الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالنَّخَعِيُّ" الْكَلَامَ" بِالْأَلِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَآيَةَ الرَّجْمِ. (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أَيْ نَسُوا عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.، وَبَيَانِ نَعْتِهِ." وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ" أَيْ وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لَا تَزَالُ الْآنَ تَقِفُ" عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ" وَالْخَائِنَةُ الْخِيَانَةُ، قَالَ قَتَادَةُ. وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، وَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قَائِلَةٌ بِمَعْنَى قَيْلُولَةٍ. وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ فِرْقَةٌ خَائِنَةٌ. وَقَدْ تَقَعُ" خائِنَةٍ" لِلْوَاحِدِ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ نَسَّابَةٌ وَعَلَّامَةٌ، فَخَائِنَةٌ عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَائِنَةٌ إِذَا بَالَغْتَ فِي وَصْفِهِ بِالْخِيَانَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ»
حَدَّثْتُ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ
…
لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مُغِلَّ الْإِصْبَعِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" عَلى خائِنَةٍ" أَيْ مَعْصِيَةٍ. وَقِيلَ: كَذِبٌ وَفُجُورٌ. وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمْ نَقْضَهُمُ الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمُظَاهَرَتَهُمُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ] رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [«2»، كَيَوْمِ الْأَحْزَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ وَسَبِّهِ. (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) لَمْ يَخُونُوا فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي" خائِنَةٍ مِنْهُمْ". (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ مَا دَامَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ وَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَقِيلَ: بِقَوْلِهِ عز وجل" وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً" «3»] الأنفال: 58].
[سورة المائدة (5): الآيات 14 الى 16]
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)
(1). هو الكلابي يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي وكان له عنده دم. وقبله:
أقرين إنك لو رأيت فوارسي
…
نعما يبتن إلى جوانب صلقع
(اللسان).
(2)
. من ج وك.
(3)
. راجع ج 8 ص 31.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) أَيْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، إِذْ هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ. (فَنَسُوا حَظًّا) وَهُوَ الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام أَيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَجَعَلُوا ذَلِكَ الْهَوَى وَالتَّحْرِيفَ سَبَبًا لِلْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَمَعْنَى" أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ" هُوَ كَقَوْلِكَ: أَخَذْتُ مِنْ زَيْدٍ ثَوْبَهُ وَدِرْهَمَهُ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ. وَرُتْبَةُ" الَّذِينَ" أَنْ تَكُونَ بَعْدَ" أَخَذْنا" وَقَبْلَ الْمِيثَاقِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: أَخَذْنَا مِنَ الذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى مِيثَاقَهُمْ، لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِأَخَذْنَا. وَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ: وَمِنَ الذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى مَنْ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُ، فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ تَعُودَانِ عَلَى" مَنْ" الْمَحْذُوفَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَعُودَانِ عَلَى" الَّذِينَ". وَلَا يُجِيزُ النَّحْوِيُّونَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ مِنَ الذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، وَلَا أَلْيَنَهَا لَبِسْتُ مِنَ الثِّيَابِ، لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ مُضْمَرٌ عَلَى ظَاهِرٍ. وَفِي قَوْلِهِمْ:" إِنَّا نَصارى " وَلَمْ يَقُلْ مِنَ النَّصَارَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ ابْتَدَعُوا النَّصْرَانِيَّةَ وَتَسَمَّوْا بِهَا، رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:(فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) أَيْ هَيَّجْنَا. وَقِيلَ: أَلْصَقْنَا بِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْغِرَاءِ وَهُوَ مَا يُلْصِقُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ كَالصَّمْغِ وَشِبْهِهِ. يُقَالُ: غَرِيَ بِالشَّيْءِ يَغْرَى غَرًا" بِفَتْحِ الْغَيْنِ" مَقْصُورًا وَغِرَاءً" بِكَسْرِ الْغَيْنِ" مَمْدُودًا إِذَا أُولِعَ بِهِ كَأَنَّهُ الْتَصَقَ بِهِ. وَحَكَى الرُّمَّانِيُّ: الْإِغْرَاءُ تَسْلِيطُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: الْإِغْرَاءُ التَّحْرِيشُ، وَأَصْلُهُ اللُّصُوقُ، يُقَالُ: غَرِيتُ بِالرَّجُلِ غَرًا- مَقْصُورٌ وَمَمْدُودٌ مَفْتُوحُ الأول- إذ لَصِقْتَ بِهِ. وَقَالَ كُثَيْرٌ: إِذَا قِيلَ مَهْلًا قَالَتِ الْعَيْنُ بِالْبُكَا غِرَاءً وَمَدَّتْهَا حَوَافِلُ نُهَّلُ «1»
(1). كذا بالأصول والذي في (اللسان). إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا غراء ومدتها مدامع حفل [ ..... ]
وَأَغْرَيْتُ زَيْدًا بِكَذَا حَتَّى غَرِيَ بِهِ، وَمِنْهُ الْغِرَاءُ الَّذِي يُغْرَى بِهِ لِلُصُوقِهِ، فَالْإِغْرَاءُ بِالشَّيْءِ الْإِلْصَاقُ بِهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِ. وَأَغْرَيْتُ الْكَلْبَ أَيْ أَوْلَعْتُهُ بِالصَّيْدِ." بَيْنَهُمُ" ظَرْفٌ لِلْعَدَاوَةِ." وَالْبَغْضاءَ" الْبُغْضُ. أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِمَا. عَنِ السُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. وَقِيلَ: أَشَارَ إِلَى افْتِرَاقِ النَّصَارَى خَاصَّةً، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتَرَقُوا إِلَى الْيَعَاقِبَةِ وَالنُّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلِكَانِيَّةِ، أَيْ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى" فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ" أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَمَرَ بِعَدَاوَةِ الْكُفَّارِ وَإِبْغَاضِهِمْ، فَكُلُّ فِرْقَةٍ مَأْمُورَةٍ بِعَدَاوَةِ صَاحِبَتِهَا وَإِبْغَاضِهَا لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ. وَقَوْلُهُ:(وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ)
تَهْدِيدٌ لَهُمْ، أَيْ سَيَلْقَوْنَ جَزَاءَ نَقْضِ الْمِيثَاقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى:(يَا أَهْلَ الْكِتابِ) الْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنَى الْكُتُبِ، فَجَمِيعُهُمْ مُخَاطَبُونَ. (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) أَيْ مِنْ كُتُبِكُمْ، مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَمِنْ آيَةِ الرَّجْمِ، وَمِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ السَّبْتِ الذين مسخوا قردة، فإنهم كانوا يخفونها. (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) أَيْ يَتْرُكُهُ وَلَا يُبَيِّنُهُ، وَإِنَّمَا يُبَيِّنُ مَا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِهِ وَشَهَادَةٌ بِرِسَالَتِهِ، وَيَتْرُكُ مَا لَمْ يكن به حاجة إلى تبيينه. وقيل:" وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ" يَعْنِي يَتَجَاوَزُ عَنْ كَثِيرٍ فَلَا يُخْبِرُكُمْ بِهِ. وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارِهِمْ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا هَذَا عَفَوْتَ عَنَّا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْيَهُودِيُّ أَنْ يُظْهِرَ مُنَاقَضَةَ كَلَامِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ مِنْ عِنْدِهِ فَذَهَبَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يَقُولُ: لِأَنَّهُ كَانَ وَجَدَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ لَا يُبَيِّنُ لَهُ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ." قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ" أَيْ ضِيَاءٌ، قِيلَ: الْإِسْلَامُ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ عليه السلام، عَنِ الزَّجَّاجِ. (وَكِتابٌ مُبِينٌ) أَيِ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ «1» . (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ) أَيْ مَا رَضِيَهُ اللَّهُ. (سُبُلَ السَّلامِ) طُرُقَ السَّلَامَةِ الْمُوصِلَةِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ آفَةٍ، وَالْمُؤَمَّنَةِ مِنْ كُلِّ مَخَافَةٍ، وَهِيَ الْجَنَّةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ:" السَّلامِ" اللَّهُ عز وجل، فَالْمَعْنَى دِينُ اللَّهِ- وَهُوَ الْإِسْلَامُ- كَمَا قال:
(1). راجع ص 27 من هذا الجزء.