بِدَمِهَا، فلمَّا جاء الله بالإسلامِ كنَّا نذبحُ شاةً، ونَحْلقُ رأسَهُ، ونلطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ. رواه أبو داود
(4)
.
وروى ابن المنذر
(5)
من حديث يحيى بن يحيى، أنبأنا هُشَيم، عن
(1)
في السنن: 9/ 301، وفي شعب الإيمان: 15/ 106.
(2)
أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 613، والنسائي في العقيقة، باب كم يعق عن الجارية: 7/ 165 - 166، والبيهقي: 9/ 299.
(3)
أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في تعجيل اسم المولود: 5/ 132.
(4)
في السنن، كتاب الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 615 ـ 616، وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 4/ 238 ووافقه الذهبي، ورواه البيهقيُّ في السنن: 9/ 238.
(5)
في (ج، د): ابن المنكدر. وهو خطأ، وفي "ب" عقب حديث بريدة السابق: رواه أبو داود وابن المنذر. وانظر: الإشراف لابن المنذر: 3/ 416.
عُيَينةَ بنِ عبد الرَّحمن، عن أبيه، أنَّ أبا بَكْرَةَ وُلِد له ابنهُ عبدُ الرَّحمن، وكان أوَّلَ مولود وُلِدَ بالبصرة، فَنحَرَ عنه جَزُورًا، فأطعمَ أهلَ البصرةِ. وأنكر بعضُهم ذلك، وقال: أمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشَاتَين عن الغُلام وعن الجَارِيَة بشاة.
وعن الحَسَنِ عن سَمُرَة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في العَقِيقَة:"كلُّ غلامٍ مُرْتَهَنٌ بعَقيقتهِ، تُذبَحُ عنه يومَ سابعِه، ويُحْلَقُ، ويُدَمَّى".
قال أبو داود: فكان قتادة إذا سئل عن
(1)
الدم كيف يصنع به
(2)
؟ قال: إذا ذُبِحَتِ العَقِيقَةُ، أُخذت منها صوفةٌ، واستُقْبِلَتْ بها أوْداجُهَا، ثم تُوضَع على يَافُوخِ الصبيَّ حتى يسيلَ
(3)
على رأسه مِثل الخيط، ثم يُغسل رأسُه ويُحلَقُ
(4)
.
قال أبو داود: وهذا وهمٌ من هَمَّام بن يحيى ـ يعني "ويُدَمَّى" ـ ثم
(1)
في "ب": إذا سال عنه الدم.
(2)
"قال أبو .. يصنع به" ساقط من "د".
(3)
في "أ": يسيل الدم.
(4)
أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 608 ـ 609، وابن ماجه برقم (3156)، وابن الجارود في المنتقى، برقم (886)، وابن عبدالبر في التمهيد: 4/ 30. وانظر: زاد المعاد للمصنف: 2/ 326 ـ 328، ومعالم السنن للخطابي: 4/ 265.
ساقه من طريق أخرى، قال: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتِهِ، تُذبَح عنه يومَ سابعِهِ ويحلق رأسه
(1)
ويُسَمَّى".
قال أبو داود: "ويسمَّى" أصحُّ.
وأخرجه التّرْمِذِيّ والنَّسائيّ وابنُ ماجه، وقال التّرْمذيّ:"حديث حسن صحيح"
(2)
.
وهذا الحديث قد سَمِعَهُ الحَسَنُ من سَمُرَةَ، فذكر البُخَاريّ في "صحيحه"
(3)
عن حبيب بن الشهيد، قال: قال لي ابنُ سيرين: سَلِ الحَسَنَ: ممّن سمع حديث العَقيقةِ؟ فسألته، فقال: من سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ
(4)
.
وقد ذكر البَيهقيّ عن سليمان بن شُرَحْبِيل: حدّثنا يحيى بن حَمْزَة قال: قلت لعطاء الخُرَاسَانيّ: ما "مُرْتَهنٌ بعقيقته؟ " قال: يحرم شفاعة ولده
(5)
.
(1)
ساقطة من "ب".
(2)
أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب العقيقة: 9/ 610 ـ 611، والترمذي في الأضاحي، باب في العقيقة: 4/ 101، والنسائي في العقيقة، باب متى يعق: 7/ 166، وابن ماجه في الذبائح، باب العقيقة: 2/ 1056 - 1057، وصححه الحاكم: 4/ 233، ورواه البيهقي: 9/ 239.
(3)
كتاب العقيقة، باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة: 9/ 590.
(4)
هذا الكلام بنصه في زاد المعاد: 2/ 326، وفي تهذيب السنن: 4/ 126.
(5)
سنن البيهقي: 9/ 299.
وقال إسْحَاق بنُ هَانِئ: سألتُ أبا عبدِ الله عن حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "الغُلامُ مُرْتَهنٌ بعَقيقتِه" ما مَعْناهُ؟
قال: نعم، سُنَّةُ النبيّ
(1)
صلى الله عليه وسلم أن يُعَقَّ عن الغُلام شَاتانِ وعن الجَارِيَةِ شاةٌ، فإذا لم يُعَقَّ عنه فهو محتَبَسٌ بعقيقتِه، حتى يُعَقَّ عنه
(2)
.
وقال الأَثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: ما في هذه الأحاديثِ أَوْكَدُ من هذا
ــ يعني في العَقِيقَة "كلُّ غلامٍ مُرْتَهنٌ بعقيقتِه" ــ.
وقال يَعقوب بن بُخْتَان: سُئل أبو عبد الله عن العَقِيقَةِ، فقال: ما أَعْلمُ فيه شيئًا أشدَّ من هذا الحديث: "الغُلامُ مرتهنٌ بعقيقتهِ"
(3)
.
وقال حَنْبَل
(4)
: قال أبو عبد الله: ولا أحبُّ لمن أمْكَنهُ وقَدَرَ: أنْ لا يَعُقَّ عن ولده، ولا يَدَعَهُ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"الغُلامُ مُرْتَهنٌ بعَقِيقَتهِ"، وهو أشدُّ ما روي فيه، وإنما كره النبيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك الاسمَ، وأما الذَّبْحُ، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد فعلَ ذلك.
وقال أَحْمَدُ بنُ القاسمِ: قيل لأبي عبد الله: العَقِيقَةُ واجبةٌ هي؟ فقال: أمَّا واجبةٌ فلا أدري، لا أقولُ: واجبةٌ. ثم قال: أشدُّ شيءٍ فيه أنَّ
(1)
في "أ": سنة عن النبي.
(2)
انظر: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن هانئ: 2/ 130.
(3)
انظر: مسائل الإمام أحمد برواية صالح: 2/ 208.
(4)
في "ج": أحمد بن حنبل.
الرجلَ مُرتهنٌ بعقيقتهِ.
وقد قال أَحْمَد في موضعٍ آخرَ: مرتهنٌ عن الشفاعة لِوَالِدَيْهِ
(1)
.
وأمَّا قولُه: "ويُدَمَّى": فقد اختُلِفَ في هذه اللفظة، فرواها هَمَّام بن يحيى عن قَتَادَة، فقال:"ويُدَمَّى"، وفسَّرها قَتَادَة بما تقدم حكايته.
وخالفَه في ذلك أكثرُ أهلِ العِلْمِ، وقالوا: هذا من فعل الجاهليَّة
(2)
.
(1)
سيأتي قوله هذا في ص 98 و 102. وقال الخطابي في معالم السنن: 4/ 265 "اختلف الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلًا لم يشفع في أبويه، وقيل: معناه أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه المولود في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن". وانظر: فتح الباري: 9/ 594.
(2)
قال ابن حجر في الفتح 9/ 593: "ولم تقع في حديث أبي هريرة هذه الكلمة الأخيرة وهي"ويسمى" وقد اختلف فيها أصحاب قتادة فقال أكثرهم: "يسمى" بالسين. وقال همام عن قتادة: "يدمى" بالدال. قال أبو داود: خولف همام، وهو وهم منه ولا يؤخذ به، قال: ويسمى أصح. ثم ذكره من رواية غير قتادة بلفظ "ويسمى" واستشكل ما قاله أبو داود بما في بقية رواية همام عنده أنهم سألوا قتادة عن الدم كيف يصنع به؟ فقال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت به أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. فيبعد مع هذا الضبط أن يقال: إن هماما وهم عن قتادة في قوله: "ويدمى" إلا أن يقال إن أصل الحديث "ويسمى" وأن قتادة ذكر الدم حاكيًا عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، ومن ثم قال ابن عبدالبر: لا يحتمل همام في هذا الذي انفرد به، فإن كان حفظه فهو منسوخ".
وكرهه الزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافِعِيُّ، وأَحمدُ، وإسْحَاق.
قال أَحمد: أكره أن يُدَمَّى رأسُ الصبيِّ، هذا من فعل الجاهليَّة
(1)
.
وقال عبد الله بن أَحْمَدَ: سألتُ أبي عن العَقِيقَة: تُذْبَحُ
(2)
ويُدَمَّى رأسُ الصبيِّ أو الجَارِيَةِ؟ فقال أبى: لا يُدَمَّى
(3)
.
وقال الخَلاّل: أخبرني العبَّاس بن أَحمد: أنَّ أبا عبد الله سُئِلَ عن تلطيخ رأس الصبيِّ بالدم، فقال: لا أحبُّه، إنه من فعل الجاهليَّة. قيل له: فإن هَمَّامًا كان يقول: يدمِّيه، فذكر أبو عبد الله عن رجل قال: كان يقول: يسمِّيه، ولا أحبُّ قول هَمَّام في هذا.
وأخبرنا أَحْمَد بن هاشِم
(4)
الأنْطَاكِيّ قال: قال أَحْمَد: اختلف هَمَّامٌ وسعيدٌ في العَقِيقَةِ، قال: أحدهما "يُدَمَّى"، وقال الآخر:"يُسَمَّى".
وعن أَحْمَد رواية أخرى أن التَّدْمِيَةَ سنَّةٌ.
قال الخَلاّل: أخبرني عِصْمَةُ بنُ عصامٍ، قال: حدّثنا حَنْبَل قال:
(1)
انظر: مسائل أحمد وإسحاق للمروزي: 8/ 3945، معالم السنن: 4/ 256.
(2)
في (ب، ج): يذبح
(3)
انظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبدالله: 3/ 879.
(4)
في "ج": هشام.
سمعت أبا عبد الله في الصبيِّ يُدَمَّى رأسه؟ قال: هذه سنَّةٌ
(1)
.
ومذهبُهُ الذي رواه عنه كافَّةُ أصحابهِ الكراهةُ
(2)
.
قال الخَلاّل: وأخبرني عصمةُ بنُ عصامٍ في موضعٍ آخر: حدّثنا حَنْبَل، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يُحلَقُ رأسُ الصبيِّ.
وأخبرني محمَّد بن علي: حدّثنا صالح، وأنبأ أَحْمَدُ بنُ محمَّد بن حَازِمٍ، حدّثنا إسْحَاق، كلُّهم يذكر عن أبي عبد الله، قال: الدمُ مكروهٌ، لم يرْوَ إلا في حديثِ سَمُرَةَ
(3)
.
أخبرني محمَّدُ بنُ الحُسَينِ أنَّ الفَضْلَ حدَّثَهُمْ أنَّه قال لأبي عبد الله: يحلق رأسه؟ قال: نعم! قلت: فيُدَمَّى؟ قال: لا، هذا مِنْ فِعْلِ الجاهليَّةِ. قلت: فحديثُ قَتَادَةَ عن الحَسَنِ، كيفَ هوَ "ويُدَمَّى؟ " فقال: أمَّا هَمَّامٌ، فيقول:"ويُدَمَّى"، وأمَّا سعيد، فيقول:"ويُسمَّى".
وقال في رواية الأَثرَمِ: قال ابنُ أَبي عَرُوبَة: "يسمَّى"، وقال هَمَّام:
(1)
وجزم به في المستوعب والحاويين، وقدّمه في الرعاية الكبرى. انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي: 4/ 112، والمبدع شرح المقنع لابن مفلح: 3/ 302.
(2)
قال المرداوي في الإنصاف 4/ 112: يكره لطخ رأس المولود بدم العقيقة على الصحيح من المذهب. نصَّ عليه. وجزم به ابن البنا في الخصال، وقدّمه في المغني والشرح والفروع والفائق. وانظر: المبدع: 3/ 302.
(3)
مسائل أحمد وإسحاق للمروزي: 8/ 3945.
"ويُدَمَّى"، وما أُراه إلا خطأً.
وقد قال أبو عبد الله ابن ماجه في "سننه"
(1)
: حدّثنا يَعقوبُ بنُ حُمَيدٍ بنِ كَاسِبٍ، حدّثنا عبدُ الله بنُ وهب، حدّثني عَمْرُو بنُ الحارث، عن أيُّوبِ بنِ موسى، أنه حدَّثه عن يزيدِ بنِ عبدٍ
(2)
المُزَنِيّ، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"يُعَقُّ عنِ الغُلام ولا يُمَسُّ رأسهُ بدمٍ".
وقد تقدم حديث بُرَيدَةَ: كنا في الجاهليَّة إذا وُلِدَ لأحدنا غلامٌ، ذبح شاة، ولطَّخَ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام، كنَّا نذبحُ شاةً، ونحلِقُ رأسَه، ونلطِّخُه بزَعْفَرَان
(3)
.
وقد روى البَيهَقيّ وغيره من حديث ابن جُرَيجٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ قالت: كان أهل الجاهليَّة يجعلون قُطنةً في دم العَقِيقة، ويجعلونَهُ على رأسِ الصبيِّ. فأمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُجعلَ مكانَ الدَّمِ خَلُوقًا
(4)
.
(1)
كتاب الذبائح، باب العقيقة: 2/ 1057 برقم (3166) قال البوصيري في الزوائد: "إسناده حسن".
(2)
في "أ": عبدالله.
(3)
انظر فيما سبق ص (51).
(4)
سنن البيهقي: 9/ 303، وأخرجه أيضًا عبدالرزاق: 4/ 330 ـ 331، وابن حبان: 12/ 124، قال الهيثمي:"رواه أبو يعلى والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ أبي يعلى فإني لم أعرفه". انظر: مجمع الزوائد: 4/ 57 - 58.
قال ابن المُنْذِر: "ثبتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "أهْرِيقُوا عنه دمًا، وأمِيطُوا عنه الأذى". فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أمَرَنَا بإماطة الأذى عنه، والدَّمُ أذًى
ــ وهو من أكبر الأذى ــ فغير جائزٍ أن ينجَّسَ رأسُ الصبيِّ بالدَّمِ"
(1)
.
(1)
الإشراف لابن المنذر: 3/ 419. وانظر: زاد المعاد: 2/ 328، وتهذيب السنن: 4/ 127.
الفصل الرابع
في الجوَابِ عن حُججِ من كَرهها
قال الإمام أَحْمَد في رواية حَنْبَل ـ وقد حُكِي عن بعض مَنْ كَرِهَهَا أنَّها من أمْرِ الجاهليَّة ـ قال: هذا لقلَّةِ عِلْمِهِمْ ومعرفتِهِم بالأخبارِ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم قد عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَيْن، وفعلَها أصحابُه، وجَعَلَها هؤلاء
(1)
مِنْ أمرِ الجاهليَّة، والعقيقةُ سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال:"الغُلام مُرْتَهنٌ بعقيقتِه"، وهو إسنادٌ جيِّدٌ، يَرْوِيْهِ أبو هُرَيْرَةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وقال في رواية الأَثْرَمِ: في العَقِيقَةِ أحاديثُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُسْنَدَةٌ وعن أصحابِه وعن التَّابعِينَ، وقال هؤلاء: هي من عمل الجاهليَّة، وتبسَّم كالمُعْجَبِ
(2)
!
وقال في رواية الميموني: قلت لأبي عبد الله: هل ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في العَقِيقَة شيء؟ فقال: إي والله غيرُ حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: عنِ الغُلامِ شاتانِ، وعن الجَارِيَةِ شاة
(3)
.
قلت له: فتِلكَ الأحاديثُ التي يعترض فيها؟ فقال: ليست بشيء، لا
(1)
جاءت العبارة في "ج" هكذا: وفعلها هؤلاء. بدلا من: وفعلها أصحابه وجعلها هؤلاء ..
(2)
انظر: المغني لابن قدامة: 13/ 395.
(3)
انظر: المسائل التي حلف عليها أحمد لابن أبي يعلى، ص 55.
يُعْبَأُ بها
(1)
.
وأما حديثُ عَمْروِ بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا أحبُّ العُقُوقَ" فسياق الحديث من أدلة الاستحباب، فإنَّ لَفْظَهُ هكذا: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن العَقِيْقَة، فقال:"لا أُحِبُّ العُقُوقَ"، وكأنه كَرِهَ الاسمَ، فقالوا: يا رسولَ الله إنما نسألُكَ عن أَحَدِنَا يُولَد له ولدٌ. فقال: "مَنْ أحبَّ منكم أن يَنْسُكَ عن ولدِه، فَلْيَفعلْ، عن الغُلامِ شاتانِ مكافئتانِ، وعن الجَارِيَة شاةٌ"
(2)
.
وأما حديثُ أبي رافعٍ فلا يصحُّ
(3)
.
وقد قال الإمامُ أَحْمَد في هذه الأحاديث المعارِضَةِ لأحاديث العَقِيقَةِ: ليستْ بشيءٍ، لا يُعْبَأُ بها.
وقد استفاضتِ الأحاديثُ بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحَسَنِ والحُسَيْنِ، فروى أيُّوبُ عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقَّ عن الحَسَن والحُسَيْن كبشًا كبشًا. ذكره أبو داود
(4)
.
وذكر جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ عن قَتَادَةَ، عن أنسٍ، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم عقَّ عن
(1)
نقل قطعة من رواية الميموني هذه في أعلام الموقعين: 4/ 167.
(2)
تقدم تخريجه فيما سبق، ص (47).
(3)
تقدم تخريجه فيما سبق، ص (48)
(4)
تقدم في ص (51) من رواية أبي داود: 9/ 613، والنسائي: 7/ 166.
الحَسَنِ والحُسَينِ كبشينِ
(1)
.
وذكر يحيى بنُ سعيدٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَة، قالت: عقَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الحَسَن والحُسَيْن يوم السَّابع
(2)
.
ولو صحَّ قولُهُ: "لا تَعُقِّي عنه" لم يدلَّ ذلك على كراهة العَقِيْقَةِ، لأنه صلى الله عليه وسلم أحبَّ أن يَتحمَّل عنها العقيقة، فقال لها: لا تَعُقِّي، عقَّ هو صلى الله عليه وسلم وكفاها المَؤُونَةَ.
وأما قولهم: إنها من فِعْلِ أهل الكتابِ. فالذي مِنْ فِعْلِهمْ تخصيصُ الذَّكَرِ بالعَقِيقَةِ دون الأنثى، كما دلّ عليه لفظُ الحديثِ، فإنه قال:"إنَّ اليَهُودَ تَعُقُّ عن الغُلام شاتينِ، ولا تَعُقُّ عن الجَارِيَة، فعقُّوا عن الغلامِ شاتينِ وعن الجاريةِ شاةً"
(3)
.
(1)
رواه البيهقي في السنن: 9/ 299، وصححه ابن حبان: 12/ 125. وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي: 4/ 57.
(2)
رواه البيهقي في السنن: 9/ 299، وعبد الرزاق برقم (6963)، وصححه الحاكم: 4/ 237، وابن حبان: 12/ 127.
(3)
تقدم تخريجه فيما سبق، ص (51 - 52).
الفصل الخامس
في اشتقاقِهَا، ومِن أيِّ شيءٍ أُخذتْ
قال أبو عُمر
(1)
: "فأمَّا العَقِيقَةُ في اللغة؛ فروى
(2)
أبو عُبَيْدٍ عن الأَصْمَعِيِّ وغيرِه، أن أصلها: الشَّعر الذي يكون على رأس الصبيِّ حين يُولَد، وإنَّما سُمِّيَتْ الشاة التي تُذْبَحُ عنه عَقِيقَةً؛ لأنه يُحْلَقُ عنه ذلك الشَّعْرُ عند الذَّبْح. قال: ولهذا قال: "أمِيطُوا عنه الأذى" يعني ـ بذلك ـ الشَّعْرَ.
قال أبوعُبَيْدٍ: وهذا ممَّا قلتُ لك: إنهم ربَّما سمَّوا الشيءَ باسمِ غيره، إذا كان معه أومِنْ سببِهِ، فسمِّيَتِ الشاةُ عَقِيقَةً لعَقِيقَةِ الشَّعر، وكذلك كلُّ مولودٍ من البَهَائِمِ، فإن الشَّعْرَ الذي يكونُ عليه حينَ يُوَلدُ عَقِيْقَةٌ وعَقَّةٌ
(3)
. قال زُهَيْرٌ يَذْكُرُ حِمَارَ وَحْشٍ:
أَذَلِكَ أَمْ أَقَبُّ البَطْنِ جَأْبٌ
…
عَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ
(4)
(1)
الإمام الحافظ أبو عمر، يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري الأندلسي المتوفى سنة 463 هـ.
(2)
في "ب": فذكره. وفي "ج": فذكر.
(3)
ساقطة من "ج".
(4)
البيت لزهير بن أبي سُلمى في ديوانه، ص (65). وجاءت رواية الشطر الأول في التمهيد هكذا: أذلك أم شتيم الوجه
…
قال: يعني صغارَ الوَبَرِ.
وقال ابن الرِّقَاع
(1)
يصِفُ حِمَارًا:
تَحَسَّرَتْ عِقَّةٌ عَنْهُ فَأَنْسَلَهَا
…
وَاجْتَابَ أُخْرَى جَدِيْدًا بَعْدَمَا ابْتَقَلَا
(2)
قال: يريدُ أنه لما فُطِمَ من الرَّضاعِ وأكلَ البَقْلَ، ألقَى عَقِيْقَتَهُ واجتابَ أُخرى.
قال أبو عُبَيد
(3)
: العقيقةُ والعِقَّةُ في النَّاس والحُمُرِ، ولم يُسْمَعْ في غير ذلك. انتهى كلام أبي عبيد
(4)
.
وقد أنكر الإمام أَحمد تفسيرَ أبي عُبيدٍ هذا للعَقِيقَةِ، وما ذكَرَهُ عن الأصمعيِّ وغيرِهِ في ذلك. وقال: إنما العقيقةُ الذَّبْح نَفْسُه. وقال: ولا
(1)
في "ج، د": الدفاع. وابن الرقاع هو عدي بن زيد، من أهل دمشق، كان معاصرًا لجرير مهاجيًا له، مقدمًا عند بني أمية. انظر: الأعلام للزركلي: 4/ 221.
(2)
ديوان ابن الرِّقاع، ص (30). وهو من شواهد اللسان: 10/ 258، وتهذيب اللغة: 1/ 56، و 4/ 289.
(3)
انظر: الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام: 3/ 758 ـ 759، وغريب الحديث: 2/ 284 ـ 285.
(4)
انظر: التمهيد لابن عبدالبر: 4/ 308 ـ 309، والاستذكار له أيضًا: 5/ 548، وتهذيب اللغة للأزهري: 1/ 56 ـ 57.
وَجْهَ لما قال أبُو عُبَيْدٍ
(1)
.
قال أبو عُمَرَ
(2)
: واحتجَّ بعضُ المتأخِّرينَ لأَحمدَ في قوله هذا، بأن قال: ما قاله أَحمد من ذلك فمعروفٌ في اللغة، لأنه يقال: عقَّ: إذا قطع، ومنه: عقَّ والدَيْه: إذا قطعهما.
قال أبُو عُمَر: ويشهد لقول أَحمدَ قولُ الشَّاعرِ:
بِلَادٌ بِهَا عَقَّ الشَّبَابُ تَمَائِمَهُ
…
وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُهَا
(3)
يريد: أنه لما شبَّ قُطِعَتْ عنه تمائمه.
ومِثْلُ
(4)
هذا قولُ ابنِ مَيَّادَةَ:
بِلَادٌ بِهَا نِيْطَتْ عَليَّ تَمَائِمِي
…
وَقُطِّعْنَ عَنِّي حِيْنَ أَدْرَكَنِي عَقْلي
(5)
قال أبُو عُمَر: وقول أَحمد في معنى العَقِيقَة في اللغة أَوْلَى من قول
(1)
انظر: مسائل الإمام أحمد، برواية عبدالله، 267 ـ 268، التمهيد لابن عبدالبر: 4/ 308.
(2)
التمهيد: 4/ 310.
(3)
البيت لرقاع بن قيس الأسدي. وهو من شواهد اللسان: 7/ 418 و 12/ 70، ونسب إلى غيره.
(4)
من قوله: ومثل هذا .. إلى آخر البيت ساقط من "أ".
(5)
البيت في الأغاني: 2/ 310، وفي اللسان: 1/ 69، و 7/ 418. وابن ميادة: هو أبو شرحبيل، الرماح بن يزيد. وميادة أمه. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة: 2/ 655.
أبي عُبيد، وأقربُ وأصوبُ، والله أعلم. انتهى كلام أبي عمر
(1)
.
وقال الجَوهَريُّ: "عقَّ عن وَلَدهِ يَعُقُّ عقًّا: إذا ذبح عنه يوم أُسبوعِه، وكذلك إذا حلق عقيقتَه"
(2)
.
فجعل العقيقةَ لأمرينِ، وهذا أَوْلَى. والله أعلم.
وأمَّا قولُه في الحديث: "لا أُحبُّ العُقُوقَ" فهو تنبيهٌ على كراهة ما تَنْفِرُ عنه القلوبُ من الأسماء، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شديدَ الكراهةِ لذلك جدًّا، حتى كان يغيِّر الاسمَ القبيحَ بالحَسَن، ويتركُ النُّزولَ في الأرض القبيحةِ الاسمِ، والمرورَ بين الجبلَيْنِ القبيحِ اسمُهُمَا، وكان يحبُّ الاسمَ الحَسَنَ والفَأْلَ الحَسَنَ
(3)
.
وفي "الموطَّأ": أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال ـ لِلَقْحَةٍ ـ: "مَنْ يَحْلُبُ هذه؟ " فقام رجلٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اسْمُكَ؟ " فقال: له الرجل
(4)
: مُرَّة، فقال له رسول الله
(1)
التمهيد لابن عبدالبر: 4/ 311.
(2)
الصحاح للجوهري: 4/ 1528. وانظر: معجم مقاييس اللغة: 4/ 3، لسان العرب:10/ 255، القاموس المحيط: 3/ 258.
(3)
انظر: زاد المعاد: 2/ 334 وما بعدها.
(4)
ساقطة من "أ".
- صلى الله عليه وسلم: "اجْلِسْ". ثم قال: "مَن يحلُبُ هذه؟ " فقام رجل آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اسمُك؟ " فقال: حَرْبٌ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجْلِس"، ثم قال:"مَنْ يَحْلُبُ هذه؟ " فقام رجل آخر
(1)
، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اسمُك؟ " فقال: يعيشُ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"احلُبْ". رواه مُرْسَلًا في "موطئه"
(2)
.
وأسنده ابن وَهْبٍ في "جامعه"
(3)
فقال: حدّثني ابنُ لَهِيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرَّحمن بن جُبير، عن يعيش الغِفَارِيِّ، قال: دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا بناقةٍ، فقال:"من يَحلُبُها؟ " فقام رجل، فقال:"ما اسمُكَ؟ " قال: مُرَّة، قال:"اقعُدْ"، فقام آخر فقال:"ما اسمُك؟ " قال: جَمْرَةٌ، قال:"اقْعُدْ". ثم قام رجل، فقال:"ما اسمك؟ " قال: يعيش، قال:"احْلُبْهَا".
قال أبُو عُمَر: "وهذا من باب الفَأْل الحَسَن، لا من باب الطِّيَرَةِ"
(4)
.
وعندي فيه وجهٌ آخر: وهو أنَّ بين الاسمِ والمُسمَّى علاقةً ورابطةً تُنَاسِبُه وقلَّما يتخلَّف ذلك؛ فالألفاظُ قَوَالِبُ المعاني، والأسماءُ قَوالبُ المسمَّيات.
(1)
ساقطة من "أ".
(2)
في كتاب الاستئذان، باب ما يكره من الأسماء: 2/ 382 برقم (3062). وعبدالرزاق في المصنف: 11/ 41 ووصله ابن عبدالبر. انظر: التمهيد: 24/ 72، والاستذكار: 10/ 269. واللّقحة ـ بكسر اللام وفتحها ـ: الناقة قريبة العهد بالنتاج، وكثيرة اللبن.
(3)
الجامع في الحديث لابن وهب: 2/ 742 برقم (654).
(4)
التمهيد في الموضع السابق نفسه.
وقَلَّ إنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ
…
إلَّا ومَعْنَاهُ، إنْ فَكَّرْتَ، في لَقَبِهْ
(1)
فقُبحُ الاسمِ عنوانُ قُبحِ المسمَّى، كما أنَّ قُبْح الوجه عنوان قبح الباطن
(2)
.
ومن هاهنا ـ والله أعلم ـ أخذ عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه ما ذكره مالكٌ عنه، أنه قال لرجلٍ: ما اسمُك؟ فقال: جَمْرَةٌ، فقال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شِهاب، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرَقَةِ، قال: أين مَسكنُكَ؟ قال: بِحَرَّةِ النار، قال: بأيِّتها؟ قال: بِذَاتِ لَظًى. فقال عمر: أدركْ أهلك فقدِ احْتَرَقُوا. فكان كما قال عمرُ بنُ الخطابِ
(3)
رضي الله عنه.
وقد ذكر ابنُ أبي خَيثَمةَ من حديث بُرَيدَةَ: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يتطيَّر، فَرَكِبَ بُرَيْدَةُ في سبعينَ راكبًا من أهل بيتِهِ من بني أَسْلَمَ
(4)
، فَلَقِيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلًا فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَنْتَ؟ " قال: أنا بُرَيدَةُ، فالتفتَ إلى أبي بكر وقال: "يا أبا بكر بَرَدَ أمْرُنا وصَلُحَ
(5)
". ثمَّ قال: "ممَّن؟ " قلت:
(1)
قاله بعض أصحاب ثعلب، كما في "نور القبس" للحافظ اليغموري، ص (332) بلفظ:
وقَلَّما أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ
…
إلَّا ومعناهُ، إنْ فَتَّشتَ، في لَقَبِهْ
(2)
انظر: زاد المعاد: 2/ 236، ومفتاح دار السعادة: 2/ 259.
(3)
رواه مالك في كتاب الاستئذان، باب ما يكره من الأسماء: 2/ 382.
(4)
في التاريخ: من بني سهم.
(5)
في التاريخ: وملح.
مِنْ أَسْلَمَ، قال لأبي بكر
(1)
: "الآن
(2)
سَلِمْنَا"، ثم قال: "ممَّن؟ " قال: من بني سَهْمٍ، قال: "خَرَجَ سَهْمُكَ"
(3)
.
ولما رأى سُهَيلَ بنَ عَمْرٍو مُقْبِلًا يومَ صلحِ الحُدَيبِيَةِ، قال:"سهل أَمْرُكُم"
(4)
.
ولما انتهى
(5)
في مَسِيرِهِ إلى جبلَينِ، فسأل عن اسمِهِما، فقالوا: مُخْزٍ وفَاضِحٌ، فعَدَلَ عنهما، ولم يسلُكْ بينهما
(6)
.
(1)
لأبي بكر. ليست في "ب، ج".
(2)
الآن: ليست في التاريخ:
(3)
أخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ، السفر الثاني: 1/ 103، وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: 1/ 21، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: 6/ 55 من رواية البزار، وقال:"وفيه عبدالعزيز بن عمران الزهري وهو متروك". انظر: التمهيد: 24/ 73، تاريخ الإسلام للذهبي: 1/ 233.
(4)
جزء من حديث طويل في قصة الحديبية، أخرجه البخاري في الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب: 5/ 331.
(5)
في "أ": وانتهى.
(6)
في السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 614: "فلما استقبل الصفراء ـ وهي قرية بين جبلين ـ سأل عن جبليها ما اسماهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما: هذا مُسْلح، وللآخر: هذا مخرِئ. وسأل عن أهلها .. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المرور بينهما". قال السُّهَيلي في الروض الأُنف 3/ 56: "وليس هذا من باب الطيرة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن من باب كراهية الاسم القبيح". انظر: زاد المعاد: 2/ 337، ومفتاح دار السعادة: 2/ 259.
وغيَّر اسمَ عاصية بجميلة
(1)
، واسمَ أَصْرَمَ بزرْعَة
(2)
.
قال أبو داود في "السُّنن": وغيَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم اسمَ العاصِ، وعَزِيزٍ وعَتَلَةَ
(3)
وشَيْطَانٍ، والحَكَمِ، وغُرَابٍ، وشِهَابٍ، فسمَّاه: هِشَامًا، وسَمَّى حَرْبًا: سِلْمًا، وسمَّى المُضْطَجِعَ: المُنْبَعِثَ، وأرْضَ عَفِرَةَ سمَّاها: خَضِرَةَ، وشِعْبَ الضَّلالةِ سمَّاهُ: شِعْبَ الهُدَى، وبَنُو الزِّنْيَةِ
(4)
سمَّاهُمْ: بني الرّشْدَةِ
(5)
.
وهذا بابٌ عجيبٌ من أبواب الدِّينِ، وهو العُدُولُ عن الاسمِ الذي تستقبِحُهُ العُقُولُ وتَنْفِرُ منه النُّفوس إلى الاسم الذي هو أحسنُ منه، والنفوس إليه أَمْيَلُ. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم شديدَ الاعتناء بذلك حتى قال:"لايَقُلْ أحدُكُم: خَبُثَتْ نَفْسِي، ولكنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي"
(6)
.
(1)
أخرجه مسلم في الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن: 3/ 1386 برقم (2139).
(2)
أخرجه أبو داود في الأدب، باب تغيير الاسم القبيح: 13/ 353. والبخاري في الأدب المفرد، ص 65، طبعة دار القلم.
(3)
في (ب، ج): غفلة.
(4)
في "ج": الريبة.
(5)
أخرجه أبو داود في الأدب تعليقًا، باب تغيير الاسم القبيح: 13/ 355. وقال: تركت أسانيدها للاختصار. وانظر: الأدب المفرد، ص (65 - 68)، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، رقم (208 و 215).
(6)
أخرجه البخاري في الأدب، باب لا يقل خبثت نفسي: 10/ 563 ومسلم في الألفاظ من الأدب، باب كراهة قول الإنسان: خبثت نفسي: 4/ 1765.
و"لقست نفسي" بمعنى خبثت أو غثّت أو فسدت، وقال ابن الأعرابي: معناه ضاقت. والخبث كثيرًا ما يستعمل في الكتب الإلهية بمعنى خبث الباطن وسوء السريرة، فهذه الكلمة بمنزلة الهيئات المنكرة، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تركها. انظر: حجة الله البالغة للدِّهلوي: 2/ 1180.
فلما كان اسم العَقِيقة بينه وبين العُقُوق تناسب وتشابه
(1)
، كرهه صلى الله عليه وسلم وقال:"إن الله لا يحب العُقُوق" ثم قال: "من وُلِدَ له مولودٌ فأحبَّ أن يَنْسُك عنه فَلْيفعلْ"
(2)
.
(1)
في "ب": مشابهة.
(2)
تقدم تخريجه فيما سبق ص (47).