الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَيْكَ عَلَى قَدَمٍ، فَإِنَّمَا تُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَبَرَّةَ. وَهَذَا كَثِيرٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ «1» . (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ)" الْحَقَّ" نَعْتٌ لمصدر محذوف، أي يقول القول الحق. و (يَهْدِي) مَعْنَاهُ يُبَيِّنُ، فَهُوَ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جر. الخامسة- الْأَدْعِيَاءُ جَمْعُ الدَّعِيِّ وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى ابْنًا لِغَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يَدَّعِي غَيْرَ أَبِيهِ وَالْمَصْدَرُ الدِّعْوَةُ بِالْكَسْرِ فَأَمَرَ تَعَالَى بِدُعَاءِ الْأَدْعِيَاءِ إِلَى آبَائِهِمْ لِلصُّلْبِ فَمَنْ جُهِلَ ذَلِكَ فِيهِ وَلَمْ تَشْتَهِرْ أَنْسَابُهُمْ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ. وذكر الطبري أن أبا بكر قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: أَنَا مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ فَأَنَا أَخُوكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوْلَاكُمْ. قَالَ الرَّاوِي عَنْهُ: وَلَوْ عَلِمَ- وَاللَّهِ- أَنَّ أَبَاهُ حِمَارٌ لَانْتَمَى إِلَيْهِ. وَرِجَالُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ في أبي بكرة: نفيع بن الحارث. السادسة- روى الصَّحِيحِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بكر كِلَاهُمَا قَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمَّدًا «2» صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ). وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أبيه وهو يعلمه إلا كفر.
[سورة الأحزاب (33): آية 6]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) هَذِهِ الْآيَةُ أَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا أَحْكَامًا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، مِنْهَا: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت
(1). راجع ج 4 ص 267 وج 7 ص 118 فما بعد.
(2)
. قوله: (محمدا) نصب على البدل من الضمير المنصوب في قوله: (سمعته أذناي).
عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ:(أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) أَخْرَجَهُ الصَّحِيحَانِ. وَفِيهِمَا أَيْضًا (فَأَيُّكُمْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا مَوْلَاهُ). قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَانْقَلَبَتِ الْآنَ الْحَالُ بِالذُّنُوبِ، فَإِنْ تَرَكُوا مَالًا ضُويِقَ الْعَصَبَةُ فِيهِ، وَإِنْ تَرَكُوا ضَيَاعًا أُسْلِمُوا إِلَيْهِ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْوَلَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِتَفْسِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَنْبِيهِهِ، (وَلَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ). قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهَلَاكِ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّجَاةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: (أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا تَقَحُّمَ الْفَرَاشِ). قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَتَفْسِيرِهَا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ «1» وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ). وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ، وَقَالَ:(وَأَنْتُمْ تُفْلِتُونَ مِنْ يَدَيَّ). قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحُجْزَةُ لِلسَّرَاوِيلِ، وَالْمَعْقِدُ لِلْإِزَارِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ إِمْسَاكَ مَنْ يَخَافُ سُقُوطَهَ أَخَذَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ. وَهَذَا مَثَلٌ لِاجْتِهَادِ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام فِي نَجَاتِنَا، وَحِرْصِهِ عَلَى تَخَلُّصِنَا مِنَ الْهَلَكَاتِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، فَهُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَلِجَهْلِنَا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَغَلَبَةِ شَهَوَاتِنَا عَلَيْنَا وَظَفَرِ عَدُوِّنَا اللعين بناصرنا أَحْقَرَ مِنَ الْفِرَاشِ وَأَذَلَّ مِنَ الْفَرَاشِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ! وَقِيلَ: أَوْلَى بِهِمْ أَيْ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ وَدَعَتِ النَّفْسُ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى. وَقِيلَ أَوْلَى بِهِمْ أَيْ هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَيْ فِيمَا يَحْكُمُونَ بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ مِمَّا يُخَالِفُ حُكْمَهُ. الثَّانِيَةُ- قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَيْنَ الْفُقَرَاءِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ:(فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ). وَالضَّيَاعُ (بِفَتْحِ الضَّادِ) مَصْدَرُ ضَاعَ، ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِ مَا هُوَ بصدد أن يضيع
(1). مرجع الضمير في هذه الرواية المستوقد المفهوم من الكلام.
مِنْ عِيَالٍ وَبَنِينَ لَا كَافِلَ لَهُمْ، وَمَالٍ لَا قَيِّمَ لَهُ. وَسُمِّيَتِ الْأَرْضُ ضَيْعَةً لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلضَّيَاعِ وَتُجْمَعُ ضِيَاعًا بِكَسْرِ الضَّادِ. الثَّالِثَةُ- قوله تعالى:(وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي وُجُوبِ التَّعْظِيمِ وَالْمَبَرَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَحُرْمَةِ النِّكَاحِ عَلَى الرِّجَالِ، وَحَجْبِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ بِخِلَافِ الْأُمَّهَاتِ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ شَفَقَتُهُنَّ عَلَيْهِمْ كَشَفَقَةِ الْأُمَّهَاتِ أُنْزِلْنَ مَنْزِلَةَ الْأُمَّهَاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُومَةُ لَا تُوجِبُ مِيرَاثًا كَأُمُومَةِ التَّبَنِّي. وَجَازَ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِنَّ، وَلَا يُجْعَلْنَ أَخَوَاتٍ لِلنَّاسِ. وَسَيَأْتِي عَدَدُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي آيَةِ التَّخْيِيرِ «1» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَمْ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ خَاصَّةً، عَلَى قو لين: فَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّهْ، فَقَالَتْ لَهَا: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. قُلْتُ: لَا فَائِدَةَ فِي اخْتِصَاصِ الْحَصْرِ فِي الْإِبَاحَةِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ صَدْرُ الْآيَةِ:" النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ"، وَهَذَا يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ضَرُورَةً. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ:" وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ" عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ. ثُمَّ إِنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ" وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ". وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ [لَهُمْ «2»] وَأَزْوَاجُهُ [" أُمَّهاتُهُمْ" «3» ]. وَهَذَا كُلُّهُ يُوهِنُ مَا رَوَاهُ مَسْرُوقٌ إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ التَّرْجِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي التَّخْصِيصِ، وَبَقِينَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْعُمُومُ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الْفُهُومِ «4». وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرابعة- قوله تعالى:(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) قِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ الأنصار، وبالمهاجرين قريشا. وفية قولان:
(1). راجع ص 164 من هذا الجزء.
(2)
. راجع ص 164 من هذا الجزء.
(3)
. ما بين المربعين زيادة يقتضيها السياق ليست في نسخ الأصل.
(4)
. كذا في ج. وفي ك: (الفهم). وفي ش: (المفهوم).
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلتَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ. حَكَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ نَزَلَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ" وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا"«1» [الأنفال: 72] فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ، فَكَانَ لَا يَرِثُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ الْمُهَاجِرِ شَيْئًا حَتَّى يُهَاجِرَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بقوله:" وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ". الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ نَاسِخٌ لِلتَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ وَالْمُؤَاخَاةِ فِي الدِّينِ، رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ:" وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ" وَذَلِكَ أَنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَدِمْنَا وَلَا أَمْوَالَ لَنَا، فَوَجَدْنَا الْأَنْصَارَ نِعْمَ الْإِخْوَانُ فَآخَيْنَاهُمْ فَأَوْرَثُونَا وَأَوْرَثْنَاهُمْ، فَآخَى أَبُو بَكْرٍ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَآخَيْتُ أَنَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَجِئْتُ فَوَجَدْتُ السِّلَاحَ قَدْ أَثْقَلَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَاتَ عَنِ الدُّنْيَا مَا وَرِثَهُ غَيْرِي، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَرَجَعْنَا إِلَى مُوَارِثِنَا. وَثَبَتَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَارْتُثَّ «2» كَعْبٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَ الزُّبَيْرُ يَقُودُهُ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ، فَلَوْ مَاتَ يَوْمَئِذٍ كَعْبٌ عَنِ الضِّحِّ «3» وَالرِّيحِ لورثه الزبير، فأنزل الله تعالى:" وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ". فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْقَرَابَةَ أَوْلَى مِنَ الْحِلْفِ، فَتُرِكَتِ الْوِرَاثَةُ بِالْحِلْفِ وَوُرِّثُوا بِالْقَرَابَةِ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْأَنْفَالِ" «4» الْكَلَامُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. وَقَوْلُهُ:" فِي كِتابِ اللَّهِ" يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْقُرْآنَ، وَيَحْتَمِلَ أَنْ يُرِيدَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ الَّذِي قَضَى فِيهِ أَحْوَالَ خَلْقِهِ. وَ" مِنَ المؤمنين" متعلق ب"- أولى" لا بقوله:" وَأُولُوا الْأَرْحامِ" بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُوجِبُ تَخْصِيصًا بِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهَا، وَهَذَا حل إشكالها، قاله ابن العربي. النحاس:" وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ" يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" ب"- أُولُوا" فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَوْلَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بعضهم أولى
(1). راجع ج 8 ص 55 فما بعد.
(2)
. الارتثاث: أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح. [ ..... ]
(3)
. الضح (بالكسر): ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. أراد لو مات عما طلعت عليه الشمس وجرت عليه الريح وكنى بهما عن كثرة المال.
(4)
. راجع ج 8 ص 59.
بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا مَا يَجُوزُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُدْعَيْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ- واخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِنَّ كَالْأُمَّهَاتِ فِي الْمَحْرَمِ وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- هُنَّ مَحْرَمٌ، لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِنَّ. الثَّانِي: أَنَّ النَّظَرَ إِلَيْهِنَّ مُحَرَّمٌ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِنَّ إِنَّمَا كَانَ حِفْظًا لِحَقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِنَّ، وَكَانَ مِنْ حِفْظِ حَقِّهِ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ، وَلِأَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ دُخُولَ رَجُلٍ عَلَيْهَا «1» أَمَرَتْ أُخْتَهَا أَسْمَاءَ أَنْ تُرْضِعَهُ لِيَصِيرَ ابْنًا لِأُخْتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَيَصِيرُ مَحْرَمًا يَسْتَبِيحُ النَّظَرَ. وَأَمَّا اللَّاتِي طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ لَهُنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: ثَبَتَتْ لَهُنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةُ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. الثَّانِي- لَا يَثْبُتُ لَهُنَّ ذَلِكَ، بَلْ هُنَّ كَسَائِرِ النِّسَاءِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَثْبَتَ عِصْمَتَهُنَّ، وَقَالَ:(أَزْوَاجِي فِي الدُّنْيَا هُنَّ أَزْوَاجِي فِي الْآخِرَةِ). الثَّالِثُ- مَنْ دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُنَّ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا وَحُرِّمَ نِكَاحُهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا، حِفْظًا لِحُرْمَتِهِ وَحِرَاسَةً لِخَلْوَتِهِ. وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تَثْبُتْ لَهَا هَذِهِ الْحُرْمَةُ، وَقَدْ هَمَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِرَجْمِ امْرَأَةٍ فَارَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَزَوَّجَتْ فَقَالَتْ: لِمَ هَذَا! وَمَا ضَرَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِجَابًا وَلَا سُمِّيتُ أَمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَفَّ عَنْهَا عُمَرُ رضي الله عنه. السَّادِسَةُ- قَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ"[الأحزاب: 40]. وَلَكِنْ يُقَالُ: مِثْلُ الْأَبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمُ
…
) الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أَبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي الْحُرْمَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:" مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ"[الأحزاب: 40] أَيْ فِي النَّسَبِ. وَسَيَأْتِي. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ". وَسَمِعَ عُمَرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ فَأَنْكَرَهَا وَقَالَ: حُكْمُهَا يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إليه
(1). راجع ج 5 ص 109 وج 4 ص 154 شرح الموطأ.