المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة المجادلة بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المجادلة) مدنية في قول - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٩

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: ‌ ‌سورة المجادلة بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المجادلة) مدنية في قول

‌سورة المجادلة

بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المجادلة) مدنية في قول الجميع، وهي اثنتان وعشرون آية، وأربعمئة وثلاث وسبعون كلمة، وألف وسبعمئة، واثنان وتسعون حرفا. انتهى. خازن.

بسم الله الرحمن الرحيم

{قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)}

الشرح: نزلت الاية الكريمة في خولة بنت ثعلبة-رضي الله عنها-وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت-رضي الله عنهما-وهو رجل أدركه الكبر، وألحت عليه الشيخوخة حتى أفسدت بعض رأيه، وجعلته متبرما بكل شيء، ضعيف الاحتمال لأي شيء، لا يطيق نقاشا في رأي يرتئيه، ولا يحتمل معارضة في أمر يشير به، فدار بينه وبين زوجته حديث، فراجعته في بعض الكلام، فساءه ذلك، وأثار في نفسه، وأغضبه، فالتفت إليها، وألقى في وجهها بكلمة اعتاد كثير من الناس أن يلقوا بها وبأمثالها في وجوه نسائهم إذا غضبوا، فقال لها:

أنت عليّ كظهر أمي.

هذه عبارة كان العرب في جاهليتهم يحرمون بها نساءهم على أنفسهم، يشبه الرجل منهم زوجته بظهر أمه، وأمه عليه حرام، فتحرم عليه بهذا زوجته، قذف أوس في وجه زوجته، وربة بيته، وأم أبنائه، وبناته بهذه العبارة الموروثة، ولكن لم يلبث أن سكن غضبه، فأراد أن يعاود زوجته، ولكنها أبت حتى تستفتي في أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت إليه تسعى، وقصت عليه قصتها، وانتظرت أن تنفرج شفتاه عن حكم تعود به إلى بيتها، وزوجها، وأولادها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قد نزل عليه في مثل ذلك وحي من ربه، فقال لها:«ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم ينزل عليّ في أمرك شيء» . فراجعته، وقالت: يا رسول الله! إنه ما ذكر لفظ الطلاق، فأعاد عليها حكمه:«ما أراك إلا قد حرمت عليه» .

وقفت المرأة بهذا وجها لوجه أمام معضلة عسيرة، وتمثل لها بؤس ما هي قادمة عليه من فرقة، وشتات بعدما نعمت به من ألفة، واجتماع، فأبت بغريزتها أن يكون ذلك مصيرها، وغاية أمرها، فظلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجادله، وتناشده أن يجد لمعضلتها حلا غير هذا الحل،

ص: 543

وتناديه بصوت يخنقه الحزن، ونبرات تخالطها العبرات: يا رسول الله! تزوجني أوس وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني، ونثرت له بطني؛ جعلني عليه كأمه، وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله؛ فحدثني بها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد عليها ما قال من قبل:«لم ينزل عليّ في أمرك شيء، وما أراك إلا قد حرمت عليه» .

وكأن إحساسا خفيا بالفرج يساور المرأة؛ لأن رحمة الله تأبى أن تصيرها إلى هذا الشتات، وأن ترمي بها في ظلام هذا المستقبل الكريه، فتتوجه إلى الله شاكية ضارعة: رب أشكو إليك وحدتي، وشدة فاقتي، وما يشق علي من فراق زوجي، وأولادي؛ رب إنك تعلم أن لي منه صبية صغارا، إن تركتهم إليه؛ ضاعوا؛ وإن ضممتهم إليّ؛ جاعوا.

بهذه الشكوى الضارعة توجهت المرأة إلى ربها، وحينئذ أذن الله لشكواها، وتقبل ضراعتها، ورحم ضعفها، وحل معضلتها، وأنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله:{قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي..} . إلخ. وحينئذ طلب الرسول صلى الله عليه وسلم زوجها، وسأله:«هل تستطيع العتق؟» . فقال: لا والذي بعثك بالحق، فقال:

«هل تستطيع الصوم؟» . فقال: لا والله! إن أخطأني الأكل في اليوم مرة، أو مرتين كلّ بصري، وظننت أني أموت، فقال:«فأطعم ستين مسكينا» . قال: ما أجد إلا أن تعينني منك يا رسول الله بمعونة وصلة، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونة تصدق بها على ستين مسكينا. وخذ ما يلي:

فعن عائشة-رضي الله عنها: أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة خولة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل:{قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي} . أخرجه البخاري تعليقا، ورواه النسائي، وابن ماجه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي يزيد-رضي الله عنه-قال: لقيت امرأة عمر-رضي الله عنه، يقال لها:

خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها، حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! حبست رجالات قريش على هذه العجوز. قال: ويحك! تدري من هذه؟ قال: لا! قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت عنها؛ حتى تقضي حاجتها؛ إلا أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها؛ حتى تقضي حاجتها!

هذا؛ وروي: أنها قالت لعمر-رضي الله عنه-في موقفها ذلك: يا عمر! قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: يا عمر، ثم قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر! فإنه من أيقن بالموت؛ خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب؛ خاف العذاب.

هذا؛ والمحاورة: المراجعة في الكلام من: حار الشيء، يحور: إذا رجع، يرجع، ومنه الدعاء المأثور:«نعوذ بالله من الحور بعد الكور» . قال عنترة في معلقته رقم [95]: [الكامل] لو كان يدري ما المحاورة اشتكى؟

ولكان لو علم الكلام مكلّمي

ص: 544

{وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ:} تتضرع إلى الله في تفريج كربتها. انظر ما تقدم. {وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما} أي: والله-جل وعلا-يسمع حديثكما، ومراجعتكما الكلام. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: ومعنى سماعه تعالى لقولها: إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} أي: لمن يناجيه، ويتضرع إليه. {بَصِيرٌ} أي:

بأعمال العباد، لا تخفى عليه خافية من أمرهم. وهما من صيغ المبالغة، وهما من صفات الذات، كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة؛ أي: لم يزل الخالق-جل وعلا-متصفا بذلك.

وفي الوقت نفسه يعدان من الأسماء الحسنى. تأمل، وتدبر.

فائدة: هذه السورة أول النصف الثاني من القرآن باعتبار عدد السور، فهي الثامنة والخمسون منها، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، وجملة ما فيها من الجلالات خمس وثلاثون. انتهى. جمل.

الإعراب: {قَدْ:} حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {سَمِعَ:} فعل ماض. {اللهُ:}

فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. {قَوْلَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الَّتِي} اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.

{تُجادِلُكَ:} فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى {الَّتِي،} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فِي زَوْجِها:} متعلقان بما قبلهما، (وها): في محل جر بالإضافة. {وَتَشْتَكِي:} الواو: حرف عطف. (تشتكي): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى {الَّتِي} أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {إِلَى اللهِ:} متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. {وَاللهُ:}

(الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. {يَسْمَعُ:} فعل مضارع. والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتفخيم والتعظيم. وقيل: الجملة مستأنفة.

{تَحاوُرَكُما:} مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهُ:} اسمها. {سَمِيعٌ بَصِيرٌ:}

خبران ل: {إِنَّ} . والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.

{الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)}

الشرح: {الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ} أي: الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا، يقصدون بذلك تحريمهن عليهم، كتحريم أمهاتهم؛ لسن في الحقيقة أمهاتهم، وإنما هن

ص: 545

زوجاتهم. قال الإمام الفخر الرازي: الظهار: هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، يقصد: علوّي عليك حرام كعلوّي على أمي. والعرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي؛ أي: طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتهم تشبيها بالأم. {ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ:} المعنى: لا تصير الزوجة بقول زوجها لها: أنت عليّ كأمي، أو مثل أمي، أو كظهر أمي، وما أشبه ذلك لا تصير أمه بذلك، إنما أمه الحقيقية هي التي ولدته.

{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} أي: كلاما فاحشا، وباطلا، ينكره الواقع، والحقيقة، وينكره الشرع الشريف، والدين الحنيف، وهو كذب، وزور، وبهتان؛ لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا، فلا جرم صار ذلك منكرا من القول وزورا. {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي: كثير العفو وكثير المغفرة، فهما صيغتا مبالغة، وهما من أسماء الله الحسنى. وانظر ما قبلهما في الاية السابقة.

هذا؛ و {أُمَّهاتِهِمْ} جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها (أمّات) قال الزمخشري: والهاء مزيدة في أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم:[الرجز] أمّهتي خندف والياس أبي

عند تناديهم بهال وهب

وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة، وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير:[السريع] قوّال معروف وفعّاله

عقّار مثنى أمّهات الرّباع

و «أم» يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل بنحو قول جرير:[الوافر] لقد ولد الأخيطل أمّ سوء

على باب استها صلب وشام

ومما يدل أيضا على زيادة الهاء في أمّهة قولهم: أمّ بينة الأمومة بغير هاء، ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدل على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:

تأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة تنبّهت، مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية، كان ذلك أولى فيها، والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا؛ فالأمّ تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت، ويقرأ: أمّهات بضم الهمزة، وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة، وفتح الميم، وبكسرهما معا.

ص: 546

الإعراب: {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {يَظْهَرُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {مِنْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. {مِنْ نِسائِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {ما:} نافية حجازية تعمل عمل:

«ليس» . {هُنَّ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم {ما} . {أُمَّهاتِهِمْ:} خبر {ما} منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ وقرئ برفع:«(أمهاتهم)» على إهمال ما، وعلى المبتدأ، والخبر، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{الَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{إِنْ:} حرف نفي بمعنى: «ما» . {أُمَّهاتِهِمْ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، {إِلاَّ:}

حرف حصر. {اللاّئِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَلَدْنَهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {وَإِنَّهُمْ:} (الواو): واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {لَيَقُولُونَ:} (اللام): هي المزحلقة. (يقولون): مضارع، وفاعله. {مُنْكَراً:} صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ليقولون قولا منكرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى من الاستئناف ومن العطف على ما قبلها. {وَزُوراً:} الواو: حرف عطف. (زورا): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية {وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} مستأنفة، لا محل لها.

{وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)}

الشرح: {وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا:} هذا تفصيل لحكم الظهار بعد بيان أنه أمر منكر، وقول زور؛ أي: والذين يقولون هذا القول المنكر، ثم يعودون فيه، والعود عند الشافعي يكون بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة يحصل باستباحة استمتاعها، ولو بنظرة شهوة، وعند الإمام مالك بالعزم على الجماع، وعند الحسن البصري بالجماع، أو بالظهار مرة أخرى. انتهى. بيضاوي، وجمل. وخذ تفصيل ذلك مما في الخازن فقد قال-رحمه الله تعالى-:

اختلف العلماء في معنى العود في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا} ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية، ثم بيان أقوال الفقهاء، فنقول: قال الفراء: لا فرق بين اللغة بين أن يقال:

يعودون لما قالوا، وفيما قالوا. وقال أبو علي الفارسي: كلمة (إلى) و (اللام) تتعاقبان، كقوله

ص: 547

تعالى: {وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ،} وقوله في سورة (الزلزلة): {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها} وأما لفظة (ما) في قوله: {لِما} فهي بمعنى «الذي» والمعنى: يعودون إلى الذي قالوا، أو في الذي قالوا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لفظ الظهار، والمعنى: أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ. الوجه الثاني: أن المراد {لِما قالُوا؛} أي: المقول فيه، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه.

وعلى هذا معنى قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا} أي: يعودون إلى شيء، وذلك الشيء هو الذي قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسر هذا اللفظ بالوجه الأول؛ يجوز أن يكون المعنى: عاد لما فعل؛ أي: فعله مرة أخرى. وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقال: عاد لما فعل؛ أي: نقض ما فعل، وذلك:

أن من فعل شيئا، ثم أراد أن يفعله ثانيا فقد عاد إليه، وكذا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله، فقد عاد إليه بالتصرف فيه، فقد ظهر بما تقدم: أن قوله: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا} يحتمل أن يكون المراد، ثم يعودون إليه، بأن يفعلوا مثله مرة أخرى، ويحتمل أن يكون المراد، ثم يعودون إليه بالنقض، والرفع، والإزالة. وإلى هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين، ثم اختلفوا فيه على وجوه:

الأول: وهو قول الشافعي-رحمه الله تعالى-أن معنى العود لما قالوا هو السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك؛ لأنه لما ظاهر، فقد قصد التحريم، فإن وصله بالطلاق؛ فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق؛ فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة. وفسر ابن عباس-رضي الله عنهما-العود بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة.

الوجه الثاني: في تفسير العود، وهو قول أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-: أنه عبارة عن استباحة الوطء، والملامسة، والنظر إليها بشهوة، وذلك: أنه شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة ذلك كان مناقضا لقوله:(أنت عليّ كظهر أمّي).

الوجه الثالث: وهو قول مالك-رحمه الله تعالى-أن العود إليها عبارة عن العزم على وطئها. وهو قريب من قول أبي حنيفة.

الوجه الرابع: وهو قول الحسن، وقتادة، وطاووس، والزهري: أن العود إليها عبارة عن جماعها، وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها.

قال العلماء: والعود المذكور هنا هب: أنه صالح للجماع، أو للعزم عليه، أو لاستباحته، إلا أن الذي قاله الشافعي هو أقل ما ينطلق عليه الاسم، فيجب تعليق الحكم عليه؛ لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود، وأما الباقي؛ فزيادة لا دليل عليه. انتهى. خازن.

{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا:} المراد بالتماس: المجامعة، فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها؛ حتى يكفر عند الشافعي، وعند أبي حنيفة: يحرم الاستمتاع بها من

ص: 548

جماع، أو لمس بشهوة، أو غير ذلك. وهو أولى؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

ثم الرقبة الواجب إعتاقها أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، ومن كمالها: إسلامها عند مالك، والشافعي، كالرقبة في كفارة القتل، حملا للمطلق على المقيد. وعند أبي حنيفة، وأصحابه:

تجزئ الكفارة؛ ولو كانت كافرة. {ذلِكُمْ} أي: الحكم المذكور. {تُوعَظُونَ بِهِ} يعني: أن غلظ الكفارة وعظ حتى تتركوا الظهار، وتبتعدوا عنه. وهو دليل على أن الظهار جناية، وجريمة، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم؛ حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقاب الله عليه، {وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:} لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، من التفكير وغيره، وخبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بمصالح العباد، وحاجاتهم، وفاقتهم، وخبير بنيات العباد، وأفعالهم وأقوالهم.

هذا؛ والألفاظ المستعملة للظهار في الشريعة، وعرف الفقهاء الأصل فيه قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وأنت مني، أو معي، أو عندي كظهر أمي. وكذا لو قال: أنت عليّ كبطن أمي، أو كرأس أمي، أو كيد أمي، أو قال: بطنك، أو رأسك، أو يدك عليّ كظهر أمي، أو شبه عضوا منها بعضو من أعضاء أمه يكون ذلك ظهارا. وهذا عند الشافعي-رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة-رضي الله عنه: والظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وإذا وضع موضع أنت عضوا منها يعبر به عن الجملة، أو مكان الظهر عضوا آخر، يحرم النظر إليه من الأم، كالبطن، والفخذ، أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب، أو رضاع، أو صهر، أو جماع، نحو أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني، أو أبي، أو أم امرأتي، أو ابنتها، فهو مظاهر. انتهى. نسفي، والأول من الخازن، والنسفي حنفي، والخازن شافعي.

ولو قال: أنت عليّ كأمي، أو كروح أمي، وأراد به الإعزاز، والإكرام، لا يكون ظهارا، حتى ينويه، ويريده، وهذا ما يسمى كناية. هذا؛ ولا يجوز له أن يطأها حتى يكفر لقوله تعالى:

{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا} . هذا؛ وأركان الظهار أربعة: صيغة، وهي أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي، ونحوه مما تقدم، ومظاهر، وهو الزوج، ومظاهر منها، وهي الزوجة، ومشبه به، وهي الأم ونحوها مما تقدم. والله أعلم.

تنبيه: الظهار من الكبائر، وإذا امتنع المظاهر من الكفارة فللمرأة أن ترافعه، وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه، ويحبس إلا كفارة الظهار؛ لأنه يضرّ بها في ترك التكفير، والامتناع من الاستمتاع، فإن مس من قبل أن يكفر استغفر الله، ولا يعود حتى يكفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَالَّذِينَ:} (الواو): حرف عطف. (الذين): مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلة الموصول، لا محل لها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {يَعُودُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه

ص: 549

ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {لِما:}

جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وقال الأخفش: اللام متعلقة ب: (تحرير) وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فعليهم تحرير رقبة؛ لما نطقوا به من الظهار، و (ما) تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذي قالوه، وانظر الشرح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: يعودون إلى القول، والقول بتأويل المقول؛ أي:

يعودون للمقول فيهن لفظ الظهار. وهن الزوجات. انتهى. مغني اللبيب. فهي في التأويل مثل قوله تعالى في سورة (يونس) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ} رقم [37]. {قالُوا:} فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فَتَحْرِيرُ:}

(الفاء): صلة، وزيدت في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (تحرير): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليهم تحرير، أو هو خبر لمبتدأ محذوف التقدير: فالواجب تحرير. وهو مضاف، و {رَقَبَةٍ:} مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {مِنْ قَبْلِ:} متعلقان بالمصدر: (تحرير). {أَنْ يَتَمَاسّا:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، و {أَنْ} والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة {قَبْلِ} إليه.

{ذلِكُمْ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {تُوعَظُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{رَقَبَةٍ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {وَاللهُ:} (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ.

{بِما:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَبِيرٌ} بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. {خَبِيرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (4)}

الشرح: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} أي: الرقبة. {فَصِيامُ شَهْرَيْنِ} أي: فعليه صيام شهرين. {مُتَتابِعَيْنِ:}

فإذا أفطر، ولو آخر يوم؛ انقطع التتابع، ووجب عليه الاستئناف. {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا:} هو مثل

ص: 550

سابقه عند الشافعي، وأبي حنيفة، رحمهما الله تعالى. {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} أي: الصوم للكبر، أو مرض، {فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} أي: فعليه إطعام ستين مسكينا، ولم يقيده هنا بقوله:{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا} كما قيده في العتق والصوم، فقال الإمام مالك: يجوز له الوطء قبله. وعند الاخرين:

الإطلاق في الإطعام محمول على المقيد في العتق، والصيام. فإن جامع قبل أن يكفر؛ لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان. وقال بعضهم: إن واقعها قبل أن يكفر؛ فعليه كفارتان. وهو قول عبد الرحمن بن مهدي.

{ذلِكَ} أي: الذي بيناه من أحكام الظهار. {لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي: لتصدقوا الله فيما أمر به، وتصدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الله تعالى. {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: محارمه، فلا تنتهكوها، بخروجكم عن طاعة الله، وطاعة رسوله. هذا؛ وفي آية (البقرة) رقم [187]:

{تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها} . وفيها رقم [229]: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها} . {وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ} أي: الذين لم يؤمنوا، ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا: أنهم ناجون من الانتقام؛ كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة. هذا؛ وأطلق لفظ الكافر على متعدي الحدود تغليظا، وزجرا.

هذا؛ والصيام في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حد قوله تعالى لمريم -على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-:{فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} وقد يكون إمساكا عن غيره، خذ قول النابغة الذبياني:[البسيط] خيل صيام وخيل غير صائمة

تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما

ثم نقل في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنية مخصوصة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هذا؛ وفعل المادة واوي، صام، يصوم، ومصدره:

صوما، وصواما، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام، مصدر: قام، يقوم.

فقد ذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) في باب الإبدال ما يلي:

تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون ب:«فعال» نحو قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر، كصوان، وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم كقوار، أو المكسور الذي لم تعل عين فعله، كلاوذ لواذا. وعاود عوادا، أو الموزون ب:«فعل» كالحول، وتبدل أيضا: كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح بخلاف عين المفرد.

هذا؛ و {شَهْرَيْنِ} تثنية: شهر، وفيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان، الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، وغيرها. والثاني قاله الزجاج: أنه اسم للهلال نفسه. ويجمع على: أشهر، وشهور.

ص: 551

الإعراب: {فَمَنْ:} (الفاء): حرف عطف، أو حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَجِدْ:} فعل مضارع مجزوم ب: {لَمْ،} وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والمفعول محذوف، التقدير: لم يجد الرقبة. {فَصِيامُ:} (الفاء): واقعة في جواب الشرط، (صيام): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليه صيام، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فالواجب صيام، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية المقدرة:«فعليه صيام» في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، كما في الاية السابقة، و (صيام) مضاف، و {شَهْرَيْنِ} مضاف إليه. وانظر الاية رقم [20] الاتية. {مُتَتابِعَيْنِ:} صفة {شَهْرَيْنِ} منصوب مثله، وعلامة النصب فيهما الياء نيابة عن الفتحة لأنهما مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {مِنْ قَبْلِ:} متعلقان ب: (صيام)؛ لأنه مصدر، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَتَمَاسّا} في محل جر بإضافة {قَبْلِ} إليه، والجملة الاسمية: (من لم

) إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ} إعراب هذه الجملة مثل إعراب سابقتها بلا فارق. و (إطعام) مضاف، و {سِتِّينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {مِسْكِيناً:} تمييز.

{ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لِتُؤْمِنُوا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {بِاللهِ:} متعلقان بما قبلهما. {وَرَسُولِهِ:}

الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.

{وَتِلْكَ:} (الواو): حرف عطف، أو حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {حُدُودُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {بِاللهِ:} مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {وَلِلْكافِرِينَ:} الواو: حرف عطف، أو استئناف. (للكافرين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عَذابٌ:} مبتدأ مؤخر. {أَلِيمٌ:} صفة: {عَذابٌ} .

والجملة الاسمية معطوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

ص: 552

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (5)}

الشرح: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: يخالفون أمر الله ورسوله، ويعادون الله ورسوله.

والمحادة المعاداة والمخالفة في الحدود، وهو مثل قوله تعالى:{ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} وقال الزجاج: المحادة: أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، وأصلها: الممانعة، ومنه:

الحديد، ومنه: الحداد للبواب. {كُبِتُوا:} أهينوا، وذلوا، واخزوا، وأهلكوا، وأغيظوا يوم الخندق. وقيل: يوم بدر. والمراد: المشركون، والمنافقون معا. وانظر الاية الاتية برقم [20].

وقيل: المعنى: سيكبتون، وهو بشارة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالنصر، والعزة، وإعلاء الشأن. {كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: من أعداء الرسل، الذين عصوا الله، ورسله.

{وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ:} تدل على صدق الرسل، وفيها بيان الحلال، والحرام، والفرائض، والأحكام، لا يخالفها ولا يعاندها إلا كافر فاجر مكابر. {وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ} أي:

وللكافرين الذي جحدوا الايات، ولم يعملوا بها عذاب شديد يهينهم، ويذلهم، ويذهب بعزهم.

قال الصاوي: وقد نزلت الاية في كفار مكة يوم الأحزاب حين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمقصود بها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشارته مع المؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين سيذلون، ويخذلون، ويفرق جمعهم، فلا تخشوا بأسهم. هذا؛ وإعلال {مُهِينٌ} مثل إعلال {مُبِينٍ} في الاية رقم [38] من سورة (الذاريات).

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل، {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم {إِنَّ} . {يُحَادُّونَ:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {اللهَ:} منصوب على التعظيم. {وَرَسُولَهُ:}

الواو: حرف عطف. (رسوله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {كُبِتُوا:}

ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {كَما:} (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما):

مصدرية. {كُبِتَ:} ماض مبني للمجهول. {الَّذِينَ:} نائب فاعله. {مِنْ قَبْلِهِمْ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، و (ما) والفعل (كبت) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: كبتوا كبتا كائنا مثل كبت الذين كانوا من قبلهم. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون التقدير: كبتوا كبتا كائنا مثل الذي كبته الذين من قبلهم. وإن اعتبرت الكاف اسما. فالمحل لها، وتكون مضافة، وما بعدها في محل جر بالإضافة.

ص: 553

{وَقَدْ:} (الواو): واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {أَنْزَلْنا:}

فعل، وفاعل. {آياتٍ:} مفعول به. {بَيِّناتٍ:} صفة {آياتٍ} منصوب مثله، وعلامة نصبهما الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مؤنث سالمان، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط. {وَلِلْكافِرِينَ:} الواو: حرف استئناف. (للكافرين): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عَذابٌ:} مبتدأ مؤخر. {مُهِينٌ} صفة {عَذابٌ،} والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)}

الشرح: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً} أي: الرجال، والنساء، والكبار، والصغار، يبعثهم الله من قبورهم في حالة واحدة، وفي صعيد واحد. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا} أي: فيخبرهم الله بما عملوا من خير، وشر، وصغيرة، وكبيرة. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [49]:{وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً} .

وانظر قول أبي العتاهية الصوفي في الاية رقم [8] من سورة (الجمعة) فإنه جيد. {أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ} أي: ضبطه الله، وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم بواسطة الملائكة الحفظة؛ الذين سجلوا عليهم ذلك، بينما هم نسوا تلك الأعمال لاعتقادهم: أن لا حساب، ولا جزاء.

{وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ:} صغير، وكبير. {شَهِيدٌ:} حاضر ناظر، لا يخفى عليه شيء؛ لأنه لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وانظر شرح (النبأ) وفعله في الاية رقم [4] من سورة (القمر).

الإعراب: {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق ب: {مُهِينٌ} أو بمحذوف تقديره: اذكر. وقيل:

ب: {عَذابٌ} . وقيل: عامله الاستقرار في الظرف الواقع خبرا، وهو قوله:(للكافرين). {يَبْعَثُهُمُ اللهُ:} مضارع ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها. {جَمِيعاً:}

حال من الضمير المنصوب حال مؤكدة. {فَيُنَبِّئُهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (ينبئهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} والهاء مفعول به. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ينبئهم بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: ينبئهم بعملهم.

ص: 554

والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. {أَحْصاهُ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. {اللهُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، وقعت سؤالا عما نشأ قبلها من السؤال إما عن كيفية التنبئة، أو عن سببها، كأنه قيل: كيف ينبئهم بأعمالهم؛ وهي أعراض منقضية متلاشية؟ فقيل: أحصاه الله. انتهى. جمل.

{وَنَسُوهُ:} (الواو): واو الحال. (نسوه): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، و «قد» قبلها مقدرة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها؛ فلا محل لها، والأول أقوى. {وَاللهُ:} (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. {عَلى كُلِّ:} متعلقان ب: {شَهِيدٌ} بعدهما، و {كُلِّ} مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {شَهِيدٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ..} . إلخ: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل عاقل يتأتى منه النظر والاعتبار، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات، لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السموات. {ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ} أي: من إسرار ثلاثة، وهي المسارة، والمشاورة. وقيل: ما يكون من متناجين ثلاثة يساور بعضهم بعضا. {إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ} أي:

بالعلم، والإحاطة لما يتناجون به، فهو حاضر معهم، وشاهدهم، كما تكون نجواهم عند إنسان رابع يكون معهم. {وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ:} هو مثل سابقه. {وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ} يعني: ولا أقل من ثلاثة، وخمسة، ولا أكثر من ذلك العدد. {إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ} أي: بالعلم، والقدرة، والإحاطة. {أَيْنَ ما كانُوا:} لا يخفون عنه، ولا يغيبون عن علمه. {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ:} هو مثل الاية السابقة، يخبرهم بذلك توبيخا، وتقريعا، وتشهيرا بحالهم، فعندها يتمنون الانصراف والمسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد.

قال الخازن: فإن قلت: لم خص الثلاثة، والخمسة بالذكر، قلت: أقل ما يكفي في المشاورة ثلاثة، حتى يتم الغرض، فيكون اثنان كالمتنازعين في النفي، والإثبات، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما فحينئذ تحمد تلك المشاورة، ويتم ذلك الغرض، وهكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بد من واحد، يكون حكما بينهم مقبول القول. وقيل: إن العدد الفرد أشرف من الزوج، فلهذا خص الله الثلاثة، والخمسة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وانظر سبب النزول في الاية التالية.

ص: 555

هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [78]: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ} .

وقوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [80]: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} . هذا؛ والنجوى: حديث السر بين اثنين، فأكثر. روى ابن عمر-رضي الله عنهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه» . وعن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانوا ثلاثة، فلا يتناج اثنان دون الاخر حتّى يختلطوا بالنّاس من أجل أن يحزنه» . رواه أبو داود. والأول رواه الشيخان، وغيرهما. هذا؛ وقيل: إن النجوى القوم الذين يتناجون، وبه قيل في قوله تعالى:

{وَإِذْ هُمْ نَجْوى} الاية رقم [47] من سورة (الإسراء)، و {يَوْمَ الْقِيامَةِ} هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأصل القيامة: القوامة؛ لأنها من قام يقوم، قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، كما رأيت في إعلال (صيام) في الاية رقم [4].

الإعراب: {أَلَمْ:} (الهمزة): حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.

{تَرَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {يَعْلَمُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهَ،} وهو من المعرفة، فيكتفي بمفعول واحد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر {أَنَّ}. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {فِي السَّماواتِ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {وَما فِي الْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية:{أَلَمْ تَرَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{ما:} نافية. {يَكُونُ:} فعل مضارع تام. {مِنْ:} حرف جر صلة. {نَجْوى:} فاعل مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و {نَجْوى} مضاف، و {ثَلاثَةٍ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. قال الفراء:«ثلاثة» نعت ل: «النجوى» فانخفضت؛ وإن شئت أضفت نجوى إليها، ولو نصبت على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة. وقال الزمخشري: ويجوز رفع (ثلاثة) على البدل من محل {نَجْوى} . انتهى. قرطبي.

{إِلاّ:} حرف حصر، والجملة الاسمية:{هُوَ رابِعُهُمْ} في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. {وَلا:} (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ويقال: زائدة لتأكيد النفي. {خَمْسَةٍ:}

معطوف على {ثَلاثَةٍ} على جميع اعتباراته. {إِلاّ:} حرف حصر، والجملة الاسمية:{هُوَ سادِسُهُمْ} في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. {وَلا:} (الواو): حرف عطف.

(لا): نافية، أو صلة مثل سابقتها. {أَدْنى:} معطوف على لفظ {نَجْوى،} فهو مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. {مِنْ ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَدْنى،} واللام

ص: 556

للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {وَلا:} (الواو): حرف عطف. (لا): مثل سابقتها.

{أَكْثَرَ:} معطوف على ما قبله فهو مجرور تبعا للفظ {نَجْوى،} وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. هذا؛ وقرئ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما:

أنه معطوف على موضع {نَجْوى؛} لأنه مرفوع، و {مِنْ} صلة كما رأيت، والثاني: أن يكون {أَدْنى} مبتدأ. و {إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ} خبره، فيكون:{وَلا أَكْثَرَ} معطوفا على المبتدأ، وحينئذ يكون:{وَلا أَدْنى..} . إلخ من باب عطف الجمل لا المفردات. انتهى. جمل.

هذا؛ وقال الزمخشري: وقرئ: {وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ} بالنصب على أن (لا) لنفي الجنس، ويجوز أن يكون:«(ولا أكثر)» بالرفع معطوفا على محل: (لا) مع {أَدْنى،} كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول، ورفع:«قوة» ، ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء.

كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل:{مِنْ نَجْوى} كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين عطفا على (نجوى) كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. انتهى. ومثله في القرطبي.

{إِلاّ:} حرف حصر. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، {مَعَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال. {أَيْنَ ما:} اسم شرط جازم مبني على السكون، أو هو مبني على الفتح، و (ما) زائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر (كان) تقدم عليها، وعلى اسمها. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمها، والألف للتفريق، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: أينما كانوا؛ فهو معهم. وقيل: (أين ما) ظرف مكان مجرد من الشرطية متعلق بالاستقرار الذي تعلق به معهم. والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. {ثُمَّ:} حرف عطف.

{يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ:} انظر الاية السابقة، فالإعراب مثله بلا فارق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{يَعْلَمُ..} . إلخ وما بينهما كلام معترض. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل.

{اللهَ:} اسمها. {بِكُلِّ:} متعلقان بعليم بعدهما، و (كل) مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه.

{عَلِيمٌ:} خبر {أَنَّ،} والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على الوجهين.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)}

الشرح: قال الخازن، وغيره: نزلت الاية الكريمة في اليهود، والمنافقين، وذلك: أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، ويوهمون

ص: 557

المؤمنين: أنهم يتناجون بما يسوءهم، فيحزن المؤمنون لذلك، ويقولون: ما نراهم إلا قد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم، ويحزنهم، فلما طال على المؤمنين وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم ألاّ يتناجوا دون المؤمنين، فلم ينتهوا، فأنزل الله عز وجل:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى} أي: المناجاة فيما بينهم.

{ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ} أي: يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها. وفي الجمل: صيغة المضارع للدلالة على تمكن عودهم، وتجدده، واستحضار صورته العجيبة. {وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} أي: ويتحدثون فيما بينهم بما هو إثم وعدوان، ومخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن حديثهم يدور حول الكيد، والمكر بالمسلمين. قال أبو حيان: بدأ بالإثم لعمومه ثم بالعدوان لعظمته في النفوس؛ إذ هو ظلامات العباد، ثم ترقى إلى ما هو أعظم، وهو معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أمره، وفي هذا طعن على المنافقين؛ إذ كان تناجيهم في ذلك. وانظر شرح (الإثم) في الاية رقم [32] من سورة (النجم).

{وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ} أي: وإذا حضروا عندك يا محمد؛ حيوك بتحية ظالمة، لم يشرعها الله، ولم يأذن بها، وهي قولهم:(السامّ عليكم) أي: الموت عليكم. قال المفسرون: كان اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: السّلام عليكم بدلا من: السّلام عليكم، والسامّ: الموت، وهو ما أرادوه بقولهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لهم:«وعليكم» . لا يزيد عليها، فسمعتهم عائشة-رضي الله عنها-يوما، فقالت: بل عليكم السامّ، واللعنة، فلما انصرفوا؛ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مهلا يا عائشة! إن الله يكره الفحش، والتفحش» . فقالت:

يا رسول الله! أما سمعت ما قالوا؟ فقال لها: «أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت لهم:

وعليكم، فيستجيب الله لي فيهم، ولا يستجيب لهم فيّ». رواه البخاري وغيره مع اختلاف في بعض الألفاظ باختلاف الروايات.

{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ} أي: يقولون: لو كان محمد نبيا؛ لعذبنا الله، ولما أمهلنا بسبه، والاستخفاف به، وجهلوا: أن الله تعالى حليم، ولا يعاجل من سبه، فكيف من سبب نبيه؟ وقد ثبت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا أحد أصبر على الأذى من الله، يدعون له الصاحبة، والولد، وهو يعافيهم، ويرزقهم» . فأنزل الله هذه الاية كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، ومعجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

{حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ:} المعنى إن تعجيل العذاب في الدنيا، إنما يكون بحسب المشيئة والمصلحة، وإذا لم تقتض المشيئة والمصلحة تعجيله، فعذاب جهنم يوم القيامة كافيهم.

{يَصْلَوْنَها} أي: يحترقون فيها، وانظر الاية رقم [16] من سورة (الطور). {فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي:

بئس المرجع، والماب، والمقر، والمال يوم القيامة. وانظر شرح (نعم) و (بئس) في الاية رقم

ص: 558

[48]

من سورة (الذاريات) هذا؛ ومعنى {حَسْبُهُمْ:} تكفيهم. وهذا المعنى وارد في كثير من الايات القرآنية.

هذا؛ والتحية مصدر: حيّاه الله بتشديد الياء، وأصل معناه: الدعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وأنعم صباحا، وأنعم مساء، ونحو ذلك، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السّلام عليكم. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [86]: {وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها} والمعنى: إذا سلم عليكم أحد بسلام؛ فردوا بأحسن منه، أو ردوه بمثله، فالأحسن أن يزيد الرادّ على المسلم (ورحمة الله) وإذا قال المسلم:(السّلام عليكم ورحمة الله) يزيد الرادّ: (وبركاته) وإذا قال المسلم: (السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته) لا يزيد الرادّ شيئا بل يرد هذا الكلام بعينه فقط، واعلم: أن البدء بالسلام سنة، ورده فرض كفاية، والبدء أفضل من الردّ، وكل جملة فيها عشر حسنات، سواء صدرت من المسلم، أو من الراد، وقد رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في إفشاء السّلام، والإكثار من إلقائه. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنه: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الإسلام خير؟

قال: «تطعم الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت، ومن لم تعرف» . رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلون الجنة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه؛ تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم» . رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

هذا؛ وإذا ورد على إنسان تحية بكتاب، أو بواسطة شخص، ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه كان يرى رد الكتاب واجبا، كما يرى رد السّلام من الحاضر. والله أعلم.

هذا؛ واختلف في بدء السّلام على اليهود، والنصارى، والرد عليهم. فمنعه بعضهم، وجوز بعضهم تحية الكافر، وأن يبدأ بها، فقال النخعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي، أو نصراني فابدأه بالسلام. فظهر بذلك: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ الذي رواه أبو هريرة-رضي الله عنه: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسّلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق، فاضطرّوهم إلى أضيقه» . رواه مسلم وأبو داود، والترمذي؛ إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام، أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة، أو جوار، أو سفر

إلخ.

قال الطبري: وقد روي عن السلف: أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعل ابن مسعود-رضي الله عنه-بدهقان صحبه في طريقه. قال علقمة بن قيس: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال نعم، ولكن حق الصحبة. وسئل الأوزاعي عن

ص: 559

مسلم مرّ بكافر، فسلّم عليه، فقال: إن سلمت؛ فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت؛ فقد ترك الصالحون قبلك. انتهى. قرطبي بتصرف من سورة (مريم).

أقول: لم يتعرض للكلام في الرد عليهم أحد، وأذكر ما رواه أنس-رضي الله عنه-قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: عليكم» . رواه الستة إلا النسائي، وهذا يعني لا يرد عليهم السلام كاملا، ولكن في هذا العصر كثر الاختلاط بهم، وتغيرت الأوضاع كما هو معروف، ومعلوم، فإذا كان قد أجاز بعض العلماء وأولهم ابن مسعود-رضي الله عنه-بدأهم بالسلام، كما رأيت، فرد السّلام عليهم كاملا؛ فهو جائز بالأحرى، ولا سيما في هذا العصر الذي ضعفت فيه الروحانية الإسلامية عند كثير من المسلمين، وكذلك ما أصاب المسلمين من ضعف وهو أن في هذه الأيام، وإن أراد المسلم التبرئة من التبعة فلينو بالسلام عليهم، والرد عليهم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم، وتصرفاتهم في جميع أحوالهم، وكذلك ينوي المسلمين من الجن الذين يكونون قريبا منهم. أقول هذا؛ والله ولي التوفيق، وأضيف: أنه لا يرد عليهم بالرحمة والبركة. بل يكتفي بقوله: (وعليكم السّلام).

الإعراب: {أَلَمْ تَرَ:} انظر الاية السابقة. {إِلَى الَّذِينَ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل مفعول به. {نُهُوا:} فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.

{عَنِ النَّجْوى:} متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكلام:{أَلَمْ تَرَ} مستأنف، لا محل له. {يَعُودُونَ:} مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {لِما:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة:{نُهُوا عَنْهُ} صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور ب: {عَنِ،} وكذلك جملة: {وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ:} معطوفان على (الإثم)، و (معصية) مضاف، و {الرَّسُولِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لمفعوله، وفاعله محذوف.

{وَإِذا:} (الواو): حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {جاؤُكَ:} ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. {حَيَّوْكَ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والكاف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها. و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين. {بِما:} جار ومجرور

ص: 560

متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {يُحَيِّكَ:} فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والكاف مفعول به. {بِهِ:}

جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {اللهُ:} فاعل، والجملة الفعلية:{لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ} صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.

(يقولون): فعل مضارع، وفاعله. {فِي أَنْفُسِهِمْ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {لَوْلا:} حرف تحضيض. {يُعَذِّبُنَا:} فعل مضارع، و (نا): مفعول به. {اللهُ:}

فاعل. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء نقوله، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بقولنا، وجملة:{وَيَقُولُونَ..} .

إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الوجهين.

{حَسْبُهُمْ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله. {جَهَنَّمُ:}

خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {يَصْلَوْنَها:} فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة. وبه قال الجمل. وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف عامل فيه. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته:[الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له

إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله

أو كان جزء ما له أضيفا

أو مثل جزئه فلا تحيفا

هذا؛ وعلى الوجه الأول فالوقف تام على الجملة الاسمية، وعلى الوجه الثاني، والثالث لا يوقف، بل توصل بها الجملة الفعلية. هذا؛ والجملة الفعلية:{فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} مستأنفة، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي جهنم. هذا؛ وقيل: الفاء الفصيحة، ولا وجه له ألبتة.

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)}

الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: في المخاطبين بهذه الاية قولان: أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين، وذلك: أنه لما ذم اليهود، والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول؛ أتبعه بأن نهى المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقهم، وأن يفعلوا كفعلهم، فقال:{فَلا تَتَناجَوْا}

ص: 561

{بِالْإِثْمِ،} وهو ما يقبح من القول، {وَالْعُدْوانِ} وهو ما يؤدي إلى الظلم، ومعصية الرسول، وهو ما يكون خلافا عليه. والقول الثاني، (وهو الأصح): أنه خطاب للمنافقين. والمعنى: يا أيها الذين أمنوا بألسنتهم. وقيل: آمنوا بزعمهم، كأنه قال لهم: لا تتناجوا بالإثم، والعدوان، ومعصية الرسول. انتهى. هذا؛ ورجح القرطبي الأول. {وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى} أي: تحدثوا بما فيه خير، وبر، وإحسان. قال القرطبي: نهى الله المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل اليهود، والمنافقين، وأمرهم أن يتناجوا بالطاعة، والتقوى، والعفاف عما نهى الله عنه. {وَاتَّقُوا اللهَ..} .

إلخ: أي: وخافوا الله بامتثالكم أوامره، واجتنابكم نواهيه، الذي سيجمعكم للحساب، ويجازي كلاّ بعمله.

عن صفوان بن محرز-رضي الله عنه-قال: كنت آخذا بيد ابن عمر-رضي الله عنهما؛ إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أن قد هلك. قال: فإني قد سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثمّ يعطى كتاب حسناته. وأمّا الكفار، والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الّذين كذبوا على ربّهم ألا لعنة الله على الظّالمين» . أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد، ولا تنس: أن البر كلمة جامعة لخصال الخير الدنيوية، والأخروية.

تنبيه: قال ابن هشام في المغني: قد يعبرون بالفعل عن إرادته، وأكثر ما يكون ذلك بعد أداة الشرط، نحو قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [98]:{فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ} . وقوله تعالى في سورة (المائدة) الاية [6]: {إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} .

وقوله تعالى في سورة (آل عمران) الاية رقم [47]: {إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،} وكذا قوله تعالى في سورة (المائدة) الاية رقم [42]: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} .

{وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ} رقم [126] من سورة (النحل). وقوله تعالى: {إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ} . {إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا..} . إلخ رقم [12] من هذه السورة، وقوله تعالى:{إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} رقم [1] من سورة الطلاق، وفي الحديث الصحيح قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«إذا أتى أحدكم الجمعة؛ فليغتسل» .

فهو يريد-رحمه الله تعالى-: أن المعنى: إذا أردت القراءة، إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ إذا أراد قضاء أمر، إن أردت الحكم، إن أردتم العقاب، فعاقبوا؛ إذا أردتم المناجاة؛ فلا؛ إذا أردتم مناجاة الرسول؛ إذا أردتم الطلاق؛ إذا أراد أحدكم إتيان الجمعة، فليغتسل.

الإعراب: {يا أَيُّهَا:} (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، (وها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض

ص: 562

من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أيها)، وجملة:

{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {إِذا:} انظر الاية السابقة.

{تَناجَيْتُمْ:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها. {فَلا:} (الفاء):

واقعة في جواب {إِذا} . (لا): ناهية. {تَتَناجَوْا:} مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب {إِذا،} لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له كالجملة الندائية قبله.

{بِالْإِثْمِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. {وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ:} معطوفان على (الإثم)، و (معصية) مضاف، و {الرَّسُولِ} مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {وَتَناجَوْا:} (الواو): حرف عطف. (تناجوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {بِالْبِرِّ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة.

(التقوى): معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.

{وَاتَّقُوا:} الواو: حرف عطف. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.

{اللهَ:} منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة، أو هو بدل منه.

{إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {تُحْشَرُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.

{إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)}

الشرح: {إِنَّمَا النَّجْوى:} بالإثم، والعدوان، ومعصية الرسول. {مِنَ الشَّيْطانِ} أي: من تزيين الشيطان، ووسوسته. {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} إذا توهموا: أن المسلمين أصيبوا في السرايا، أو إذا أجروا اجتماعهم على مكايدة المسلمين، وربما كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم، فيظن المؤمنون: أن المنافقين ينتقصونهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، {وَلَيْسَ} أي: الشيطان، أو التناجي.

{بِضارِّهِمْ شَيْئاً:} بملحق بهم أيّ ضرر {إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ} أي: بمشيئة الله، وإرادته. {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: على الله وحده فليعتمد المؤمنون، وليثقوا به، ولا يبالوا بنجوى المنافقين، والكافرين، وكيدهم، فإن الله يعصمهم من شرهم وكيدهم، ومن أحس بشيء من ذلك؛ فليستعذ بالله، وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله تعالى.

ص: 563

هذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره.

وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة، وخذ ما يلي:

فعن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا» . أخرجه الترمذي، وانظر الاية رقم [3] من سورة (الطلاق) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ والفرق بين التوكل، والتسليم، والتفويض، فيقال: التوكل أن تسكن إلى وعد الله تعالى، والتسليم أن تكتفي بعلم الله تعالى، والتفويض أن ترضى بحكم الله تعالى.

الإعراب: {إِنَّمَا:} كافة ومكفوفة. {النَّجْوى:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {مِنَ الشَّيْطانِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها. {لِيَحْزُنَ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى {الشَّيْطانِ،} و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {وَلَيْسَ:}

(الواو): واو الحال. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره:«هو» ، يعود إلى {الشَّيْطانِ}. {بِضارِّهِمْ:} (الباء): حرف جر صلة. (ضارهم): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى {الشَّيْطانِ،} والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله الأول.

{شَيْئاً:} مفعول به ثان وقيل: هو مفعول مطلق. وجملة (ليس

) إلخ في محل نصب حال من فاعل (يحزن) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. {إِلاّ:} أداة حصر. {بِإِذْنِ:}

متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، و (إذن) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.

{وَعَلَى:} (الواو): فيما أرى صلة. (على الله): متعلقان بالفعل بعدهما. {فَلْيَتَوَكَّلِ:}

(الفاء): حرف استئناف، أو هي الزائدة. (ليتوكل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. {الْمُؤْمِنُونَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في مثلها: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى هنا إن تناج

ص: 564

الكافرون والمنافقون بإيحاء من الشيطان؛ فالمؤمنون يتوكلون على الله. وعلى هذا فالواو ليست زائدة، وإنما هي حرف استئناف، وتكون الفاء هي الفصيحة، أفصحت عن شرط مقدر، التقدير:

وإذا رأى المؤمنون الكافرين، والمنافقين يتناجون؛ فليتوكلوا على الله، وتكون الجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. ولا يخفى ما فيه من التكلف.

تنبيه: ذكرت هذه الجملة في الاية رقم [122] و [160] من سورة (آل عمران)، وفي الاية رقم [11] من سورة (المائدة) وفي الاية رقم [51] من سورة (التوبة)، وفي الاية رقم [67] من سورة (يوسف). وفي الاية رقم [11] و [12] من سورة (إبراهيم)، وفي الاية رقم [38] من سورة (الزمر)، وفي الاية رقم [13] من سورة (التغابن).

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)}

الشرح: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:} هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان. {إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا} أي: إذا قال لكم أحد: توسعوا في المجالس، سواء كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو غيره من المجالس، فتوسعوا، وافسحوا له. {يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ} أي: يوسع لكم ربكم في رحمته، وجنته، ورضوانه. {وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا} أي: وإذا قيل لكم: أيها المؤمنون انهضوا من المجلس، وقوموا؛ لتوسعوا لغيركم؛ فارتفعوا منه، وقوموا. هذا؛ والنشز: الارتفاع مأخوذ من: نشز الأرض، وهو ارتفاعها، يقال: نشز، ينشز؛ إذا انتحى من موضعه؛ أي: ارتفع منه. وامرأة ناشز؛ أي: مترفعة عن طاعة زوجها.

{يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ} أي: يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره، وأوامر رسوله-والعالمين منهم خاصة-أعلى المراتب، ويمنحهم أعلى الدرجات الرفيعة في الجنة. هذا؛ وقال مقاتل بن حيان-رحمه الله تعالى-: أنزلت هذه الاية يوم الجمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصّفّة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين، والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر، وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السّلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته! فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من المهاجرين،

ص: 565

والأنصار من غير أهل بدر: «قم يا فلان! وأنت يا فلان!» . فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين، والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون: أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم، وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم، وأجلس من أبطأ عنه. فبلغنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله رجلا يفسح لأخيه» .

فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا، فيفسح لإخوانهم، ونزلت هذه الاية يوم الجمعة. هذا؛ وقيل:

نزلت الاية في ثابت بن قيس بن شماس، انظر الاية رقم [11] من سورة (الحجرات).

وقد ورد عن ابن عمر-رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا، وتوسّعوا» . أخرجه الشيخان، وأحمد. وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ثمّ يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم» . أخرجه الإمام أحمد.

وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد؛ إذا جاء على أقوال، فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث:«قوموا إلى سيّدكم» . ومنهم من منع ذلك محتجا بحديث: «من أحبّ أن يتمثّل له الرجال قياما فليتبوّا مقعده من النّار» . ومنهم من فصّل، فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ-رضي الله عنه، فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكما في بني قريظة، فرآه مقبلا قال للمسلمين:«قوموا إلى سيّدكم» . وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله أعلم. فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن: أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاء لا يقومون له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. انتهى. مختصر ابن كثير. يروى أن حسان-رضي الله عنه-كان جالسا فمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقام، فقال مرتجلا:[الوافر] قيامي للعزيز عليّ فرض

وترك الفرض ما هو مستقيم

أقول لمن له عقل وذهن:

يرى هذا الجمال ولا يقوم

ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل تبسم؛ حتى بدت نواجذه، وكأنه إقرار منه صلى الله عليه وسلم لفعل حسان. وأقول: واستدلت الشافعية بهذه الحادثة على أن الأدب خير من الامتثال. وأما الحنفية فيقولون: الامتثال خير من الأدب.

هذا؛ والاية الكريمة تنوه بفضل العلم وفضل أهله. وخذ نبذة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان ذلك، فعن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيرا؛ فقّهه في الدّين، وألهمه رشده» . رواه الطبراني في الكبير. وروى البخاري، ومسلم عن

ص: 566

معاوية؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ سهّل الله له طريقا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجتحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض؛ حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم، فمن أخذه، فقد أخذ بحظّ وافر» . رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.

وعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ مثل العلماء في الأرض كمثل النّجوم يهتدى بها في ظلمات البرّ، والبحر، فإذا انطمست النجوم؛ أوشك أن تضلّ الهداة» .

رواه الإمام أحمد. وعن أبي أمامة-رضي الله عنه-قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد، والاخر عالم، فقال عليه أفضل الصلاة والسّلام:«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله وملائكته، وأهل السموات والأرض؛ حتّى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلّون على معلّم الناس الخير» . رواه الترمذي.

وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-كان يقدّم عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما-على كثير من الصحابة، ويدخله في الشورى مع مشيخة المهاجرين، والأنصار، فكلمه بعضهم في ذلك، فدعاهم، ودعاه، وسألهم عن تفسير قوله تعالى:{إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} فسكتوا، فقال ابن عباس-رضي الله عنهما: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه الله إياه. فقال عمر-رضي الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تعلم. ومعنى قوله: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: إنه إنذار بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم؛ لأن المعنى: إذا انتصر الدين، وانتشر في الجزيرة العربية، وتم فتح مكة؛ فلا يبقى لوجودك في الدنيا حاجة، بل انتقالك منها إلى الاخرة أولى. ومثل ذلك ما فهمه الصديق من نزول قوله تعالى في يوم عرفة في حجة الوداع:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} . رقم [3] من سورة (المائدة).

الإعراب: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا:} انظر الاية رقم [9]. {قِيلَ:} فعل ماض مبني للمجهول. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {تَفَسَّحُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فِي الْمَجالِسِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع نائب فاعل {قِيلَ،} أفاده ابن هشام في مغنيه، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة:«بحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه، وقد ذكرت لك مرارا أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا، تقديره:«هو» ، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام؛ أي: وقيل قول، وبعضهم يعتبر الجار والمجرور:

ص: 567

{لَكُمْ} في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو:(لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا مطيّة الكذب). وجملة: {قِيلَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذا} إليها. {فَافْسَحُوا:} (الفاء): واقعة في جواب {إِذا} . (افسحوا): فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب {إِذا} لا محل لها، و {إِذا} ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له كالجملة الندائية قبله. {يَفْسَحِ:} فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر، الواقع جوابا للشرط، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تفسحوا؛ يفسح الله لكم، و {اللهُ} فاعله، و {لَكُمْ} جار ومجرور متعلقان به.

{وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ:} إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق، وقد حذف متعلق انشزوا لدلالة ما قبله عليه. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {مِنْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. {وَالَّذِينَ:} معطوف على ما قبله فهو في محل نصب مثله. وقيل منصوب بفعل مضمر، تقديره: يخص الذين. ولا وجه له. {أُوتُوا:} فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول.

{الْعِلْمَ:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {دَرَجاتٍ:} مفعول يرفع منصوب فهو مفعول ثان. {قِيلَ:} هو ظرف منصوب بنزع الخافض، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:{يَرْفَعِ..} . إلخ لا محل لها مثل جملة: {يَفْسَحِ..} . إلخ لأنهما جملتان واقعتان في محل جزم للشرط المقدر ب: «إن» . {وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} انظر إعراب مثلها في الاية رقم [3]. و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله.

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)}

الشرح: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:} انظر الاية السابقة. {إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ} أي: أردتم مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر الاية رقم [9]. {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً} أي: أعطوا الفقراء والمساكين صدقة قبل محادثتكم النبي صلى الله عليه وسلم، ومناجاتكم له. فقد استعير اليدان لمعنى قبل، كما استعيرا في كثير من الايات لمعنى: أمام، وقدام. ومعنى الاية: أن الله أمر عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: يسارّه فيما بينه وبينه أن يقدم قبل ذلك صدقة تطهره، وتزكيه وتؤهله؛ لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال:{ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ:} {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} أي: الصدقة لفقركم، وعجزكم. {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:} هذا تسامح مع الفقراء الذين لا يجدون المال ليقدموه قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفائدة

ص: 568

ذلك إعظام مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقة؛ استعظمه، وإن وجده بسهولة؛ استحقره، وفي ذلك أيضا نفع كثير للفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة.

قال ابن عباس-رضي الله عنهما: إن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثروا حتى شق عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يقدموا صدقة على مناجاته صلى الله عليه وسلم. وقيل: نزلت في الأغنياء، وذلك: أنهم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم، ومناجاتهم، فلما أمروا بالصدقة؛ كفوا عن مناجاته، فأما الفقراء وأهل العسرة، فلم يجدوا شيئا، وأما الأغنياء، وأهل الميسرة، فضنوا، واشتد ذلك على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة.

وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: نهوا عن المناجاة؛ حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب-رضي الله عنه، تصدق بدينار (أي: على دفعات) وناجاه، ثم نزلت الرخصة، فكان علي كرم الله وجهه يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي آية المناجاة. وعن علي-رضي الله عنه-قال: لما نزلت: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ..} .

إلخ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ترى؟ دينارا؟» . قلت: لا يطيقونه. قال: «فنصف دينار؟» . قلت: لا يطيقونه. قال: «فكم؟» . قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد» . قال: فنزلت: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ} قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. أخرجه الترمذي. هذا؛ ومعنى: شعيرة؛ أي: وزن شعيرة من ذهب، ومعنى: لزهيد، يعني: قليل المال، قدرت على قدر حالك. هذا؛ وفي هذه الاية منقبة عظيمة لعلي-رضي الله عنه؛ إذ لم يعمل بها أحد غيره، ولكن ليس فيها طعن على غيره من الصحابة، ووجه ذلك: أن الوقت لم يتسع ليعملوا بهذه الاية، ولو اتسع الوقت لم يتخلفوا عن العمل بها. انتهى. خازن بتصرف بسيط.

وروي عن علي-رضي الله عنه-أنه قال: كان لي دينار، فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر مسائل، فأجابني عنها، قلت: يا رسول الله ما الوفاء؟ قال:

«التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله» . قلت: وما الفساد؟ قال: «الكفر، والشرك بالله» . قلت:

وما الحق؟ قال: «الإسلام، والقرآن، والولاية إذا انتهت إليك» . قلت: وما الحيلة؟ قال: «ترك الحيلة» . قلت: وما عليّ؟ قال: «طاعة الله، وطاعة رسوله» . قلت: وكيف أدعو الله؟ قال:

«بالصدق، واليقين» . قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: «العافية» . قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: «كل حلالا، وقل صدقا» . قلت: وما السرور؟ قال: «الجنة» . قلت: وما الراحة؟ قال:

«لقاء الله» . فلما فرغت منها نزل نسخها. انتهى. نسفي ولم يذكره غيره.

قال ابن عمر-رضي الله عنهما: لقد كانت لعلي-رضي الله عنه-ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. انتهى.

ص: 569

وقد نسخ حكم هذه الاية بالاية التالية، وقد دام حكمها عشر ليال. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

فائدة: قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-في مثل هذا التركيب: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا:} دخلت (إن) على (لم) ليرتد الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأن (لم) ترد الفعل المستقبل إلى معنى المضي، و (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلما صارت (لم) ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي ردتها (إن) إلى الاستقبال؛ لأن (إن) ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.

الإعراب: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ:} انظر رقم [9]. {فَقَدِّمُوا:} (الفاء): واقعة في جواب {إِذا} . (قدموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب {إِذا،} لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، {بَيْنَ:} ظرف مكان متعلق بما قبله، و (بين) مضاف. و {يَدَيْ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى لفظا، وحذفت النون للإضافة، و (يدي) مضاف، و {نَجْواكُمْ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف في محل جر بالإضافة. {صَدَقَةً:} مفعول ل: (قدموا).

{ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَيْرٌ،} والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَإِنْ:} (الفاء): حرف استئناف، وتفريع، (إن): حرف شرط جازم. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {تَجِدُوا:} فعل مضارع مجزوم ب: {لَمْ،} وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون

إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف لعلمه من المقام، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {فَإِنْ:} (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.

{اللهَ:} اسمها. {غَفُورٌ رَحِيمٌ:} خبران لها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا. التقدير: فإن لم تجدوا الصدقة؛ فلا حرج، ولا إثم عليكم؛ فالجملة الاسمية تكون تعليلية لا محل لها، والجملة الشرطية:{فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} لا محل لها؛ لأنها مستأنفة.

{أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13)}

الشرح: هذه الاية ناسخة لحكم الاية السابقة، فهي متأخرة عنها نزولا؛ وإن اتصلت بها تلاوة، والنسخ كان بقوله تعالى:{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ} وهذا يدل على جواز النسخ قبل

ص: 570

الفعل، وما روي عن علي-رضي الله عنه-ضعيف؛ لأن الله تعالى قال:{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} وهذا يدل على أن أحدا لم يتصدق بشيء، والله أعلم. انتهى. قرطبي. وقيل: نسخت بفرضية الزكاة، ومعنى {أَأَشْفَقْتُمْ}

إلخ: أي: أبخلتم بالإنفاق خشية الفقر؟، أو المعنى: أخفتم العيلة، والفقر، إن أنفقتم المال قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ {وَأَطِيعُوا اللهَ} أي: فيما أمر، وفيما نهى. {وَرَسُولَهُ:} كذلك فيما أمر، ورغب فيه، ونهى عنه من قول، أو فعل. {وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ:} محيط بأعمالكم:

صغيرها، وكبيرها، خيرها، وشرها. فيجازيكم بها بالخير خيرا، وبالسوء سوآ.

هذا؛ ومعنى (أقيموا الصلاة): أدوها على الوجه الأكمل، أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتموا ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل، يقال عنه:

صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء والتضرع، وهي في الشرع:

أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. والصلاة من العبد معناها: التضرع، والدعاء. ومن الملائكة على العبد، معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة له. ومن الله على عباده معناها: الرحمة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [56]:{إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} وأما الزكاة فهي في اللغة النماء والتطهير، وفي الشرع: اسم لمال مخصوص، يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الاية رقم [60] من سورة (التوبة). وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وفرضت للفقير، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء، والمنكر، والتي لا تنهاه في الاية رقم [45] من سورة (العنكبوت).

هذا؛ ومن القرطبي: وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله يقول: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله تعالى يقول: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ} ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله عز وجل يقول: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ» }.

الإعراب: {أَأَشْفَقْتُمْ:} (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (أشفقتم): فعل، وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: أأشفقتم؛ أي: أخفتم الفقر. {أَنْ تُقَدِّمُوا:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من تقديم، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وإن قلت: في محل نصب بنزع الخافض؛ فلست مفندا. {بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ} انظر الاية السابقة فالإعراب مثله. {صَدَقاتٍ:} مفعول به ل: {تُقَدِّمُوا} منصوب،

ص: 571

وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:{أَأَشْفَقْتُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَإِذْ:} (الفاء): حرف استئناف، وتفريع. (إذ): فيها ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها على بابها من المضي، والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة. قاله أبو البقاء، وهذا يعني: أنها مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل «تركتم» المقدر. والثاني: أنها بمعنى: (إذا)، كقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [71]:{إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ} . والثالث: أنها بمعنى: (إن) الشرطية، وهو قريب مما قبله، إلا أن الفرق بين «إن» و «إذا» معروف. انتهى. جمل نقلا من السمين.

{لَمْ تَفْعَلُوا:} فعل مضارع مجزوم ب: {لَمْ،} وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لم تفعلوا الصدقة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.

{وَتابَ:} (الواو): واو الحال. (تاب الله): ماض، وفاعله. {عَلَيْكُمْ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة. {فَأَقِيمُوا:} (الفاء): واقعة في جواب إذ. (أقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. {الصَّلاةَ:} مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها لوقوعها جوابا ل:(إذ)، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، {وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} انظر إعراب مثلها في الاية رقم [3].

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ} أي: ألم تنظر إلى الذين

إلخ، فهو تعجيب للرسول صلى الله عليه وسلم من أمر المنافقين؛ الذين اتخذوا اليهود أصدقاء؛ أي: ألا تعجب يا محمد من حال هؤلاء المنافقين، الذين يزعمون الإيمان، وقد اتخذوا اليهود المغضوب عليهم أولياء، يناصحونهم، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين. والذين غضب الله عليهم هم اليهود لقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [61]:{وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ} وقوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [60]: {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} . {ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ:} يعني: إن المنافقين ليسوا منكم في الدين، والولاء، ولا هم من اليهود، فهم مذبذبون بين ذلك، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [143]:{مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ} . {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ:} أنهم كاذبون، نزلت الاية الكريمة في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره؛ إذ قال:«يدخل عليكم الان رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعيني شيطان» . فدخل عبد الله بن نبتل، وكان أزرق العينين أسمر البشرة، قصيرا خفيف اللحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«علام تشتمني أنت وأصحابك؟!» . فحلف بالله: ما فعل، وجاء

ص: 572

بأصحابه، فحلفوا ما سبوه، فأنزل الله الاية. هذا؛ وحلفهم على الكذب تكرر ذكره في الاية رقم [62] من سورة (النساء) وفي الايات:[42 - 56 - 62 - 74 - 95 - 96 - 107] من سورة (التوبة). هذا؛ وفائدة الإخبار عنهم: أنهم يعلمون بيان ذمهم بارتكابهم اليمين الغموس؛ التي تغمس صاحبها في النار، فلا يرد ما فائدة قوله تعالى:{وَهُمْ يَعْلَمُونَ،} والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {أَلَمْ تَرَ:} انظر الاية رقم [7]. {إِلَى الَّذِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. {تَوَلَّوْا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{أَلَمْ تَرَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قَوْماً:} مفعول به، وجملة:{غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} في محل نصب صفة {قَوْماً} . {قَوْماً:} نافية حجازية تعمل عمل:

«ليس» ، أو هي مهملة لا عمل لها. {عَلَيْهِمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم {قَوْماً،} أو في محل رفع مبتدأ. {مِنْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {قَوْماً،} أو بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية على الاعتبارين فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها مستأنفة، لا محل لها. والثاني: في محل نصب حال من فاعل {تَوَلَّوْا} . والثالث: أنها في محل نصب صفة ثانية ل: {قَوْماً،} أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم والرابط على الحالية والوصفية الضمير. {وَلا:} (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. {مِنْهُمْ:} معطوفان على {مِنْكُمْ} عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف لدلالة ما قبله؛ فالعطف يكون عطف جملة على جملة. تأمل.

(يحلفون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{تَوَلَّوْا..} . إلخ فهي من جملة الصلة، وعليه تكون جملة:{ما هُمْ مِنْكُمْ..} . إلخ معترضة بين المتعاطفتين على الوجه الأول فيها. {عَلَى الْكَذِبِ:} متعلقان بما قبلهما. {وَهُمْ:}

(الواو): واو الحال. (هم): مبتدأ، وجملة:{يَعْلَمُونَ} مع المفعول المحذوف في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.

{أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15)}

الشرح: {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ..} . إلخ أي: هيأ الله للمنافقين عذابا شديدا في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [145]:{إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} وذلك لأنهم أخبث من الكفرة، وأضر على المسلمين منهم؛ لأنهم يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، ويضمون إلى كفرهم الاستهزاء، والسخرية بالإسلام، والمسلمين.

{إِنَّهُمْ ساءَ:} يجوز في هذا الفعل أن يكون على بابه من التصرف، والتعدي، ومفعوله

ص: 573

محذوف؛ أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم، وأن يكون جاريا مجرى:«بئس» فيحول إلى فعل بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفا. والمعنى:

بئست أعمالهم الخبيثة، من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم الناس عن الإيمان بالله، ورسوله.

الإعراب: {أَعَدَّ:} فعل ماض. {اللهُ:} فاعله. {لَهُمْ:} متعلقان به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدرة، {عَذاباً:} مفعول به. {شَدِيداً:} صفة له.

{إِنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {ساءَ:} فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله مستتر فيه وجوبا فسره التمييز، وهو:{ما} فإنها نكرة موصوفة بمعنى: «شيئا» مبنية على السكون في محل نصب، والجملة الفعلية بعدها صفتها، والرابط محذوف، التقدير: ساء الشيء شيئا كانوا يعملونه، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: المذموم عملهم. وهذا الإعراب على اعتبار الفعل جامدا، وأما على اعتباره متصرفا؛ فمفعوله محذوف، التقدير: ساءهم، و {ما} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف. التقدير: ساءهم الذي، أو شيء كانوا يعملونه. وعلى اعتبار {ما} مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم عملهم. {كانُوا:} ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:{يَعْمَلُونَ} مع مفعوله المحذوف في محل نصب خبر (كان). وجملة: {ساءَ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُمْ ساءَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16)}

الشرح: {اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً} أي: جعلوا أيمانهم الكاذبة الفاجرة وقاية لأنفسهم، ولأموالهم؛ سترة من القتل، والاستيلاء عليها. قال في التسهيل: أصل الجنة ما يستتر به، ويتقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا بطريق الاستعارة؛ لأنهم كانوا يظهرون الإسلام؛ ليعصموا دماءهم، وأموالهم وانظر الاية رقم [2] من سورة (المنافقون). {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ} أي:

فمنعوا الناس عن الدخول في الإسلام، بإلقاء الشبهات في قلوب الضعفاء، والمكر، والخداع بالمسلمين. {فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ} أي: فلهم عذاب شديد في غاية الشدة والإهانة، فهو وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. وقيل: الأول عذاب السعير، وهذا عذاب الاخرة. هذا؛ وقد وعدهم الله العذاب المخزي؛ لكفرهم وصدهم الناس عن سبيل الله، كما قال تعالى في سورة (النحل) رقم [88]:{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ} .

هذا؛ و {أَيْمانَهُمْ} جمع: يمين بمعنى: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو اسم من أسمائه. قال تعالى {وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ} رقم

ص: 574

[224]

من سورة (البقرة). واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى:{أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} وهو كثير في القرآن الكريم. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة. والإيمان الصحيح هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. قال:«الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الاخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى» . والإيمان يزيد وينقص على المعتمد، كما رأيت في الاية رقم [2] من سورة (الأنفال)، وله شعب كثيرة، وفروع عديدة، وهي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. ولا يجمع بهذا المعنى؛ لأنه مصدر، بخلاف ما تقدم.

هذا؛ وصد يصد يأتي بمعنى: يمنع، ويصرف، وهو ما في هذه الاية، وهو بضم الصاد، ويأتي بمعنى: يعرض، ويميل، ومنه قوله تعالى:{رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} رقم [68] من سورة (النساء)، وهو بهذا المعنى يأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى:

يضجون فرحا، ومنه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [57]:{وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} .

الإعراب: {اِتَّخَذُوا:} ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {أَيْمانَهُمْ:} مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة. {جُنَّةً:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية مفسرة لقوله:{ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ،} أو هي بدل منها؛ لأنك لو طرحت الأولى لا يخل بالمعنى طرحها. {فَصَدُّوا:} الفاء:

حرف عطف. (صدوا): ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف التقدير: صدوا الناس، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {عَنْ سَبِيلِ:} متعلقان بما قبلهما، و {سَبِيلِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {فَلَهُمْ:} (الفاء): حرف عطف، وتعقيب. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عَذابٌ:} مبتدأ مؤخر. {مُهِينٌ:} صفة {عَذابٌ،} والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.

{لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (17)}

الشرح: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ} أي: لن تنفعهم أموالهم، ولا أولادهم في الاخرة، ولن تدفع عنهم شيئا من عذاب الله. وقدم الله ذكر الأموال في هذه الاية، وكثير غيرها على الأولاد؛ لأنها أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب، ولأن المال شقيق الروح، فقد يفرط الإنسان بروحه في سبيل الدفاع عن ماله، وقد يبيع شرفه، ومروءته، وكرامته في سبيل تحصيل المال، وقد يسبب له جمع المال العذاب الأليم في نار الجحيم، ولا سيما في هذا الزمن الذي صار الإنسان لا يبالي ما أخذ: من حلال، أو من حرام. {أُولئِكَ:} إشارة إلى المنافقين الموصوفين

ص: 575

في الايات السابقة، واللاحقة. هذا؛ وقد ذكر الله هذه الاية بحروفها كاملة في سورة (آل عمران) رقم [116] ولكنها صدرت هناك بقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ} . {أَصْحابُ النّارِ:}

بمعنى: مالكيها لملازمتهم لها وعدم انفكاكهم عنها، ويقال مثله {فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ}. {هُمْ فِيها خالِدُونَ:} مقيمون مخالدون، لا يخرجون منها أبدا.

الإعراب: {لَنْ:} حرف نفي، ونصب، واستقبال. {تُغْنِيَ:} فعل مضارع منصوب ب: {لَنْ} .

{عَنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {أَمْوالُهُمْ:} فاعله. {وَلا:} (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. {أَوْلادُهُمْ:} معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {مِنَ اللهِ:} متعلقان بالفعل {تُغْنِيَ،} والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به. {شَيْئاً:} مفعول مطلق، أو نائب عنه. هذا؛ وجوز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة؛ التي ذكرتها مرارا.

{أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {أَصْحابُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {النّارِ} مضاف إليه، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {عَنْهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان ب: {خالِدُونَ} بعدهما. {خالِدُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو هي في محل نصب حال من:{أَصْحابُ النّارِ،} أو من:

{النّارِ،} وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، والرابط: الضمير على الاعتبارين. وهذه الجملة يكثر ذكرها في كثير من السور.

{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18)}

الشرح: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً} أي: يحشرهم الله جميعا للحساب، والجزاء، ومثله الاية رقم [6]. {فَيَحْلِفُونَ لَهُ} أي: فيحلفون لله على أنهم مسلمون، وأنهم كانوا على الهدى، والاستقامة، وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: هو قولهم: {وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ} الاية رقم [23] من سورة (الأنعام). {كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أي: كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه، وبعث عليه، ويعتقدون: أن ذلك ينفعهم عند الله، كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة. {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ} أي: يظنون أن حلفهم في

ص: 576

الاخرة ينفعهم، وينجيهم من عذابها، كما نفعهم في الدنيا بدفع القتل عنهم، وذلك؛ لأن تمكن النفاق في قلوبهم، بحيث يخيل إليهم في الاخرة أن الأيمان الكاذبة تروّج الكذب على الله كما تروّجه على المؤمنين في الدنيا. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: والعجب منهم كيف يعتقدون: أن كفرهم يخفى على علام الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم، ونفاقهم، والمقصود: أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الاخرة، كما كان في الدنيا. {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ} أي: البالغون الغاية في الكذب؛ حيث يكذبون يوم القيامة بين يدي عالم الغيب، والشهادة.

أقول: ولا يستغرب من المنافقين الكذب في الدنيا وفي الاخرة؛ لأنهم مطبوعون عليه، وهو وصف لازم لهم. فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . رواه البخاري، ومسلم، وزاد مسلم في رواية له:«وإن صلّى، وصام، وزعم: أنه مسلم» . وبين الله عز وجل أن افتراء الكذب ديدن الذين لا يؤمنون بآيات الله. قال تعالى في سورة (النحل) رقم [105]: {إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ} انظر شرح هذه الاية هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر سورة (المنافقون) رقم [1].

الإعراب: {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق ب: {مُهِينٌ،} أو ب: {عَذابٌ،} أو بالاستقرار الواقع خبرا، وهو قوله:(لهم) وعلى هذه الأوجه فالاية بينهما كلها معترضة، أو هو متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر، وهو أقوى هنا. {يَبْعَثُهُمُ اللهُ:} مضارع، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها. {جَمِيعاً:} حال من الضمير المنصوب، فهي حال مؤكدة.

{فَيَحْلِفُونَ:} (الفاء): حرف عطف، وجملة:(يحلفون له) معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر مثلها. {كَما:} (الكاف): حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. {فَيَحْلِفُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) والفعل:(يحلفون) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما قبله، التقدير: يحلفون له حلفا كائنا مثل حلفهم لكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل ذلك أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. {وَيَحْسَبُونَ:} الواو: حرف عطف. (يحسبون): فعل مضارع

إلخ. والواو فاعله. {أَنَّهُمْ:} حرف مشبه الفعل، والهاء اسمها. {عَلى شَيْءٍ:} متعلقان بمحذوف خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسبون) وجملة (يحسبون

) إلخ معطوفة على ما قبلها. هذا؛

ص: 577

وقال الجمل: في محل نصب حال من فاعل (يحلفون) وهذا هفوة منه؛ لأن المضارع المثبت لا تقع جملته حالا إلا بتقدير مبتدأ قبلها. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت

حوت ضميرا، ومن الواو خلت

وذات واو بعدها انو مبتدا

له المضارع اجعلنّ مسندا

{أَلا:} حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. {أَنَّهُمْ:}

حرف مشبه بالفعل. {يَبْعَثُهُمُ:} ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم (إنّ) على المحل.

{الْكاذِبُونَ:} خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و {الْكاذِبُونَ} خبره، فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية:{أَلا إِنَّهُمْ..} . إلخ ابتدائية، لا محل لها من الإعراب.

{اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19)}

الشرح: {اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ} أي: استولى على قلوبهم الشيطان، وغلب عليهم، وتملك نفوسهم؛ حتى أنساهم أن يذكروا ربهم، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذّئب من الغنم القاصية» . أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي عن أبي الدرداء-رضي الله عنه. ولا ريب: أن المراد بإقامة الصلاة: الصلاة في الجماعة.

قال شاه الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من الماكل، والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله، ونعمائه، والقيام بشكرها. ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب، والغيبة، والبهتان. ويشغل لبه عن التفكر، والمراقبة بتدبير الدنيا، وجمعها.

هذا؛ و {اِسْتَحْوَذَ} من حذت الإبل، وحزتها: إذا استوليت عليها. الأول بالذال، والثاني بالزاي، وكون استحوذ من الثاني من حيث الاشتقاق الأكبر. قال القاضي البيضاوي: وهو مما جاء على الأصل، يعني على خلاف القياس، فإن القياس: استحاذ بقلب الواو ألفا، كاستعان، واستعاذ، واستقام، ولكن استحوذ هاهنا أجود؛ لأن الفعل في هذا المعنى لا يستعمل إلا بزيادة. انتهى. نسفي. هذا؛ ومما جاء على الأصل مثل استحوذ: استصوب، واستنوق، مع العلم: أن هذا الفعل لم يذكر في غير هذه السورة، وذكر بلفظ المضارع في سورة (النساء) رقم [141] فقط. هذا؛ والنسيان: مصدر: نسيت الشيء، أنساه، وهو مشترك بين معنيين:

أحدهما: ترك الشيء عن ذهول، وغفلة، والثاني: عن تعمد، وقصد.

ص: 578

هذا؛ و (الحزب) في اللغة أصحاب الرّجل؛ الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون معه لأمر حزبه، يعني: أهمه، والجمع: أحزاب. هذا؛ وكل حزب لا يكون سائرا على الجادة المستقيمة؛ فهو حزب الشيطان، يعني: أتباعه، وأنصاره، وأعوانه، وهم الخاسرون، كما قال تعالى:{أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ} أي: الكاملون في الخسران؛ لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم الدائم، وعرّضوها للعذاب المقيم. وكل حزب يسير على الجادة المستقيمة فهو حزب الله، وحزب الله هم المفلحون، هم الناجون من غضب الله، وعقابه، الفائزون برحمة الله، ورضوانه.

الإعراب: {اِسْتَحْوَذَ:} فعل ماض. {عَلَيْهِمُ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.

{الشَّيْطانُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين.

{فَأَنْساهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (أنساهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول، والفاعل يعود إلى {الشَّيْطانُ}. تقديره: هو. {ذِكْرَ:} مفعول به ثان، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {حِزْبُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {الشَّيْطانُ} مضاف إليه. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{أَلا:} حرف تنبيه، واستفتاح مثل سابقه. {الشَّيْطانُ:} حرف مشبه بالفعل. {حِزْبُ:}

اسمها، وهو مضاف، و {الشَّيْطانُ} مضاف إليه. {عَلَيْهِمُ:} ضمير فصل، لا محل له. {الْخاسِرُونَ:}

خبر {الشَّيْطانُ} وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و {الْخاسِرُونَ} خبره؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّ حِزْبَ..} . إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)}

الشرح: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ:} انظر الاية رقم [5] ففيها الكفاية. {أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} أي: في جملة الأذلين، أو مع الأذلين في الدنيا، والاخرة؛ لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم الثاني، ولما كانت عزة الله، ورسوله غير متناهية، كانت ذلة من يحادهما، وينازعهما غير متناهية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وانظر كبتهم في الاية رقم [5].

الإعراب: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ:} انظر الاية رقم [5] فهي مثلها إفرادا وجملة.

{أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. {فِي الْأَذَلِّينَ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.

ص: 579

{كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}

الشرح: {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} أي: قدر الله، وقضى قضاء ثابتا في اللوح المحفوظ، الذي لا يبدل، ولا يغير. هذا؛ وقيل: غلبة الرسل على نوعين: فمنهم من يؤمر بالحرب، فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب، فهو غالب في الحجة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الصافات):{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ} وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [51]: {إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ} .

الإعراب: {كَتَبَ:} فعل ماض. {اللهُ:} فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

{لَأَغْلِبَنَّ:} (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي. (أغلبن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر، تقديره:«أنا» . {أَنَا:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع توكيد للضمير المستتر.

{وَرُسُلِي:} معطوف على الضمير المستتر، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مفعول به لفعل:{كَتَبَ} . هذا؛ وقال الجمل: ضمن {كَتَبَ} معنى: أقسم؛ ولذا أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله:{لَأَغْلِبَنَّ..} . إلخ وضعفه أبو البقاء، وما قاله الجمل قيل به في قوله تعالى:

{قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ..} . إلخ رقم [12] من سورة (الأنعام).

{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهُ:} اسمها. {قَوِيٌّ عَزِيزٌ:} خبران ل: {إِنَّ،} والجملة الاسمية مستأنفة.

{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}

الشرح: {لا تَجِدُ قَوْماً..} . إلخ أي: لا يمكن أن ترى أيها السامع جماعة يؤمنون بالله، واليوم الاخر الإيمان الكامل يحبون، ويوالون من عادى الله، ورسوله، وخالف أوامر هما؛ لأن

ص: 580

من أحب الله؛ عادى أعداءه، ولا يجتمع في قلب واحد حب الله، وحب أعدائه، كما لا يجتمع النور، والظلام. قال المفسرون: غرض الاية: النهي عن مصادقة، ومحبة الكفرة، والمجرمين من المسلمين، ولكنها جاءت بصورة إخبار مبالغة في النهي، والتحذير. انتهى.

صفوة التفاسير.

قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قد أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم، ومعاملتهم، ومعاشرتهم، فما هذه المودة المحظورة؟ قلت: المودة المحظورة هي: مناصحتهم، وإرادة الخير لهم دينا ودنيا مع كفرهم، فأما ما سوى ذلك؛ فلا حظر فيه. انتهى.

وقال القرطبي: قال السدي: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبيّ جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ماء، فقال له: بالله يا رسول الله ما أبقيت من شرابك فضلة أسقيها أبي، لعلّ الله يطهر بها قلبه؟ فأفضل له، فأتاه بها، فقال له والده: ما هذا؟ فقال: هي فضلة من شراب النبي صلى الله عليه وسلم، جئتك بها تشربها، لعل الله يطهر قلبك بها! فقال له أبوه: فهلا جئتني ببول أمك، فإنه أطهر منها! فغضب، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! أما تأذن لي في قتل أبي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل ترفق به، وتحسن إليه» . وقال ابن جريج-رحمه الله تعالى-: حدثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم، فصكه أبو بكر ابنه-رضي الله عنه-صكة، فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال:«أو فعلته؟! لا تعد إليه!» . فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا؛ لقتلته! وقال ابن مسعود-رضي الله عنه: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح-رضي الله عنه-قتل أباه يوم أحد. وقيل: يوم بدر، وكان الأب يتصدى لأبي عبيدة، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة، فقتله، فأنزل الله حين قتل أباه:{لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الاية، وهذا قاله كثير من المفسرين، وهو المعتمد.

{أَوْ أَبْناءَهُمْ} يعني: أبا بكر-رضي الله عنه-دعى ابنه عبد الله. وقيل: عبد الرحمن إلى البراز يوم بدر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «متّعنا بنفسك يا أبا بكر! أما تعلم أنّك عندي بمنزلة السّمع والبصر؟!» .

{أَوْ إِخْوانَهُمْ} يعني: مصعب بن عمير-رضي الله عنه-قتل أخاه عبيد بن عمير يوم بدر. {أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} يعني: عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر.

وعليا، وحمزة-رضي الله عنهما-قتلا عتبة، وشيبة، والوليد يوم بدر، وهم بنو عمهم، وعشيرتهم.

انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقد بدأ الله بالاباء؛ لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء؛ لأنهم أعلق بالقلوب، ثم بالإخوان؛ لأن بهم التعاضد، ثم بالعشيرة؛ لأن بهم التناصر، والمقاتلة، والتغلب على الأعداء. قال قريط بن أنيف العنبري في مدح بني مازن:[البسيط] قوم إذا الشّرّ أبدى ناجذيه لهم

طاروا إليه زرافات وواحدانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النّائبات على ما قال برهانا

ص: 581

{أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ} أي: أثبت الإيمان، ومكنه في قلوبهم، فهي مؤمنة موقنة مخلصة، وإنما ذكر القلوب؛ لأنها موضع الإيمان. {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} أي: قواهم بنصر منه. وإنما سمى نصره إياهم: روحا؛ لأن أمرهم حيي به. وقيل: بالإيمان. وقيل:

بالقرآن. وقيل: بجبريل. وقيل: برحمته. وقال ابن جريج: أيدهم بنور، وإيمان، وبرهان، وهدى. {وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} أي: ويدخلهم في الاخرة بساتين، وحدائق فسيحة تجري من تحت قصورها أنهار الجنة. {خالِدِينَ فِيها:} ماكثين فيها أبد الابدين. لم يذكر الأبد هنا، وذكر في آخر سورة (المائدة)، وغيرها، ويحمل المطلق على المقيد.

{رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} أي: قبل الله أعمالهم، فرضي عنهم، ونالوا ثوابه، فرضوا بما أعطاهم. جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: وفي قوله تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى؛ عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم. {أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ} أي: هؤلاء حزب الله، وخاصته، وأهل كرامته. {أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:} هذا تنويه بفلاحهم، وسعادتهم في الدنيا، والاخرة. وهذا كله في مقابلة قوله تعالى:{أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ..} . إلخ.

قال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني-رحمه الله تعالى-عن بعض مشايخه: قال داود عليه السلام: إلهي من حزبك، وحول عرشك؟ فأوحى الله إليه: يا داود الغاضة أبصارهم، النقية قلوبهم، السليمة أكفهم، أولئك حزبي، وحول عرشي. انتهى. قرطبي.

وفي الحديث: «إن الله يحبّ الأتقياء الأخفياء الأبرياء؛ الذين إذا غابوا؛ لم يفتقدوا، وإذا حضروا؛ لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كلّ فتنة سوداء مظلمة؛ فهؤلاء أولياء الله الذين قال الله فيهم: {أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» }. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال الحسن-رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدا ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إليّ: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ..}. إلخ» . أخرجه أبو أحمد العسكري. انتهى. مختصر ابن كثير.

هذا؛ وقال النسفي: وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون: أن الاية نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي روّاد: أنه لقي المنصور العباسي في الطواف، فلما عرفه هرب منه، وتلاها. وقال سهل: من صح إيمانه، وأخلص توحيده؛ فإنه لا يأنس بمبتدع، ولا يجالسه، ويظهر له من نفسه العداوة، ومن داهن مبتدعا؛ سلبه الله حلاوة السنن، ومن أجاب مبتدعا لطلب عز الدنيا، أو غناها؛ أذله الله بذلك العز، وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع؛ نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق؛ فليجرب. انتهى.

ص: 582

تنبيه: تكرر رضا الله عن عباده، ورضا عباده عنه في القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول:

إن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، وفحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه من صحة، أو مرض، أو غنى، أو فقر، فيكون راضيا عن الله تعالى؛ فالله يثيبه رضاه؛ أي: رحمته، وعفوه، وجوده، وإحسانه. فعليه: من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى؛ فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله، وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه. وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء:«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» . رواه الإمام مسلم، وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه. وخذ ما يلي:

قال أبو زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أحبه، فإذا هو أحبني. قال تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ،} وظننت أني أرضى عنه، فإذا هو قد رضي عني. قال تعالى:{رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ،} وظننت أني أذكره، فإذا هو يذكرني. قال تعالى:{وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ} وظننت أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ. قال تعالى:{ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} . هذا؛ و (آباء) جمع: أب، وأصله: أبو، وجمعه آباو، و (أبناء) جمع: ابن، وأصله بنو، فجمعه أبناو، وصحح مكي: أن أصله: بني، وجمعه أبناي، و «نساء» أصله:

نساي، فقل في إعلال الثلاثة: تحركت الواو والياء، وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفا ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. ومثل ما ذكر: سماء، وكساء، وبناء، وبيداء

إلخ.

الإعراب: {لا:} نافية. {تَجِدُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {قَوْماً:}

مفعول به. {يُؤْمِنُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة قوما.

{بِاللهِ:} متعلقان بما قبلهما. {وَالْيَوْمِ:} الواو: حرف عطف. (اليوم): معطوف على ما قبله.

{الْآخِرِ:} صفة (اليوم). {يُوادُّونَ:} فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان ل:{تَجِدُ،} إن كان بمعنى (تعلم) وإن كان بمعنى: تصادف، وتلقى؛ فالجملة في محل نصب حال، أو صفة ثانية ل:{قَوْماً،} وساغ مجيء الحال منه بعد وصفه بالجملة بعده.

{مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {حَادَّ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {مَنْ} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة {مَنْ،} لا محل لها. {بِاللهِ:}

منصوب على التعظيم. {وَرَسُولَهُ:} معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.

{وَلَوْ:} (الواو): واو الحال. (لو): وصلية. {كانُوا:} ماض ناقص مبني على الضم،

ص: 583

والواو اسمه، والألف للتفريق. {آباءَهُمْ:} خبر {كانُوا} وما بعده معطوف عليه، والهاء في الجميع في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: (لو كانوا

) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والجملة:{لا تَجِدُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {كَتَبَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {بِاللهِ،} والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فِي قُلُوبِهِمُ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {الْإِيمانَ:} مفعول به. {وَأَيَّدَهُمْ:} الواو: حرف عطف. (أيدهم):

فعل ماض، والفاعل يعود إلى {بِاللهِ،} والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. {بِرُوحٍ:} متعلقان بما قبلهما. {مِنْهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (روح).

{وَيُدْخِلُهُمْ:} الواو: حرف عطف. (يدخلهم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {بِاللهِ،} والهاء مفعوله الأول. {جَنّاتٍ:} مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. {تَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {مِنْ تَحْتِهَا:} متعلقان بالفعل قبلهما، (وها): في محل جر بالإضافة. {الْأَنْهارُ:}

فاعل {تَجْرِي،} والجملة الفعلية في محل جر صفة {جَنّاتٍ} . {خالِدِينَ:} حال من الضمير المنصوب، وفاعله مستتر فيه. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان ب: {خالِدِينَ} . {رَضِيَ اللهُ:}

ماض، وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال ثانية من الضمير المنصوب. {عَنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة:{وَرَضُوا عَنْهُ:} معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. {أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ..} . إلخ انظر إعراب مثله إفرادا، وجملا في الاية رقم [19].

انتهت سورة (المجادلة) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.

والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

ص: 584