الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو العجل ليهون عندهم ما كانوا يرون من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من حبّ عبادته.
(3)
استهزاؤهم بأوامر الأنبياء.
(4)
أن يحيا القتيل بقتل حىّ فيكون أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدادها.
وأول القصة معنى قوله: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) إلخ إذ هى المخالفة التي صدرت منهم ثم ذكر المنة في الخلاص منها في قوله: (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)
إلخ وقدم على ذلك وسيلة الخلاص منها وهى ذبح البقرة.
وهذا الأسلوب أدعى لتشويق السامع وأبعث له على البحث عن معرفة السبب فى ذبح البقرة والمفاجأة بحكاية ما كان من الجدل بين موسى وقومه، فإن الحكمة فى أمر الله أمة بأن تذبح بقرة قد تخفى فيحرص السامع على طلبها والكتاب الكريم لا يراعى ترتيب المؤرخين في تنسيق الكلام بحسب الوقائع، وإنما ينسق الكلام على الطريق الذي يستثير اللبّ، ويأخذ بمجامع القلب، ويستوحى شغف السامع بما يدور حوله الحديث.
الإيضاح
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)
روى في سبب الذبح أنه كان في بنى إسرائيل شيخ موسر قتله بنو عمه طمعا في ميراثه، وحملوه إلى قرية أخرى وألقوه بفنائها، ثم جاءوا يطالبون بديته وادعوا على ناس منهم أنهم قتلوه، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه الأمر، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ما خفى من أمر القاتل، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيا ويخبر بقاتله
(قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟) أي قالوا: أتجعلنا موضع سخرية وتهزأ بنا؟ نسألك عن أمر القتيل فتأمرنا بذبح بقرة وهذا غاية في الغرابة، وبعيد كل البعد عما نريد،
وقد كان الواجب عليهم أن يتمثلوا أمره ويقابلوه بالتجلة والاحترام، ثم ينظروا ما يحدث بعد، فهذا القول منهم دليل على السفه وخفّة الأحلام، وجفاء الطبع والجهل بقدرة الله تعالى.
(قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) أي ألتجئ إلى الله من الهزؤ والسخرية بالناس، إذ هو في مقام تبليغ أحكام الله دليل السفه والجهل.
(قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) أي سله لأجلنا أن يكشف لنا عن الصفات المميزة لها، وقد سألوا عن صفتها لما قرع أسماعهم بما لم يعهدوه، فإن بقرة ميتة يضرب بها ميت فيحيا موضع العجب والغرابة والحيرة والدهشة، ومن ثم أكثروا من الأسئلة فأجيبوا بأجوبة فيها تغليظ عليهم.
(قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) أي ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة، بل هى وسط بينهما.
(فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ) أي فامتثلوا الأمر ولا تتوانوا في نفاذه، ولا يخفى ما في هذا من التحذير والتنبيه على ترك التعنت، وكان يجب عليهم الاكتفاء به والمبادرة إلى الامتثال، لكنهم أبوا إلا تنطّعا واستقصاء فأعادوا الطلب.
(قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها، قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) سألوا عن لونها فأجيبوا بما فيه الكفاية في بيان مميزاتها، لكنهم ما قنعوا بهذا، بل زادوا في الإلحاف وإعادة السؤال مرة أخرى.
(قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) هذا سؤال لطلب إيضاح زيادة على ما تقدم ككونها عاملة أو سائمة، وإظهار، لأنه لم يحصل لهم تمام البيان.
ثم ذكروا السبب في إعادة السؤال.
(إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا) أي لأن وجوه البقر تتشابه، وفي الحديث إنه ذكر فتنا كقطع الليل تأتي كوجوه البقر- أي يشبه بعضها بعضا.
(وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) إلى البقرة المأمور بذبحها، أو لما خفى من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا،
وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم يستثنوا ويقولوا إن شاء الله لما تبينت لهم آخر الأبد» .
(قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها) أي إنها بقرة لم تذلّل بالعمل في الحراثة والسقي، وهى سالمة من العيوب، ولا لون فيها غير الصفرة الفاقعة.
(قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي إنك الآن أظهرت حقيقة ما أمرنا به بعد ذكر هذه المميزات التي ذكرتها لنا.
(فَذَبَحُوها) أي فطلبوا البقرة الحاوية لكل الأوصاف السالفة، حتى وجدوها فذبحوها.
(وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم.
والخلاصة- فذبحوها بعد توقف وبطء، روى ابن جرير عن ابن عباس:
«لو ذبحوا أىّ بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم» .
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) هذا مؤخر لفظا مقدم معنى، لأنه أول القصة- أي وإذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه أن يدعو الله تعالى، فقال موسى إن الله يأمركم إلى آخر الآيات ولم يقدم لفظا، لأن الغرض إنما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل، وأسند القتل إلى اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم لأنهم سلائل أولئك، وهم راضون بفعلهم، كما أسنده إلى الأمة والقاتل واحد، لأن الأمة في مجموعها كالشخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة الواحد كما قال أبو الطيب:
وجرم جرّه سفهاء قوم
…
فحلّ بغير جارمه العقاب