الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثّالث: تضخيم حجم معاجم القافية
سجّل الباحثون المعاصرون في زماننا على المعجم العربيّ بعامّةٍ عدداً من الملحوظات، وعدّوها من مشكلات المعجم العربيّ؛ الّتي يمكن معالجتها بإعادة التّرتيب أو تهذيبه، أو بالحذف الكلّيّ أو الجزئيّ، أو بالإضافة، أو بالتّحقيق، أو بالاستدراك، أو بالتّصحيح1. ومن أهمّ تلك المشكلات:
صعوبة التّرتيب والتّبويب في بعض المعاجم.
اتّساع المعاجم.
الحشو والاستطراد.
إهمال التّرتيب الدّاخليّ للمادّة الواحدة.
التّكرار في الصّيغ أو المشتقّات داخل المادّة الواحدة.
التّصحيف والتّحريف.
قصور التّعريف2.
على أنّه ليس من أهداف هذا البحث سبر غور هذه المشكلات
1 ينظر: المعجم العربيّ: بحوث في المادّة والمنهج والتّطبيق 263.
2 ينظر: الجاسوس 5-36، والمعجم العربيّ 749-759، والبحث اللّغويّ عند العرب 295-300، والمعاجم العربيّة المجنّسة 222-224، والمعجم العربيّ: بحوث في المادة والمنهج والتّطبيق 266-271.
جميعاً، والخوض فيها بالتّفصيل والتّحليل، والكشف عن أسبابها ووضع الحلول لها، ولكنّه يكتفي منها لما له صلةٌ وثيقةٌ باتّساع معاجم القافية؛ ممّا يسمّيه بعضهم: تضخّماً1، أو حشواً2، أو لغواً3.
إنّ اتّساع معاجم القافية حقيقةٌ غير منكرةٍ؛ أثبت بعض الباحثين المعاصرين جوانب منها.
وأشير - هنا - إلى بعض ما ذكروه، وأضيف ما عساه فاتهم ممّا يعدّ أثراً لتداخل الأصول، وانعكاساً غير مباشرٍ له؛ فصفوة القول في ذلك أنّ اتّساع معاجم القافية مردودٌ إلى أمرين:
أحدهما: الحشو.
والآخر: التّكرار.
أمّا الأوّل - وهو الحشو - فقد عدّوه من مآخذ المعاجم العربيّة القديمة وعيوبها الّتي يحسن التّخلّص منها في المعاجم الجديدة؛ فأصحاب المعاجم أرادوا - لحرصهم الشّديد - أن يجمعوا اللّغة بواضحها وغريبها ونادرها ولغاتها، وأن يجمعوا معها معارف العرب، أو النّواحي المختلفة من الثّقافة العربية؛ فربّما دفعهم ذلك إلى حشو معاجمهم "بالإعلام العربيّة، والأعجميّة، وأسماء الأماكن، والقصص والخرافات، والمفردات
1 ينظر: المعاجم العربيّة المجنّسة 224.
2 ينظر: المعجم العربيّ 750.
3 ينظر: المعجم العربيّ: بحوث في المادّة والمنهج والتّطبيق 269.
الطبّيّة، والاصطلاحات الغريبة، حتّى مصطلحات ضرب الرّمل، والأمور الأجنبيّة، من الإسرائيليّات، والرّوميّات، والهنديّات"1 ممّا كاد يخرجها عن طبيعتها، ويبعدها عن حقل اختصاصها؛ فاقتربت معاجمهم ممّا نسمّيه اليوم: الموسوعات ودوائر المعارف2؛ بل إنّ بعض المعاصرين كان يراها موسوعاتٍ حقّاً3.
ولعلّ نظرة الإنصاف تعفي معجميِّينا القدامى من كثيرٍ من هذا اللوم؛ فلا بأس فيما صنعوه بذكرهم بعض المعارف العربيّة؛ الّتي نعدّها - اليوم - خارج اهتمامات المعجم؛ بحسب الحدود الّتي أصبحنا نرى أن يقيّد بها المعجم اللّغويّ؛ وهي معايير حديثةٌ لم تكن معروفةً من قبل، أو لم يكن القدامى يرونها؛ فمن الظّلم - إذن - أن نحاسبهم على ضوء مناهج تختلف عن مناهجهم؛ إذ كانوا لا يفرّقون بين المعاجم والموسوعات؛ وهو ما يناسب زمانهم.
والمهمّ - هنا - أن أقول: إنّه ليس للتّداخل أثرٌ ظاهرٌ في هذا النّوع؛ وهو الحشو.
أمّا الثّاني؛ وهو التّكرار؛ فهو على نوعين:
أحدهما: تكرار الكلمة داخل المادّة الواحدة.
1 المعجم العربيّ 750.
2 ينظر: البحث اللّغويّ عند العرب 300.
3ينظر: مناهج التّأليف عند العلماء العرب 731، 737.
والآخر: تكرار الكلمة في أكثر من مادّة (أصل) .
فالأوّل تكرار المشتقّات أو الصّيغ داخل المادّة الواحدة؛ لعدم اتّخاذهم منهجاً معيّناً في التّرتيب الدّاخليّ للمادّة. وقد نبّه عليه الشِّدْياق، في تعقّبه الفيروزاباديّ؛ وهو أنّه كثيراً ما يذكر لفظاً من مادّةٍ واحدةٍ، ثمّ يعيده؛ لعدم ترتيبه المشتقّات؛ كقوله في أوّل مادّة (ج ل ل) :"الجلل - محرّكةٌ: العظيم والصّغير؛ ضدٌّ" ثم قال بعد سطور عديدة: "والجلل - محركة: الأمر العظيم، والهين الحقير، ضدّ"1 وهما شيءٌ واحدٌ، كما ترى؛ وإن أوهمت عبارته الأولى والثّانية تقييداً2.
ولا يكاد يخلو معجمٌ من معاجم القافية من مثل هذا؛ ولا سيّما (لسان العرب) لابن منظورٍ الّذي ظهرت فيه هذه الظّاهرة في أجلى صورها، ولا غرابة في ذلك؛ فهو ينقل موادّ كاملةً من معاجم مختلفةٍ.
أمّا الآخر؛ وهو تكرار الكلمة بما يشتمل عليه من معانٍ في أكثر من موضعٍ قد تصل إلى ثلاثةٍ أو أربعةٍ - كما تقدّم في المبحث السّابق - فهو من أهمّ الأسباب المؤدّية إلى اتّساع معاجم القافية؛ وهو نتيجةٌ طبعيّةٌ لوضع الكلمة في غير موضعٍ. ولعلّي لا أبالغ إن قلت: إنّ هذا النّوع يفوق ما تقدّم في أثره في اتّساع المعاجم.
ويكفي أن نعود بالذّاكرة إلى ما ورد في موضعين أو أكثر ممّا
1 ينظر: القاموس (جلل)1264.
2 ينظر: سرّ اللّيال 17، والجوانب اللّغويّة عند أحمد فارس الشّدياق 154.
رصد البحث بعضه وأورده في قائمةٍ في ذيل المبحث السّابق - لندرك الحجم الحقيقيّ للاتّساع الّذي أصاب معاجم القافية؛ فكثيرٌ من تلك الكلمات أعيدت بشرحها، وبكلّ ما تحويه من معانٍ، ولغاتٍ، وشواهد، وحكاياتٍ، وأقوالٍ، وآراءٍ، وردودٍ، ممّا يطول في كثيرٍ من الأحيان.
وأكتفي من هذا بثلاثة أمثلةٍ:
أ- ذكر ابن منظورٍ في مادّة (ع ن ن) نقلاً عن الأزهريّ أنّ العنوان: الأثر، ومنه قولهم: عَنّنْتُ الكتاب، وعنَّيْته إذا عنونْتُه، أبدلوا من إحدى النّونات ياءً، وأشار إلى تعليل تسميته، وأنّه سمِّي عنواناً؛ لأنّه يعنّ الكتاب من ناحيته، وأصله عُنَّانٌ، فلمّا كثرت النّونات قلبت إحداها واواً. ونقل عنهم قولهم للرّجل؛ الّذي يعرّض ولا يصرّح: قد جعل كذا وكذا عنواناً لحاجته؛ وأنشد:
وَتَعْرِفُ فِي عُنْوَانِهَا بَعْضَ لَحْنِهَا
…
وَفيِ جَوْفِها صَمْعَاءُ تَحْكِي الدَّوَاهِيَا
ثم انتقل إلى النّقل عن ابن برّيّ. وأعاد معنى العنوان؛ وهو الأثر؛ واستدلّ بقول الشّاعر:
وَحَاجَةٍ دُوْنَ أُخْرَى قَدْ سَنَحْتُ بِهَا
…
جَعَلْتُها لِلَّتِي أَخْفَيْتَ عُنْوَاناً
قال: وكلما استدللت بشيءٍ تظهره على غيره فهو عنوانٌ له؛ كما قال حسانٌ بن ثابتٍ يرثي عثمان رضي الله عنهما.
ضَحّوا بأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ
…
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيْحاً وَقُرْآناً
ثمّ عاد إلى النّقل عن اللّيث بواسطة الأزهريّ، وذكر أنّ: العُلوان لغةٌ في: العنوان، وهي غير جيّدةٍ، وذكر أنّ ضمّ العين في: العنوان هي
اللّغة الفصيحة1.
وقد أعاد ابن منظورٍ كلامه في (العنوان) في مادّة (ع ن و) 2 في باب المعتلّ، ولكنّه اختصر قليلاً في الشّرح، وكان يكفيه ما جاء في الأصل الأوّل، وهو مكانه.
ب- ذكر ابن منظورٍ - أيضاً - في مادّة (ع ل ل)(لعلَّ) و (لعلِّ) بالكسر؛ ومعناهما: التّوقّع لمرجوٍّ أو مخوفٍ، واستدلّ بقول العجّاج:
يَا أَبَتَا عَلَّكَ أو عَسَاكَ
وذكر أنّهما بمعنى: عَلَّ، ونقل عن بعض النّحويّين أنّ اللاّم في لعلَّ زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وأنّ الأصل: عَلَّ، وأمَّا سيبويه فجعلها حرفاً واحداً غير مزيدٍ، وحكى عن أبي زيدٍ أنّ لغة عقيلٍ: لعلِّ زيدٍ منطلقٌ - بكسراللاّم - من لعلَّ، وجرِّ الاسم بعدها، واستدلّ بقول كعبٍ بن سويدٍ الغنويّ:
فَقُلْتُ: ادْعُ أُخْرَى وارْفَعِ الصَّوتَ ثَانِياً
…
لَعَلِّ أَبي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيْبُ
وحكى عن الأخفش أنّ أبا عبيدة سمع لام: لعلَّ مفتوحةً في لغة من يجرّ بها؛ في قول الشّاعر:
لعلَّ الله يُمْكِنُنِي عَلَيْها
…
جِهَاراً من زُهَيْرٍ أو أُسَيْدِ
وهكذا استمرَّ في حديثه عنها مورداً حكاياتٍ وآراء لبعض العلماء
1 ينظر: اللّسان 13/294، 295.
2 ينظر: اللسان 15/106.
كسيبويه، وأبي عبيدة وابن برّيّ1.
ثمّ أعاد ابن منظورٍ كثيراً ممّا قاله هنا في أصلٍ آخر؛ وهو (ل ع ل) على الرّغم من أنّه نصَّ فيه - أيضاً - على زيادة اللاّم الأولى2. وكان حسبه ما جاء في الأصل الأوّل؛ وإن كان ثمة جديد فمكانه هناك - أيضاً -.
هـ- - ذكر الزبيديّ في مادّة (م وس) الموسى: آلة الحلاقة، ونقل كلاماً طويلاً فيها يتّصل بمعناها واللّغات فيها؛ كالصّرف وعدم الصّرف، والتّذكير والتّأنيث، وتصغيرها، والخلاف في وزنها، وأصالة ميمها، فذكر أنّ الميم أصليّةٌ؛ وهي - عند بعضهم - زائدةٌ، وأنّ وزنها على الرّأي الأوّل (فُعْلَى) وعلى الثّاني (مُفْعَل) .
وقد تخلّل ذلك عددٌ من النّقول والحكايات عن العلماء؛ كاللّيث، وأبي عمرو بن العلاء، والكسائيّ، واليزيديّ، وابن السّكّيت، وابن السّرّاج، والجوهريّ3.
ثمّ أعاد أكثر ما ذكره في موضعٍ آخر؛ وهو (وس ي)4. ومثل هذا كثيرٌ، والفرق بين الموضعين في طول المادّة أو قصرها.
1 ينظر: اللّسان 11/473، 474.
2 ينظر: اللسان 11/607.
3 ينظر: التّاج 4/251.
4 ينظر: التاج 10/390، 391.
وثمّةٌ بابٌ - وهو المهموز - أعيد كثيرٌ ممّا جاء فيه في بابٍ آخر؛ وهو المعتلّ؛ كما هو ظاهرٌ في جميع معاجم القافية ممّا وقفت عليه منها. وممّا جاء مكرّراً في البابين - المهموز والمعتلّ - من فصل الرّاء وحده من (لسان العرب) :
رَبَأَتِ الأرْضُ ورَبَتْ: ارتفعت.
رَتَأَ العُقْدَةَ ورَتَاها: شَدَّها.
رَثَأَتِ المرأةُ زوجَها، ورَثَتْه: مدحته بشعرٍ بعد موته.
الرَّثِيئة والرَّثيّة: الحمق.
أرجأت الأمر وأرجيتُه: أخّرته.
رَدَأَه بحجرٍ ورَدَاه: رماه به.
المِرْدَأَة والمِرْدَاة: الحجر الّذي لا يكاد الرّجل الضّابط يرفعه بيديه.
رَزَأَ فلانٌ فلاناً ورَزَاه: بَرَّه.
الرَّشْأَة والرَّشَاة: عُشْبَةٌ تشبه القَرْنُوَة.
الرّفاء: الالتئام والاتّفاق، ومنه قولهم: رَفَّأَه ترفيةً، ورَفَاه؛ إذا قال له: بالرَّفَاء والبنين.
رَقَأَ في الدّرجة، ورَقِيَ فيها: صَعِدَ.
رَمَأَ الخبر، ورماه: ظنَّه وقدّره.
الرَّنْء والرَّنَاء والرُّنَاء: الصّوت.
تَرَهْيَأَتِ السّحَابَةُ: تحرّكت واضطربت وتهيّأت للمطر، ومنه ما جاء في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه: أنّ رجلاً كان في أرضٍ له؛
إذ مرَّت به عنانةٌ تَرَهْيَأُ؛ فسمع فيها قائلاً يقول: ائْتِي أرض فلانٍ فاسْقِيها1.
ونحو هذا في سائر الفصول السّبعة من باب الهمزة؛ إذ ندر أن تأتي مادّةٌ في باب الهمزة من معاجم القافية ليس فيها شيءٌ مكرّرٌ في نظيرها من باب المعتلّ. ولا شكّ أنّ في هذا وأمثاله ممّا تقدّم من غير المهموز - إسهاماً في اتّساع معاجم القافية وتضخّمها؛ وهو من نتائج وضع الكلمة في موضعين أو أكثر بسبب تداخل الأصول.
والّذي يراه البحث - لتلافي ما أصاب معاجم القافية من اتّساعٍ؛ لوضع الكلمة في موضعين أو أكثر - أن يكتفى بوضعها في أصلها، أو في أرجح الأصلين، ولا بأس في أن يحال عليها في الأصل المرجوح؛ على نحو ما تقدّم بيانه في المبحث السّابق.
1ينظر: غريب الحديث للحربيّ 1/679، والنّهاية 2/286، 3/313.