الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنت محرمة عليّ لا تركبين كما لا تركب الأم. كذا في (الكشف) .
وقوله تعالى ذلِكُمْ إشارة إلى كل ما ذكر. أي من كونه ليس لأحد قلبان، وليست الأزواج أمهات، ولا الأدعياء أبناء. أو إلى الأخير فقط وهو الدعوة قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي لا حقيقة له فلا يقتضي دعواكم ذلك، أن يكون ابنا حقيقيا. فإنه مخلوق من صلب رجل آخر فلا يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون لبشر واحد قلبان وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أي الثابت المحقق في نفس الأمر وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي سبيل الحق.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 5]
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (5)
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أي انسبوهم إليهم. وهو إفراد للمقصود من أقواله تعالى الحقة هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل وأحكم.
قال ابن كثير: هذا الأمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء. فأمر تبارك وتعالى بردّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة. وأن هذا هو العدل والقسط والبر. روى البخاري «1» عن ابن عمر قال:«إن زيد بن حارثة رضي الله عنه، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا (زيد بن محمد) حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ» ، وأخرجه مسلم «2» وغيره. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك. ولهذا
قالت سهلة «3» بنت سهيل، امرأة أبي حذيفة رضي الله عنها:«يا رسول الله! إنا ندعوا سالما ابنا. وإن الله قد أنزل ما أنزل. وإنه كان يدخل عليّ. وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا. فقال صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي عليه..» الحديث.
ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تبارك وتعالى زوجة الدعيّ. وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، مطلقة زيد بن حارثة رضي الله عنه. وقال عز وجل
(1) أخرجه في: التفسير، 33- سورة الأحزاب، 2- باب ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ، حديث 2030.
(2)
أخرجه في: فضائل الصحابة، حديث رقم 62.
(3)
أخرجه مسلم في: الرضاع، حديث رقم 26.
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: 37] وقال تبارك وتعالى في آية التحريم وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء: 23] ، احترازا عن زوجة الدعيّ، فإنه ليس من الصلب.
فأما الابن من الرضاعة، فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا،
بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «1» : «حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب» .
فأما دعوة الغير ابنا، على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية، بدليل ما
رواه الإمام أحمد وأهل السنن. إلا- الترمذيّ- عن ابن عباس رضي الله عنهما «2» : قال: «قدّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات لنا من (جمع) فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبينيّ! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» .
قال أبو عبيدة وغيره (أبينيّ) تصغير (ابني) وهذا ظاهر الدلالة. فإن هذا في حجة الوداع سنة عشر.
وفي مسلم «3» عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بنيّ» . ورواه أبو داود والترمذيّ.
انتهى كلام ابن كثير. وفي ذهابه إلى أن الأمر في الآية ناسخ- نظر، لأن الناسخ لا بد أن يرفع خطابا متقدما. وأما ما لا خطاب فيه سابقا، بل ورد حكما مبتدأ رفع البراءة الأصلية، فلا يسمّى نسخا اصطلاحا. فاحفظه. فإنه مهم ومفيد في عدة مواضع.
ولما أمر تعالى بردّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم، إن عرفوا، أشار إلى دعوتهم بالأخوّة والمولوية إن لم يعرفوا، بقوله سبحانه فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ أي فتنسبوهم إليهم فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ أي أولياؤكم فيه. أي فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي. ويا أخي ويا مولاي وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
(1) أخرجه البخاري في: الشهادات، 7- باب الشهادة على الأنساب والرضاع، حديث رقم 1285 عن عائشة.
وأخرجه مسلم في: الرضاع، حديث رقم 1.
(2)
أخرجه النسائي في: المناسك، 222- باب النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس.
وأخرجه ابن ماجة في: المناسك، 62- باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار، حديث رقم 3025.
(3)
أخرجه في: الآداب حديث رقم 31.