الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقرى" ضَلَلْتُ" بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو] بْنُ الْعَلَاءِ [«1»: ضَلِلْتُ بِكَسْرِ اللَّامِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ] يَحْيَى [«2» بْنِ وَثَّابٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَالْأُولَى هِيَ الْأَصَحُّ وَالْأَفْصَحُ، لِأَنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالضَّلَالُ وَالضَّلَالَةُ ضِدُّ الرَّشَادِ، وَقَدْ ضَلَلْتُ أَضِلُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى «3» نَفْسِي"] سبأ: 50] فَهَذِهِ لُغَةُ نَجْدٍ، وَهِيَ الْفَصِيحَةُ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ يقولون: ضللت بالكسر أضل.
[سورة الأنعام (6): آية 57]
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أَيْ دَلَالَةٍ وَيَقِينٍ وَحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، لَا عَلَى هَوًى، وَمِنْهُ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهَا تُبَيِّنُ الْحَقَّ وَتُظْهِرُهُ. (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيَانِ، كَمَا قَالَ:" وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ"] النساء: 8] عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ هُنَاكَ «4» . وَقِيلَ يَعُودُ عَلَى الرَّبِّ، أَيْ كَذَّبْتُمْ بِرَبِّي لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُهُ. وَقِيلَ: بِالْعَذَابِ. وَقِيلَ: بِالْقُرْآنِ. وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا مَا أَنْشَدَهُ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ شَاعِرًا محسنا رضي الله عنه:
أأقعد بعد ما رَجَفَتْ عِظَامِي
…
وَكَانَ الْمَوْتُ أَقْرَبَ مَا يَلِينِي
أُجَادِلُ كُلَّ مُعْتَرِضٍ خَصِيمٍ
…
وَأَجْعَلُ دِينَهُ غَرَضًا لِدِينِي
فَأَتْرُكُ مَا عَلِمْتُ لِرَأْيِ غَيْرِي
…
وَلَيْسَ الرَّأْيُ كَالْعِلْمِ الْيَقِينِ
وَمَا أَنَا وَالْخُصُومَةُ وَهِيَ شَيْءٌ
…
يُصَرَّفُ فِي الشَّمَالِ وَفِي الْيَمِينِ
وَقَدْ سُنَّتْ لَنَا سُنَنٌ قِوَامُ
…
يَلُحْنَ بِكُلِّ فَجٍّ أو وجئن «5»
وَكَانَ الْحَقُّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ
…
أَغَرَّ كَغُرَّةِ الفلق المبين
(1). من ى، ك.
(2)
. من ك.
(3)
. راجع ج 14 ص 313.
(4)
. راجع ج 5 ص 50.
(5)
. الوجين: شط الوادي.
وَمَا عِوَضٌ لَنَا مِنْهَاجُ جَهْمٍ
…
بِمِنْهَاجِ ابْنِ آمِنَةَ الْأَمِينِ
فَأَمَّا مَا عَلِمْتُ فَقَدْ كَفَانِي
…
وَأَمَّا مَا جَهِلْتُ فَجَنِّبُونِي
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أَيِ الْعَذَابُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لِفَرْطِ تَكْذِيبِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَهُ اسْتِهْزَاءً نَحْوَ قَوْلِهِمْ:" أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً"«1» ] الاسراء: 92] " اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ"«2» ] الأنفال: 32]. وَقِيلَ: مَا عِنْدِي مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَقْتَرِحُونَهَا. (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أَيْ مَا الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ وَتَعْجِيلِهِ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لِلَّهِ. (يَقُصُّ الْحَقَّ) أَيْ يَقُصُّ الْقَصَصَ الْحَقَّ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ وَعَاصِمٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْأَعْرَجِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ عز وجل: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ" [يوسف: 3] «3». وَالْبَاقُونَ" يَقْضِ الْحَقَّ" بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ عَلِيٌّ- رضي الله عنه وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ «4»، وَلَا يَنْبَغِي الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الْقَضَاءِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْدَهُ (وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) وَالْفَصْلُ لَا يَكُونُ إِلَّا قَضَاءً دُونَ قَصَصٍ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ قَبْلَهُ:" إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ" وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْضِي بِالْحَقِّ) فَدُخُولُ الْبَاءِ يُؤَكِّدُ مَعْنَى الْقَضَاءِ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ مَعْنَى" يَقْضِي" يَأْتِي وَيَصْنَعُ فَالْمَعْنَى: يَأْتِي الْحَقَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: يَقْضِي الْقَضَاءَ الْحَقَّ. قَالَ مَكِّيٌّ: وَقِرَاءَةُ الصَّادِ أَحَبُّ إِلَيَّ، لِاتِّفَاقِ الْحَرَمِيِّينَ وَعَاصِمٍ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْقَضَاءِ لَلَزِمَتِ الْبَاءُ فِيهِ كَمَا أَتَتْ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْبَاءِ تحذف كثيرا.
(1). راجع ج 10 ص 327.
(2)
. راجع ج 7 ص 398. [ ..... ]
(3)
. راجع ج 9 ص 119.
(4)
. قال الفخر الرازي (يقض) بغير ياء لأنها سقطت لالتقاء الساكنين كما كتبوا (سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ)(فَما تُغْنِ النُّذُرُ).