الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَتَضَمَّنَ شَرْطًا آخَرَ لِقَوْلِهِ:" لَأُكَفِّرَنَّ" أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَأُكَفِّرَنَّ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ" لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ" جَزَاءً لِقَوْلِهِ:" إِنِّي مَعَكُمْ" وَشَرْطٌ لِقَوْلِهِ:" لَأُكَفِّرَنَّ" وَالتَّعْزِيرُ: التَّعْظِيمُ وَالتَّوْقِيرُ، وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
وَكَمْ مِنْ مَاجِدٍ لَهُمُ كَرِيمٌ
…
وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ فِي النَّدِيِّ
أَيْ يُعَظَّمُ وَيُوَقَّرُ. وَالتَّعْزِيرُ: الضَّرْبُ دُونَ الْحَدِّ، وَالرَّدُّ، تَقُولُ: عَزَّرْتُ فُلَانًا إِذَا أَدَّبْتُهُ وَرَدَدْتُهُ عَنِ الْقَبِيحِ. فَقَوْلُهُ:" عَزَّرْتُمُوهُمْ" أَيْ رَدَدْتُمْ عَنْهُمْ أَعْدَاءَهُمْ. (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) يَعْنِي الصَّدَقَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ إِقْرَاضًا، وَهَذَا مِمَّا جَاءَ مِنَ الْمَصْدَرِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِ:(وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً)«1» ، (فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ «2». ثُمَّ قِيلَ:(حَسَناً) أَيْ طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُكُمْ. وَقِيلَ: يَبْتَغُونَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ. وَقِيلَ: حَلَالًا. وَقِيلَ: (قَرْضاً) اسْمٌ لَا مَصْدَرَ. (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ) أَيْ بَعْدَ الْمِيثَاقِ. (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أَيْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطريق. والله أعلم.
[سورة المائدة (5): آية 13]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) أي فبنقضهم ميثاقهم،" فَبِما" زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تُؤَكِّدُ الْكَلَامَ بِمَعْنَى تُمَكِّنُهُ فِي النَّفْسِ مِنْ جِهَةِ حُسْنِ النَّظْمِ، وَمِنْ جِهَةِ تَكْثِيرِهِ لِلتَّوْكِيدِ، كَمَا قَالَ:
لِشَيْءٍ مَا يُسَوَّدُ من يسود
(1). راجع ج 18 ص 305.
(2)
. راجع ج 4 ص 69.
فَالتَّأْكِيدُ بِعَلَامَةٍ مَوْضُوعَةٍ كَالتَّأْكِيدِ بِالتَّكْرِيرِ. (لَعَنَّاهُمْ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَذَّبْنَاهُمْ بِالْجِزْيَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: بِالْمَسْخِ. عَطَاءٌ: أَبْعَدْنَاهُمْ وَاللَّعْنُ الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ. (وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) أَيْ صُلْبَةً لَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْعَلُهُ، وَالْقَاسِيَةُ وَالْعَاتِيَةُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ:" قَسِيَّةً" بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ. وَالْعَامُ الْقَسِيُّ الشَّدِيدُ الَّذِي لَا مَطَرَ فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّاتِ أَيِ الْفَاسِدَةِ الرَّدِيئَةِ، فَمَعْنَى" قَسِيَّةً" عَلَى هَذَا لَيْسَتْ بِخَالِصَةِ الْإِيمَانِ، أَيْ فِيهَا نِفَاقٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ إِذَا كَانَ مَغْشُوشًا بِنُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ. يُقَالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ (مُخَفَّفُ السِّينِ مُشَدَّدُ الْيَاءِ) مِثَالُ شَقِيٍّ أَيْ زَائِفٍ، ذَكَرَ ذلك أبو عبيد وأنشد:
لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا
…
صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ «1»
يَصِفُ وَقْعَ الْمَسَاحِي «2» فِي الْحِجَارَةِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ كَأَنَّهُ مُعَرَّبُ قَاشِي. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، بَلِ الدِّرْهَمُ الْقَسِيُّ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالشِّدَّةِ أَيْضًا، لِأَنَّ مَا قَلَّتْ نَقْرَتُهُ يَقْسُو وَيَصْلُبُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ:" قَسِيَةٌ" بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى وَزْنٍ فَعِلَةٍ نَحْوَ عَمِيَةٍ وَشَجِيَةٍ، مِنْ قَسَى يَقْسِي لَا مِنْ قَسَا يَقْسُو. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْعَلِيَّةِ وَالْعَالِيَةِ، وَالزَّكِيَّةِ وَالزَّاكِيَةِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: أَوْلَى مَا فِيهِ أَنْ تَكُونَ قَسِيَّةً بِمَعْنَى قَاسِيَةٍ، إِلَّا أَنَّ فَعِيلَةً أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَةٍ. فَالْمَعْنَى: جَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ غَلِيظَةً نَابِيَةً عَنِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي، لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُوصَفُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ إِيمَانَهَا خَالَطَهُ كُفْرٌ، كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّةِ الَّتِي خَالَطَهَا غِشٌّ. قَالَ الرَّاجِزُ:
قَدْ قَسَوْتِ وَقَسَتْ لِدَاتِي
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) أَيْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُلْقُونَ ذَلِكَ إِلَى الْعَوَامِّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَدِّلُونَ حُرُوفَهُ. وَ" يُحَرِّفُونَ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ جَعَلْنَا قلوبهم قاسية محرفين.
(1). البيت لابي زيد الطائي. والصواهل (جمع الصاهلة) مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل وهو الصوت.
(2)
. المساحي (جمع مسحاة): وهي المجرفة من الحديد.