المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الهُدْنَة مقدمة الهُدنة: لغة: السكون: من هدنت الرجل وأهدنته: إذا أسكنته. ومعناها - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ٦

[عبد الله البسام]

الفصل: ‌ ‌باب الهُدْنَة مقدمة الهُدنة: لغة: السكون: من هدنت الرجل وأهدنته: إذا أسكنته. ومعناها

‌باب الهُدْنَة

مقدمة

الهُدنة: لغة: السكون: من هدنت الرجل وأهدنته: إذا أسكنته.

ومعناها شرعًا: أن يعقد الإمام، أو نائبه لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة، وتسمى: مهادنة، وموادعة، ومعاهدة.

والأصل فيها: قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61].

وما روى الإمام أحمد، والبخاري من حديث مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة:"أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صالح قريشًا على وضع القتل عشر سنين".

والقياس يقتضي ذلك؛ لأنَّه قد يكون بالمسلمين ضعف، وفي عدوهم قوة، فيعقدوها حتى يقووا ويستعدوا.

قال في "شرح الإقناع": ولا يصح عقدها إلَاّ من إمام أو نائبه؛ لأنَّه يتعلَّق بها نظر واجتهاد، وليس غيرهما محلاًّ لذلك؛ لعدم ولايته.

ويكون العقد لازمًا، ولا يبطل بموت إمام أو نائبه، بل يلزم الثاني إمضاؤه؛ لئلا ينقض الاجتهاد باجتهاد، ويستمر ما لم ينقضه الكفار بقتال، أو غيره.

ولا تصح المهادنة إلَاّ حيث جاز تأخير الجهاد للمصلحة.

ولا تجب حمايتهم؛ لأنَّ الهدنة معناها الكف عنهم فقط.

وإن خاف الإمام نقض العهد منهم بأمارة تدل عليه، جاز نبذ العهد إليهم، فيقول لهم: نبذت عهدكم، وصرتم حربًا؛ لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ

ص: 435

مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58] أي: أعلمهم بنقض العهد حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم.

ومتى نقض الإمامُ الهدنة، وفي دارنا منهم أحد، اوجب ردهم إلى مأمنهم؛ لأنَّهم دخلوا بأمان، فوجب أن يردوا آمنين.

***

ص: 436

1140 -

وَعنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (1).

1141 -

وَعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَام، وَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2).

ــ

* درجة الحديثين:

أما حديث عائذ فحسن.

أورده الضياء في "المختارة"، مما يدل على صحته، وقد حسَّنه الحافظ في "الفتح"، وقد روي عن عمر، ومعاذ نحوه، وصحَّ موقوفًا عن ابن عباس.

وأما حديث أبي هريرة فضعيف.

كما قال الحافظ ابن حجر، فيما نقله عنه المناوي في "فيض القدير"، لكن السيوطي اعتمد تحسينه في "الجامع الصغير".

* مفردات الحديث:

- فاضطروه: يقال: اضطره إليه اضطرارًا: أحوجه إليه، وألجأه، والمراد: ألجئوه إلى أضيق الطريق.

* ما يؤخذ من الحديثين:

1 -

الإسلام ليس دين عدوان ودماء، وإنما هو دين سلامٍ، ورحمةٍ، ووئامٍ، ولذا

(1) الدارقطني (3/ 252).

(2)

مسلم (2167).

ص: 437

فإنَّه يعالج الوصول إلى آذان الناس وإلى قلوبهم بأسهل الطرق وأفضلها، ولا يعتبر الحرب إلَاّ ضرورة يلجأ إليها عند التعذر في إبلاع دعوته إلى عامة الناس، حينما يقف في سبيله خاصتهم، وذوو النفوذ فيهم.

2 -

لذا فإنَّ الإسلام يعقد مع الكفار عقد الأمان والمعاهدة، اللَّذين يتمكن الكافر بهما من سماع كلام الله تعالى، والاطلاع عن كثب على حقيقة الدعوة الإسلامية.

ويعقد مع الكفار أيضًا عقد الذمة، الذي به يقر الكافر على كفره، ولو في ديار المسلمين، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة الإسلامية.

3 -

هذه العقود مع الكفار تكون حتى في قوة الإسلام وعزته، إذا كانت المصلحة العامة للإسلام والمسلمين تقتضي عقدها، ولذا فإنَّها لا تبرم على حساب تنقص الإسلام، واستضعافه أمام الأديان الأُخرى، وأهلها، فإنَّ الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه.

4 -

لذا يجب على الذميين التزام أحكام الإسلام فيما يعتقدون تحريمه؛ كالزنا والسرقة، دون ما يعتقدون حله كالخمر.

5 -

عليهم ضمان إتلاف الأنفس، والأموال، وانتهاك الأعراض، فتقام عليهم الحدود.

6 -

يجب عليهم التميز عن المسلمين في قبورهم، فلا يدفنون مع المسلمين.

7 -

يجب عليهم التميز عن المسلمين بلباس خاص يُعرفون به.

8 -

لا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم عند قدومهم.

9 -

لا يجوز بدؤهم بالسلام، ولا كيف أصبحت، وأمسيت، أو نحو ذلك من ألفاظ اللطافة، والحفاوة.

10 -

لا يجوز تهنئتهم في أعيادهم، ولا حضورها، ولا الإعانة عليها.

11 -

إذا التقوا مع المسلمين في الطرق، فليضطرهم المسلمون إلى أضيقها.

ص: 438

12 -

يُمنعون من إحداث الكنائس، والبِيع، والمعابد، وبناء ما انهدم منها، أو تجديد ما خرب من أجزائها.

13 -

يُمنعون من إظهار خمرٍ، وخنزيرٍ، والجهر بنواقيسهم، والجهر بقراءة كتبهم.

14 -

يمنعون من تعلية مبانيهم السكنية على مساكن المسلمين، سواء ملاصقة، أو مقاربة.

15 -

هذا كله إذا كانوا في ديار المسلمين.

أما إذا كانوا في ديارهم فلا يمنعون شيئًا من ذلك، بل يبقون على لباسهم، وعاداتهم، ومعابدهم، ومساكنهم، وغير ذلك.

* فوائد:

الأولى: هذه الأمور يعامل بها الكفار؛ لقصدين:

الأول: أنَّ الإسلام يعلو، ولا يُعلى عليه، ويجب أن يكون هو الدين الذي أراد الله تعالى أن يظهره على الدين كله، فنحن بعملنا ننفذ إرادة الله تعالى الشرعية.

الثاني: أنَّ هذه المضايقة تسبب للكفار القلق من البقاء على دينهم، واعتناق دين الإسلام، لاسيَّما إذا رأوا عزَّة المسلم، وعلوَّ قدره، والإسلام يعالج الأمور بالوسائل التي تكون كفيلة بتحقيق مقاصده، وإلَاّ فالإسلام أحسن الأديان، وأفضلها في تحقيق العدالة والمساواة، والبعد عن الطبقية، والسيطرة على الآخرين، وفي دخولهم في الإسلام فلاحهم، وصلاحهم في الدنيا والآخرة.

الثانية: نحن نكتب الآن أحكام أهل الذمة التي ذكرنا بعضًا من معاملة الإسلام لهم، وهي أمور وأحكام كانت سارية المفعول، قائمة التنفيذ يوم كانت الدولة دولة إسلام، والصوت هو صوت الحق.

أما الآن، فإنَّ المسلمين ذلوا، وضعفوا أمام سيطرة أعداء الإسلام،

ص: 439

وصاروا هم الأتباع الرعاع، وأصبحوا يقلدون أعداء الإسلام في لباسهم، وزيهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وفجورهم، وانحلالهم، وصار الرجعي الغبي في نظر أدعياء الإسلام، وأذناب الكفار، هو الذي يكف نفسه، وبيته، وأهله عن مشابهتهم، ومحاكاتهم، فهذا هو المتخلف الذي يعيش بعقل قديم من عهد القرون الأولى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى صار مدعو الثقافة منا والعلم يخدمونهم في بث سمومهم في تحريف عقائد المسلمين، والطعن في الإسلام وأحكامه، وتوجيه النقد على مصادره، محاولين طمس معالم الإسلام، وانتزاع بقيته من صدور البقية من أهله، ووجَّه هؤلاء الملاحدة حربًا شعواء ضد الإسلام، واستعانوا على إشعالها بذوي النفوس المريضة من أهله.

والطامة الكبرى أن توجد إعانة الملاحدة على الإطاحة بالإسلام من كثير من قادة المسلمين، وولاة أمرهم.

ولكن أملنا في الله تعالى وحده، فهو الذي بيده التدبير، وله الخلق والأمر، وهو الذي وعد بحفظ دينه، وإظهاره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وتباشير صباح الإسلام أخذت تظهر بهذا الشباب المؤمن الواعي المستيقظ، الذي نرجو الله تعالى بأن يحمل على عاتقه إعلاء كلمة الله، والسير بها في مشارق الأرض ومغاربها، ليبلغها إلى المتعطشين إلى دعوته، ويومئذٍ يتحقَّق النصر إن شاء الله تعالى، وتَعلُو كلمة الله، وترفع رايتها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.

***

ص: 440

1142 -

وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ رضي الله عنهما: "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خرَجَ عَامَ الحُدَيْبِيةَ

" فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولهِ، وَفِيهِ: "هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (1).

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه وَفِيهِ: "أنَّ مَنْ جَاءَ مِنكمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا" فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا، وَمَخرَجًا"(2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

فأصله في البخاري، كما قال المؤلف، ورجاله ثقات؛ ذلك أنَّه جاء من طريق محمَّد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة.

* مفردات الحديث:

- المِسور بن مخرمة: بن نوفل القرشي الزهري، له ولأبيه صحبة، وهو من صغار الصحابة، وأبوه من مسلمة الفتح، وحسن إسلامه، وكان عالمًا

(1) أبو داود (2766)، البخاري (2731).

(2)

مسلم (1784).

ص: 441

بالأنساب، والمثالب.

- مروان: بن الحكم الأموي ابن عم عثمان بن عفان رضي الله عنه من صغار الصحابة، له ولأبيه صحبة، وتولى إمارة الشام، ثم صارت الخلافة العامة في ابنه عبد الملك، ثم في أحفاده، حتى قامت الدولة العباسية عام (132 هـ).

- الحُدَيْبِيَة: بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وسكون الياء، ثم باء مكسورة، ثم فتح الياء الثانية، تصغير:"حدْباء"، وبعض اللغويين يثقلها، وبعضهم يخففها، والصواب التخفيف، سميت باسم بئر فيها، وكان فيها الشجرة التي بايع الصحابة تحتها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ست، والحديبية فضاء على طريق مكة جدة، بعضه في الحل، وبعضه في الحرم، وهو أبعد حدود الحرم، وفيه أنصاب الحرم، ويسمى الآن الشميسي، صار فيه الصلح المشهور بين النبي صلى الله عليه وسلم، وكفار قريش، سنة ست من الهجرة، يبعد حد الحرم في الحديبية عن المسجد الحرام بنحو ثلاثة وعشرين كيلو مترًا.

- الفَرَج: لغة: الشق، والمراد هنا: سهولة الأمر وانكشاف الهمّ، والغمّ.

- المَخرج: موضع الخروج، والمراد هنا: الأمر الذي ينجيه، ويخرجه من كل كرب في الدنيا والآخرة.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

خلاصة عمرة الحديبية، والصلح الجاري فيها: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة مُحْرمًا، يريد العمرة، ومعه نحو "ألف وأربعمائة" رجل من أصحابه، فلما قرب من مكة خرج إليه مشركو قريش؛ ليمنعوه من دخولها عليهم عنوة، فتواقف الطرفان عدة أيام في الحديبية، ترددت بينهم الرسل، حتى تم الصلح على شروط.

منها: أن يعود النبي صلى الله عليه وسلم هذا العام، ويأتي من العام القابل؛ ليعتمر، ويقيم فيها ثلاثة أيام، ثم يخرج، ومنها: وضع الحرب بين الطرفين عشر

ص: 442

سنين.

ومنها: أنَّ من جاء من كفار قريش مسلمًا، رده النبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ من جاء إليها من المسلمين، لم ترده قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في شروط مذكورة في هذا الصلح المشهور.

فحلَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إحرامهم، وعادوا بعد إبرام هذا الصلح، الذي وفَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم ببنوده وشروطه، إلَاّ أنَّ قريشًا نقضته، فصار نقضه سبب فتح مكة المشرفة، ولله الحمد.

2 -

ففي القصة، والصلح الواقع فيها دليل جواز مهادنة الكفار، بوضع الحرب بينهم وبين المسلمين، ولا يعتبر هذا تعطيلاً للجهاد، وإنما هو تأجيل؛ نظرًا إلى مصلحة المسلمين العامة التي قد تقضي ذلك.

3 -

لذا فإنَّ هذه الموادعة، والهدنة تكون مؤقتة بمدة معلومة.

قال في "الروض المربع": والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة، ولو طالت بقدر الحاجة.

4 -

قال الشيخ تقي الدين: يجوز عقدها مؤقتًا، والمؤقت لازم الطرفين، يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو، وإذا مات الإمام، أو عُزِل، لزم من بعده الوفاء بعقده.

5 -

يصح أن يكون من الشروط أنَّ من ارتد عن الإسلام، ولجأ إلى الكفار أنَّهم لا يردونه على المسلمين، وأنَّ من أسلم وجاء إلى المسلمين من الكفار يرد إليهم، والرضا بهذا الشرط الأخير إنما يكون عند الحاجة إليه، بظهور مصلحة الصلح للمسلمين.

6 -

الموافقة على هذا الشرط، وإن كان فيه غضاضة على المسلمين حسب الظاهر، لكن فيه خير أراده الله تعالى، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بيَّنه ووضَّحه بقوله: "إنَّه من ذهب منَّا إليهم، فأبعده الله تعالى؛ لأنَّه مرتد عن الإسلام ولا خير

ص: 443

فيه، وأما من جاء منهم، ثم رددناه إليهم، فإنَّ الله تعالى سيجعل له فرجًا ومخرجًا".

7 -

هذا الشرط خاص بالرجال، أما النساء فإنَّهن مستثنيات منه بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].

8 -

الإمام ابن القيم رحمه الله بعد أن ساق قصة الحديبية في "زاد المعاد"، أبرز كثيرًا من فوائدها، وأحكامها، ونحن هنا ننقل بعض الأحكام، والفوائد المتعلقة بهذه القطعة من القصة، التي ساقها ابن القيم، ونزيد عليها ما تيسر فهمه، وقد تقدمت بعض أحكامها، وأما البعض الآخر فمنه:

قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24] فإنَّه لولا هذا الكف الذي قدره الله، فإنه سيحصل مقتلة بين المسلمين وبين المشركين، وستكون المقتلة من الطرفين كبيرة جدًا، وذلك أنَّ المسلمين متحمسون للقتال، وقد بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يفروا إلى الموت، وهم صفوة الصحابة، وحملة الشريعة، ومنهم الخلفاء الأربعة، الذين أعزَّ الله بهم الإسلام.

أما المشركون فعندهم حقد شديد، وعندهم أنفة وعزة أن يدخل عليهم عدوهم دارهم عنوةً وقهرًا، وسيقاتلون، ويدافعون عن هذه الإهانة والمذمة، وسيجالدون، ويقاتلون حتى الموت.

ومنهم في ذلك الوقت من أسلموا، فصاروا قواد المسلمين بعد إسلامهم، من أمثال خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وأبي سفيان بن الحارث، وأبي سفيان بن حرب من الأعيان، والوجوه الذين أسلموا بعد قليل من هذا الصلح، فصاروا زينة الإسلام، وعز الإيمان.

ص: 444

9 -

ومن هذه الفوائد والأحكام أنَّ هذه الهدنة، والموادعة مع مشركي أهل مكة، هي التي صارت سببًا لإسلام عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وأبي سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية من أعيان مكة، وزعماء قريش، الذين لما أسلموا انقاد بسبب إسلامهم خلق كثير منهم.

فهذه الموادعة عرَّفت المشركين أحوال الإسلام، وآدابه، ووفاء أهله.

10 -

ومن الحِكم والفوائد أنَّ هذا الصلح صار سبب فتح مكة بعد أقل من سنتين؛ ذلك أنَّ قريشًا نقضت العهد باعتدائهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم من قبيلة خزاعة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف مقاتل، ففتح مكة، ودخلها عنوة بقتال يسير، وأصبحت بفضل الله تعالى بلدة إسلامية.

ولذا فإنَّه لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم بعد إتمام الصلح عن الحديبية ببضعة أميال، أنزل الله تعالى عليه قوله تعالى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)} [الفتح].

فقد روى البخاري من حديث البراء قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ولكن نحنَّ نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية".

11 -

ومنها: تحقق الفرَج والمخرَج، الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في حق المسلمين المردودين على الكفار، فإنَّهم هربوا من قريش ولم يأووا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أقاموا في طريق قوافل قريش إلى الشام، فصاروا يعرِضون لها، ويقتلون من معها، ويغنمون أموالهم حتى ضجَّت قريش، وطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم إلغاء هذا الشرط، وإيوائهم مع أصحابه في المدينة، ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا، ويجعل له من أمره يسرًا.

12 -

الدليل على هذه الإرادة الإلهية، والتدبير الرباني-: أنَّ المسلمين لما وصلوا الثنية التي تهبط على حدود الحرم من جهة الحديبية- المسماة الآن "الشميسي" -بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة: خلأت القصواء؛ أي:

ص: 445

حزنت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بُخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألون خطة يعظمون بها حرمات الله، إلَاّ أعطيتهم إيَّاها، ثم زجروها، فوثبت به بعد هذا القسم، فعدل عن قصد مكة، حتى نزل بأقصى الحديبية مما يلي جدة، كل هذا تجنبًا للقتال في الشَّهر الحرام، والبلد الحرام، إلَاّ أن تلجيء إليه الضرورة.

13 -

قال ابن القيم: ومنها أنَّ المشركين، وأهل البدع، والبغاة، والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون به حرمة من حرمات الله تعالى -أجيبوا إليه، وأعطوه، وأعينوا عليه، فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله، لا على كفرهم، وبغيهم.

فكل من التمس المعاونة على محبوب الله تعالى، أجيب إلى ذلك، كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مكروه أعظم منه، وهذا في أدق المواضيع، وأصعبها، وأشقها على النفوس.

ولذلك ضاق عنه من ضاق من الصحابة في إجابتهم إلى هذه الشروط.

14 -

ومنها: جواز بدء الإمام بطلب صلح من العدو، إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على ابتداء الطلب من الكفار.

15 -

ومن الفوائد: أنَّ المشهود عليه إذا عُرف باسمه، واسم أبيه أغنى ذلك عن ذكر جده وقبيلته، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اكتفى بكتاب الصلح بقوله:"محمَّد بن عبد الله"، و"سهيل بن عمرو".

16 -

فهذه القصة العظيمة، وذلك الصلح الهام، وتلك الوثيقة المحكمة، أجراها الله تعالى العليم الخبير، ظاهرها الغِبطة للمشركين، ولكن باطنها الحكمة، والفائدة، والعز، والتمكين للمسلمين.

ولذا قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلَاّ الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته.

ص: 446

1143 -

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ مُعَاهَدًا، لَمْ يُرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا". أَخَرَجَهُ البُخَارِيُّ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- يُرِح: بضم الياء، وكسر الراء؛ أي: لم يجد رائحة الجنة.

- رائحة الجنة: الرائحة: النسيم، ورائحة الجنة: ريح نسيمها الطيب العطر.

قال ابن القيم في "حادي الأرواح": وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانًا، ولا تدركه العبارة، وريح يدرك بحاسية الشم للأبدان، وهذا يشترك في إدراكه في الآخرة من قَرُب، ومن بعُد.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

قال في "شرح الإقناع": ويحرم بالأمان قتل، ورِق، وأسر، وأخذ مال، والتعرض لهم، لعصمتهم به، وروى سعيد بن منصور في "سننه"؛ أنَّ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال:"لو أنَّ أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء فنزل بأمانه فقتله، لقتلته به".

2 -

الحديث يدل على تحريم قتل المعاهد، وأنَّه كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنَّه رتَّب عليه حرمانه من دخول الجنة في ظاهر الحديث.

3 -

جاء في بعض روايات الحديث بأنَّ القتل "بغير جرم"، و"بغير حق"، ولكن التقييد معلوم من قواعد الشرع.

4 -

أما بالحق فإنَّ الذمي والمعاهد تقام عليهما الحدود؛ لأنَّهما ملتزمان بأحكام المسلمين، بخلاف حربي، ومستأمن، فإنَّهما غير ملتزمين بأحكام الإسلام.

(1) البخاري (3166).

ص: 447