الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خدمتى للغة العربية والكتاب الكريم
لقد سعدت بخدمتي للغة العربية نحو نصف قرن درسا وتدريسا، وتأليفا وتصنيفا، أتتبع أساليبها فى آي القرآن الحكيم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشعر والنثر، حتى وجدتني كلفا، بأن أتوّج خدمتى لهذه اللغة بتفسير آي الذكر الحكيم مع تسميته «تفسير المراغي» .
وقصاراى أن أسير فى قافلة الحاملين لمشعل المعرفة الإسلامية، مؤديا بعض ما يجب علىّ نحو الكتاب الكريم من الكشف عن بعض أسراره ومغازيه.
نهجنا الذي سلكناه فى هذا التفسير
رأينا أن ندلى إليك أيها القارئ الكريم، بالنهج الذي اتبعناه فى التأليف، لتكون على بينة من أمره:
(1)
ذكر الآيات فى صدر البحث:
صدّرنا كل بحث بآية أو آيتين أو آيات من الكتاب الكريم، سيقت لتؤدى غرضا واحدا.
(2)
شرح المفردات:
أردفنا ذلك تفسير مفرداتها اللغوية، إن كان فيها بعض الخفاء على كثير من القارئين.
(3)
المعنى الجملي للآيات:
أتبعنا ذلك بذكر المعنى الجملي لهذه الآية أو الآيات ليتجلّى للقارئ منها صورة مجملة حتى إذا جاء التفسير وضح ذاك المجمل.
(4)
أسباب النزول:
أعقبنا ذلك بما ورد من أسباب النزول لهذه الآيات، إن صح شىء من ذلك لدى المفسرين بالمأثور.
(5)
الإعراض عن ذكر مصطلحات العلوم:
ضربنا صفحا عن ذكر مصطلحات العلوم: من نحو وصرف وبلاغة إلى أشباه ذلك، مما أدخله المفسرون فى تفاسيرهم، فكان من العوائق التي حالت بين جمهرة الناس وقراءة كتب التفسير، فقد وجدوا طلّسمات وألغازا يصعب عليهم فهمها والسير قدما فى استيعاب قراءة التفسير، لأنها من ألوان الصناعات التي يخصّ بها قوم من الناس، وتكون عونا لهم على فهم الأساليب العربية فهم دراسة وتعمق، كما يخصّ قوم من الأمة بالحياكة والنجارة والحدادة إلى أشباه ذلك.
(6)
أسلوب المفسرين:
رأينا أن الأساليب التي كتبت بها كتب التفسير وضعت فى عهود سحيقة بأساليب تناسب أهل العصور التي ألفت فيها ويسهل عليهم فهمها، وأن جمهرتهم أوجزوا فى القول وعدّوا ذلك مفخرة لهم.
ولما كان لكل عصر طابع خاص يمتاز به عن غيره فى آداب أهله وأخلاقهم وعاداتهم وطرائق تفكيرهم- وجب على الباحثين فى هذا العصر مجاراة أهله فى كل ما نقدّم، فكان لزاما علينا أن نتلمس لونا من التفسير لكتاب الله بأسلوب عصرنا موافقا لأمزجة أهله، فأساس التخاطب أن لكل مقام مقالا، وأن الناس يخاطبون على قدر عقولهم، وقد رأينا أن نشيد فيه بجهود السابقين معترفين بفضلهم، مستندين إلى آرائهم.
وقد سلكنا فى الوصول إلى فهم الآيات التي أشارت إلى بعض نظريات فى مختلف الفنون استطلاع آراء العارفين بها، فاستطلعنا آراء الطبيب النطاسي، والفلكي العارف والمؤرخ الثّبت، والحكيم البصير ليدلى كل برأيه فيما تمهّر فيه، لنعلم ما أثبته العلم وأنتجه الفكر، فيكون كلامنا معتزا بكرامة المعرفة التي تشرف بتفهم كتاب الله، فرجل الدين حامل لوائها، عليه أن يسأل العلم دائما ليستبصر بما ثبت لديه، ويساير عصره ما وجد إلى ذلك سبيلا، فإن قعدت به همته إلى الموروث من قضاياه لدى الماضين ركب شططا وازداد بعدا عن الحقيقة، وتضاءل أمام نفسه وأمام قارئي بحوثه ومؤلفاته.
(7)
ميزة العصر الحاضر في وسائل التفاهم:
يمتاز هذا العصر بميل أهله لسهولة الكلام ليفهم الغرض المراد منه حين التخاطب، دون احتياج إلى النقاش وصنوف التأويل، ومن ثم كان أهم ما عنيت به أن أقرأ فى الموضوع الواحد ما كتبه أعلام المفسرين على اختلاف نزعاتهم وتباين أزمنتهم حتى إذا اطمأننت إلى فهم ما قرأت وتمثلته وهضمته، كتبته بأسلوب العصر الحاضر، وهذا هو نهجى فى تأليف هذا التفسير.
وما حملنى على ركوب هذا المركب الخشن، واقتحام هذه العقبات إلا انصراف القارئين عن قراءة كتب التفسير التي بين أيدينا، بدعوى أنها صعبة المدخل مفعمة بكثير من المصطلحات التي لا يعلمها إلا من أتقن هذه الفنون، واستبدلت بأساليب المؤلفين أسلوبا سهل المأخذ قليل الكلفة فى الفهم، حتى يستطيع القارئ أن يلمّ بأسرار كتاب الله دون كدّ ولا نصب.
(8)
تمحيص روايات كتب التفسير:
أشار الكتاب الكريم إلى كثير من تاريخ الأمم الغابرة التي حلّ بها العذاب على ما اجترحت من الآثام، وإلى بدء الخلق وتكوين الأرض والسموات، ولم يكن لدى العرب من المعرفة ما يستطيعون به شرح هذه المجملات التي أشار إليها الكتاب، إذ كانوا أمة أمية في صحراء نائية عن مناهل العلم والمعرفة، والإنسان بطبعه حريص على استكناه المجهول، واستيضاح ما عزّت عليه معرفته، فألجأتهم الحاجة إلى الاستفسار من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا سيما مسلمتهم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار، ووهب بن منبّه، فقصّوا عليهم من القصص ما ظنوه تفسيرا لما خفى عليهم فهمه من كتابهم، ولكنهم كانوا فى ذلك كحاطب ليل، يجمع بين الشذرة والبعرة، والذهب والشبه، إذ لم تكن علوم القصّاص ممحّصة ولا مهذبة، بل كان ينقصها الميزان العلمي الذي به يتعرّف جيّد الرأى من بهرجه، وصحيحه من سقيمه، فساقوا إلى المسلمين من الآراء فى تفسير كتابهم ما ينبذه العقل، وينافيه الدين، وتكذبه المشاهدة، ويبعده كل البعد ما أثبته العلم فى العصور اللاحقة.
وما كان مثلهم ومثل العرب الذين استوضحوهم بعض ما استعصى عليهم فهمه، إلا مثل السائح الأوربى إذا جاء إلى سفح الأهرام بمصر، وسأل العرب الضاربين خيامهم حولها. لم بنيت الأهرام؟ ومن بناها؟ ومتى بنيت؟ وكيف بنيت؟ فيجيبونه إجابات بعيدة عن الحقيقة ومجانفة وجه الصواب.
ومن ثمّ رأينا ألا نذكر رواية مأثورة إلا إذا تلقاها العلم بالقبول، ولم نر فيها ما يتنافر مع قضايا الدين التي لا خلاف فيها بين أهله، وقد وجدنا أن ذلك أسلم لصادق المعرفة، وأشرف لتفسير كتاب الله، وأجذب لقلوب المثقفين ثقافة علمية، لا يقنعها إلا الدليل والبرهان ونور المعرفة الصادقة.
(9)
عدد أجزاء هذا التفسير:
جعلت تفسيرى ثلاثين جزءا، لكل جزء من القرآن الكريم جزء خاص من التفسير، ليسهل على القارئ حمل هذا الجزء واستصحابه معه فى حله وترحاله، فى قطر السكك الحديدية، وفى الترام، وفى كل مكان ينتقل إليه.
وكان من فأل الطالع أن بدئ بطبع هذا التفسير فى أول العام الهجري الجديد عام 1365 هـ.
والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يوفقنا لخدمة دينه ولغة كتابه الكريم؟
أحمد مصطفى المراغي