الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منه وإن كان قد دفع نصفه رجع به لظهور كونها في العدة حين العقد ولا يتأبد تحريمها عليه الذي حصل باللعان لأن النكاح الذي وقع كالمعدوم حسًا لأنه معدوم شرعًا للاتفاق على فساده فهو مفسوخ شرعًا مفقود حكمًا لا يصح فيه لعان ولا يترتب عليه طلاق ولا ميراث ولا غيرهما ومفهوم قوله لأقل من ستة أشهر أنها لو وضعته لستة أشهر فأكثر لا يبطل المهر ولا التحريم وهو كذلك كما مر. ولما فرغ من الكلام على أسباب الطلاق الإجباري شرع يتكلم على الطلاق الاختياري فقال
(باب الطلاق والرجعة وما يتعلق بهما)
أي من الأحكام كعدم افتقار الرجعة إلى الولي والإذن والصداق والجبر عليها إذا طلق في الحيض ونحو ذلك (تمهيد) يتوجه النظر في هذا الباب إلى بيان أصل مشروعية الطلاق وبيان نهاية عدده للحر والعبد وبيان حكمه وأقسامه (فأما) الأصل في مشروعية الرجعة فقول الله عز وجل: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا} الآية. وقد طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما وارتجعها بأمر من الله تعالى نزل عليه جبريل عليه السلام أن راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة. والرجعة بفتح الراء وكسرها وصوب الجوهري الفتح واستعملها الفقهاء بالكسر قال أبو فارس والرجعة مراجعة الرجل أهله وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته وطلاق رجعي بالوجهين كذا في المصباح وغيره. واصطلاحًا عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي رفع الزوج أو الحاكم حرمة المتعة بالزوجة بطلاقها فتخرج المراجعة اهـ وذلك لأن الرجعة من الطلاق الرجعي الآتي بيانه والمراجعة من الطلاق البائن ولذلك يعبرون فيها بالمفاعلة لاحتياجها إلى الطرفين الزوج والولي كما سيأتي. وأدخل
بقوله أو الحاكم صورة ما إذا طلق زمن الحيض وامتنع من الرجعة فإن الحاكم يرتجعها له جبرًا ويجوز له الوطء برجعته لأنه نائب عنه. وخرج بقوله حرمة الخ رفع الحلية فإنه نفس الطلاق. وخرج بقوله بطلاقها المتعلق بحرمة رفع حرمة الظهار بالتكفير والله أعلم (وأما) الطلاق فالأصل فيه قول الله تعالى: {يا أيها النبي إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} وقال تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} . وقد طلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة كما مر والعالية إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن وانعقد الإجماع على جوازهما لنص القرآن والسنة (وأما) معناه لغة فهو الإرسال والانحلال قال الفرابي نعجة طالق بغير هاء إذا كانت مخلاة ترعى وحدها فالتركيب يدل على الحل والانحلال ومن هنا قيل أطلقت القول إذا أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة إذا شهدت من غير تقييد بتاريخ كذا في المصباح. وقال صاحب القاموس وطلقت من زوجها كنصر وكرم طلاقًا بانت فهي طالق وطالقة وأطلقها وطلقها اهـ فكأن ذات الزوجة موثوقة عند زوجها فإذا طلقها فقد أرسلها من وثاقه ولهذا يقول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك يقصدون بذلك أنها مرتبطة عندك بعقد النكاح ارتباطًا معنويًا كارتباط الناقة الحسي في حبالها ويقال في المحجور كذلك، وقال إمام الحرمين هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره اهـ. واصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الطلاق صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبًا تكثرها مرتين للحر ومرة لذي الرق حرمتها عليه قبل زوج اهـ (فقوله) صفة كالجنس يشمل جميع الصفات سواء كانت وجودية تدرك بالحس كالبياض والسواد أو بالعقل كالعلم والقدرة أو تقديرية لا وجود لها ذهنًا وخارجًا كالطهارة والطلاق إلا أن الشرع قدر وجودها في الشخص وقيامها به فكأنها محيطة به. وقوله حكيمة احترز به من الصفة الوجودية بقسميها. وقوله موجبًا تكررها الخ احترز به من رفع الحلية بها بالدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو بالدخول في الاعتكاف أو الصلاة ونحوها
وموجبًا بالنصب على الحال أو من صفة إما من ضمير ترفع جارية على غير صاحبها في المعنى وفي بعض النسخ بالرفع على أنه نعت سببي لصفة. وقوله تكررها بالرفع فاعل بموجب وتكرر مضاف وضمير الموصوف الذي هو الرابط مضاف إليه. وحرمتها بالنصب مفعول بموجب. والتكرر هو ما بعد الطلقة الأولى. وقوله مرتين إنما قيد به لأن ذلك هو الموجب للتحريم والزائد لا أثر له ويقال الطلاق الثاني تكرر وكذا الثالث ولا يصدق على الأول أنه متكرر إذ التكرر إنما يكون بعد فرد فنهاية طلاق الحر ثلاث ونهاية طلاق العبد اثنتان كما يأتي (وأما) أركانه من جهة توقف الماهية عليه فأربعة (الأول) الزوج إذا أراد أن يوقع الطلاق بنفسه فشرطه أن يكون مسلمًا على المشهور. وأن يكون بالغًا فينفذ طلاق السفيه دون الصبي ولو ناهز البلوغ على المشهور لأنه غير مكلف. ودليل الشاذ أن ما قارب الشيء يعطى حكمه. وأن يكون عاقلًا فلا يصح طلاق المجنون في حال جنونه فهو كالصبي. وأما السكران بحرام فإنه يلزمه الطلاق مطلقًا ميز أو لم يميز على القول المشهور (وإن) طائعًا فلا ينفذ طلاق المكره وسيأتي الكلام عليه وعلى السكران في كلام الناظم (الثاني) المطلقة بفتح اللام مشددة ويشترط فيها أن يملك المطلق بكسر اللام عصمتها حال الطلاق تحقيقًا أو تعليقًا كما لو قال لأجنبية أو بائن إن تزوجتك فأنت طالق أو قال فلانة طالق ونوى به بعد نكاحها أو لم ينو ودل بساط على التعليق كوقوع مشاجرة مع أهلها مثلًا عند خطبتها فقال هي طالق فإن تزوجها في الصور الثلاث طلقت على المشهور ومقابله لا يلزمه قال ابن راشد دليل عدم لزوم الطلاق المعلق هو قوله صلى الله عليه وسلم لا طلاق قبل النكاح وهو مذهب الإمام الشافعي واختاره جماعة من أشياخنا وقال الترمذي وهو قول أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث خرج عن سبب وهو أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لامرأة إن تزوجتك فأنت طالق ثم أراد أن يتزوجها فأمره عليه السلام بذلك وقال لا طلاق قبل النكاح اهـ هذا كله إن كان التعليق تحقيقًا أو تقديرًا فإن لم
يكن كذلك بل قال هي طالق أو حرام وهي ليست في عصمته ولم يقصد التعليق على أنه إن تزوجها ولا يعرفه فهل تطلق عليه كالصور الثلاث في القول المشهور أو لا تطلق عليه خلاف والذي عليه الجمهور من المتأخرين أنه لا يلزمه الطلاق لأن العامة لا تعرف التعليق كما في نوازل النكاح من البرزلي والمعيار فهذا محصل كلامهما في النازلة باختصار وسيأتي تعليق الحرام قصدًا بأبسط من هذا عند قول الناظم ويلزم الطلاق بالصريح. وبالكنايات على الصحيح. البيت عند ذكر الطلاق بلفظ الحرام (الثالث) ما يدل على فك العصمة بين الزوجين وسواء كانت دلالته عليه لفظية وضعية كلفظ فيه الطاء واللام والقاف أم لا كالكتابة والإشارة المفهمة بإصبع أو إصبعين أو ثلاث مثلًا إذا قصد واحدة أو اثنتين أو ثلاث تطليقات ولو من قادر على القول المعتمد فلا يقع الطلاق بمجرد العزم الذي ليس معه لفظ وفي لزومه بكلامه الذي يتحدث به في نفسه وعدم لزومه خلاف والذي نصره أهل المذهب عدم اللزوم وهو المشهور ابن عبد السلام وهو الأظهر لأن الطلاق حل للعصمة المنعقدة بالنية والقول فوجب أن يكون حلها كذلك إنما يكتفى بها في التكاليف المتعلقة بالقلب لا فيما بين الآدميين (تنبيه) إذا أراد الزوج الطلاق بالكتابة فإذا كتب وهو عازم على الطلاق وقع عليه وإن لم يخرج الكتاب من يده وإن كتب غير عازم لم يقع عليه شيء إلا أن يخرجه من يده عازمًا فإن أخرجه من يده غير عازم فله رده ما لم يبلغ المرأة فيلزمه وكيفية الكتب لا يخلو حال الزوجة إما أن تكون من ذوات الأشهر أو من ذوات الأقراء فإن كانت من ذوات الأشهر كالصغيرة والآيسة جاز له أن يكتب بإيقاع الطلاق في الحال وإن كانت من ذوات الأقراء فقال ابن القاسم يكتب إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طلق لا يزيد على ذلك فإن كانت طاهرًا وقع الطلاق وإلا بقيت زوجة قال فإن كانت حاملًا كتب حاملًا أو طاهرًا بعد أن وضعت فأنت طالق لا يزيد على ذلك فإن كانت على ما شرط وقع الطلاق وإلا بقيت زوجة كذا في الفائق (الرابع) قصد النطق باللفظ الدال عليه لا إن سبقه
لسانه بان قصد التكلم بغير الطلاق فتكلم به فقال أنت طالق فلا شيء عليه ويقبل قوله في الفتوى دون القضاء إلا إذا ثبت غلطه فينفعه في القضاء أيضًا كما في الحطاب وغيره أو لقن لفظ الطلاق بلا فهم لمعناه فلا يلزمه شيء لا في الفتوى ولا في القضاء وفي لزومه بالهزل وعدم لزومه خلاف يأتي في كلام الناظم والمشهور اللزوم. وأما نهاية عدده فهو ثلاث تطليقات للحر سواء كانت الزوجة حرة أو أمة واثنتان للعبد وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة كذلك قال ابن راشد دليل الأول قول الله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (روي) أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم الطلاق مرتان فأين الثالثة قال التسريح بإحسان. ودليل الثاني طلق مكاتب امرأة حرة تطليقتين فاستفتى عثمان ابن عفان رضي الله عنه فقال حرمت عليك وبذلك أفتاه أيضًا زيد بن ثابت رضي الله عنه وكان يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا طلق العبد امرأته تطليقتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره حرة كانت أو أمة. واحتج على ذلك بعضهم بقول الله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} قال فكان الواجب أن يكون طلقة ونصفًا فكملت عليه الطلقتان لأن الطلاق لا يتبعض قال ولذلك كانت عدة الأمة حيضتين وفي هذا الاستدلال نظر لأن العبد إذا جلد أربعين فذلك أرفق من جلد الحر إذ الثمانون أشد نكالًا بلا شك وقياس هذا أن يكون للحر طلقتان وللعبد ثلاث تطليقات لأن التطليقتين أضيق من الثلاث وذلك مما لا يقوله أحد فوجب أن يقتصر على الاستدلال على ما ذكرناه والله أعلم اهـ (وأما) حكمه فالأصل فيه الإباحة كما في المتيطية وقد يعرض له الوجوب كما إذا فسد ما بينهما ولا يأمن على دينه أو بدنه معها والاستحباب إن كانت غير عفيفة ولم تتبعها نفسه لخبر إن لي زوجة لا ترد يد لامس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فارقها قال إني أحبها قال فأمسكها صححه النسائي أو توفرت فيه شروط الطلاق السني حيث عزم على الفراق. والحرمة وإن خيف من ارتكابه الوقوع في كبيرة أو كانت حائضًا أو نفساء. والكراهة إن كان كل منهما قائمًا
بحق الآخر أو لم تتوفر فيه شروط الطلاق السني الآتية. وأول من طلق إسماعيل بإشارة من أبيه إبراهيم عليهما السلام (وأما) أقسامه باعتبار السنة والبدعة فأربعة لأنه إما سني وإما بدعي وكل واحد منهما إما بائن وإما رجعي والبائن إما مطلق غير مقيد وإما مملك وإما خلعي وقد أشار الناظم إلى جميعها وبدأ بالطلاق السني إذ هو أولى بالتقديم مع بيان شروطه فقال
(من الطلاق الطلقة السنيه
…
إن حصلت شروطها المرعيه)
(وهي الوقوع حال طهر واحده
…
من غير مس وارتداف زائده)
يعني أن الطلاق الذي أباحته السنة هو ما اجتمعت فيه شروط أربعة الأول أن يوقع الطلاق في حال طهر المرأة فإن أوقعه في حيض أو نفاس فإنه بدعي حرام (الثاني) أن تكون واحدة فإن طلق اثنتين أو أكثر في كلمة واحدة فإنه بدعي مكروه في اثنتين حرام في ثلاث (الثالث) أن يكون ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق لم يطأ فيه فإن وقع الطلاق في طهر وطئها فيه كان بدعيًا مكروهًا (الرابع) أن لا تكون هذه الواحدة مردفة في العدة فلو طلقها رجعيًا ثم أردف عليها في العدة طلقة أخرى فهو بدعي مكروه. وفي الحكام لابن العربي قال علماؤنا طلاق السنة ما جمع سبعة شروط وهي أن يطلقها واحدة وهي ممن تحيض طاهر لم يمسها في ذلك الطهر ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه وخلا عن العوض اهـ. وقوله حصلت بتخفيف الصاد وشروطها فاعل حصلت والمرعية أي المعتبرة شرعًا نعت شروطها. وقوله
(فمنه بائن ومنه الرجعي
…
يعني أن الطلاق السني ينقسم إلى قسمين بائن كطلقة قبل البناء ولم يظهر بها حمل لازم له أو صادفت آخر الثلاث ورجعي كطلقة بعد البناء بالشروط المذكورة ولم تصادف آخر الثلاث. وحاصل فقه المسألة كما في قوانين ابن جزي أن البائن يكون في أربعة مواضع وهي طلاق غير المدخول بها وطلاق الخلع وطلاق الثلاث فهذه
الثلاثة بائنة باتفاق والرابعة طلقة المبارئات التي يملكون بها المرأة أمر نفسها ويجعلونها واحدة بائنة من غير خلع وقيل له الرجعة وقيل هي ثلاث وأن الرجعي هو ما عدى هذه المواضع اهـ (قلت) ويستثنى من الطلاق البائن قبل البناء مسألتين يكون الطلاق فيهما رجعيًا وقد نظمتها فقلت
يا سادتي أهل التقى الثقات
…
السالكين سبل النجاة
هل كان في الفروع الفقهيات
…
رجعي من قبل البناء آت
نعم يكون ذاك في فرعين
…
في كتب الفقه مبينين
من طلقت قبل البناء وظهر
…
حمل بها وزوجها به أقر
أو روجعت من بعد الافتداء
…
وطلقت من قبل الابتناء
فانظر هداك الله شرح المختصر
…
أو لغز الفرحوني تحض بالدرر
(ولما) فرغ من الكلام على الطلاق السني بقسميه شرع يتكلم على الطلاق البدعي بقسميه كذلك فقال
وما عدى السني فهو بدعي)
(منه مملك ومنه خلعي
…
وذو الثلاث مطلقًا ورجعي)
يعني أن الطلاق البدعي هو ما اختل فيه شرط من شروط الطلاق السني وهو قسمان بائن فمنه مملك كانت طالق طلقة مملكة على خلاف فيه تقدم في كلام ابن جزي وسيأتي في كلام الناظم أيضًا ومنه طلاق الخلع وهو ما كان بلفظ الخلع بدون عوض فحكمه حكم المملك وإما بعوض فهو جائز كما سيأتي ومنه طلاق الثلاث في كلمة واحدة مطلقًا سواء كان قبل البناء أو بعده. وقسم رجعي كطلقة في حيض أو نفاس أو في طهر مس فيه أو في العدة أو تطليقتين في كلمة واحدة ولم يبلغ الثلاث في الجميع (تتميم) بقي قسم ثالث لا يتصف بالسنة ولا بالبدعة وهو الصغيرة واليائسة والحامل البين حملها والمستحاضة التي لم تميز فطلاق هؤلاء لا يوصف بذلك من حيث الوقت ويوصف
به من حيث العدد كذا في التلقين وغيره. واعلم أن الرجعة في الطلاق الرجعي على قسمين اختيارية وإجبارية وقد أشار إلى الأولى بقوله
(ويملك الرجعة في الرجعي
…
قبل انقضاء الأمد المرعي)
(ولا افتقار فيه للصداق
…
والإذن والولي باتفاق)
يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا سنيًا كان أو بدعيًا فإنه يملك رجعتها شرعًا لقول الله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن} وحيث كان له الحق في الرجعة فلا يفتقر في الارتجاع لصداق أو إذن من الزوجة أو إيجاب من الولي بل له أن يرتجعها بدون شيء من ذلك قبل انقضاء العدة ويستحب الإشهاد عندنا إن لم يخف النزاع وكان الطلاق غير مكتوب عليه بالإشهاد وإلا وجب فإن أغفل الإشهاد حتى انقضت العدة لم يقبل قوله أنه ارتجعها في العدة سواء صدقته في ذلك أو كذبته إلا أن تثبت خلوة بها أو إقراره بذلك في العدة قاله ابن سلمون (تنبيه) قال ابن رشد ليس الإشهاد شرطًا في صحة الرجعة عند من أوجبه وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه والصحيح أنه مندوب وليس بواجب اهـ من الدر النثير وتكون الرجعة بقول كارتجعتها أو فعل كالوطء أو لمس أو قبلة ونحوهما بقصد الارتجاع وإلا كان ممنوعًا عندنا قال صاحب المختصر والرجعية كالزوجة إلا في تحريم الاستمتاع والدخول عليها والأكل معها اهـ وسيأتي نحوه فيما يجب للمطلقة فإن انقضى الأمد المرعي وهو العدة ولم يرتجعها فقد بانت منه ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد بشروطه وأركانه وسيأتي الكلام على الخلاف الذي يقع بينهما في انقضاء العدة وعدم انقضائها عند قوله ومن يطلق طلقة رجعية الخ. وأشار إلى الثانية بقوله
(وموقع الطلاق دون طهر
…
يمنع مع رجوعه بالقهر)
يعني أن من طلق زوجته طلاقًا رجعيًا وهي حائض أو نفساء فقد فعل حرامًا إن علم ذلك ويؤمر بالرجعة على كل حال فإن ارتجعها فذاك المراد وإن امتنع أجبر عليها
بالقهر بالتهديد والسجن والضرب بمجلس واحد فإن استمر على امتناعه ارتجعها له الحاكم بأن يقول ارتجعتها لك ويسجل الإشهاد عليه بذلك ويجوز للزوج الوطء بهذا الارتجاع وإن لم تقارنه نية لأن نية الحاكم قائمة مقام نيته لأنه نائب عنه كما مر وإذا ارتجعها بنفسه أو ارتجعها له الحاكم فيستحب أن يمسكها إذا أراد طلاقها حتى تطهر طهرين ثم يطلقها بعد ذلك فإن طلقها في الطهر الموالي للحيض الأول مضى مع الكراهة ولا يجبر على الرجعة مرة أخرى ومحل وجوب الارتجاع إذا كان الطلاق رجعيًا كما مر أما إذا كان بائنًا فلا يؤمر به وقوله
(وفي المملك الخلاف والقضا
…
بطلقة بائنة في المرتضى)
يعني أنه إن وقع اختلاف في المذهب في الطلاق المملك المتقدم ذكره فقيل هو طلقة رجعية وقيل ثلاث وقيل طلقة بائنة وهذا الأخير هو المرتضى وبه جرى العمل والقضاء ومثله طلاق الخلع بغير عوض لأنه بمعناه (فرع) إذا طلقها قبل خروجها من العدة بعد هذا الطلاق فعلى أنه رجعي فإن طلاقه ثانيًا يرتدف وإذا ارتجعها بدون ولي فإن ارتجاعه لا يفسخ وبه الفتوى كما في نوازل النكاح من المعيار. وقوله وفي المملك الخلاف مبتدأ وخبر وكذا قوله والقضاء بطلقة بائنة وفي المرتضى متعلق بما تعلق به قوله وبطلقة. وقوله
(وبائن كل طلاق أوقعا
…
قبل البناء كيفما قد وقعا)
يعني أن كل طلاق أوقعه الزوج قبل البناء فإنه بائن كيفما وقع سنيًا كان أو بدعيًا إلا في فرعين أحدهما من طلق زوجته قبل البناء ثم ظهر بها حمل وادعت أنه منه ووافقها على ذلك ولم ينفه عن نفسه بلعان فإن طلاقه رجعي لا بائن. والآخر من خالع زوجته بعوض ثم راجعها بنكاح جديد وقبل البناء بها طلقها بدون عوض فطلاقه رجعي لا بائن كل ذلك إذا لم يبلغ الثلاث وقد مر ذكرهما نظمًا (قال) الشيخ ميارة ومما يناسب أن يذكر هنا الطلاق الذي يوقعه الحاكم وهو كله بائن مثل هذا
إلا الطلاق على المولي وعدم النفقة اهـ وقد تقدم في الإيلاء وقوله أوقعا فعل ماض بفتح أوله وفاعله ضمير مستتر يعود على الزوج وألفه للإطلاق كألف وقعا. وقوله
(وبالثلاث لا تحل إلا
…
من بعد زوج للذي تخلى)
يعني أن الزوجة التي طلقت بالثلاث لا تحل لزوجها الذي طلقها وتخلى عنها إلا إذا نكحت زوجًا غيره بشروط عشرة عندنا (الأول) أن يكون الزوج الذي تزوجته بالغًا وهي مطيقة للوطء (الثاني) أن يطأها وطئًا مباحًا فلو طلق قبل الوطء أو بعد وطء محرم فلا يحل (الثالث) أن يكون الوطء بانتشار (الرابع) أن يكون بتغييب الحشفة أو مثلها من مقطوعها في قبل (الخامس) أن يكون في نكاح فوطء السيد أمته لا يجزئ (السادس) أن يكون النكاح صحيحًا فلا تصح بنكاح المحلل (السابع) أن يكون النكاح لازمًا فلا تحل بنكاح العبد المعتدي ونحوه (الثامن) أن تعلم الخلوة بينهما ولو بامرأتين (التاسع) أن تعلم الزوجة بالوطء فلو جامعها الذي تحل به وهي نائمة أو مجنونة لم تحل بذلك أما الزوج فلا يشترط فيه العقل على أحد قولين (العاشر) أن يتصادق الزوجان على الوطء أو لم يعلم منهما إقرار ولا إنكار. وقوله وبالثلاث متعلق بمحذوف كما قدرناه وقوله للذي متعلق بتحل لا بتخلى (فائدة) مغيب الحشفة في الفرج يوجب أحكامًا كثيرة فإنه يحل المطلقة ثلاثًا للذي طلقها كما مر. ويوجب الحد. ويوجب الصداق. ويحصن الزوجين. ويوجب الغسل. ويفسد الحج. ويفسد الصوم. ويوجب الكفارة في نهار رمضان. ويوجب الكفارة على امرأته إذا أكرهها فيه. ويفسد تتابع الصوم في الكفارات. ويوجب العمرة. ويوجب الهدي إذا كان قبل الإفاضة وبعد جمرة العقبة. ويوجب الهدي إذا كان بعد الإفاضة وقبل رمي جمرة العقبة لمن أخرها. ويفسد الاعتكاف. ويفسد العمرة. ويوجب إحجاج المرأة إذا فسد حجها. ويبر في يمينه من حلف أن يطأ. ويوجب حنث من حلف أن لا يطأ. ويوجب القيمة على الأب في وطء
جارية ابنه وعلى الجد في جارية ابن ابنه. ويوجب القيمة على الغاصب. ويوجب القيمة على أحد الشريكين. ويقطع عصمة الزوج المفقود إذا عقد عليها الثاني ودخل، ويقطع رجعة الزوج الأول الذي ارتجعها ولم تعلم بذلك. ويصح به نكاح الثاني في ذات الوليين ولم تعلم. ويوجب تحريم الربيبة. ويوجب فسخ نكاح البنت إذا تزوج الأم وأولج فيها. ويوجب تحريم الأخت الثانية بملك اليمين. ويوجب تحريم العمة على بنت أخيها بملك اليمين. ويوجب تحريم الخالة كذلك. ويوجب تحريم المنكوحة في العدة. ويوجب الصداق على الغاصب والزاني. ويصحح النكاح الفاسد لصداقه. وينشر الحرمة في النكاح الفاسد لعقده. ويوجب استئمار البنت البالغ إذا زوجها أبوها بعده. ويوجب العدة. ويوجب استبراء الأمة. ويوجب الاستبراء في الغصب والزنى. ويوجب الرجعة. ويوجب الخيار للتي يشترط لزوجته أن لا يتسرى عليها. ويقطع خيار الأمة إذا أعتقت تحت العبد. ويوجب كفارة الظهار إذا وطئ بعد أن شرع فيها. ويسقط الإيلاء عن المولي. ويوجب إسقاط اللعان. ويوجب الحد على الملاعن إذا وطئ بعد الدعوى. ويسقط نفقة البنت عن أبيها إذا طلقت. ويصح به البيع الفاسد في الجارية. ويسقط به الخيار في بيع الأمة. ويسقط به القيام بالعيب في الأمة. ويسقط به خيار الرد بالعيب في الزوجة. ويوجب الاستبراء في وطء الشبهة. ويوجب إسقاط اعتصار الأب فيما وهبه لابنه. ويوجب القيمة في هبة الثواب إلى غير ذلك من الأحكام هذا وقد بينا فيما تقدم نهاية عدد طلاق الحر والعبد مع دليلهما وأن الناظم رحمه الله تعالى ذكرهما هنا وبدأ بذكر نهاية طلاق الحر فقال
(وهي لحر منتهى الطلاق
…
وحكمها ينفذ بالإطلاق)
(هب أنها في كلمة قد جمعت
…
أو طلقة من بعد أخرى وقعت)
يعني أن ثلاث تطليقات هي نهاية الحر فما زاد على الثلاث لا يعتد به شرعًا ولا
يلتفت إليه وحكمها الذي هو عدم حليتها لمن طلقها إلا بعد زوج نافذ بالإطلاق أي سواء جمعت في كلمة واحدة كقوله أنت طالق ثلاثًا أو وقعت متفرقة طلقة بعد طلقة إلى النهاية على الأصل. وما ذكره الناظم من لزوم الثلاث في كلمة واحدة هو المشهور وبه القضاء وقيل يلزم فيه طلقة بائنة وقيل رجعية وقيل لا يلزمه شيء وهو مذهب أهل الظاهر لأنه خلاف ظاهر الكتاب والسنة (قال) ابن رحال في الحاشية الخلاف في المسألة شهير في المذهب وخارجه من أهل السنة صحابة وغيرهم اهـ. وحكى التلمساني أن عندنا أي المالكية قولًا إنما تلزمه واحدة اهـ. وقال الإمام الرازي عند قول الله تعالى: {الطلاق مرتان} ما نصه الذي اختاره كثير من علماء الدين أنه لو طلقها اثنتين أو ثلاثًا لا يقع إلا الواحدة وهذا القول الأقيس لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز فوجب أن يحكم بعدم الوقوع اهـ. وفي فائق الونشريسي نقلًا عن كتاب المقنع لابن مغيث بعد حكاية القول المشهور اختلف أهل العلم بعد إجماعهم أي أهل السنة والتأويل على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم تلزمه طلقة واحدة وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى وابن رافع رأسه وأحمد بن بقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم من أهل قرطبة اهـ. وقال ابن ناجي في حق من دعا على ابن مغيث بعدم الإغاثة في دعائه عليه نظر لأنه لم يقل ما ذكر بالتشهي بل ظهر له في الاجتهاد فهو مأجور أخطأ أو أصاب في ذلك اهـ (قلت) قد علمت أنه قول في المذهب لا أنه من قبيل الاجتهاد اللهم إلا أن يقال المراد بالاجتهاد الأخذ بالقول المنقول عن الإمام وهو لزوم الواحدة إذا تقرر هذا ظهر جليًا قوة هذا القول وان تقليده وعمل الإنسان به في خاصة نفسه حيث لم تشهد عليه بينة خير من استعمال المحلل الصوري الذي لا يحللها اتفاقًا قال صاحب المعيار وسئل أي سيدي قاسم العقباني
عن الشخص تنزل به مسألة لا يجد فيها مندوحة في مذهب إمامه أو له مندوحة فيها إلا أنها على قولة شاذة أو له مندوحة في مذهب الشافعي أو الحنفي أو غيرهما من أهل المذاهب هل له تقليد الشافعي مثلًا أو القولة الشاذة في مذهب إمامه ولا حرج عليه في ذلك وقد قال بعض الشيوخ إن نزلت به نازلة ولمالك فيها قولان أنه يجوز الأخذ بأثقلهما أو بأخفهما ولا حرج عليه وقد قالوا أن من أصل مذهب مالك مراعاة الخلاف لكن هذه المراعاة هل تراعى قبل الوقوع أو بعده أو لا تراعى إلا بعده وما ضابط المحل الذي تصح المراعاة فيه (فأجاب) تقليد المالكي في مسألة تنزل به شاذ مذهبه أو مذهب الشافعي خلاف الأولى لكن يتخلص به من لم تأسره البينة اهـ نحل الحاجة. وقول الناظم وطلقة الخ بالنصب على الحال من فاعل وقعت ثم قال
(وموقع ما دونها معدود
…
بينهما إن قضي التجديد)
يعني أن الطلاق الذي أوقعه الزوج على زوجته إذا كان أقل من ثلاث بأن طلقها واحدة أو اثنتين ثم بعد ذلك تزوجت برجل آخر وطلقها فإذا قضى الله تعالى بتجديد النكاح بينها وبين زوجها الأول وراجعها فإذا طلقها فإنه يحسب عليه ما كان طلقها قبل تزوجها بغيره ولا يستأنف بل يضم الأخير للأول ويبني عليه لأن نكاح الأجنبي لا يهدم إلا الثلاث فقط عندنا. وبعبارة أخرى إن كان الزوج طلقها واحدة عادت في النكاح الثاني على طلقتين وإن كان طلقها اثنتين عادت إليه على طلقة حتى أنه إن طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج وهو مذهب الجمهور وذهب بعض العلماء إلى أن الزوج الثاني إن أصابها في نكاحه هدم طلاق الزوج الأول فترجع إليه بعصمة جديدة. وقوله وموقع الخ هو بفتح القاف اسم مفعول صفة لموصوف محذوف تقديره طلاق موقع ثم شرع يتكلم على طلاق الخلع فقال