الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ).
فائدة قوله (بِأَفْوَاهِهِمْ) إما التنبيه على أنه لم يقولوه في أنفسهم فقط؛ بل صرحوا به بألسنتهم، وإما التنبيه على [تفاهة*] عقولهم، وأنه قول [لَا دليل عليه*]، وإما أن يراد بالقول المذهب، أي دينهم بأفواههم، وإما أنه [تبكيت لهم وتوبيخ لهم*]؛ لأن الفم أشرف الأعضاء، فاستعاره فيما لَا يليق به [**وصحح جعل الأعرف وهو قولهم لأنه أعم من المبتدأ، ولا يضاف للمبتدأ فيه].
قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
…
(32)}
فأجاب الزبير بأن الاثنين جواب من قول الكافرين المشتمل هنا على ست كلمات، وهناك على ثلاث كلمات؛ لأن قبل هذه (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقيل تلك (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) فناسب التطويل هنا زيادة (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا) وبإظهار أن في قوله (أنْ يُطْفِئُوا) وناسب الاختصار هناك، وقلت: وأيضا فإنه لما عبر هناك بالفعل المقتضي للتجدد وأتى معه بأداة الحصر واستغنى هنا عن ذلك لكونه عبر بلفظ الاسم المقتضي للثبوت واللزوم.
قوله تعالى (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
(35)
.. انظر هذه الآية مع ما في الحديث من أن النار لا ينال محل السجود، ويجاب بأن لَا تعارض بين العام والخاص.
قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
(36)}
فإن قلت: ما أفاد زيادة (وَاعْلَمُوا)؟ وهلا قيل: والله مع المتقين؟ فالجواب: إما بأنه تنبيه للعاقل فيحضر ذمته، وإما بأن المراد اعلموا ذلك بالدليل والبرهان إشارة إلى وضوح الدلائل الدالة عليه، وإمَّا أنه تأكيد في الإخبار.
قوله تعالى: {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ..
(37)}
.. عادة بعضهم يفرق بين في وعلى؛ بأن في تقتضي تكميل الكمية من جنسها، وعلى تقتضي الزيادة عليها مطلقا فقد يكون من غير الجنسين، ومثاله: إذا وجدت سلعة وقضت على عشرة دنانير فردت فيها إلى أن بلغت عشرين ورقمت العشرين، قلت: زدت في ثمنها لأن الزيادة هنا من الثمن؛ فإن الزيادة هنا ليست من الثمن، فدل هنا على أن النسيء كفر، لقوله: ولم يقل على الكفر.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
على معنى يضل به الذين كفروا واتباعهم؛ فالذين كفروا إما فاعل أو مفعول.
ابن عرفة: فيه إشكال لأن ابن عصفور نص على أنه إذا كان حذف شيء من الكلام يصيره دائر بين معنيين متناقضين لم يجز الحذف، كقولك: رغبت زيدا فلا يدرى أرغبت عنه أم رغبت فيه، وأجيب بأن المراد الإخبار عنهم بكونهم ضالين في أنفسهم سواء ضلوا غيره أو ضلوا في أنفسهم فقط.
قوله تعالى: (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا).
من باب عندي درهم ونصفه، فإن النسيء المحلل غير المحرم، ومنه قول النابغة:
قَالَت: أَلا لَيْتَما هَذَا الْحمامُ لنا
…
إِلَى حمامتنا [أَو*] نِصْفُهُ فَقَدِ
وفي الآية إشكال لأنهم ذموا على التحليل والتحريم معا، قدمهم على تحريم ما أحل الله حسن، وذمهم على تحليل ما أحل الله قبيح، الحمد لله وقع الكلام بين ابن عرفة والطبري رحمهما الله تعالى بمحضر جماعة من فضلاء الطلبة في مدرسة ابن اللباد هذا حسي، وبمحضره على قوله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتقِينَ) قال ابن عرفة: لم قال: (وَاعْلَمُوا)؟ ولو قال: فإن الله ليحصل المقصود، فأجابه الخولاني بأنه تأكيد في الإخبار وتثبيت، فقال ابن عرفة: خبر الصادق لَا يحتاج إلى تأكيد؛ لأنه [مقبول*] بأول وهلة، وإنما الجواب: أنه تنبيه للغافل استحضارا له منه، ونقل عن الخولاني: أنه إنما الجواب بأن الدلائل على ذلك واضحة؛ فكأنه قال: اعلموا بالدليل لا بالتقليد ولم يرضه.
ابن عرفة: وقال: إنما الجواب اعلموه دائما.
قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ).
كلمة (إِنَّمَا) لَا يؤتى بها في كلام يستدعي الزيادة على المقصود فيؤتى بها للحصر، ولو قيل: النسيء زيادة في الكفر ليحصل المقصود من الرد عليهم إذ لا يصف له أحد مع كونه زيادة في الكفر شيء آخر، ولا يقول: إنه مع ذلك زيادة في غيره.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
قرأ حفص وحمزة والكسائي [(يُضَلُّ) *]، وقرأ الحسن (يُضِلُّ) على معنى يضل الله به الذين كفروا أتباعهم، فالذين كفروا إما فاعل أو مفعول، قال ابن عرفة: فيرد عليه إشكال وهو أن ابن عصفور، وغيره، قالوا: إذا كان حذف شيء من الكلام يصيره احتمال معنيين متناقضين فإنه لَا يجوز الحذف لما فيه من الإخلال بالفائدة المقصودة
منه، نحو: رغبت زيدا، إذ لَا يدري هل المراد رغبت عن زيد أو رغبت في زيد، وهنا على أن الذين كفروا فاعل فهم مضلون، وعلى أنه مفعول فهم مضلون غيرهم، وذلك مناقض، وإجابة الخولاني بأن المقصود منهم بأنهم في أنفسهم ضالون سواء كانوا مضلين غيرهم إن كان الضلال واقعا بهم.
قال ابن عرفة: معلوم الفرق بين من وقع به الضلال وبين من وقع منه، كما أنه معلوم الفرق بين الجاني والمجني عليه أيضا؟ نقلته من خط شيخنا التلاوي رحمه الله.
قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ).
قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ).
قال ابن عطية: إنما قال: (بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ لأن القول يكون في النفس، وفي الأفواه؛ [فارغا، وهم قالوه بالأفواه*]، أو يكون تأكيدا (1)، وقال الزمخشري: إشارة إلى سخافة مقالتهم، وأنه قول لا يعضده برهان كما هو الأحفظ لَا معنى له، ووجه بأن المراد بالقول المذهب، كقولهم قول أبي حنيفة؛ أي مذهبه كان قبل ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لَا بقلوبهم، قلت لشيخنا: أو تقول إن الفم من أشرف الأعضاء بمن لا ينبغي أن يستعمل إلا فيما يليق، ولهذا يقال: إن البلاء موكل بالمنطق فذكر الفم على معنى التبكيت عليهم والتوبيخ لهم وذلك مبتدأ وقولهم خبر، قلت: كيف صح جعل الأعرف خبرا؟ فأجاب أن القاعدة بأن الخبر يكون أعم من المبتدأ أو القول أعم من اسم الإشارة، قلت له: ويعضدك أيضا الخبر فإن المبتدأ ينحصر في الخبر، فالمقصود حصر المشار إليه في مقالتهم، قال: فإِن قلت: كيف أفرد اسم الإشارة اثنان؟ فأجاب بأنه أفرده على معنى المذكور، أو على تنزيله منزلة المضمر وتقدم الزمخشري بنحوه، في قوله تعالى:(عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ).
قوله تعالى: (وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).
قلت: آخر الآية كالمناقض لأولها، فإنه أفرد أول الآية عنهم، أنهم قالوا: المسيح ابن الله، والابن تابع للأب، وذلك يقتضي نفي كونهم سووا بينه وبين الله في العبادة فرضا على أن يكونوا عدوه من دونه، وآخرها يقتضي عبادتهم إياه من دونه، وأجاب بوجهين: الأول: أن ما المراد بقوله: (مِنْ دُونِ) مخصصة بالعبادة لا المساواة وإنَّمَا المراد أنهم مشابهون لمن عبد المسيح من دون الله؛ لأن من حق المعبود أن يشرك معه غيره.
(1) النص في المحرر الوجيز هكذا:
"وقوله (بِأَفْواهِهِمْ) يتضمن معنيين:
أحدهما إلزامهم المقالة والتأكيد في ذلك كما قال (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ)[البقرة: 79]، وكقوله (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الأنعام: 38]، والمعنى الثاني في قوله (بِأَفْواهِهِمْ) أي هو ساذج لا حجة عليه ولا برهان غاية بيانه أن يقال بالأفواه قولا مجردا نفس دعوى". اهـ (المحرر الوجيز. 3/ 24).
الثاني: أن يقول: التقدير واتخذوا المسيح ابن الله ربا، ولا يقدر من دون الله [
…
].
قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ).
كان العرب يسمون المحرم صفر ويسمون الربيع بصفر.
قال ابن عطية: لتجيء السنة ثلاثة عشر شهرا.
قال الفخر: يريد الحساب الذي بين الشمس والقمر وليس ذلك في كل سنة بل في بعض السنين.
وقال ابن عرفة: ليس مراده هذا وإنما أراد أنهم إنما سموا صفر بالمحرم وعدوا منه اثني عشر شهرا سموا المحرم الحقيقي بذي الحجة وينسون في العدد، ويجعلون المحرم في الثانية ربيع الأول، وفي الثالثة ربيع الآخر، وفي الرابعة جمادي فيبقى الشهر الذي أنفدوا منه زيادة في كل سنة وثلاثة عشر.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
على قراءة (يَضلُّ به الذين كفروا) بفتح الياء وضمها لَا يصح أن يكون الفاعل الذين لأنه معنى يضل، والذين مفعول، وإما على قراءة يضل بضم الياء وكسر الضاد، وله ثلاثة أوجه:
إما يضل الله به الذين كفروا، أو يضل الشيطان به الذين كفروا، أو يضل به الذين كفروا فأنعتهم وهو أقواها؛ لأنه لم يجز ذكر الله ولا ذكر الشيطان.
قوله تعالى: (يُحِلُّونَهُ عَامًا).
في موضع الحال.
قال الخولاني: أصل الحال أن يكون بالمفرد ليكون لفظها موافقا لمعناه في النصب فلم أتى بها هنا جملة، فقال ابن عرفة: لاقتضاء الفعل التجدد بخلاف الاسم.
قوله تعالى: (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ).
قال ابن عرفة: فيه سؤالان؛ الأول: لم كرر الجملة؟ فهلا قال: فيحلوه؟
السؤال الثاني: لم حذف، قلت: وقد ذكرهما في [
…
] فانظرهما.
قوله تعالى: (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ).
انظر لم حذف الفاعل؟ قال بعضهم: للتحقير، فرد عليه بأنه لَا يحذف إلا إذا كان المفعول عظيما فيحذف تحقيرا له أن يذكر معه، لقولك: طعن عمرو، والمفعول هنا حقير.
وقال ابن عرفة: حذف العلم به، فرد عليه الخولاني بأن المفسريين اختلفوا في المزين، فقيل: هو الله، وقيل: هو الشيطان [
…
] انظر ابن عطية، قلت: إن كان المزين هو الله فالحذف للتعظيم، وإن كان الشيطان فالحذف للتحقير لأنه غير معظم.
قوله تعالى: (سُوءُ أَعْمَالِهِمْ).
قال: هو عندي من باب الصفة إلى الموصوف؛ لأن السوء من صفة الأعمال وهو عندهم ضعيف، والكثير الجائز إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى، ونقله [
…
].
قلت: وذكر الشيخ النووي الصالح في شرح مسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث جرير بن عبد الله أن مذهب [
…
]، وأجاز ذلك الكوفيون، فأجابه ابن عرفة: بأن عنهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، فالشيء يطلق على الأعمال وغيرها؛ كما أن الأعمال منها السيئ والقبيح، قلت: وما قال عندي غير صحيح لجواز مررت برجل حسن الوجه، وهو باب متصور من أبواب [العربية*] فتأمله.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
[**إن جعلنا المعنى السيئ بمعنى النسيء]، فظاهر وإلا فقول بفعله، [والنسيء مصدر*].
والزمخشري وأبو حيان يشكلان، فإنهما ذكرا ثلاث قراءات، [الجمهور (النسيء) بالمد، وَوَرْشٌ (النَّسِيُّ)، وبتخفيف النسي كالنَّهيِ*](1).
قال ابن عرفة: وهي والأول سواء، ولا فرق بينهما.
قوله تعالى: (مَا).
ما ظرف [والعمل في جميعه؛ لأنه محدود].
قوله تعالى: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ).
(1) النص في الكشاف هكذا:
"والنسيء مصدر نسأه إذا أخره. يقال نسأه نسأ ونساء ونسيئاً، كقولك:
مسه مساً ومساساً ومسيساً. وقرئ بهنّ جميعا. وقرئ النسى، بوزن الندى. والنسى بوزن النهى، وهما تخفيف النسيء والنسيء". اهـ (الكشاف. 2/ 270).
والنص في البحر المحيط هكذا:
"وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: النسيء مهموز عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَحُمَيْدٌ وَأَبُو جَعْفَرَ وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ وَالْحَلْوَانِيُّ: النَّسِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ بِإِبْدَالِهَا يَاءً، وَأَدْغَمَ الْيَاءَ فِيهَا، كَمَا فَعَلُوا فِي نَبِيءٍ وَخَطِيئَةٍ فَقَالُوا: نَبِيٌّ وَخَطِّيَّةٌ بِالْإِبْدَالِ وَالْإِدْغَامِ. وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ.
وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَطَلْحَةُ وَالْأَشْهَبُ وشبل: النسء بإسكان السين. وَالْأَشْهَبُ: النَّسِيُّ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ مِثْلُ النَّدِيُّ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ: النَّسُوءُ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ.". اهـ (البحر المحيط. 5/ 416، 417).
وقال ابن عطية:
"وقرأ جمهور الناس والسبعة «النسيء» كما تقدم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه وقوم معه في الشاذ «النسيّ» بشد الياء، وقرأ فيما روى عنه جعفر بن محمد والزهري «النسيء»، وقرأ أيضا فيما روي عنه «النسء» على وزن النسع وقرأت فرقة «النسي». فأما «النسيء» بالمد والهمز فقال أبو علي هو مصدر مثل النذير والنكير وعذير الحي ولا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول لأنه يكون المعنى إنما المؤخر زيادة والمؤخر الشهر ولا يكون الشهر زيادة في الكفر". اهـ (المحرر الوجيز. 3/ 32).