الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: آراء نقية أخرى
…
المبحث الثّالث: آراءٌ نقديَّةٌ أخرى
تقدَّم أنّ تداخل الأصول لم يحظ عند المتأخرين في عصرنا بما يستحقّ من الاهتمام؛ فإذا استثنينا جهود الشِّدياق، وملحوظات الدّكتور نصّار، لا نجد مصنّفاً يتناول - بالدرس والتحليل - هذا الموضوع المهمّ؛ في أيّ جانب من جوانبه. وقد انصبّ اهتمام المتأخّرين في نقدهم على جوانب متنوعّة؛ كالحشو، والاستطراد، واضطراب المشتقّات داخل الجذر الواحد، وإهمال المعاني المجازية.
بيد أنّ ثَمَّةَ ملحوظات هيِّنات في التّداخل متفرّقة فيها أتى بعضها عرضاً متناثراً في كتب مؤلّفة لغير التّداخل، ودعا المقام فيها إلى الإشارة إليه إشارة عابرة؛ مع ذكر بعض أمثلته؛ بصورة مبتسرة.
ولنا - في هذا المبحث - أن نقف على أهمّ تلك الملحوظات فيها عند أبرز هؤلاء العلماء؛ وهم:
1-
أحمد تيمور:
صدر له سنة 1343 هـ - كتاب صغير في النّقد المعجميّ وعنوانه: (تصحيح القاموس المحيط) نبّه فيه على ما وقع من الأغلاط في طبعة (القاموس) الَّتي ظهرت سنة 1303هـ - ببولاق، وهي جمع لتلك الأغلاط من تقييدات وحواشٍ؛ قيّدها على نسخته، ورتّبها ترتيب (القاموس) .
وقد ركّز تيمور جلّ نقده - في هذا الكتاب - على ما في طبعة
(القاموس) من تصحيف وتحريف، وقلّ نقده في غير هذا الأمر. ولكنّه لمس فيه ما يتّصل بنقد الأصول لمساً خفيفاً.
ومن ذلك أنّه ذكر في مادّة (أم د) نقداً في كلمة (الإمَّدَان) وهو: اسم موضع، وقيل: الماء على وجه الأرض؛ فقد اعترض على صاحب (القاموس) بأنّ ذكره (الإمَّدَان) في مادّة (أم د) يدلّ على أصالة الهمزة؛ فوزنه على هذا (فِعَّلان) لا (إفْعَلان) الَّذي أراده المجد بقوله: (كإسْحِمَان وإضْحِيَان)1.
وذكر تيمور أنّ الصّواب أنّ همزته زائدة؛ كزيادتها فيما وزَنَه به؛ فكان حقّه أن يذكر في (م م د) لا هنا؛ ولذا اضطرّ إلى إعادته في هذه المادّة2 ونقدَه3 في أنّه أعادها في موضع ثالث وهو (م د د) فخالف في ضبطها؛ فهي - هنا: (الإِمِدَّان) 4 بتخفيف الميم وتضعيف الدّال.
ويمكن الاعتذار لصاحب (القاموس) بأنّ ضبط (الإِمِّدَان) بالإسْحِمَان والإِضحِيَان لا يقتضي زيادة الهمزة فيها؛ إذا حمل على إرادة اللفظ لا الأصل؛ على أنّ ذكره الكلمة في ثلاثة مواضع، وهي (أم د) و (م د د) و (م م د) يدلّ على تردّده في أصلها.
1 القاموس (أمد)1339.
2 ينظر: تصحيح القاموس المحيط 14، 15.
3 ينظر: تصحيح القاموس المحيط 18.
4 ينظر: القاموس (مدد)407.
ومنه أنّه ذكر في مادّة (م د د) أنّ (الإمِدَّان) بتشديد الدّال، وورد في بعض طبعات (القاموس) مكسور النّون؛ فأوهم أنّه مثنّى، وذكر أنّه مفرد على وزن (إفِعْلان) والصّواب تحريك نونه بحركة الإعراب1.
ولا يعكس مثل هذين المثالين كبير اهتمام للتّداخل عند تيمور؛ مع ما في (القاموس) من خلل بسبب التّداخل، وكثرة ما ذكره العلماء عنه من تنبيهات، وبعضها مثبت في حواشي المطبوعات الَّتي اعتمدها تيمور.
2-
أحمد عبد الغفور عَطَّار:
صدر له، سنة 1375هـ -، كتاب بعنوان (مقدّمة الصّحاح) درس فيه المعجم العربي في بعض جوانبه؛ كالنشأة، والرّواد، والمدارس، مع عناية خاصّة بمعجم (الصّحاح) للجوهريّ؛ الَّذي درسه من جوانب شتّى؛ كان توجيه النّقد له واحداً منها. وكان نقده إيّاه - وهو قليل - في تداخل الأصول من أهمّ نقداته؛ فقد كان العطّار يأخذ على الجوهريّ (غلطه في ترتيب الموادّ، ووضعه مادّة مكان مادّة، أو إنزاله مادّةً في غير تركيبها"2.
وقد اقتصر العطّار في نقد التّداخل على إيراد الأمثلة. والمتأمّل لأمثلته الأربعة عشر؛ الَّتي نقد الجوهريّ فيها يلحظ تركيزه على جانب واحدٍ من التّداخل؛ وهو ما جاء في غير موضعه، وقد كان يراوح في نهجه
1 ينظر: تصحيح القاموس المحيط18.
2 مقدمة الصِّحاح 141.
بين طريقتين:
إحداهما: أن يذكر الكلمة ناصّاً على موضعها في الصّحاح، ومنبّها على مكانها الصّحيح؛ كقوله: جَعَلَ: حانوت في (ح ي ن) وحقّها أن تكون في (ح ن ت) .
والدِّرْحَايِة في (د ر ح ي) وموضعها (د ر ح) .
والشَّاصِلَّى في (ش ص و) وموضعها (ش ص ل) .
والدَّيْمُومَة في (د م م) وحقّها (د وم)1.
والأخرى: أن لا يكتفي بالتّنبيه على ما جاء في غير موضعه، وإنّما يناقش التّداخل في الكلمة ويورد آراء بعض العلماء فيها، ومثاله ما ذكره في نقده الجوهريّ في كلمة (مَذْحِج) الَّتي وضعها في الرُّباعيّ (م ذ ح ج) 2 إذ يرى العطّار أنّ حقّها أن تكون في فصل الذّال من باب الجيم؛ أي: في الثّلاثيّ (ذ ح ج) لأنّ الميم زائدة.
وقد أبطل العطّار ما نسبه الجوهريّ إلى سيبويه في القول بأصالة الميم، وانتهى إلى أنّه لم يقل ذلك؛ وإنّما ذكر زيادة الميم في (مَفْعِل) نحو: مَجْلِس ومَسْجِد، وأنّ الميم في (مَنْبِج) بمن - زلة الألف؛ لأنّها كثرت مزيدة أولاً؛ فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها أوّلاً في الاسم والصِّفة؛ وأنّ سيبويه لم يقل بأصالة الميم إلاّ في ألفاظ محصورة؛
1 مقدمة الصِّحاح 142.
2 ينظر: الصِّحاح (مذحج) 1/340.
كـ (مأجَجٍ) و (مِجَنٍّ) و (مَعَدٍّ)1.
ويضيف العطّار قائلاً: "وقد انعقد إجماع النّحويين على أنّ الميم زائدة؛ إذا تصدّرت وبعدها ثلاثة أحرف أصول مقطوع بأصالتها، ولم يشذّ عن هذا الإجماع أحد. ولو جعلنا الميم أصلاً في (مَذْحِجٍ) لكان مثل: جَعْفِرٍ؛ وزنها (فَعْلِل) وهو وزن غير موجود في أوزان الاسم الرُّباعيّ المجرد، ولم يثبته أحد من النّحويّين"2. وقد أصاب العطّار فيما ذهب إليه؛ إذ اختار الرّاجح في أصل هذه الكلمة.
3-
الدّكتور محمّد مصطفى رضوان:
صدر له سنة 1393هـ - كتاب بعنوان: (دراسات في القاموس المحيط) وعلى الرّغمِ من أنّ صفتي الشّمول وعمق التّحليل كانتا ظاهرتين - بوضوح - في هذا الكتاب، إلا أن تداخل الأصول لم يظفر من المؤلّف بما يستحقّه من الدّراسة والنّقد، ولولا إشارات نادرة تعرّض فيها للتّداخل لخلا كتابه منه، وكان موضعاً للنّقد. ويضاف إلى هذا أنّ عرضه للتّداخل لم يكن مقصوداً لذاته؛ بل جاء في أثناء حديثه عمّا وهّم الفيروزآباديّ في الجوهريّ في الأصول وغيرها، وهي مصنَّفة عند المؤلف في سبعة أضرب؛
1 ينظر: الكتاب4/272.
2 مقدمة الصِّحاح 143.
يعنينا منها ثلاثة:
أوّلها: ما وهمّ فيه الفيروزآباديُّ الجوهريَّ تعنّتاً وتحاملاً؛ كما يقول المؤلّف، فقد أورد فيه مثالين؛ كلاهما من تداخل الأصول؛ وهما (الغِرْقِئ) و (القِنْدَأو) وانتقد فيهما المجد، وردّ عليه بما قاله الشِّدياق1 ولكنّه لم يصب المحزَّ في نقده في (القِنْدَأو) إذ أوقعته متابعته الشِّدياق في أن تحامل على الفيروزآباديّ؛ وهو عكس المراد؛ الَّذي يفهم من عنوان هذا الضّرب؛ وهو (ما وهّم الفيروزآباديّ فيه الجوهريَّ تعنّتاً وتحاملاً) وذاك أنّ (القِنْدَأو) عند الجوهريّ من (ق ن د) فيكون وزنه (فِعْلأو) وهو عند الفيروزآباديّ من (ق د أ) ووزنه عنده (فنعلو) على المذهب الراجح.
قال الدّكتور رُضوان منتصراً للجوهريّ: "وجاء في الجاسوس ما يفيد أنّه لا وهم من أبي نصر في هذا اللّفظ، فقد اختلف فيه العلماء؛ فأورده طائفة في الدّال، وأخرى في الهمز، على أصالة هذه أو تلك، وجزم ابن عصفور بأنّ أصله (ق ن د) فذكره الجوهريّ في حرف الدّال، وقال الزَّبيدي: إنّ أصله (ق د أ) على رأي بعض الصّرفيّين"2.
والحقّ أنّ هذا الرّأي الثاني، الَّذي أشار إليه الدّكتور رضوان في كلام الزبيدي، وجعله رأياً لبعض الصّرفيّين هو الرّاجح؛ لأسباب تقدَّم
1 ينظر: الجاسوس36.
2 دراسات في القاموس المحيط352.
بيانها1 وعليه كان الصّواب في جانب الفيروزآباديّ.
والثّاني ممَّا أخذه الدّكتور رضوان على المجد؛ وكان في تداخل الأصول؛ هو: ما وهّمَ المجدُ فيه صاحبَ الصّحاح ثمّ تابعه فيه، وقد اكتفى فيهما بمثالين كلاهما من التّداخل، وهما:(الأشاءُ) و (الآلاء) ذكرهما المجد في المهموز، وأعادهما في المعتلّ2. والمؤلّف ينتقده - هنا أيضاً - بما قاله الشِّدياق3.
وثالث ما انتقده الدكتور رضوان ممَّا عرض فيه للتّداخل، أنَّ المجدَ وهَّم الجوهريَّ، وهو الواهم، واستدلّ بمثالين؛ وهما (التَّخْرَبُوت) و (اكْلأَزَّ) 4 وردّ على المجد بما قاله التّادلي في (الوشاح) 5 والشِّدياق في (الجاسوس)6.
4-
الدّكتور مسعود بُوبُو:
صدر له كتاب، سنة 1982م، بعنوان (أثر الدّخيل على العربيّة
1 ينظر: ص (409) من هذا البحث.
2 ينظر: دراسات في القاموس المحيط353.
3 ينظر: الجاسوس35.
4 ينظر: دراسات في القاموس المحيط356.
5 18ب.
6 510، 511.
الفصحى في عصر الاحتجاج) وموضوعه المعرّب والدّخيل، وعرض فيه لجذور الدّخيل في المعاجم العربيّة1.
يرى الدكتور بوبو أن الدَّخيل كان وراء الاضطراب؛ الَّذي شاع في بعضها؛ إذ "أخلّ بنُظُم ترتيبها وتبويبها، وأدّى إلى اختلاط الأصول اللّغويّة وتداخلها"2 لوضعهم كثيراً من ألفاظه في غير مواضعها الصّحيحة. ويحاول الدكتور بوبو الاستدلال على رأيه باستعراضٍ متأنٍّ لطريقة المعجمييّن في تناولهم ثلاثين كلمة دخيلة.
منها (النِّبْراس) فابن منظور وضعها في (ب ر س) إشارة إلى أنّها ثلاثيّة؛ بزيادة النّون، وأنّها مشتقّة من البُرْسِ؛ وهو: القطن؛ لأنّ الفتيلة إنّما تكون - في الأغلب - من القطن3؛ فيسأل الدكتور بوبو متعجّباً عن سرِّ زيادة النّون قائلاً: "فما علّة زيادة النّون إذا كان من البُرْسِ؟ وهل عرفت العربية حذف النّون من الرُّباعيّ ابتداءً، أم هل يجوز أن تحذف النّون من أيِّ أصل يبقى لثلاثيّه معنى يمكن قبوله؛ فنقول مثلاً: النِّقْرِس من القَرْسِ، والنُّمْرُقُ من المَرْقِ؟ وهما أشهر أصلين رباعييّن في باب النّون"4.
1 ينظر: أثر الدخيل 246-262.
2 أثر الدخيل 246.
3 ينظر: اللّسان (برس) 6/26.
4 أثر الدخيل 247.
ولنا أن نسأل مع الدكتور بوبو عن السّر في وضع (النِّبْرَاس) و (البُرْسِ) و (البَرْنَسَاء) بمعنى: ابن الإنسان بالنبطيّة في مادّة (ب ر س) فهل يكون الإنسان من البُرْسِ؛ أي: القطن - أيضاً - أو مالرّابط بين هذه الكلمات الثلاث حتّى توضع في أصل واحد؟
وأنا أوافق الدكتور بوبو في أنّ الأظهر أن يكون (النِّبْرَاس) معرّباً من السّريانيّ من فعل Nabreshe:ألْهَبَ وأَضْرَمَ1.
ومنها كلمة (جَهَنَّم) فهي: من التّجهّم والتّكرّه عن بعضهم؛ أو من الجهومة؛ وهي الغِلَظُ كما ذكر النووي2، ويقال: رَكِيَّة جِهِنَّام؛ أي: بعيدة القعر، وبه سمّت جهنّم؛ لبعد قعرها، وبهذا يكون أصلها ثلاثياً وهو (ج هـ - م) وهو موضعها في المعاجم. وقيل: إنّها أعجميّة معرّبة من بعض اللّغات.
قال الدكتور بوبو: "وإذا أخذنا بأقوالهم: إنّها أعجميّة أو فارسيّة أو عبرانيّة؛ كما نصّوا؛ فهي مادّة بذاتها وبحروفها كاملةً؛ لأنّها كلّها عندهم أصول"3.
ونحو ذلك ما في (القِنْطَار) و (الطَّيلَسَان) و (الفَالُوذَج) و (الأطَرِبون) وغيرها.
1 أثر الدخيل 252.
2 ينظر: تهذيب الأسماء واللغات2/95.
3 أثر الدخيل252.
وأرى مع الدكتور بوبو في أنّ ظاهرة تداخل الأصول من أبرز ما يخلّفه الدّخيل في تصنيف المعاجم من أثر سيّء ينبغي تداركه إن أريد تحرّي السّلامة والأصالة في اللّغة؛ لأنّ تسرّب الدّخيل إلى أصول العربيّة، وانصهاره فيها يفضي - مع الزّمن - إلى أن يكون شريكاً في النّظام الصّرفي؛ وهو ما يترك أثراً غير حسن في بنيان العربيّة المتميّز، ولعلّ هذا ما جعل بعض الباحثين المتأخّرين يصف العربيّة بأنّها غير منطقيّة في بعض الأبنية الصّرفيّة، ويستدلّ على ما يرى بأمثلة دخيلة. ومن أجل هذا وغيره فإنّه لا بدّ من بذل قصارى الجهد من قِبَل المعجميّين المعاصرين، لتمييز الدخيل من الأصيل؛ لدرء ما يسبّبه الدخيل من تداخل بين الأصول في المعاجم.
5-
الدكتور هاشم طَهَ شَلَاش:
له دراسة لمختار الصِّحاح للرّازي نشرت، سنة 1403هـ -، في مجلة المجمع العلمي العراقيّ ببغداد1. وقد أتى الدكتور شلاش على نقد التّداخل؛ عند حديثه عن النّقد المعجمي؛ في (مختار الصِّحاح) بيد أنّ ما ورد من ذلك لا يتجاوز ثلاثة أمثلة؛ تحت عنوانين مختلفين2.
1 المجلد الرابع والثلاثون، الجزء الثالث230-286.
2 ينظر: دراسة في مختار الصحاح268، 269.
أحدهما: التناقض في عبارات الجوهريّ؛ وذكر فيه أنّه قال في مادّة (ف م م) ما يناقض قوله في (ف وهـ) فيما يتّصل بأصل (الفم) إذ كان الجوهريّ يرى، في المادّة الأولى، أنّ الفمَ أصله (فَوَهٌ) نُقصت منه الهاء؛ فلم تحتمل الواو الإعراب؛ لسكونها؛ فعُوِّض عنها الميم1 بينما قال في المادّة الثّانية إنّ الميم في (فَمٍ) عوض عن الهاء في (فَوَهٍ) لا عن الواو. وذكر الدكتور شلاش أنّ الرّازي أشار إلى ما بين النّصين من تناقض2.
والآخر: وضع الألفاظ في غير مواضعها، وقد عرض فيه لكمتين؛ وهما:(الأيْدِ) بمعنى القوّة، و (العَنْدَلِيب) واكتفى بإيراد ما قاله الرّازي في التّداخل فيهما؛ دون أن يعلّق عليه بشيء3.
6-
عبد الله بن عمر البارودي الحُسَيني:
صدر له، سنة 1407هـ -، كتاب بعنوان (الحُسن والإحسان فيما خلا عنه اللّسان) وهو معدود من كتب الاستدراك، وهو نوع من النّقد؛ وقد حدّد الباروديّ فيه هدفه بقوله في المقدّمة: "هذا كتاب جمعتُ فيه ما فات صاحب اللّسان محمّد بن مكرّم بن منظور
…
ولا أقول: إنّي جمعت فيه كلَّ ما خلا عنه اللّسان؛ إنّما استدركت عليه كلّ ما تناهى إلينا،
1 ينظر: الصِّحاح (فوه) 5/2004.
2 ينظر: دراسة في مختار الصِّحاح 268.
3 ينظر: دراسة في مختار الصِّحاح 268.
وعلمت أنّه أهمله، ورتّبته ترتيب اللّسان"1.
والحقّ أنّه استدرك على صاحب (اللّسان) عدداً غير قليل ما الموادّ بشروحها؛ على الرّغم من وجودها في (اللّسان) ولكنّها جاءت في مواضع لم يقف عليها المؤلّف بسبب تداخل الأصول؛ فلا وجه لاستدراكها - إذن - وعدِّها ممَّا فات (اللّسان) .
واكتفي - هنا - بإيراد بعض الأمثلة من ذلك؛ ممَّا جاء في بابي الهمزة والباء فحسب.
فمنه: مادّة (س د أ) الَّتي ذكر فيها (السَّندَأْوَةَ) وهو: الرجل الضعيف أو الشّديد المُقْدِم2 وما ذكره فيها مذكور في (اللّسان) ولكن في مادّة (س ن د) 3 فلا يعدّ استدراكاً.
ومنه: مادّة (س ل ط) الَّتي ذكر فيها قولهم: اسْلَنطَأتُ؛ أي: ارتفعتُ إلى الشّيء أنظر إليه4.وهو مذكور في غير موضعه من (اللّسان) إذ جاء في مادّة (س ل ن ط) 5.
ومنه: مادّة (خ ن ت ب) الَّتي قال فيها: (الخُنْتُبُ والخُنْتَبُ، مثل:
1 الحسن والإحسان 15.
2 ينظر: الحسن والإخسان 18.
3 ينظر: اللّسان 3/223.
4 ينظر: الحسن والإحسان18.
5 ينظر: اللّسان 7/322.
جُنْدُبٍ وجُنْدَبٍ: نَوفُ الجارية قبل أن تُخفض، والخُنْتُبُ - أيضاً: المخنّث) 1 وقد جاء هذا كّله في مادّة (خ ت ب) من (اللّسان)2.
ومنها: استدراكه على صاحب (اللّسان) مادّة (ر ع ب ل ب) الَّتي أورد فيها ما نصّه: (قال شَمِر: الرَّعْبَليب: الملاطِفة، قال الكميت يصف ذئباً:
يَرَانِي في المَنَامِ لهُ صَدِيقاً
…
وَشَادِنَةُ العَسَابِرِ رَعْبَلِيبٌ
شادنة العسابر: أولادها. وقال غيره: رَعْبَليبٌ: يمزّق ما قدر عليه، من رَعْبَلتُ الجلدَ؛ إذا مزَّقته) 3. وهذا النّص مذكور في (اللّسان) ولكنّه جاء في باب اللام في (ر ع ب ل) على أنّ الباء زائدة4.
ومنه: مادّة (د د ب) وذكر فيها: الدَّيدبان: الطَّليعة، والدَّيدَبُون: اللهو5. وإذا بحثنا في (اللّسان) نجد أنّ صاحبه ذكر الدَّيدبان، والدَّيدبون في ثلاثة مواضع مختلفة وهي (د ب ب) 6 و (د ب ن) 7 و (د د ن) 8.
1 الحسن والإحسان22.
2 1/345.
3 الحسن والإحسان22.
4 ينظر: اللّسان 11/290.
5 ينظر: الحسن والإحسان22.
6 ينظر: اللّسان 1/373.
7 ينظر: اللّسان 3/146.
8 اللّسان13/151، 162.
وصاحب الاستدراك معذور؛ لأنّه لم يجد المادّة في موضعها؛ فحكم عليها بالإهمال فاستدركها.
وبعد؛ فإنّنا نستطيع القول: إنّ تداخل الأصول لم يلق في النّقد المعجميّ من العناية عند هؤلاء ما يتناسب مع أهميّته، ولولا ما قدّمه الشّدياق في كتابه القيّم (الجاسوس على القاموس) لصحّ أن نقول: إنّهم لم يطرقوا بابه، خلا ما ورد لهم فيه من شذرات مبعثرة هنا وهناك؛ لا تشفي غليلاً، ولا تبلّ صدًى؛ فإنّ أكثر ما ورد من نقد تداخل الأصول عند المتأخّرين من معاصرينا إنّما جاء عرضاً في غضون نقداتهم المعاجم، ولم يقصدوا إليه قصداً، ولعلّهم شغلوا عنه بجوانب نقديّة أخرى.
ونستطيع - في الجملة في نهاية هذا الباب - أن نقول: إنّ ما قدّمه القدامى والمُحْدَثُون في نقدهم المعجميِّ لتداخل الأصول لا يكاد يتعدّى التَّنبيهات والملحوظات الجزئيّة المتناثرة، الَّتي كان ينقلها الّلاحق عن السّابق، والتي خلت - في الغالب - من العُمْقِ والشُّمُولِ.