المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الأمان مقدمة الأمان: مصدر: أمن أمنًا وأمانًا، وهو ضد الخوف. والأصل فيه - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٦

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌ ‌باب الأمان مقدمة الأمان: مصدر: أمن أمنًا وأمانًا، وهو ضد الخوف. والأصل فيه

‌باب الأمان

مقدمة

الأمان: مصدر: أمن أمنًا وأمانًا، وهو ضد الخوف.

والأصل فيه قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

وما جاء في الصحيحين من أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "ذِمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم".

ويشترط لعقد الأمان ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون عقده من مسلم، عاقل، مختار، ولو امرأة؛ لما روى البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم:"قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء".

الثاني: ألا يكون في عقده ضرر على المسلمين، فإنَّ الغرض من عقده مراعاة المصلحة.

الثالث: ألا تزيد مدته على عشر سنين.

قال الوزير: اتَّفقوا على أنَّ الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها، واختار الشيخ، وابن القيم: أنَّها تجوز ما شاء المسلمون بلا تحديد مدة.

قال ابن القيم: يجوز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، ويجوز فوقها للحاجة، والمصلحة الراجحة، كما إذا كان في المسلمين ضعف، وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للمسلمين،

ص: 410

والإسلام.

والأمان مراتب: فيصح من الإمام لجميع المشركين؛ لأنَّ ولايته عامة، ويصح من أمير لأهل بلدةٍ، وقبيلةٍ وَلِيَ قتالهم؛ لأنَّ ولاية قتلهم جُعلت له، ويصح من أحد أفراد الرعية، ولو امرأة لواحدٍ، وعشرةٍ، وقافلةٍ صغيرةٍ، وحصنٍ صغيرٍ، ولا يجوز للإمام نقض أمان مسلم، حيث صحَّ وقوعه لازمًا، إلَاّ أن يخاف خيانة من أُعطيه، ويحرم بالأمان قتل المؤمَّن، وأسره، واسترقاقه.

ويقيم المؤمَّنون مدَّة الأمان في ديارنا بغير جزية؛ لأنَّ لهم المقام فيها من غير التزام بها.

***

ص: 411

1131 -

وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقُولُ: "يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (1).

وَلِلطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: "يُجِيْرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ"(2).

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ: "ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ".

زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: "وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ"(3).

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِىءٍ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ"(4).

ــ

* درجة الحديث:

الروايات بيَّن الحافظ درجتها، وهي في معنى ما ورد في الصحيح، وللحديث شواهد.

* مفردات الحديث:

- يُجير على المسلمين: من: الإجارة، وهي إعطاء الأمان، أي: يؤمّن، ويحمى، ويمنع على المسلمين أدناهم.

(1) ابن أبي شيبة (6/ 509)، أحمد (1/ 195).

(2)

أحمد (4/ 197).

(3)

البخاري (6755)، مسلم (1370)، ابن ماجه (2685).

(4)

البخاري (3171)، مسلم (336).

ص: 412

- أدناهم: أقلهم عددًا، وهو الواحد، وأقلهم شأنًا، وهم ضعاف السوقة من امرأة وأجير.

- ذِمةُ المسلمين: العهد، والأمان، والكفالة، سميت بذلك؛ لأنَّ نقضها يوجب الذم.

- أقصاهم: أبعدهم من حيث اعتبار أحوال الحياة الدنيا.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تقدم في المقدمة أنَّ الأمان الخاص للفرد، والعشيرة، أو القافلة، أو الحصن الصغير، يصح من أحد أفراد الرعية.

2 -

فالحديث هنا يفيد أنَّه يجوز لبعض المسلمين أن يعطي أمانًا للكفار، ويكون أمانه نافذًا مقبولاً عند جميع المسلمين، فيحرم خفر ذمته، ورد أمانه.

3 -

يفيد جواز الأمان ونفوذه؛ سواء كان عامًّا من إمام، أو خاصًّا من أمير، أو من أحد أفراد الرعية، إلَاّ أن يكون فيه ضرر على المسلمين، فإن كان فيه ضرر فلا يصح عقده؛ لأنَّه الواجب مراعاة مصلحة المسلمين.

4 -

وتفيد طرق هذا الحديث جواز عقد الأمان من الفرد المسلم؛ سواء كان ذكرًا، أو أنثى، حرًّا كان أو عبدًا، وهذا مذهب جمهور العلماء.

5 -

يوجد خلاف بين الفقهاء في جواز نفوذ أمان المرأة، والعبد والصبي المراهق، ومذهب الجمهور جوازه ونفوذه؛ لعموم الأحاديث الصحيحة في ذلك، التي جاء فيها:"يسعى بها أدناهم".

6 -

ومن طلب الأمان؛ ليسمع كلام الله تعالى، ويعرف شرائع الإسلام -لزمت إجابته، ثم يرد إلى مأمَنه؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

قال الأوزاعي: حكم هذه الآية إلى يوم القيامة.

7 -

جاء في إحدى الروايات: "المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم

ص: 413

أدناهم".

قال القاضي: كان أهل الجاهلية يتعاهدون، فيقول الرجل للرجل: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتُطلب بي، وأُطلب بك، وتعقل عني، وأعقل عنك، فيعدون الحليف من القوم الذين دخل في حلفهم، ويقررون له، وعليه بمقتضى الحلف، والمعاقدة غُنمًا، وغرمًا.

فلما جاء الإسلام، أقرَّهم على ما في ذلك من حقن الدماء، والنصر على الأعداء، وحفظ العهود، والتآلف بين الناس، وألغى ما يتعارض مع أحكام الإسلام: من الثورات، وتحمل عقل الجنايات، وتحمل النفقات، المبينة بالنصوص الدالة على اختصاص ذلك بأشخاص، وجهات مخصوصة معيَّنة، وبأسباب خاصة معلومة.

***

ص: 414

1132 -

وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لأَخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَب، حَتَّى لَا أدَعَ إِلَاّ مُسْلِمًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

مجاورة الكفار، ومعاشرتهم شرٌّ، وتجر إلى شرور كبيرة، من خشية التشبه بهم، واستحسان عقائدهم، والرغبة في تقليدهم، من بسطاء المسلمين، وقليلي الإدراك منهم.

2 -

فيجب تميز المسلمين، واستقلالهم في بلادهم، وبُعدهم عن مخالطة غيرهم، ممن يخالفهم في العقيدة.

3 -

لذا يجب إخراج اليهود، والنصارى، والمجوس، وسائر أصحاب الملل من الكفار من جزيرة العرب.

4 -

ومن هذا نعلم الخطأ الذي وقع فيه كثير من المسلمين من جلبهم السائقين، والخدم في البيوت من غير المسلمين، اللاتي يربين أولادهم، ويسكن دارهم، ويعاشرنهم، فهذا خطأ كبير، وعواقبه وخيمة، ولو كانت هذه المعاملة معهم غير محرَّمة، لكنها مخوفة، والخوف من هذه الخلطة، والملازمة، والعِشرة لا ينافي ما سيأتي في الفقرة (6).

5 -

جزيرة العرب خاصة بهم، والعرب هم أصحاب الرسالة المحمَّدية، وبلادهم هي مهبط الوحي، فلا يصح بحال من الأحوال أن يقيم فيها غير المسلمين.

(1) مسلم (1767).

ص: 415

6 -

يجوز إقامتهم في جزيرة العرب، وديار المسلمين إقامة عمل، لا إقامة استيطان؛ كأصحاب السفارات، والشركات، والعمَّال، والتجَّار، والسوَّاح.

7 -

أجمع العلماء على منع الكافرين من دخول حرم مكة المشرفة؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: 28].

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء في دخول الكفار المساجد:

فذهب الإمامان: مالك، وأحمد، إلا أنَّه لا يجوز دخولهم؛ لأنَّ حدث الجنابة، والحيض يمنع، فالشرك أولى.

قال في "كشاف القناع": وليس لهم دخول مساجد الحل، ولو بإذن مسلم؛ لأنَّ حدث الحيض يمنع، فالشرك أولى، ويجوز دخولها للذمي، إذا استؤجر لعمارتها، لأنَّه نوع مصلحة، وصحح في "الشرح الكبير"، وغيره أنَّه لا يجوز إلَاّ بإذن مسلم؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد الطائف، فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم، وأجيب عنه، وعن نظائره بأنَّه كان بالمسلمين حاجة إليه.

***

ص: 416

1133 -

وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَتْ أَمْوَالُ بنَي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوْجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلَاح؛ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- بني النضير: بنو النضير: قبيلة من اليهود، كانت تقيم في قريتها قرب المدينة المنوَّرة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة صالحهم، فنقضوا العهد، وغدورا به، فهمُّوا باغتياله، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم على أن يجلوا عن المدينة، ويحقنون دماءهم، أمّ أموالهم فصارت فيئًا.

- أفاء: يفيء، من باب أفعل يفعل، من: الفيء، وأصله: الرجوع، يقال: فاء يفيء فيئة وفيئًا، وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب، ولا جهاد، ويسمى: فيئًا، كأنَّه كان في الأصل لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي بعد الزوال: فيء؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.

- لم يُوجف عليه المسلمون: الإيجاف هو: الإسراع، يقال: أوجف فلان دابته: حثَّها على السير.

- خيل: هي جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه.

- رِكَاب: -بكسر الراء، وفتح الكاف، ثم ألف، بعدها باء موحدة- هي الإبل

(1) البخاري (2904)، مسلم (1757).

ص: 417

التي تركب للجهاد، ولغيره من مصالح الدين والدنيا.

- الكُراع: -بضم الكاف، وفتح الراء، ثم ألف، آخره عين مهملة بزنة غُراب- هو اسم للخيل، والسلاح.

- عُدَّة: -بضم العين، وتشديد الدال-: ما يعد من مالٍ، وسلاحٍ، أو غير ذلك للحرب.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تقدم أنَّ بني النضير هي إحدى قبائل اليهود المقيمة حول المدينة، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عاهدهم على ألا يكونوا معه، ولا عليه، ثم إنَّهم نكثوا العهد، وغدروا، فأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في ديارهم، وانتهى الصلح معهم بأن يخرجوا من ديارهم، وليس معهم إلَاّ ما حملته الإبل من متاعهم إلَاّ السلاح، وما بقي من أموالهم فهو فيء.

2 -

كانت أموال بني النضير بالصلح من الفيء الذي يصرف في مصالح المسلمين، وليس من الغنيمة، التي تقسم بعد أخذ الخُمس منها على المجاهدين.

3 -

قال تعالى في أموال بني نضير: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)} [الحشر].

وقال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7].

4 -

الفيء هو: ما أخذ من مال كافر بحق بغير قتال، فالمال الذي يتركونه فزعًا منَّا، أو بذلوه خوفًا منا، وخمس خُمس الغنيمة، والجزية، والخراج، ونحو ذلك، فهذا للنبي صلى الله عليه وسلم، نفقته منه، ونفقة أهله مدة سنة، أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيبقى لأقاربه، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، ولمصالح المسلمين، الأهم

ص: 418

فالأهم، والاستعداد للأعداء بالسلاح، والعُدَّة عليها من أهم الأمور.

ومثل ذلك نشر الدعوة الإسلامية، وبث الرسالة المحمَّدية، والرد على الملاحدة، من الشيوعيين، والمنصرين، والماسونيين، وجميع أعداء الدين.

وذلك بإعداد الدعاة على مستوى كبير، ونشر الكتب، وتأليفها، وتنشيط وسائل الإعلام، لمكافحتها، ومحاربتها.

ثم تأتي بعد ذلك مصالح المسلمين في الطرق، والجسور، والمدارس، والمساكن العامة، وإنشاء المرافق العامة، التي تخدم مصالح المسلمين، والبحث عن المحتاجين من المسلمين، وإعطائهم كفايتهم.

وأن يراعى في هذا التوزيع كله المصالح العامة، وما ينفع المسلمين في أمر دينهم، وديناهم.

5 -

قال شيخ الإسلام في الكلام على الفيء: يبدأ بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، ولا يجوز لولي الأمر أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه؛ لهوى في نفسه: من قرابةٍ، أو مودةٍ، أو نحو ذلك، وليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنَّما هم أمَنَاء، ونواب، ووكلاء.

ونصَّ العلماء: أنَّه يجب أن يقدم في مال الفيء أهل المنفعة العامة، وإذا كان العطاء لمنفعة المسلمين، لم ينظر إلى الآخذ هل هو صالح النية، أو فاسدها؟ وإنما العطاء بحسب مصلحة دين الله تعالى.

قال رحمه الله: ولا ريبَ أنَّ السَّعي في تمييز الحق من غيره، والعدل بين الناس بحسب الإمكان من أفضل أعمال ولاة الأمور، بل ومن أوجبها عليهم.

***

ص: 419

1134 -

وَعنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَائِفَةً، وَجَعَلَ بقِيَّتَهَا فِي المَغْنَمِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لَا بَأسَ بِهِمْ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث حسن.

قال المؤلف: رجاله لا بأس بهم اهـ.

وقال ابن عبد الهادي: رجاله ثقات، قاله ابن القطان.

* مفردات الحديث:

- غنمًا: الغنم بفتحتين: اسم جنس، لا واحد له من لفظه، يطلق على الضأن والمعز، وقد يجمع على: أغنام وغنوم.

- طائفة: هي الفرقة من الناس، والقطعة من الشيء، وهو المراد هنا.

- المغنم: يقال: غنم يغنم غنيمة، جمعها: غنائم، ويقال: مغنم، فجمعها: مغانم.

قال أبو عبيد: الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة، والحرب قائمة.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الحديث يدل على جواز تنفيل أمير الغزو بعض المجاهدين بشيء من الغنيمة، ثم رد الباقي في الغنيمة على عامة أفراد الجيش.

2 -

والتنفيل راجع إلى اجتهاد الأمير، فإن رأى فيه مصلحة نفّل، وإن لم ير مصلحة لم ينفل، لأنَّ هذا تخصيص لبعض الجيش على بعضهم الآخر،

(1) أبو داود (2707).

ص: 420

وهو يرجع إلى المصلحة العامة، التي تنفع المسلمين، وتخدم مصالحهم.

3 -

وتقدم، في التنفيل وأحكامه، وأقسامه، وأصحابه، ولو قدَّم المؤلف هذا الحديث مع نظائره، لكان أولى.

***

ص: 421

1135 -

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلَا أَحْبسُ الرُّسُلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

صححه ابن حبان، وقال: رجاله ثقات، وصححه السيوطي في الجامع الصغير.

قال المؤلف: رواه أبو داود، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان.

قال محرره: وسكت عنه أبو داود، والمنذرىِ، وقال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليوم فلا يصلح.

وصححه إسناده الشيخ شعيب أرناؤوط في تعليقه على كتاب: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان".

* مفردات الحديث:

- أخيس بالعهد: بفتح الهمزة، ثم خاء معجمة، فمثناة تحتية، فسين مهملة، يقال: خاس بالعهد يخيس خيسًا وخيسانًا: غدر ونكث، ومعناه: لا أنقض العهد، ولا أخونه.

- ولا أحبس الرسل: الحبس هو: الإمساك والمنع، والرسل مفرده:"رسول"، وهو المرسَل الذي يبعث في حاجة، والرسل هنا: المراد بهم السفراء الذين يتوسطون في أداء الرسالات بين زعماء الدول في شؤون الدولة.

(1) أبو داود (2758)، النسائي في الكبرى (5/ 205)، ابن حبان (1630).

ص: 422

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تقدم لنا أنَّ الأمان إذا عُقد، فإنه يلزم؛ سواء كان من الإمام، أو ممن هو دونه، كل على حسب اختصاصه، فلا يجوز نقضه ما لم يُخف منهم خيانة، ولا يجوز قتل المؤمَّن، ولا أسره، ولا استرقاقه، فإنَّ عهد الأمان جعل له حصانة.

2 -

وتقدم أنَّه بالعهد يكون الأمان لكل من الطرفين، فكل يأتي إلى ديار الطرف الآخر آمنًا مطمئنًا بعهده؛ فقد جاء في البخاري من حديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"من قتَل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة".

3 -

أما الرسل الذين يكونون وسطاء بين المسلمين، وأعدائهم، في حمل الرسائل، ورد جوابها، وللتفاهم والتفاوض على ما يريدون، من أمور تتعلَّق بالعلاقات بينهم، من صلح، وحرب، وغيرهما، فيحرم قتلهم.

4 -

أنَّ قتل الرسل عين المفسدة؛ لأنَّ ذلك يسبب قطع الاتصالات الدولية، وعرقلة مساعي التفاوض، والتفاهم بين الدول والحكومات.

5 -

السفارات في البلدان الأجنبية هي الوسيط بين الدولة صاحبة السفارة، وبين الدولة التي اعتمدتها سفارة في بلادها.

6 -

أصبح الآن بين الدول علاقات سياسية، وثقافية، واقتصادية، وشؤون رعايا، والذي يتولى تنظيم، وترتيب اللقاءات لها، والقيام بها هي السفارات، والقنصليات.

ولذا فإنَّ الدولة المعتمدة بها في بلادها تجعل لها، ولأفرادها حصانة خاصة، فتحرص على أمنها واستقرارها؛ لأنَّ هذا مما يهم الدولتين، فإنَّ الأعراف الدولية جعلت لها من الحماية، والحصانة ما يكفل لها أداء مهمتها.

7 -

وهذه النظم، والأمن المتبادل هو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم:"أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل".

ص: 423

1136 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَيُّمَا قَرْيةٍ أَتَيْتُمُوهَا، فَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أيما: "أي" اسم موصول، ويكون بلفظ واحد للذكر، والأنثى، والمفرد، والمثنى، والجمع، وتستعمل للعاقل وغيره، وهي معربة بالحركات الثلاث، و"ما" زائدة.

- فأقمتم: أي: حاصرتموها، فهربوا بدون قتال، فهذه لها حكم الفيء، أما القرية التي عصت، وقام بينكم وبينها قتال، واستوليتم عليها، فلها حكم الغنيمة.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

هذا الحديث يبيِّن الفرق بين الأموال، التي تؤخذ من الكفار بحق، فنوع يؤخذ بلا قتال فهذا فيء، ونوع يؤخذ بقتال فهذا غنيمة، ولكل منهما حكمه.

2 -

فما أخذه المسلمون من مال الكفار بحق، ولكن بغير قتال، وإنما تركوه فزعًا منا، وكذا الجزية، والخراج، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره، فهذا فيء يصرف في مصالح المسلمين العامة، ومرافقهم النافعة، ومِن أهمها الجهاد في سبيل الله بالسلاح، أو بالدعوة إلى الله.

(1) مسلم (1756).

ص: 424

3 -

وما أخذه المسلمون من أموال الكفار بحق، وحصل منهم قهرًا بقتال، فهذا غنيمة، يقسمها الأمير خمسة أقسام، قسم منها يكون تابعًا للفيء، فيكون مصرفه على الصالح العالم للمسلمين، والأربعة الأخماس الباقية تقسم بين الغانمين: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه.

4 -

الأصل في الفيء: قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7].

5 -

الأصل في فرض الخمس: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي} [الأنفال: 41] يعني والباقي للغانمين.

والأصل في الغنيمة: قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69]، وقد صحَّ واشتهر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم بين الغانمين، فقد روى أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر:"أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه"، وأما رواية الصحيحين فإنَّه:"أسهم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا".

6 -

فهذا الحديث يبين أنَّ القرية، أو القبيلة التي يقيم عليها المسلمون، ويحاصرونها، ولكنه لم يحصل بينهم، وبين أهل قتال، وإنما الله تعالى بقوته، وعزَّته قذف في قلوبهم الرعب، فهربوا عنها، فهذه أموالها فيء، يعود إلى مصالح المسلمين العامة، وأما القرية، أو القبيلة التي عصت الرسول، ثم قام بينهم وبين أهلها قتال، واستولوا على أموالهم فهي غنيمة، تقسم بين الغانمين، وما ضرب عليها من خراج يلحق بالفيء، فيصرف مصرفه.

***

ص: 425