الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ولن تفعلوه فليس في استطاعتكم) فاحذروا من العناد واعترفوا بكونه منزلا من عند الله، لئلا تكونوا أنتم وأصنامكم وقودا للنار التي أعدت لأمثالكم من الكافرين.
[سورة البقرة (2) : آية 25]
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25)
المعنى الجملي
بعد أن ذكر الكافرين وما أعدّ لهم من العقاب. قفّى على ذلك ببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعدّ لهم من نعيم مقيم في الدار الآخرة، وقد جرت سنة القرآن أن يقرن الترهيب بالترغيب تنشيطا لاكتساب ما يوجب الزلفى عند الله، وتثبيطا عن اقتراف ما يوجب البعد من رضوانه تعالى.
والمأمور بهذا التبشير كل من يسمع الأمر من أهله، وقد وعد الله الذين آمنوا بهذه الجنات، وما فيها من لذات وإنا لنفوض علم ذلك إلى الله تعالى ونكتفى بما ورد من أن لذات الآخرة أعلى من لذات الدنيا، فقد روى عن ابن عباس: أنه قال:
ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامى،
وجاء في الصحيحين مرفوعا عن الله عز وجل «أعددت لعبادى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»
وهو فى المعنى مفسر لقوله تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) .
الإيضاح
(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) البشارة الإخبار بما يسرّ، وآمنوا: أي بالله وصفاته التي جاء بها النقل وأيدها العقل، وبالنبي وبما جاء به، وبالبعث والجزاء، ولا يتحقق
الإيمان إلا باطمئنان القلب وقيام البرهان الذي لا يقبل الشك والارتياب، وأفضل البراهين ما أرشد إليه القرآن من النظر في آيات الله في الآفاق والأنفس، فقد يبلغ الإنسان علم اليقين بنظرة صادقة في هذا الكون الذي بين يديه، أو في نفسه إذا تجلت له بغرائب خلقها وبدائع صنعها.
(وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) العمل الصالح معروف عند الناس، فقد أودع في فطرتهم ما يميزون به بين الخير والشر، ولكن بعضهم يضلّ بما يطرأ على نفسه من زيغ يحيد به عن الهدى، ويتبعه آخرون في ضلاله فتتولد التقاليد الضارة، وتكون هى ميزان الخير والصلاح لدى الضالين، وإن كانت مخالفة لأصل الفطرة كما
ورد في الحديث: «كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» .
وقد بين الكتاب الأعمال الصالحة في آي كثيرة كقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ، أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ) .
(أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) قال الفرّاء: الجنة البستان فيه النخيل، والفردوس البستان فيه الكرم، والمراد بها هنا دار الخلود في الحياة الآخرة أعدها الله للمتقين كما أعدّ النار للكافرين، ونحن نؤمن بهما ولا نبحث عن حقيقتهما. والأنهار واحدها نهر (بفتح الهاء وسكونها) وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كنيل مصر، وجرى الأنهار من تحتها هو كما نشاهد في الأشجار التي على شواطئ الأنهار الجارية.
(كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) أي كلما رزقوا من الجنة رزقا من بعض ثمارها قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا جزاء على الإيمان وصالح العمل، فهو من وادي قوله تعالى:(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) .
(وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) أي إن رزق الجنة وثمرها يتشابه على أهلها في صورته ويختلف فى طعمه ولذته.
(وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي ولهم في الجنات أزواج تطهرن غاية التطهر، فليس فيهنّ ما يعبن عليه من خبث جسدى مما عليه النساء في الدنيا كالحيض والنفاس، أو نفسىّ كالكيد والمكر وسائر مساوى الأخلاق.
وصحبة الأزواج في الآخرة من الأمور الغيبية التي نؤمن بها كما أخبر الله، ولا نبحث فيما وراء ذلك، فأطوار الآخرة أعلى مما في حياتنا الدنيا، فهى سالمة من المنغّصات فى الطعام والشراب والمباشرة الزوجية،
روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوّطون ولا يتمخّطون، قالوا فما بال الطعام، قال جشاء ورشح كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النّفس» .
(وَهُمْ فِيها خالِدُونَ) الخلود لغة: المكث الطويل، قال في الأساس: ومن كلامهم خلد فلان في السجن، أي أقام طويلا، ويراد به في لسان الشرع الدوام الأبدى أي وهم لا يخرجون منها ولا هى تفنى وتزول، بل هى حياة أبدية لا تنتهى.