الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد تقول: إنْ فعلتَ هذا قلَّ أنصاري وتفرَّق الأتباع والحاشية من حولي، نقول لك: إياك أنْ تظنَّ أنهم يجلبون لك نفعاً، أو يدفعون عنك ضراً، فالأمر كله بيده تعالى وبأمره، فخيرٌ لك أنْ تراعى الله، وأن تتوكل عليه.
{وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم} [الشعراء:
217]
العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغْلب، ويَقْهر ولا يُقهر، ومع ذلك فهو سبحانه رحيم بك وبهم. وصفة الرحمة هنا تنفي ما يظنه البعض أن العزة هنا تقتضي الجبروت أو القهر أو الظلم، فهو سبحانه في عِزَّته رحيم، لأن عزة العزيز على المتكبِّر رحمة بالمتكبَّر عليه.
وكأن الحق سبحانه وتعالى يُعلِّم خليفته في أرضه خاصة أُولي الأمر منهم، يُعلِّمه أن يكون أريباً ناصحاً، يقول له: إياك أنْ تتوكّل على عبد مثلك إذا عجزتَ عن العمل؛ لأنه عاجز مثلك، وما دام الأمر كذلك فتوكَّل على العزيز الرحيم، فعِزَّته ورحمته لك أنت.
أي: توكل على الذي يحبك، ويُقدِّر عملك وعبادتك حين تقوم، والمعنى تقوم له سبحانه بالليل والناس نيام {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين} [الشعراء: 219] ونفهم من ذلك أنه يصح أن تقوم وحدك بالليل.
وقوله: {الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} [الشعراء: 218] يرى حالك في هذا القيام، وما أنت عليه من الفرح، وسرعة الاستجابة لنداء الله في قوله: الله أكبر، يراك حين تقوم على حالة انشراح القلب والإقبال على الله والنشاط للعبادة، لا على حال الكسل والتراخي.
وإنْ أقبلتَ على الله أعطاك من الفُيوضات ما يُعوِّضك مكاسب الدنيا وتجارتها، إنْ تركتها لإجابة النداء؛ لذلك كان شعار الأذان الذي ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم َ (الله أكبر) أي: أكبر من أيِّ شيء غيره، فإنْ كنتَ في نوم، فالله أكبر من النوم، وإنْ كنتَ في تجارة، فالله أكبر من التجارة، وإنْ كنتَ في عمل فالله أكبر من العمل. . إلخ.
وعجيب أن نرى مَنْ يُقدِّم العمل على الصلاة بحجة امتداد الوقت، وإمكانية الصلاة بعد انتهاء العمل، وهذه حجة واهية؛ لأن ربك حين يناديك (الله أكبر) يريد أن تستجيب على الفور لا على التراخي، وإلا كيف تسمى الاستجابة للنداء إذا تأخرت عن وقتها؟ فطول الوقت خاصة بين الصبح والظهر وبين العشاء والصبح لا يعني أنْ تصلي في طول هذا الوقت؛ لأن النداء يقتضي الإسراع والاستجابة.
ولنا ملحظ في (الله أكبر) فأكبر أفعل تفضيل تدلُّ على المبالغة ودون أكبر نقول: كبير، وكأنها إشارة إلى أن العمل والسعي ليس شيئاً هيناً أو تافهاً، إنماهو كبير، ينبغي الاهتمام به؛ لأنه عَصَب الحياة، ولا تستقيم الأمور في عمارة الأرض إلا به.
لكن، إنْ كان العمل كبيراً فالله أكبر، فربُّك عز وجل لا يُزهِّدك في العمل، ولا يُزهِّدك في الدنيا؛ لأنه خالقها على هذه الصورة وجاعل للعمل فيها دوراً، وإنْ شئتَ فاقرأ: {فَإِذَا قُضِيَتِ
الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 10] .
وقال في موضع آخر: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص: 77] لأن حركة الحياة هي التي تُعينك على أداء الصلاة وعلى عبادة الله، فبها تقتات، وبها تتقوَّى، وبها تستر عورتك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومع هذا فدعوة الله لك أَوْلَى بالتقديم، وأَوْلَى بالإجابة؛ لأن الذي خلقك وخلقها ناداك (الله أكبر) .
و {وَتَقَلُّبَكَ} [الشعراء: 119] تعني: القعود والقيام والركوع والسجود، فربُّك يراك في كل هذه الأحوال، ويرى سرورك بمقامك بين يديه، فإذا ما توكلتَ عليه فأنت تستحق أن يكون ربُّك عزيزاً رحيماً من أجلك.
أو: أن المعنى {وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين} [الشعراء: 119] أنه صلى الله عليه وسلم َ كان يرى صحابته وهم يُصلُّون خلفه، فيرى مَنْ خلفه، كما يرى مَنْ أمامه، وكانت هذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم َ.
لذلك كان يُحذِّرهم أنْ يسبقوه في الصلاة في ركوع أو سجود، أو قيام أو قعود. ويحذرهم أنْ يفعلوا في الصلاة خلفه ما لا يصح من المصلى اعتماداً على أنه صلى الله عليه وسلم َ لا يراهم.
السميع لما يقال، العليم بما يجول في الخواطر.
وقد سبق أن قالوا عن القرآن تنزلت به الشياطين، فيردُّ عليهم: تعالوا أخبركم على مَنْ تتنزل الشياطين، وأصحح لكم هذه المعلومات الخاطئة: صحيح أن الشياطين تتنزل، لكن لا تتنزل على محمد؛ لأنه عدوها، إنما تتنزل على أوليائها.
قال الحق سبحانه: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] .
{تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 222] فهذا الذي يناسب الشياطين ويرضيهم، والجن قسمان: فمنه الصالح وغير الصالح وهذا الذي يسمونه الشياطين.
وكلمة {أَفَّاكٍ} [الشعراء: 222] مبالغة في الإفك أي: قلب الحقائق. وكان هؤلاء يخطفون الأخبار فيقولون شيئاً قد يصادف الصدق، ثم يجعلون معه كثيراً من الكذب.
السمع مصدر وألته الأذن، فالمراد يلقون الأذن للسمع، كما في
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .
يعني: ألقى سمعه كي يستمع كمنْ يحرص على السماع من خفيض الصوت، فيميل نحوه ليسمع منه. وقال {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 223] لأن بعضهم والقلة منهم قد يصدق ليُغلِّف كذبه، ويُغطي عليه، فأنت تأخذ من صِدْقه هذه المرة دليلاً على أنه صادق، وهو يخلط الخبر الصادق بأخبار كثيرة كاذبة.
ثم يقول الحق سبحانه: {والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون}
الشعراء: جمع شاعر، وهو مَنْ يقول الشعر، وهو الكلام الموزون المُقفَّى، وقد اتهم الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بأنه شاعر، وردَّ عليهم القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى:{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41] .
وعجيب من كفار مكة، وهم العرب أهل اللسان والبلاغة والبيان، وأهل الخبرة في الكلام الموزون المُقفَّى، بحيث كانوا يجعلون للشعر أسواقاً في ذي المجاز وذي المجنَّة وعكاظ، ويعلِّقون أجود أشعارهم على أستار الكعبة، ومع ذلك لا يستطيعون التمييز بين الشعر وأسلوب القرآن الكريم.
إذن: هم يعرفون الفَرْق، لكن يقصدون بقولهم كما حكاه القرآن:{أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} [الطور: 30] يقصدون بالشعر الكلام العَذْب الذي يستميل النفس، ويُؤثِّر في الوجدان، ولو كان نثراً. وهذه ينادى بها الآن أصحاب الشعر الحر؛ لأنهم