المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة القمر بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (القمر)، وهي مكية في - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٩

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: ‌ ‌سورة القمر بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (القمر)، وهي مكية في

‌سورة القمر

بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (القمر)، وهي مكية في قول الجمهور، وهي خمس وخمسون آية، وثلاثمئة واثنتان وأربعون كلمة، وألف وأربعمئة، وثلاثة وعشرون حرفا. انتهى. خازن، وذكرت لك في أول سورة (ق) أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-سأل أبا واقد الليثي ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأضحى والفطر، فقال: كان يقرأ فيهما ب: (ق) و (اقتربت). أخرجه مسلم وأصحاب السنن.

بسم الله الرحمن الرحيم

{اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)}

الشرح: {اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ} أي: دنت وقربت مثل {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} في سورة (النجم) رقم [57]. أي: فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنه قد مضى أكثر الدنيا، كما روى قتادة عن أنس رضي الله عنه-قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كادت الشمس تغيب، فقال:«ما بقي من دنياكم فيما مضى إلاّ مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى» . وما نرى من الشمس إلا يسيرا.

هذا؛ وانظر شرح {السّاعَةُ} في الاية رقم [61] من سورة (الزخرف). هذا؛ وقال تعالى في أول سورة (النحل): {أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ،} وقال تعالى في أول سورة (الأنبياء): {اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} . هذا؛ وقيل: في اقترب زيادة مبالغة في قرب.

{وَانْشَقَّ الْقَمَرُ:} انشقاق القمر آية من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، يدل عليه ما روي عن أنس-رضي الله عنه: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين. أخرجه البخاري ومسلم، وزاد الترمذي، فنزلت:{اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ..} . إلخ. ولهما عن ابن مسعود-رضي الله عنه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اشهدوا» . وفي رواية أخرى؛ قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى؛ إذ انفلق القمر فلقتين: فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«اشهدوا!» . وعن جبير بن مطعم-رضي الله عنه-قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار فرقتين، فقالت قريش: سحر محمد أعيننا. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا؛ ما يستطيع أن

ص: 355

يسحر الناس كلهم. أخرجه الترمذي. وزاد غيره: فكانوا يتلقّون الركبان، فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذبونهم.

فهذه الأحاديث الصحيحة قد وردت بهذه المعجزة العظيمة مع شهادة القرآن المجيد بذلك، فإنه أدل دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه مؤمن؛ وقد أخبر عنه الصادق، فيجب الإيمان به، واعتقاد وقوعه.

وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلوبهم، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه، ويكوره في آخر أمره، فأما قول بعض الملاحدة:

لو وقع هذا؛ لنقل متواترا، واشترك أهل الأرض كلهم في رؤيتهم له، ومعرفته، ولم يختص بها أهل مكة. فأجاب العلماء عن هذا بأن الانشقاق حصل في الليل، ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة، وهم مغطون بثيابهم، فقل من يتفكر في السماء، أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر ومما هو مشاهد معتاد: أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء بالليل من العجائب، والأنوار الطوالع، والشهب العظام، ونحو ذلك مما يقع، ولا يتحدث به إلا آحاد الناس، ولا علم عند غيرهم بذلك، لما ذكرناه من غفلة الناس به، وكان هذا الانشقاق آية عظيمة، حصلت في الليل لقوم سألوها، والتزموا رؤيتها، فلم يتأهب غيرهم لها. انتهى. خازن بتصرف بسيط.

{وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا:} دليل على وجود هذه الاية العظيمة، وقد كان ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى: وإن يروا آية تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى {يُعْرِضُوا} أي: عن الإيمان، والتصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين: نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن فعلت؛ تؤمنوا؟» . قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المشركين:«يا فلان! يا فلان! اشهدوا!» .

{وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ:} أي دائم مطرد، وكل شيء دام حاله قيل فيه: مستمر، وذلك لما رأوا تتابع المعجزات، وترادف الايات، فقالوا: هذا سحر مستمر. وقيل: مستمر؛ أي: قوي محكم شديد بعلوه، يعلو كل سحر. قال البحتري في وصف الذئب:[الطويل] طواه الطّوى حتّى استمرّ مريره

فما فيه إلاّ الروح والعظم والجلد

وانظر ما ذكرته في الاية رقم [6] من سورة (النجم). وقيل: معناه: مرّ من المرارة، يقال:

أمرّ الشيء صار مرا، وكذلك مرّ الشيء. وإنما قالوا ذلك تمنية لأنفسهم وتعليلا. هذا؛ وفي قوله تعالى:{اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} تقديم، وتأخير، وبه قال القرطبي-رحمه الله تعالى-.

ص: 356

الإعراب: {اِقْتَرَبَتِ:} فعل ماض: والتاء للتأنيث. {السّاعَةُ:} فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. {وَانْشَقَّ:} الواو: حرف عطف. (انشق القمر): ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَإِنْ:} الواو: حرف عطف. (إن):

حرف شرط جازم. {يَرَوْا:} فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. {آيَةً:} مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {يُعْرِضُوا:} فعل مضارع جواب الشرط مجزوم

إلخ، والواو فاعله، ومتعلقه محذوف كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب:«إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله لا محل له أيضا.

{وَيَقُولُوا:} الواو: حرف عطف. (يقولوا): معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله.

ويجوز في القواعد النحوية اعتباره منصوبا، ومرفوعا أيضا، لكن لم يقرأ بالرفع. وهذا على القاعدة التي قررها ابن مالك-رحمه الله تعالى-بقوله:[الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن

بالفا أو الواو بتثليث قمن

وقد قرئ بالأوجه الثلاثة قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [284]: {وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ} حيث قرئ (فيغفر) برفعه، ونصبه، وجزمه.

{سِحْرٌ:} خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا سحر. {مُسْتَمِرٌّ:} صفة {سِحْرٌ،} والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.

{وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3)}

الشرح: {وَكَذَّبُوا} أي: النبيّ صلى الله عليه وسلم، وما عاينوا من قدرة الله. {وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ} أي:

اتبعوا ما تزينه لهم نفوسهم، وتزينه لهم شياطينهم من الباطل، ودفع الحق بعد ظهوره. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} أي: لكل أمر حقيقة، فما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الاخرة فسيعرف. وقيل:(كل أمر مستقر) فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.

وقيل: يستقر قول المصدقين، والمكذبين حين يعرفون حقيقته بالثواب، أو العقاب. وقيل: هو جواب قولهم: سحر مستمر، يعني: ليس أمره بذاهب كما زعمتم، بل كل أمر من أموره مستقر، وإن أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيظهر إلى غاية يتبين فيها: أنه حق. هذا؛ وقرئ بفتح القاف، فيكون المعنى: كل أمر ذو مستقر؛ أي: ذو استقرار، أو ذو موضع استقرار، أو زمان استقرار.

هذا؛ وانظر شرح (الهوى) في الاية رقم [18] من سورة (الجاثية).

ص: 357

الإعراب: {وَكَذَّبُوا:} (الواو): حرف عطف. (كذبوا): ماض مبني على الفتح لاتصاله بواو الجماعة. والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة:{وَاتَّبَعُوا..} . إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {أَهْواءَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَكُلُّ:} (الواو): حرف استئناف. (كل): مبتدأ، وهو مضاف، و {أَمْرٍ:} مضاف إليه. {مُسْتَقِرٌّ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لإقناطهم مما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار أمره صلى الله عليه وسلم، حيث قالوا: سحر مستمر ببيان ثباته، ورسوخه.

{وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5)}

الشرح: {وَلَقَدْ جاءَهُمْ} أي: جاء أهل مكة في القرآن. {مِنَ الْأَنْباءِ} أي: أخبار الأمم السابقة؛ التي أهلكها بكفرها وسيّئ أعمالها. أو المراد: أخبار الاخرة، وما وصف القرآن من عذاب الكفار، والعصاة. {ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: ما فيه واعظ، وزاجر عن الكفر، وارتكاب المعاصي، فهو مصدر ميمي، أو اسم مكان. يقال: زجره، وازدجره، فانزجر، وازدجر، وزجرته أنا فانزجر؛ أي: كففته، فكف، كما قال الشاعر:[المتقارب] فأصبح ما يطلب الغانيا

ت مزدجرا عن هواه ازدجارا

{حِكْمَةٌ بالِغَةٌ} أي: القرآن حكمة بالغة عالية، لا خلل فيها، فيه نهاية الصواب والحق والحكمة. {فَما تُغْنِ النُّذُرُ:} إذا كذبوا، وعصوا، وأعرضوا، كما قال تعالى في الاية رقم [101] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} . و {النُّذُرُ} يجوز أن يكون جمع: نذير بمعنى المنذر، أو المنذر منه، أو هو مصدر بمعنى الإنذار.

هذا؛ وجاء يجيء لازما، ومتعديا، فإن كان بمعنى: حضر، وأقبل فهو لازم مثل قوله تعالى:{إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} ومثلها كثير، وإن كان بمعنى: بلغ، أو وصل فهو متعد، كما في هذه الاية، ومثلها كثير، أما (النبأ): فهو الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأنباء، وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا؛ والفعل منه من الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد يجيء الفعل منه غير مضمن معنى أعلم، فيتعدى لواحد بنفسه، وللاخر بحرف الجر، كما في قوله تعالى:{وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما}

ص: 358

{كانُوا يَصْنَعُونَ} رقم [14] من سورة (المائدة)، والاية رقم [6] من سورة (المجادلة) وانظر الاية رقم [3] من سورة (التحريم) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. وهو كثير في كتاب الله تعالى.

{مُزْدَجَرٌ:} الدال بدل من تاء، وهو مفتعل من الزجر، وإنما أبدلت الدال من التاء؛ لأن التاء مهموسة، والزاي مجهورة، ومخرجهما قريب من الاخر، فأبدلوا من التاء حرفا هو من مخرجها، يوافق الزاي في الجهر، وهي الدال. هذا؛ وقرئ:«(مزّجر)» بقلب تاء الأفعال زايا، وإدغامها في مثلها.

الإعراب: {وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. {جاءَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به. {مِنَ الْأَنْباءِ:} متعلقان بما قبلهما. وعلقهما الجمل بمحذوف حال من {ما} . {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل فاعل، والجملة الفعلية (لقد جاءهم

) إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف.

هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها؛ ف: {مُزْدَجَرٌ} يكون فاعلا بالمتعلق المحذوف. {حِكْمَةٌ:} بدل من {ما،} أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو حكمة، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من {ما}. هذا؛ وقرئ:«(حكمة)» بالنصب على أنه حال من {ما} . {بالِغَةٌ:} صفة {حِكْمَةٌ} .

{فَما:} (الفاء): حرف استئناف. (ما): نافية. {تُغْنِ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. {النُّذُرُ:} فاعله. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) استفهامية، فهي في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: فأي شيء من الأشياء النافعة تغني النذر، أو هي في محل نصب مفعول مطلق، التقدير: فأي إغناء تغني النذر، والجملة الفعلية على جميع وجوه الإعراب لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو معطوفة على جواب القسم.

تنبيه: حذفت الياء من {فَما تُغْنِ} إتباعا لرسم المصحف، ووجهه: إتباع الرسم للفظ، وهي في اللفظ قد حذفت لالتقاء الساكنين، وقوله تعالى:{يَوْمَ يَدْعُ} لا ترسم في العين (واو) إتباعا لخط المصحف الإمام، وقوله:{الدّاعِ} لا يرسم في العين ياء، لأنها من ياآت الزوائد، وهي لا تثبت في الخط وإن كان في اللفظ يصح إثباتها، وحذفها، كما قرئ بهما في السبع، وكذا قوله فيما يأتي:{مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ} لا ترسم فيه الياء لما ذكر. انتهى. جمل. هذا؛ وأما أنا فقد أثبت الواو والياء فيما ذكر ليتضح الإعراب، وعلل مكي هذا الحذف بقوله: لأن المصحف كتب بلفظ الإدراج، ووصل الكلام، ولم يكتب على حكم الأصل، والوقف.

{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (6)}

الشرح: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو تمام الكلام؛ أي: أعرض عنهم لعلمك: أن الإنذار لا يغني فيهم، ولا يجدي فتيلا. {يَوْمَ يَدْعُ}

ص: 359

{الدّاعِ:} هو إسرافيل عليه السلام، ينفخ في الصور قائما على صخرة بيت المقدس، ينادي: أيتها العظام البالية! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! أيتها الأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قال تعالى في سورة (ق): {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ} . {إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ:} منكر فظيع، تنكره النفوس؛ لأنها لم تعهد بمثله، وهو هول يوم القيامة، وما فيه من المتاعب والمصاعب.

الإعراب: {فَتَوَلَّ:} (الفاء): هي الفصيحة. (تول): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» .

{عَنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: إذا لم يستجيبوا لك؛ فتول عنهم. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: اذكر، وأجيز تعليقه ب:{خُشَّعاً،} أو ب: (يخرجون) والأول قاله الرماني والزمخشري، والثاني قاله الزمخشري أيضا، وأجيز تعليقه ب:{فَما تُغْنِ} أيضا. {يَدْعُ:} مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو. {الدّاعِ:} فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها. {إِلى شَيْءٍ:} متعلقان بما قبلهما. {نُكُرٍ:} صفة {شَيْءٍ} .

{خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7)}

الشرح: {خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ:} الخشوع في البصر: الخضوع، والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن أثر العز، والذل يتبين في ناظر الإنسان، قال تعالى في سورة (القلم) وسورة (المعارج):{خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وقال في سورة (النازعات): {أَبْصارُها خاشِعَةٌ} ويقال:

خشع، واختشع: إذا ذل. وخشع ببصرة؛ أي: غضه، وخشع جمع: خاشع. {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ} أي: القبور جمع جدث، وقرئ «(من الأجداف)» . ذكره الزمخشري، يقال: جدث، وجدف، واللغة الفصيحة: جدث بالثاء، والجمع: أجدث، وأجداث، قال المتنخل الهذلي:[الوافر] عرفت بأجدث فنعاف عرق

علامات كتحبير النّماط

{كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ:} هذا؛ وفي سورة (القارعة): {يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ} فهما صفتان في وقتين مختلفين: أحدهما: عند الخروج من القبور، يخرجون فزعين، لا يهتدون أين يتوجهون؟ فيدخل بعضهم في بعض، فهم حينئذ كالفراش المبثوث، بعضه في بعض، لا جهة له يقصدها. الثاني: فإذا سمعوا المنادي؛ قصدوه، فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. هذا؛ والجراد مثل في الكثرة، والتموج، يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض جاؤوا كالجراد. ففيه تشبيه مرسل متصل؛ لأن الأركان الأربعة موجودة فيه. هذا،

ص: 360

وقوله تعالى: {مُنْتَشِرٌ} جاء به مفردا؛ لأن اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء مثل:

الجراد، والحمام يجوز معاملته معاملة المفرد، ويجوز معاملته معاملة الجمع، وقد راعى الوجهين في الاية الكريمة. ومثل الاية قوله تعالى في الاية [20] الاتية:{كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} وقال النابغة الذبياني: [البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت

إلى حمام سراع وارد الثّمد

الإعراب: {خُشَّعاً:} حال من واو الجماعة بقوله: {يَخْرُجُونَ} . وقيل: من الضمير في:

{عَنْهُمْ} . وقيل: من الضمير المحذوف الواقع مفعول: «يدعوهم» المقدر. واعتبار الحال من الضمير في {عَنْهُمْ} ضعيف جدا. {أَبْصارُهُمْ:} فاعل ب: {خُشَّعاً،} والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، {يَخْرُجُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {مِنَ الْأَجْداثِ:}

متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة بقوله:{أَبْصارُهُمْ} وهذا على اعتبار: {خُشَّعاً} حالا من الضمير قبله، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزؤه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته:[الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له

إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله

أوكان جزء ما له أضيفا

أو مثل جزئه فلا تحيفا

وأما على اعتبار {خُشَّعاً} حالا من واو الجماعة؛ فالجملة الفعلية في محل نصب مفعول:

{يَدْعُ} المحذوف. وقيل: مستأنفة، لا محل لها. وهو ضعيف. {كَأَنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. {جَرادٌ:} خبر: (كأنّ). {مُنْتَشِرٌ:} صفة {جَرادٌ،} والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة.

{مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)}

الشرح: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ:} مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل عليه السلام، قال الشاعر:[الوافر] بدجلة دارهم ولقد أراهم

بدجلة مهطعين إلى السّماع

قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ} الاية رقم [43] فعلى هذا المعنى: أن الغالب من حال من بقي بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا باهتا. فبين الله في الايتين: أن أحوال أهل الموقف يوم القيامة بخلاف الحال المعتادة، فأخبر الله-سبحانه وتعالى: أنهم مع شخوص الأبصار يكونون مهطعين نحو الداعي. {يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ} يعني: يوم القيامة؛ لما ينالهم فيه من الشدة، فهو كقوله

ص: 361

تعالى في سورة (المدثر): {فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} هذا؛ والمراد ب: {يَوْمٌ} في الاية الكريمة: يوم القيامة، وهو مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما في الاية رقم [47] من سورة (الحج)، وأما اليوم في الدنيا فهو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشرعي؛ فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما يطلق اليوم على الليل، والنهار معا، كما يراد في الاية رقم [6] من سورة (الحديد) وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول:

ذخرتك لهذا اليوم؛ أي: لهذا الوقت، والجمع أيّام، وأصله أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وجمع الجمع أياويم. وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ} رقم [5]. ويقال: فلان ابن الأيام؛ أي: العارف بأحوالها. ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: أعتبر حالي فيما أنا فيه.

الإعراب: {مُهْطِعِينَ:} حال أخرى من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه.

{إِلَى الدّاعِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء؛ لأنه اسم منقوص. {يَقُولُ:} فعل مضارع. {الْكافِرُونَ:} فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو

إلخ. {هذا:}

اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {يَوْمٌ:} خبر المبتدأ، {عَسِرٌ:} صفة {يَوْمٌ،} والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{يَقُولُ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها بمنزلة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: فما يكون حينئذ، فقيل:

يقول الكافرون

إلخ. وجوز بعضهم أن تكون الجملة حالا من فاعل يخرجون، وتعقب بأنها خالية من الرابط. ويجاب بأن الرابط يقدر: يقول الكافرون منهم. فعلى هذا فالأحوال الواو في:

{يَخْرُجُونَ} أربعة واحد مقدم، وثلاثة مؤخرة. تأمل، وتدبر، وربك أجلّ، وأكرم.

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ (9)}

الشرح: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ:} قبل قومك يا محمد. {فَكَذَّبُوا عَبْدَنا} أي: نوحا، والإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان لنبينا، وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية، وهي ليلة الإسراء، والمعراج، وفي معناه أنشدوا:[السريع] يا قوم قلبي عند زهراء

يعرفه السامع والرّائي

لا تدعني إلا بيا عبدها

فإنه أشرف أسمائي

{وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} أي: زجروه على دعوته بالشتم والإيذاء، والوعيد بقولهم:{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} . هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-. فإن قلت: ما معنى

ص: 362

قوله: {فَكَذَّبُوا} بعد قوله: {كَذَّبَتْ} قلت: معناه كذبوا، فكذبوا عبدنا؛ أي: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب؛ تبعه قرن مكذب، أو كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا؛ أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا؛ كذبوا نوحا؛ لأنه من جملة الرسل. انتهى. هذا؛ وقيل: معنى (ازدجر) ازدجرته الجن، وتخبطته. هذا؛ وانظر شرح {قَوْمُ} في (الذاريات) رقم [46].

الإعراب: {كَذَّبَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. {قَبْلَهُمْ:} ظرف زمان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {قَوْمُ:} فاعل {كَذَّبَتْ،} والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و {قَوْمُ} مضاف، و {نُوحٍ} مضاف إليه. {فَكَذَّبُوا:} (الفاء): حرف عطف. (كذبوا):

فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {عَبْدَنا:} مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة:{فَكَذَّبُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَقالُوا:}

الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {مَجْنُونٌ:} خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا مجنون. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَازْدُجِرَ:} الواو: حرف عطف. (ازدجر): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى نوح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وقيل:

معطوفة على الجملة الاسمية، فهي من جملة مقول القول. وهو ضعيف.

{فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11)}

الشرح: {فَدَعا} أي: نوح. {رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ:} مقهور غلبني قومي بتمردهم. {فَانْتَصِرْ} أي:

فانتصر لي منهم. بمعنى: انتقم لي منهم. وهذا بعد صبره عليهم غاية الصبر؛ حيث مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، فلم يجد فيهم شيئا، فكان الواحد منهم يلقاه، فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه، ثم يقول بعد إفاقته: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

{فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ:} قيل: هو على ظاهره، وللسماء أبواب تفتح، وتغلق، ولا يستبعد ذلك؛ لأنه قد صح في الحديث أن للسماء أبوابا. وقيل: هو على الاستعارة، فإن الظاهر أن يكون المطر من السحاب. والمعنى: فأجبنا دعاءه، وأمرناه باتخاذ السفينة، وفتحنا أبواب السماء {بِماءٍ مُنْهَمِرٍ} أي: كثير منصب انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين صباحا. قال الشاعر:[الطويل] أعينيّ جودا بالدّموع الهوامر

على خير باد من معدّ وحاضر

ص: 363

وقيل: المنهمر: الغزير المتدفق، قال امرؤ القيس يصف غيثا:[الرمل] راح تمريه الصّبا ثمّ انتحى

فيه شؤبوب جنوب منهمر

الإعراب: {فَدَعا:} (الفاء): حرف عطف. (دعا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى {نُوحٍ} تقديره:«هو» ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {رَبَّهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمه. {مَغْلُوبٌ:} خبر (أنّ)، ونائب فاعله تقديره:«أنا» ، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأني، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (دعا). هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة على إضمار القول؛ أي: فقال: إني مغلوب، أو هو على إجراء الدعاء مجرى القول، وهو مذهب الكوفيين.

{فَانْتَصِرْ:} (الفاء): هي الفصيحة. (انتصر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانتصر لي. {فَفَتَحْنا:} فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و (نا) ضمير متصل في محل رفع فاعل، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا اللفظ، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة. وقل مثله في إعراب كل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل فتحت وفتحن، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {أَبْوابَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {السَّماءِ} مضاف إليه، {بِماءٍ:} متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. {مُنْهَمِرٍ:} صفة (ماء)، وجملة:{فَفَتَحْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (13)}

الشرح: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً} أي: وجعلنا الأرض كلها عيونا تسيل بالماء، فقد أوحى الله إلى الأرض، أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون. {فَالْتَقَى الْماءُ} أي: ماء السماء، وماء الأرض. {عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: على مقدار لم يزد أحدهما على الاخر، حكاه ابن قتيبة.

وقيل: المعنى قضي عليهم. قال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. هذا؛ والالتقاء إنما يكون بين اثنين فصاعدا، وساغ ذلك في الاية الكريمة؛ لأن الماء يكون جمعا، وواحدا. وقيل:

لأنهما لما اجتمعا صارا ماء واحدا، وقرأ الجحدري:«(الماآن)» وهي قراءة غير سبعية. وقيل:

كان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض كان حارا مثل الحميم.

ص: 364

{وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ} أي: على سفينة ذات ألواح من خشب عريض. {وَدُسُرٍ:} قال قتادة: يعني: المسامير؛ التي دسرت بها ألواح السفينة؛ أي: شدت. وقيل: الدسر صدر السفينة. وقيل: هي عوارض السفينة، وأضلاعها. وقيل: الألواح: جانبا السفينة، والدسر:

أصلها، وطرفاها. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: الدّسر كلكل السفينة. والمتعمد الأول من هذه الأقوال، وهو الذي اقتصر عليه الجلال. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-:

أراد بذات ألواح ودسر: السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات، فتنوب منابها، وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها، ونحوه قول الشاعر:[الخفيف] مفرشي صهوة الحصان ولك

نّ قميصي مسرودة من حديد

أراد: ولكن: قميصي درع، ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح، وهذا من فصيح الكلام، وبديعه. هذا؛ والدسر: جمع دسار، وهو المسمار، فعال من: دسره:

إذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه. انتهى. كشاف بتصرف.

تنبيه: قال العلماء بالسير: أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، بالإضافة لما خرج من الأرض، كما بينته هذه الايات. يعني: صار الماء نصفين: نصفا من السماء، ونصفا من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل، وأطوله أربعين ذراعا. وقيل: خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء. وهذا يعني: أنه عمّ جميع الأرض، وأضيف أنه ذكر في الأثر أن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام، أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه نزل منه ما لا يحفظه الملك، وذلك قوله تعالى في سورة (الحاقة):{إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ} .

قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الأحياء التي لا تعيش إلا في الماء، وهذا يشير إلى أن الطوفان عم جميع الأرض، ويستأنس لذلك بقوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [77]:

{وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ} ويميل فريق إلى أن الطوفان لم يكن عامّا، بل طغيان الماء كان على الجهة التي كان يسكنها نوح، وقومه، ومال على ترجيح الثاني. وأرجح الأول، والله أعلم بمراده، وأسراره في كتابه.

تنبيه: قد يرد سؤال: كيف اقتضت الحكمة الإلهية إغراق من لم يبلغوا الحلم من الأطفال، ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم، وكذلك إغراق البهائم، والهوام، والطير وغير ذلك من الحيوان، وإهلاك أطفال الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح؟! والجواب الشافي عن هذا كله: أن الله سبحانه وتعالى متصرف في خلقه، وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. انتهى. خازن بتصرف كبير.

ص: 365

هذا؛ و (نا) في قوله تعالى: (فتحنا)(فجرنا)(إنا) ونحو ذلك، فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في كتابه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: وقوله تعالى: (جعلنا، وهبنا، نحن، إنا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع؛ الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك يقول:

فعلنا، وإنا، ونحن

إلخ، ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا

إلخ، مع أنه ليس له تعالى شريك، ولا مثل، بل له جنود السموات والأرض. انتهى.

أقول: و (نا) هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله تعالى لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا

إلخ، وليس معه أحد، والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم بهذه الألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع.

الإعراب: {وَفَجَّرْنَا:} الواو: حرف عطف. (فجرنا): فعل، وفاعل. {الْأَرْضَ:} مفعول به.

{عُيُوناً:} تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {فَالْتَقَى:} (الفاء):

حرف عطف. (التقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {الْماءُ:} فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {عَلى أَمْرٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {الْماءُ}. {قَدْ:} حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {قُدِرَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى {أَمْرٍ،} والجملة الفعلية في محل جر صفة {أَمْرٍ} . {وَحَمَلْناهُ:} الواو: حرف عطف. (حملناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {عَلى ذاتِ:} متعلقان بما قبلهما، و {ذاتِ} مضاف، و {أَلْواحٍ:}

مضاف إليه. {وَدُسُرٍ:} الواو: حرف عطف. (دسر): معطوف على {أَلْواحٍ} .

{تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15)}

الشرح: {تَجْرِي} أي: تسير السفينة على وجه الماء. {بِأَعْيُنِنا:} بحفظنا، ورعايتنا. وقيل:

بمرأى منا. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [48] من سورة (الطور) ففيها الكفاية. {جَزاءً} أي:

فعلنا ذلك بنوح، وفعلنا بهم من العقاب ما فعلنا مجازاة، وثوابا لنوح عليه السلام؛ لأنه كفر به وجحد أمره، و {كُفِرَ} بمعنى: جحد سعيه، ودعوته، ورسالته، وجعله الله مكفورا؛ لأن كل

ص: 366

رسول نعمة من الله ورحمة لمن أرسل إليهم، قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم في سورة (الأنبياء):{وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} فكان نوح نعمة مكفورة. هذا؛ وقرئ بفتح الكاف، والفاء بمعنى:

كان الغرق جزاء، وعقابا لمن كفر.

قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق، كان الماء إلى حجزته. وسبب نجاته: أن نوحا عليه السلام احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة، فلم يمكنه حملها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام، فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. انتهى. وفي قصص الأنبياء للثعالبي أنه عاش أربعة آلاف سنة، وفيه حكايات عن:«عوج» لا يقبلها العقل.

{وَلَقَدْ تَرَكْناها} أي: الفعلة التي فعلها الله بقوم نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله تعالى بأرض الجزيرة عبرة، نظر إليها أوائل هذه الأمة. انتهى. خازن. هذا؛ وقال لي بعضهم: شاهدت آثار السفينة بعيني فوق جبل الجودي بأرض العراق. {آيَةً:} عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتعظ، وما يتذكر إلا أولو الألباب.

{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: متذكر، معتبر، متعظ خائف من مثل عقوبتهم. هذا؛ وأصله: مذتكر (مفتعل) من الذكر، لكن الذال حرف مجهور قوي، والتاء مهموسة ضعيفة، فأبدلوا من التاء حرفا من مخرجها، مما يوافق الدال في الجهر، وهو الدال، ثم أدغمت الدال في الدال. ويجوز «مذّكر» بالذال على إدغام الثاني في الأول، وبذلك قرأ قتادة، كما قرأ مذتكر على الأصل، وهما قراءتان شاذتان، عن ابن مسعود-رضي الله عنه، قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم «(مذّكر)» فردها عليّ، وفي رواية أخرى سمعته يقول:(مدّكر) دالا، متفق عليه.

الإعراب: {تَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. {بِأَعْيُنِنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل {تَجْرِي} المستتر، التقدير: محفوظة، ونحوه، (ونا): في محل جر بالإضافة.

{جَزاءً:} مفعول لأجله، عامله محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح. {لِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {جَزاءً؛} لأنه مصدر، {كانَ:} ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). {كُفِرَ:}

ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر {كانَ}. وجملة:{كانَ كُفِرَ:} صلة (من) لا محل لها.

{وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. {تَرَكْناها:} فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. {آيَةً:} مفعول به ثان. {فَهَلْ:} (الفاء): حرف استئناف، أو هي الفصيحة. (هل):

حرف استفهام. {مِنْ:} حرف جر صلة. {مُدَّكِرٍ:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على

ص: 367

آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وخبره محذوف، التقدير:

موجود، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.

{فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)}

الشرح: {فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ} أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي، وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر ممن عاداهم، وآذاهم؟! والاستفهام بكيف للتعظيم، والتهويل، والتخويف، والوعيد. هذا؛ وقال الفراء: الإنذار، والنذر مصدران. وقيل:(نذر) جمع: نذير، ونذير بمعنى: الإنذار، كنكير بمعنى: الإنكار.

{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. وقال غيره: ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظرا غير موسى، وهارون، ويوشع بن نون، وعزير، صلوات الله على نبينا، وحبيبنا، وعليهم أجمعين. وبذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة على ما تقدم بيانه في الاية رقم [30] من سورة (التوبة)، والاية رقم [258] من سورة (البقرة). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [58]:{فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} وقال جل ذكره في سورة (مريم) رقم [87]: {فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا} انظر شرح هاتين الايتين في محلهما.

{فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: متعظ بمواعظه. وفيه الحث على تعليم القرآن، والاشتغال به؛ لأن الله قد يسر حفظه، وسهله على من يشاء من عباده؛ بحيث يسهل حفظه على الصغير، والكبير، والعربي، والعجمي، وغيرهم.

الإعراب: {فَكَيْفَ:} (الفاء): حرف استئناف. وقيل الفصيحة، وليس بشيء. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر {كانَ} تقدم عليها، وعلى اسمها. {كانَ:} فعل ماض ناقص، {عَذابِي:} اسم {كانَ} مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. هذا؛ وإن اعتبرت {كانَ} تامة؛ ف:(كيف) تكون في محل نصب حال من {عَذابِي} . {وَنُذُرِ:} الواو: حرف عطف. (نذر): معطوف على {عَذابِي} مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمناسبة رؤوس الاي.

{وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم) ففيها الكفاية. {يَسَّرْنَا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.

ص: 368

{الْقُرْآنَ:} مفعول به. {لِلذِّكْرِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق.

{كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18)}

الشرح: {كَذَّبَتْ عادٌ:} هم قوم هود، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انظر الاية رقم [50] من سورة (النجم). هذا؛ وقال الجمل: لم يتعرض لكيفية تعذيبه لهم مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب، فإن قيل: لم لم يقل: فكذبوا هودا، كما قال في قصة نوح:

{فَكَذَّبُوا عَبْدَنا؟} أجيب بأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم، وكثرة عنادهم. وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. انتهى. من هنا وهناك.

الإعراب: {كَذَّبَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث. {عادٌ:} فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وتقدم إعراب:{فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ،} فلا حاجة إلى إعادته.

{إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19)}

الشرح: {إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي: ريحا باردة شديدة البرد، أو شديدة الصوت والهبوب، فمن الأول قول الحطيئة:[البسيط] المطعمون إذا هبّت بصرصرة

والحاملون إذا استودوا على النّاس

استودوا: سئلوا الدية. ومن الثاني (أي شدة الصوت) قوله تعالى في سورة (الذاريات)[29]: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ..} . إلخ وقال مكي: أصله: (صرّرا) من صرّ الشيء إذا صوت، لكنهم أبدلوا من الراء الثانية صادا. {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} أي: مشؤوم من الشؤم، وهو ضد السعد، قال الشاعر:[الطويل] سواء عليه أيّ حين أتيته

أساعة نحس تتّقى أم بأسعد؟

هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [16]: {فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ} حيث فسر بمتتابعات، ومعنى {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ:} دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه، واستمر عليهم فيه العذاب والهلاك، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر. ويوم الأربعاء أرسل الله الرياح العاتية على جيش قريش يوم الأحزاب، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا، وسأل الله من فضله في ذلك اليوم بقوله:

«يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرّين، اكشف همّي، وغمّي، وكربي، فإنك ترى ما نزل بي، وبأصحابي» . وكان ذلك بين الظهر، والعصر، فاستجيب له صلى الله عليه وسلم. ومن ثمّ كان جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-يدعو في مهماته في ذلك اليوم، في ذلك الوقت، وكان يتحرّى ذلك

ص: 369

اليوم، وأما الأحاديث التي جاءت بذم يوم الأربعاء محمولة على آخر أربعاء في الشهر، فإنه في ذلك اليوم ولد فرعون، وادعى الربوبية، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي أصيب فيه أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-. انتهى. زيني دحلان بتصرف. هذا؛ وكان هلاكهم في أواخر فصل الشتاء، ولا تزال هذه الأيام إلى عصرنا هذا موسما للمطر والبرد الشديد ويطلق عليها أيام العجوز.

فإن قيل: فإذا كان يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، فكيف يستجاب فيه الدعاء؟ وقد جاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم استجيب له فيما بين الظهر، والعصر، كما رأيت في حديث جابر-رضي الله عنهما والجواب-والله أعلم-ما جاء في خبر يرويه مسروق-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال:

«أتاني جبريل، فقال: إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد، وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ» . ومعلوم: أنه لم يرد بذلك: أنه نحس على الصالحين، بل أراد: أنه نحس على الفجار، والمفسدين كما كانت الأيام النحسات المذكورة في سورة (فصلت) نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم، والمؤمنين منهم، وإذا كان كذلك لم يبعد أن يمهل الظالم من أول يوم الأربعاء إلى أن تزول الشمس، فإذا أدبر النهار، ولم يحدث رجعة، وتوبة استجيب دعاء المظلوم عليه، فكان اليوم نحسا على الظالم، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على الكفار. انتهى. قرطبي.

هذا؛ وقوله: «إن الله يأمرك أن تقضي باليمين مع الشاهد» معناه: أن المدعي مطالب بالبينة لإثبات حقه وهي شاهدان مسلمان عدلان، فإن لم يكن له إلا شاهد واحد، فيحلف، فاليمين تقوم مقام الشاهد الثاني. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

هذا؛ والريح في الأصل: الهواء المسخر بين السماء، والأرض، وهو جسم لطيف متحرك، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للمس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كل نام، من إنسان، وحيوان، ونبات مثل الماء، بل الحاجة إليه أشد، وأصله الرّوح، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، والجمع: أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل به كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى:{جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ} وقد تذكر على معنى الهواء. والرياح الأصول أربع: إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال وهي يسار من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء. والثانية: الجنوب، وهي مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس. وهي اليمانية. والثالثة: الصّبا بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى: القبول أيضا. والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس.

وما أتى منها من بين تلك الجهات يقال لها: النّكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق؛ قيل لها: أزيب، بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء، وإن خرجت من بين

ص: 370

الشمال والغرب، قيل لها: جربيا، بكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الباء. وإن خرجت من بين الشمال والشرق؛ قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب والغرب، قيل لها: هيف، بفتح الهاء، وسكون الياء. وقد جمع النواجي الثمانية بقوله:[الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمال

بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ

ومن بينها النّكباء أزيب جربيا

وصابية والهيف خاتمة العدّ

هذا؛ وأضيف أن ريح الصبا نصر الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما رأيت في سورة (الأحزاب)، وأن ريح الدبور أهلك الله بها قوم عاد. ونبيّهم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما رأيت في سورة (الأعراف) وغيرها.

هذا؛ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة، والقوة، قال تعالى:{وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الاية رقم [46] من سورة (الأنفال)، والمعنى: تذهب دولتكم، وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح وهبوبها، ويقال: هبت رياح بني فلان: إذا كانت الدولة، والغلبة لهم، ونفذ أمرهم، وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها

فإنّ لكلّ خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها

فما تدري السكون متى يكون؟!

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها» . رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال:«إن الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي: القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي الناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات» .

الإعراب: {إِنّا:} (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل. {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. {رِيحاً:} مفعول به، {صَرْصَراً:} صفة له. {فِي يَوْمِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {أَرْسَلْنا،} أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: {رِيحاً،} و {يَوْمِ} مضاف، و {نَحْسٍ} مضاف إليه. {مُسْتَمِرٍّ:} صفة {نَحْسٍ} . وقيل: صفة {يَوْمِ،} وجملة:

{أَرْسَلْنا..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

ص: 371

{تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22)}

الشرح: {تَنْزِعُ النّاسَ:} تقلعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصولها. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم، وتبين رؤوسهم عن أجسادهم. وقيل: حفروا حفرا، ودخلوها، فكانت الريح تنزعهم منها، وتكسرهم، وتبقى تلك الحفر كأنها أصول نخل هلك ما كان فيها، فتبقى مواضعها منقعرة. {كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ:} جمع: عجز، وهو مؤخر الشيء. هذا؛ والعجوز:

المرأة الطاعنة في السن، وجمعها: عجائز، وعجز. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [29] من سورة (الذاريات) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. {نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ:} منقلع، ومنقطع من أصله. يقال:

قعرت الشجرة قعرا: قلعتها من أصلها، فانقعرت. وانظر ما ذكرته في الاية رقم [7]. هذا؛ ويقال هنا أيضا: أجرى (منقعر) على لفظ {نَخْلٍ} وهو من الجمع الذي يذكر، ويؤنث. هذا؛ وقال الجلال: ذكّر هنا، وأنّث في (الحاقة) مراعاة للفواصل في الموضعين، ولا تنس التشبيه التمثيلي في الاية الكريمة حيث شبههم بأعجاز النخل المنقعر. وقال أبو بكر بن الأنباري: سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، فقيل له: ما الفرق بين قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً} رقم [81] من سورة (الأنبياء)، وبين قوله تعالى:{جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ} رقم [22] من سورة (يونس)، وما الفرق بين قوله تعالى في سورة (الحاقة):{كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ،} وقوله تعالى في سورة (القمر): {أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؟} فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا، أو إلى المعنى تأنيثا. هذا؛ و {نَخْلٍ:} اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وهو: نخلة، كتمر وتمرة. وفي مختار الصحاح:

النخل، والنخيل بمعنى واحد، والواحدة: نخلة. وما ألطف قول الشاعر في التورية: [الوافر] رأيت بها قضيبا فوق دعص

عليه النّخل أينع والكروم

فقد ورّى عن المرأة بالقضيب، وعن الحلي بالنخل، وعن قلائدها بالكروم، والدعص بكسر الدال: قطعة من الرمل مستديرة. هذا؛ وفائدة التكرير في هاتين الايتين {فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أن يجدد الكفار، والفجار عند سماع كل نبأ اتعاظا، وهذا حكم التكرير بقوله تعالى في سورة (الرحمن):{فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} عند كل نعمة عدها، وقوله تعالى في سورة (المرسلات):{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} عند كل آية أوردها، وكذا تكرير القصص في القرآن، مثل قصة (عاد) و (ثمود) ونحوهما، لتكون العبرة حاضرة، مصورة للأذهان، غير منسية في كل أوان. انتهى. جمل بتصرف مني.

ص: 372

هذا؛ و {النّاسَ} اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط

إلخ، واحده إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، ولكن غلب استعماله في الإنس، قال تعالى:

{مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ} وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف، قال تعالى:{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} رقم [71] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها.

الإعراب: {تَنْزِعُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الريح). {النّاسَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة {رِيحاً،} أو في محل نصب حال منه بعد وصفة بما ذكر، والرابط على الاعتبارين: الضمير. {كَأَنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {أَعْجازُ:} خبر (كأنّ)، و {أَعْجازُ} مضاف، و {نَخْلٍ} مضاف إليه. {مُنْقَعِرٍ:} صفة {أَعْجازُ،} وانظر ما ذكرته في الشرح، أو صفة ل:{نَخْلٍ} وهو الظاهر، والأقوى، وجملة:{كَأَنَّهُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من فاعل {تَنْزِعُ} المستتر، والرابط: الضمير فقط، وتقدم إعراب الايتين التاليتين فيما تقدم.

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24)}

الشرح: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ:} هم قوم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- كذبوا الرسل، ونبيّهم، أو كذبوا بالايات التي هي النذر. هذا؛ وقد تقدمت قصة صالح مع قومه في كثير من السور. {فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ:} قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟ قلت: قالوا: {أَبَشَراً} إنكارا؛ لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة، وقالوا:{مِنّا؛} لأنه إذا كان منهم؛ كانت المماثلة أقوى، وقالوا:{واحِداً} إنكارا؛ لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، أو أرادوا واحدا من أفنائهم، ليس بأشرافهم، وأفضلهم، ويدل عليه قولهم:{أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا} .

{إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} أي: ذهاب عن الصواب. {وَسُعُرٍ} أي: جنون: من قولهم: ناقة مسعورة؛ أي: كأنها من شدة نشاطها مجنونة. ذكره ابن عباس-رضي الله عنهما، قال الشاعر:[الطويل] تخال بها سعرا إذا السّفر هزّها

ذميل، وإيقاع من السّير متعب

وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: أيضا: السّعر: العذاب، وقاله الفراء. وقال مجاهد:

بعد الحق. وقال السّدّي: في احتراق، قال طرفة بن العبد:[الرمل] أضحوت اليوم أم شاقتك هرّ

ومن الحبّ جنون مستعر

ص: 373

هذا؛ وبشر يطلق على الإنسان ذكرا، كان أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة الفلك، تطلق على المفرد والجمع، وسمّي بنو آدم بشرا لبدوّ بشرتهم؛ التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ وبشر يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى:{فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا} الاية رقم [17] من سورة (مريم)؛ ولذا ثني في قوله تعالى: {فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا} الاية رقم [47] من سورة (المؤمنون)، كما يطلق على الجمع كما في قوله تعالى:{فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} الاية رقم [25] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وقوله تعالى في سورة (المدثر) حكاية عن قول الوليد الخبيث:{إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ} .

الإعراب: {كَذَّبَتْ:} فعل ماض، والتاء حرف للتأنيث، لا محل له. {ثَمُودُ:} فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {بِالنُّذُرِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.

{فَقالُوا:} (الفاء): حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {أَبَشَراً:} (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (بشرا): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهو الراجح لتقدم أداة هي بالفعل أولى. {مِنّا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (بشرا). {واحِداً:} فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل: (بشرا) إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على الصريحة، ويجاب: بأن {مِنّا} حينئذ ليس وصفا، بل حالا من {واحِداً} قدم عليه، والثاني: أن {واحِداً} حال من هاء {نَتَّبِعُهُ} وهو مخلص من الإعراب المتقدم إلا أن المرجح لكونه صفة قراءتهما مرفوعين: (أبشر منا واحد نتبعه) أي: على المبتدأ، والخبر. فهذا يرجح كون {واحِداً} نعتا ل:(بشرا) لا حالا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. {نَتَّبِعُهُ:} فعل مضارع، والفاعل: نحن، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مفسرة على قراءة النصب، وفي محل رفع خبر:(بشر) على قراءة الرفع.

{إِنّا:} (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {إِذاً:} حرف جواب، وجزاء، أو هو ظرف متعلق بما بعده، والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، وأصل الكلام إنا لفي ضلال إذا اتبعناه. {لَفِي:} (اللام): هي المزحلقة. (في ضلال): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). {وَسُعُرٍ:} الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ في محل نصب مقول القول مثل الكلام الذي قبلها، وجملة:{فَقالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (26)}

الشرح: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا} أي: خص صالح بالوحي، والرسالة من بين آل ثمود؛

ص: 374

وفيهم من هو أكثر مالا، وأحسن حالا؟! {بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ} أي: ليس كما يدعي، وإنما يريد أن يتعاظم، ويلتمس التكبر علينا من غير استحقاق. والأشر: بفتح العين: المرح والتجبر، والنشاط، يقال: فرس أشر: إذا كان مرحا نشيطا. وقيل: {أَشِرٌ} بطر، والأشر: البطر، قال الشاعر:[الطويل]

أشرتم بلبس الخزّ لمّا لبستم

ومن قبل ما تدرون من فتح القرى

وقد أشر بالكسر، يأشر أشرا، فهو أشر، وأشران، وقوم أشارى مثل: سكران، وسكارى.

قالت مية بنت ضرار الضبي ترثي أخاها: [المتقارب]

تراه على الخيل ذا قدمة

إذا سربل الدّم أكفالها

وخلّت وعولا أشارى بها

وقد أزهف الطّعن أبطالها

وقرأ أبو جعفر، وأبو قلابة «(أشرّ)» بفتح الشين وتشديد الراء يعني به: أشرنا، وأخبثنا. ومثله في الاية التالية، وهو الأصل، كما ستقف عليه في الاية رقم [43] الاتية. قال أبو حاتم: لا تكاد العرب تتكلم بالأشرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر، كقول رؤية:[الرجز]

يا قاسم الخيرات، وابن الأخير

ما ساسنا مثلك من مؤمّر

{سَيَعْلَمُونَ غَداً} أي: سيرون العذاب في الدنيا، والاخرة. ففيه تهديد، ووعيد، والسين لتقريب مضمون الجملة، وتأكيده، و «غدا» يفيد التقريب أيضا على عادة الناس في قولهم للعواقب: إن مع اليوم غدا. قال الشاعر: [البسيط]

للموت فيها سهام غير مخطئة

من لم يكن ميّتا في اليوم مات غدا

والمراد ب: (غد) على الأكثر اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-رضي الله عنه-في قوله:[الطويل]

وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها

بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع

الإعراب: {أَأُلْقِيَ:} (الهمزة): حرف استفهام إنكاري. (ألقي): فعل ماض مبني للمجهول. {الذِّكْرُ:} نائب فاعل. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ بَيْنِنا:}

جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا ب: (على). (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {بَلْ:} حرف عطف، وانتقال. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {كَذّابٌ:} صفة لموصوف محذوف هو خبر المبتدأ. {أَشِرٌ:} صفة ثانية، والجملة الاسمية معطوفة على ما

ص: 375

قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. {سَيَعْلَمُونَ:} (السين): حرف استقبال.

(يعلمون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون

إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. {غَداً:} ظرف زمان متعلق بما قبله. {مِنْ:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {الْكَذّابُ:} خبر المبتدأ، وهو صفة لموصوف محذوف أيضا، وأل فيه للعهد الذكري، مثل قوله تعالى في سورة (المزمل):{إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..} . إلخ. {الْأَشِرُ:} صفة ثانية للموصوف، والجملة الاسمية:{مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ} في محل نصب سدت مسد مفعول (يعلمون) وهو من المعرفة، وليس قلبيا. وقيل: بل هو قلبي، والمعنى: سيعلمون غدا أيّ فريق هو الكذاب الأشر. أهو هم، أم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؟! والجملة الفعلية:{سَيَعْلَمُونَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ هي من قول الله تعالى، وليست من مقولهم.

{إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (27)}

الشرح: {إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ} أي: باعثوها، ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك: أنهم تعنتوا على صالح، عليه السلام. فقالوا له: نريد أن نعرف المحق منا بأن ندعو آلهتنا، وتدعو إلهك، فمن أجابه إلهه علمنا: أنه المحق، فدعوا أوثانهم، فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت، فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء! فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك، وأكدوا، فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم، وصدق هو عليه السلام في كل ما قال، فأخبره ربه سبحانه وتعالى: أنه يجيبهم إلى إخراجها، {فِتْنَةً لَهُمْ:}

اختبارا، وامتحانا. {فَارْتَقِبْهُمْ} أي: انتظر ما يصنعون. وفي آخر سورة (الدخان) قوله تعالى:

{فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ} . {وَاصْطَبِرْ} أي: اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء، فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق.

الإعراب: {إِنّا:} (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها، {مُرْسِلُوا:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و {النّاقَةِ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه تقديره:«نحن» ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا.

{فِتْنَةً:} مفعول لأجله. وقيل: حال. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {فِتْنَةً،} أو بمحذوف صفة له، {فَارْتَقِبْهُمْ:} (الفاء): هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فارتقبهم. وهذا فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره:«أنت» ، والهاء

ص: 376

مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب:«إذا» ، وجملة:

{وَاصْطَبِرْ:} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول.

{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (29)}

الشرح: {وَنَبِّئْهُمْ:} أخبرهم. {أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي: بين آل ثمود، وبين الناقة، لها يوم، ولهم يوم، كما قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [155]:{قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} . قال ابن عباس-رضي الله عنهما «كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء، وتسقيهم لبنا، وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله، فلم تبق لهم شيئا» . وانظر ما ذكرته في الاية رقم [49] من سورة (النمل) وفي سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.

وإنما قال تعالى: {بَيْنَهُمْ؛} لأن العرب إذا أخبروا عن بني آدم مع البهائم غلّبوا بني آدم. {كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ:} الشرب بالكسر: الحظ، والنصيب من الماء، وهو بمعنى المشروب، كالطحن بمعنى المطحون. ومعنى «محتضر»: يحضره من هو له، فالناقة تحضر الماء يوم وردها، وتغيب عنهم يوم وردهم، قاله مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غبها، فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها، فيحتلبون.

{فَنادَوْا صاحِبَهُمْ} هو قدار بن سالف، قال الأفوه الأودي:[البسيط]

أو قبله كقدار حين تابعه

على الغواية أقوام فقد بادوا

والعرب تسمّي الجزار قدارا، تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود، قال مهلهل بن ربيعة:[الكامل]

إنّا لنضرب بالسيوف رؤوسهم

ضرب القدار نقيعة القدّام

{فَتَعاطى فَعَقَرَ:} فاجترأ على تعاطي عقرها، فقتلها، أو فتعاطى السيف، فقتلها، والتعاطي:

تناول الشيء بتكلف، من قولهم: عطوت؛ أي: تناولت، ومنه قول حسان-رضي الله عنه:[الكامل]

كلتاهما حلب العصير فعاطني

بزجاجة أرخاهما للمفصل

وقال بعض بني يشكر-وهو الشاهد رقم [42] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]

ويوما توافينا بوجه مقسّم

كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم

هذا؛ واسم الفاعل من: تعاطى: معاط، قال أوس بن حجر التميمي الجاهلي، وهو الشاهد رقم [43] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الطويل]

فأمهله حتّى إذا أن كأنّه

معاطي يد في لجّة الماء غامر

ص: 377

هذا؛ وروى أبو الزبير عن جابر-رضي الله عنهما-قال: لما نزلنا الحجر في مغزى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، قال:«أيها الناس! لا تسألوا في هذه الايات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقة، فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من ذلك الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غبها» . وهو معنى قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ،} ومعنى قوله في سورة (الشعراء): {لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} .

الإعراب: {وَنَبِّئْهُمْ:} (الواو): حرف عطف. (نبئهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره:«أنت» ، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الْماءَ:} اسم {أَنَّ} . {قِسْمَةٌ:} خبر {أَنَّ} . {بَيْنَهُمْ:} ظرف مكان متعلق ب: {قِسْمَةٌ} أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، و {أَنَّ} واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (نبئ) الثاني، والثالث. {كُلُّ:}

مبتدأ، وهو مضاف، و {شِرْبٍ} مضاف إليه. {مُحْتَضَرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {فَنادَوْا:} (الفاء): حرف عطف. (نادوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فتماروا على ذلك.

و «زاده» اعتبر الفاء فصيحة، وقدر قبلها كلاما كثيرا. {صاحِبَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {فَتَعاطى:} الفاء: حرف عطف. (تعاطى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى صاحبهم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {فَعَقَرَ:}

الفاء: حرف عطف. (عقر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى صاحبهم أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

{فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (30) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)}

الشرح: {فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ:} انظر الاية رقم [16]. {إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً:} يريد صيحة جبريل عليه السلام. فكانت في اليوم الرابع من عقر الناقة؛ لأنه كان في يوم الثلاثاء، ونزول العذاب بهم كان في يوم السبت. {فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ:} يقرأ بكسر الظاء على أنه اسم الفاعل، وبفتحها على أنه اسم المفعول. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر، والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك، فداسته الغنم فهو الهشيم.

وقيل: هو الشجر البالي الذي يهشم، حين تذروه الرياح. والمعنى: أنهم صاروا كيبيس الشجر إذا بلي، وتحطم. وقيل: كالعظام النخرة المحترقة.

ص: 378

تنبيه: أذكر أنّ الناقة ولدت ولدا مثلها، ومكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر، وترد الماء غبا، فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج، فيحلبون ما شاؤوا؛ حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون، ويدخرون، وكانت تصيف بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه، فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم، وزينت لهم عقرها عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار، فعقروها، واقتسموا لحمها. فرقى ولدها جبلا اسمه قارة، فرغا ثلاثا، فقال لهم صالح: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه؛ إذ انفرجت الصخرة بعد رغائه، فدخلها، فقال لهم صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وبعد غد محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات؛ طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كانت صحوة اليوم الرابع تحنطوا وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحة جبريل عليه السلام، فتقطعت قلوبهم، فهلكوا. انتهى. بيضاوي في غير هذا الموضع.

وعن ابن عمر-رضي الله عنهما-قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال:«لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلاّ أن تكونوا باكين، ثم قنّع رأسه، وأسرع السّير حتى جاوز الوادي» . متفق عليه، والحجر هي بلاد ثمود، قال تعالى في سورة (الحجر):

{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} . وعن ابن عمر أيضا: أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوه، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر؛ التي كانت تردها الناقة، رواه الشيخان.

هذا؛ وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف، خرج بهم صالح عليه الصلاة والسلام بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضرموت، فلما دخلوها؛ مات صالح، فسمّي حضرموت، ثم بنوا فيها أربعة آلاف مدينة، وسمّوها حاضوراء. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. انتهى. خازن في غير هذا الموضع.

الإعراب: {فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ:} انظر الاية رقم [16] فالإعراب فيها كاف واف. {إِنّا:}

(إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. {أَرْسَلْنا:}

فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {صَيْحَةً:} مفعول به. {واحِدَةً:} صفة لها. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {كَهَشِيمِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، و (الكاف) مضاف، و (هشيم) مضاف إليه، و (هشيم) مضاف، و {الْمُحْتَظِرِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ مستأنفة، أو ابتدائية، لا محل لها على الاعتبارين. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا..} . إلخ إعراب هذه الجملة موجود في الاية رقم [17] وما يحال عليها.

ص: 379

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34)}

الشرح: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ:} هو مثل الاية رقم [23]. هذا؛ ولوط هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام آمن به، وهاجر معه من بلاد العراق إلى فلسطين، قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [26]:{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي..} . إلخ؛ فأقام إبراهيم عليه السلام في فلسطين، وأقام لوط-عليه السلام-في الأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى:{وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون ذلك سوآ، أو قبيحا، وإن لوطا عليه السلام قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات، والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم إلى أن جاء لوطا الملائكة؛ الذين ذكرهم الله في سورة (الحجر) وسورة (العنكبوت) وغيرها، وقد جاؤوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام، ليفعلوا فيهم الفاحشة؛ التي اعتادوها، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه.

حينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال لهم:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاؤوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط؛ طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه على لوط، وعلى من معه، كما ذكر الله في الاية التالية.

وأخرج الملائكة لوطا، وابنتيه، وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحل بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط فحل بها من السخط والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) الاية رقم [82]:{فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} . انتهى. من قصص الأنبياء للنجار بتصرف.

ص: 380

ثم قال-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت المعروف الان ببحر لوط، أو بحيرة لوط لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمئة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن لوط على حافة البحر الميت. انتهى.

يا سبحان الله! كيف زل النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل عليه السلام حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء، ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!.

هذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله تعالى مكان تلك البلاد بحرة منتنة، لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لردائتها، ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني.

{إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً} يعني: الحصباء، وهي الحجارة التي هي دون ملء الكف. وقد يكون (الحاصب) الرامي، فعلى هذا يكون المعنى: إنا أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم؛ أي: يرميهم بالحجارة. انتهى. خازن. وفي القرطبي، والكشاف: ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، قال النضر: الحاصب: الحصباء في الريح. والحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء، وكذلك الحصبة، قال لبيد-رضي الله عنه:[الرجز] جرّت عليها أن خوت من أهلها

أذيالها كلّ عصوف حاصبه

{إِلاّ آلَ لُوطٍ} يعني: من تبعه على دينه، ولم يكن معه إلا ابنتاه. {نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ:} السحر هو ما بين آخر الليل، وطلوع الفجر، وهو مفاد قوله تعالى في سورة (هود) رقم [81]:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} . هذا؛ وصرف (سحر) لأنه نكرة، ولو أراد سحر يوم بعينه لما أجراه، ونظيره قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [61]:{اِهْبِطُوا مِصْراً} لمّا نكره؛ صرفه، فلما عرّفه بقوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الاية رقم [99]:

{اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ} منعه من الصرف.

قال مكي: إنما انصرف؛ لأنه نكرة، ولو كان معرفة لم ينصرف؛ لأنه إذا كان معرفة فهو معدول عن الألف، واللام؛ إذ تعرف بغيرهما، وحق هذا الصنف أن يتعرف بهما، فلما لم يتعرف بهما صار معدولا عنهما، فثقل مع ثقل التعريف، فلم ينصرف، فإن نكر انصرف. انتهى.

خذ قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] والعدل والتعريف مانعا سحر

إذا به التعيين قصدا يعتبر

ص: 381

هذا؛ وأما {آلَ} فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة:«إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى» وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل أأدم، وإإمان، وأؤمن. وقلب الهمزة سائغ مستعمل في أراق، فإن أصله:

هراق، وهو كثير في الشعر العربي وغيره. وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: (أول) كجلّ من يؤول تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وقد صغروه على:(أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى:(أويل) وهو يشهد للثاني. ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن: أهله، ولا ينتقض ب: آل فرعون، فإن له شرفا في الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام. والصحيح: جوازه كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم: [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يم

نع رحله، فامنع رحالك

وانصر على آل الصلي

ب وعابديه اليوم آلك

الإعراب: {كَذَّبَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث. {قَوْمُ:} فاعل، وهو مضاف، و {لُوطٍ} مضاف إليه. {بِالنُّذُرِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة:{كَذَّبَتْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، {إِنّا:} (إنّ): حرف مشبه بالفعل. (ونا): اسمها. {أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {حاصِباً:}

مفعول به، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِلاّ:} أداة استثناء.

{آلَ:} مستثنى ب: {إِلاّ} وهو مضاف، و {لُوطٍ} مضاف إليه. {نَجَّيْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من {آلَ لُوطٍ} والرابط: الضمير فقط، و «قد» قبلها مقدرة. {بِسَحَرٍ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، التقدير: حال كونهم ملتبسين بسحر.

{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36)}

الشرح: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا} أي: إنعاما على لوط، وابنتيه. {كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} أي: من آمن بالله، وأطاعه. {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ:} خوفهم لوط. {بَطْشَتَنا:} عقوبتنا، وأخذنا إياهم بالعذاب الأليم. هذا؛ والبطش: الأخذ بقوة، وعنف، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة. قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [107]. [الوافر]

ص: 382

لنا الدّنيا ومن أضحى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [16]: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ} . {فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ} أي: شكوا فيما أنذرهم، وخوفهم به لوط، ولم يصدقوه، وهو تفاعل من المرية. هذا؛ والفعل:«شكر» يتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.

الإعراب: {نِعْمَةً:} مفعول لأجله، أو هو مفعول مطلق، عامله {نَجَّيْناهُمْ} لأن الإنجاء من العذاب من أجلّ النعم، {مِنْ عِنْدِنا:} جار ومجرور متعلقان ب: {نِعْمَةً،} أو بمحذوف صفة له. (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق عامله ما بعده، التقدير: نجزي من شكر جزاء مثل ذلك الجزاء الذي جزينا به آل لوط، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. {نَجْزِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:«نحن» . {مِنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {شَكَرَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {مِنْ} وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:

{نَجْزِي..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم). {أَنْذَرَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والفاعل ضمير. {بَطْشَتَنا:} مفعول به ثان. (ونا): في محل جر بالإضافة، وجملة:

{وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ..} . إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.

{فَتَمارَوْا:} الفاء: حرف عطف. (تماروا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. {بِالنُّذُرِ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (37)}

الشرح: {وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ} أي: أرادوا من لوط-عليه السلام-أن يمكنهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة؛ التي عرفوا بها، وانظر شرح (ضيف) في الاية رقم [24] من سورة (الذاريات). {فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ:} يروى: أن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه، لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب، وذلك: أنهم لما قصدوا دار لوط؛ عالجوا الباب؛ ليدخلوا عليهم، فقالت الرسل للوط: خلّ بينهم وبين الدخول، فإنا رسل ربك، لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار، فصفقهم جبريل بجناحه، فتركهم عميا بإذن الله يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب،

ص: 383

وأخرجهم لوط عليه السلام عميا لا يبصرون. وقيل: طمس الله على أبصارهم، فلم يروا الرسل، فقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا، فأين ذهبوا؟ فرجعوا ولم يروهم. وهذا قول ضعيف.

{فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ} أي: فقلنا لهم: ذوقوا

إلخ والمراد من هذا الأمر الخبر؛ أي: فأذقتهم عذابي، الذي أنذرهم به لوط. وانظر ذوقوا في الاية رقم [14] من سورة (الذاريات).

الإعراب: {وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم). {راوَدُوهُ:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. {عَنْ ضَيْفِهِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {فَطَمَسْنا:} الفاء: حرف عطف. (طمسنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {أَعْيُنَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.

{فَذُوقُوا:} (الفاء): حرف عطف. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {عَذابِي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله. {وَنُذُرِ:} الواو: حرف عطف. (نذر): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة

إلخ.

وجملة: (ذوقوا

) إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقلنا لهم:

ذوقوا

إلخ، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)}

الشرح: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ} أي: نزل بقوم لوط العذاب في الصباح الباكر، ومعنى (مستقر):

دائم عام، استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الاخرة، وذلك العذاب كان قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسفلها، يضاف إلى ذلك الحجارة التي أرسلها الله على مسافريهم، والذين لم يكونوا في القرية التي جعل عاليها سافلها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [82] من سورة (هود)، والاية رقم [74] من سورة (الحجر). {فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا..} . إلخ انظر شرح هاتين الايتين برقم [16] و [17] وانظر فائدة التكرير في الاية رقم [21] و [22].

الإعراب: {وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم). {صَبَّحَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به. {بُكْرَةً:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. {عَذابٌ:} فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. {مُسْتَقِرٌّ:} صفة {عَذابٌ} . {فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ:} انظر إعراب هذه الجملة في الاية رقم [37]. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ..} . إلخ: انظر إعراب هذه الاية في الاية رقم [17]، والله الموفق والمعين، وبه أستعين.

ص: 384

{وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)}

الشرح: {وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ:} فرعون وقومه. {النُّذُرُ} أي: موسى وهارون، وقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. وقيل: النذر الايات التي أنذرهم بها موسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. {كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها:} معجزاتنا الدالة على واحدانيتنا، ونبوة أنبيائنا، وهي:

العصا، واليد، والسنون، والطمسة، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. انظر (الأعراف) رقم [130] وما بعدها. {فَأَخَذْناهُمْ} أي: انتقمنا منهم بالعذاب. {أَخْذَ عَزِيزٍ:} قوي غالب في أخذه، وانتقامه. {مُقْتَدِرٍ:} قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَلَقَدْ:} انظر الاية رقم [13] من سورة (النجم). {جاءَ:} فعل ماض. {آلَ:}

مفعول به، وهو مضاف، و {فِرْعَوْنَ:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {النُّذُرُ:} فاعل {جاءَ،} والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.

{كَذَّبُوا:} فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {بِآياتِنا:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كُلِّها:} توكيد معنوي، و (ها): في محل جر بالإضافة. وجملة: {كَذَّبُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَأَخَذْناهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (أخذناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {أَخْذَ:} مفعول مطلق. وهو مضاف، و {عَزِيزٍ} مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. {مُقْتَدِرٍ:} بدل من {عَزِيزٍ} . وقيل: صفة {عَزِيزٍ} . والأول أقوى، وأولى.

{أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44)}

الشرح: {أَكُفّارُكُمْ:} هذا خطاب لكفار قريش. {خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ:} الإشارة إلى الأمم السابقة الذين أهلكهم الله بذنوبهم، والمعنى: لستم أقوى، وأشد من الذين أحللت بهم نقمتي، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون. {أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ:} أم نزلت إليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم، وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله، فآمنتم بتلك البراءة. هذا؛ و {الزُّبُرِ:} الكتب جمع: زبور. {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ:}

المعنى: هل يقول أهل مكة: نحن جماعة أمرنا واحد، وكلمتنا واحدة، فلا نغلب، ولا نقهر، ولا نضام، ولم يقل:«منتصرون» لموافقة رؤوس الاي. وقيل: معناه: نحن كل واحد منا منتصر، كما يقال: كلهم عالم؛ أي: كل واحد منهم عالم.

ص: 385

هذا؛ و {خَيْرٌ} أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء إلى الخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في:«حبّ» و «شر» اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الحاء والشين، وقد يستعمل خير وشر على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى:«(سيعلمون غدا من الكذاب الأشرّ)» بفتح الشين رقم [26] ونحو قول رؤية بن العجاج: [الرجز] يا قاسم الخيرات وابن الأخير

ما ساسنا مثلك من مؤمّر

وخير، وشرّ، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهن بمعنى أفعل كما رأيت.

الإعراب: {أَكُفّارُكُمْ:} (الهمزة): حرف استفهام إنكاري توبيخي. (كفاركم): مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {مِنْ أُولئِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَيْرٌ،} والكاف حرف خطاب لا محل له. {أَمْ:} حرف عطف. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {بَراءَةٌ:} مبتدأ مؤخر. {فِي الزُّبُرِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {بَراءَةٌ،} أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {أَمْ:} حرف عطف، يقوم مقام:«بل، والهمزة» . {يَقُولُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. {نَحْنُ:} ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {جَمِيعٌ:} خبره. {مُنْتَصِرٌ:} صفة: {جَمِيعٌ،} والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{يَقُولُونَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (46)}

الشرح: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} أي: جمع كفار مكة. {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} أي: الأدبار، فوحد لأجل رؤوس الاي. وقيل: في الإفراد إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة، ولا يثبت أحد للزحف، فهم في ذلك كرجل واحد. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: سمعت عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-يقول: لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في درعه، ويقول:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فعلمت تأويلها. وروى سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-عن سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه-مثله. وقد روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما: أنه قال: كان بين نزول هذه الاية وبين بدر سبع سنين، وهذا يعد من الأمور المغيبة؛ التي أخبر عنها القرآن قبل

ص: 386

وقوعها، وما أكثر ذلك! مثل الايات في أول سورة (الروم). قال الزمخشري: وهذه الاية من الايات البينة الشاهدة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله. هذا؛ ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (ص) رقم [11]:{جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ} فكلتا الايتين من المغيبات التي أخبر الله بها قبل وقوعها، وفيهما بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه-ولا سيما المستضعفون منهم-بعزهم، ونصرهم، وقوة شوكتهم، وذل الكافرين، ودحرهم، وقد حقق الله وعده، ونصر المسلمين على الكافرين في غزوة بدر الكبرى، فيا لها من بشارة! ويا لها من تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه!.

{بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ:} موعد عذابهم الحقيقي، وما يحيق بهم في الدنيا من مقدماته، وطلائعه. {وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ} أي: أعظم داهية وأشد مرارة من القتل، والأسر يوم بدر. هذا؛ و {أَدْهى} من الداهية، وهي الأمر العظيم، يقال: دهاه أمر كذا؛ أي: أصابه دهوا، ودهيا، وقال ابن السكيت: دهته داهية دهواء، ودهياء.

الإعراب: {سَيُهْزَمُ:} (السين): حرف استقبال. (يهزم): مضارع مبني للمجهول. {الْجَمْعُ:}

نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَيُوَلُّونَ:} الواو: حرف عطف. (يولون):

فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله.

{الدُّبُرَ:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {بَلِ:} حرف عطف، وإضراب، {السّاعَةُ:} مبتدأ. {مَوْعِدُهُمْ:} خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

{وَالسّاعَةُ:} (الواو): حرف عطف. (الساعة): مبتدأ. {أَدْهى:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَأَمَرُّ:} الواو: حرف عطف. (أمرّ): معطوف على ما قبله.

{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49)}

الشرح: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ} يعني: الكافرين. {فِي ضَلالٍ:} في بعد عن الحق. {وَسُعُرٍ} أي:

نار تسعر عليهم؛ أي: يحترقون بها، وانظر ما ذكرته في الاية رقم [24]:{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ} أي: يوم يجرون على النار على وجوههم، تقول لهم الملائكة:{ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} أي:

عذاب سقر، ومسّها: ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها، والخطاب يكون في سقر لمن كان يكذب بآيات الله في الدنيا، ولا ينقاد لأوامر رسول الله. هذا؛ و {سَقَرَ} إحدى دركات النار، وهي سبع، وهي منازل أهلها، والجنة درجات، فالدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى، فالعليا

ص: 387

من طبقات، أو دركات النار لعصاة المسلمين، وهي: جهنم، تكون بعد خروجهم منها خرابا، لا نار فيها، والثانية: لظى للنصارى، والثالثة: الحطمة لليهود، والرابعة: السعير للصابئين، والخامسة: سقر للمجوس، والسادسة: الجحيم لأهل الشرك، والسابعة: الهاوية، (وهي الدرك الأسفل) للمنافقين، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [145]:{إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ} وإنما كان عقابهم كذلك؛ لأنهم أخبث من الكفرة؛ لأنهم ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام، وخداعا للمؤمنين. هذا؛ وبالمقابل انظر درجات الجنان في الاية رقم [73] من سورة (الزمر). هذا؛ وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت:{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} هذا؛ وانظر (ذوقوا) في الاية رقم [14] من سورة (الذاريات).

{إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} أي: مقدور مكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل: معناه قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: كل شيء بقدر؛ حتى وضعك يدك على خدك.

هذا؛ والذي عليه أهل السنة: أن الله عز وجل قدر الأشياء؛ أي: علم مقاديرها، وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي، والسفلي، إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب، ومحاولة، ونسبة، وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير الله تعالى، وبقدرته، وتوفيقه، وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، كما نص عليه القرآن، والسنة، لا كما قالت القدرية، وغيرهم من أن الأعمال إلينا، والاجال بيد غيرنا، فنزلت هذه الاية إلى قوله:{إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} فقالوا: يا محمد! يكتب علينا الذنب، ويعذبنا، فقال: أنتم خصماء الله يوم القيامة. انتهى. قرطبي بتصرف. وخذ ما يلي:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السّموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء» . أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلّ شيء بقدر حتى العجز، والكيس» . أخرجه مسلم. وعن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق. ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر» . أخرجه الترمذي. وله عن جابر-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره، وشرّه، وحتى يعلم: أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» . وقال: حديث غريب. وفي حديث جبريل المتفق عليه: «وتؤمن بالقدر خيره، وشرّه. قال: صدقت» . ففيه ذم

ص: 388

القدرية، وما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر-رضي الله عنه-في ابن صياد:«إن يكنه؛ فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه؛ فلا خير لك في قتله» يثبت: أن ما قدره الله نافذ لا مرد له، ولا محيص عنه.

وعن حذيفة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم؛ فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم؛ فلا تعودوه، وهم من شيعة الدّجّال، وحقّ على الله أن يلحقهم بالدّجّال» . أخرجه أبو داود. وله عن أبي هريرة-رضي الله عنه-مثله، وزاد:«فلا تجالسوهم، ولا تفاتحوهم في الكلام» .

وروى ابن الجوزي في تفسيره عن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال: «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة؛ أمر مناديا، فينادي نداء يسمعه الأولون، والاخرون:

أين خصماء الله؟ فتقوم القدريّة، فيأمر بهم إلى النار: يقول الله: {ذُوقُوا مَسَّ..} . إلخ» قال ابن الجوزي: وإنما قيل: خصماء الله؛ لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد، ثم يعذبه عليها. وروي عن الحسن-رحمه الله تعالى-، قال: والله لو أن قدريّا صام؛ حتى يصير كالحبل، وصلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما؛ حتى يذبح بين الركن، والمقام؛ لكبّه الله على وجهه في سقر، ثم قيل له: ذق مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر.

قال الشيخ محيي الدين النووي-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه، وتعالى: أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وتعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله تعالى.

وأنكرت القدرية هذا، وزعمت: أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: إنما يعلمها الله عز وجل بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه، وتعالى عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة قدرية، لإنكارها القدر. انتهى. خازن.

وفي صحيح مسلم: أن ابن عمر تبرأ منهم، ولا يتبرأ إلا من كافر، ثم أكد هذا بقوله:

والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. وهذا مثل قوله تعالى في المنافقين:{وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ} رقم [54] من سورة (التوبة)، وهذا واضح. وقال أبو هريرة-رضي الله عنه-قال النبي صلى الله عليه وسلم:«الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن» . انتهى. قرطبي. وأخيرا أقول: ما أكثر الذين يقولون في هذه الأيام: إذا كان قدر الله علينا المعاصي، والذنوب؛ فكيف يعذبنا؟! فهؤلاء خصماء الله في هذه الأيام، انظر ما ذكرته آنفا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الْمُجْرِمِينَ:} اسم {إِنَّ} منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {فِي ضَلالٍ:} متعلقان بمحذوف خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محل لها على

ص: 389

الاعتبارين. {وَسُعُرٍ:} الواو: حرف عطف. (سعر): معطوف على ما قبله، {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، انظر تقديره فيما يأتي. {يُسْحَبُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها. {فِي النّارِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {عَلى وُجُوهِهِمْ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة. {ذُوقُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.

{مَسَّ:} مفعول به، وهو مضاف، و {سَقَرَ} مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. وقيل: للعلمية والتأنيث. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: ويقال لهم يوم يسحبون

: ذوقوا مس سقر؛ أي: عذاب سقر.

{إِنّا:} (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {كُلَّ:} مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، والجملة الفعلية المقدرة في محل رفع خبر (إنّ)، و {كُلَّ:} مضاف، و {شَيْءٍ:} مضاف إليه. {خَلَقْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وأرجحه هنا، وعليه: فهي في محل رفع مثل التي تفسرها. {بِقَدَرٍ:} متعلقان بمحذوف حال من الهاء، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو مبتدأة.

تنبيه: قراءة {كُلَّ شَيْءٍ} بالنصب هي قراءة الجمهور، وقرأ أبو السّمّال بالرفع، وهي قراءة شاذة، وقد رجح الناس النصب، بل أوجبه بعضهم. قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك: أنه إذا رفع: «كلّ شيء» كان مبتدأ، و {خَلَقْناهُ} صفة ل:«كلّ» أو ل: «شيء» ، و:«بقدر» خبره، وحينئذ يكون له مفهوم لا يخفى على متأوله، فيلزم أن يكون هناك شيء ليس مخلوقا لله تعالى، وليس بقدر. كذا قرره بعضهم. وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد: أن كل شيء مخلوق، فهو بقدر وإنما دل نصب {كُلَّ} على العموم؛ لأن التقدير: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فخلقناه تأكيد، وتفسير ل:«خلقنا» المضمر الناصب ل: {كُلَّ شَيْءٍ،} فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات، ولا يجوز أن يكون {خَلَقْناهُ} صفة ل:{شَيْءٍ؛} لأن الصفة والصلة، لا يعملان فيما قبل الموصول ولا الموصوف، ولا تكون تفسيرا لما يعمل فيما قبلهما، فإذا لم يبق:{خَلَقْناهُ} صفة، لم يبق إلا أنه تأكيد، وتفسير للمضمر الناصب، وذلك يدل على العموم.

وأيضا فإن النصب هو الاختيار؛ لأن {إِنّا} عندهم تطلب الفعل، فهي أولى به، فالنصب عندهم في:{كُلَّ} هو الاختيار، فإذا انضم إليه معنى العموم، والخروج عن الإيهام؛ كان

ص: 390

النصب أولى من الرفع. وقال قوم: إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يصلح للخبر، وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر؛ اختير النصب في الاسم الأول؛ حتى يتضح: أن الفعل ليس بوصف، ومنه هذا الموضع؛ لأن قراءة الرفع تخيل: أن الفعل وصف، وأن الخبر:{بِقَدَرٍ} و {بِقَدَرٍ} على قراءة النصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محل رفع؛ لأنه خبر ل:(كلّ)، و (كل) وخبرها في محل رفع خبر ل:(إنّ) وسيأتي قريبا عكس هذا من اختيار الرفع في قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52)} فإنه لم يختلف في رفعه، قالوا: لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى؛ لأن الواقع خلافه. وذلك: أنك لو نصبته؛ لكان التقدير: فعلوا كل شيء في الزبر، وهو خلاف الواقع؛ إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا، لم يفعلوها، وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في الزبر، وهو المقصود، ولذلك اتفق على رفعه، وهذان الموضعان من نكت المسائل العربية؛ التي اتفق مجيئها في سورة واحدة في مكانين متقاربين. انتهى. جمل نقلا من السمين.

{وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51)}

الشرح: {وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ} أي: وما أمرنا إلا مرّة واحدة. وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا بكلمة واحدة: كن فيكون، لا مراجعة فيه، فعلى هذا: إذا أراد الله سبحانه وتعالى-شيئا؛ قال له: كن، فيكون، فهنا بان فرق بين الإرادة، والقول، فالإرادة قدر، والقول قضاء، وقوله:{واحِدَةٌ} فيه بيان: أنه لا حاجة إلى تكرير القول، بل هو إشارة إلى نفاذ الأمر. انتهى. خازن. {إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: يريد: أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر؛ أي: لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن قول الشاعر:[الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما

يقول له: كن-قولة-فيكون

وفي سورة (النحل) رقم [77]: {وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} والمعنى:

{وَما أَمْرُ السّاعَةِ} أي: وما أمر قيام القيامة في سرعته، وسهولته إلا كلمح البصر؛ أي: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، واللمح: النظر بالعجلة.

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ} يعني: أمثالكم، وأشباهكم، وأسلافكم من الأمم السابقة المكذبة بالرسل، فهو كقوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [54]:{كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} . {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك الأقوام، فيعرف: أن ذلك حق، فيخاف، ويعتبر. وانظر إعلال (مدّكر) فيما تقدم. هذا؛ و (أشياع) جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشييع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع

ص: 391

بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي «القاموس المحيط» : وشيعة الرجل (بالكسر): أتباعه، وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليّ بن أبي طالب وأهل بيته، رضي الله عنهم أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت:[الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة

وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب

الإعراب: {وَما:} (الواو): واو الحال. (ما): نافية. {أَمْرُنا:} مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. {إِلاّ:} حرف حصر. {واحِدَةٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير. {كَلَمْحٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من متعلق الأمر، وهو الشيء المأمور بالوجود؛ أي: حال كونه يوجد سريعا بالمرة من الأمر، ولا يتراخى عنها. {بِالْبَصَرِ:} متعلقان ب: (لمح)؛ لأنه مصدر.

{وَلَقَدْ:} انظر إعرابه في الاية رقم [13] من سورة (النجم). {أَهْلَكْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.

{أَشْياعَكُمْ:} مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ:} انظر الاية رقم [15] فالإعراب مثله هناك.

{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)}

الشرح: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} أي: جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير، أو شر كان مكتوبا عليهم. وهذا بيان قوله تعالى:{إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ} والمراد ب: (الزبر) اللوح المحفوظ. وقيل: المراد: ما عملوه مسجل في كتب الحفظة؛ الذين يحفظون أعمالهم. {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ:} من الأعمال التي يعملها العبد. {مُسْتَطَرٌ:} مسجل على عامله قبل أن يفعله، فيجازى به، ومسجل عليه إذا فعله؛ ليحاسب عليه، قال تعالى في سورة (ق):{ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} . {إِنَّ الْمُتَّقِينَ:} الذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها. {فِي جَنّاتٍ:} في حدائق، وبساتين، {وَنَهَرٍ} أي: أنهار. وإنما وحده لموافقة رؤوس الاي، وأراد: أنهار الجنة من الماء، والخمر، واللبن، والعسل المذكورة في سورة (محمد صلى الله عليه وسلم رقم [15]. وقيل: معناه: في ضياء وسعة، ومنه: النهار. {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} أي:

مجلس حق، وكرامة، لا لغو فيه، ولا تأثيم، وهو الجنة، بخلاف مجالس الدنيا؛ التي فيها الهذر، والنذر، والخوض في الباطل. {عِنْدَ مَلِيكٍ:} مبالغة ملك؛ أي: عند عزيز الملك واسعه {مُقْتَدِرٍ،} قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى، و {عِنْدَ} هاهنا عندية القربة، والزلفة،

ص: 392

والمكانة، والرتبة، والكرامة، والمنزلة، قال جعفر الصادق: مدح الله المكان الصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَكُلُّ:} (الواو): حرف استئناف. (كلّ): مبتدأ، وهو مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {فَعَلُوهُ:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر صفة {شَيْءٍ،} أو في محل رفع صفة (كلّ). {فِي الزُّبُرِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَكُلُّ:} الواو: حرف عطف. (كل): مبتدأ، وهو مضاف، و {صَغِيرٍ} مضاف إليه، {وَكَبِيرٍ:} الواو: حرف عطف. (كبير): معطوف على:

(صغير). {مُسْتَطَرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الْمُتَّقِينَ:} اسم {إِنَّ} منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ. {فِي جَنّاتٍ:} متعلقان بمحذوف خبر {إِنَّ} . {وَنَهَرٍ:} الواو: حرف عطف. (نهر): معطوف على ما قبله. {فِي مَقْعَدِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما بدل من قوله:{فِي جَنّاتٍ} و {مَقْعَدِ} مضاف، و {صِدْقٍ} مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثالث ل: {إِنَّ،} و {عِنْدَ:} مضاف، و {مَلِيكٍ:} مضاف إليه.

{مُقْتَدِرٍ:} بدل من {مَلِيكٍ} ويقال: صفة له، والجملة الاسمية:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، أو مبتدأة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين.

انتهت سورة (القمر) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.

والحمد لله رب العالمين.

ص: 393