الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الجِزية
مقدمة
الجِزية: مأخوذة من: الجزاء بمعنى: القضاء، أو من: المجازاة بمعنى: المكافأة؛ لأنَّهم يجزوننا عن إحساننا إليهم بها.
وشرعًا: مال يؤخذ من أهل الكتاب كل عام، مجازاة عن إقامتهم بدار المسلمين، وحقْن دمائهم، وحمايتهم ممن يعتدي عليهم.
ولا تؤخذ إلَاّ من أهل الكتابين: التوارة والإنجيل، وهما اليهود والنصارى، ومَن وافقهما في التدين بهذين الكتابين.
وألحق بهما العلماء المجوس؛ لأنَّ لهم شبهة كتاب، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف:"أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أخَذَ الجزية من مجوس هجر".
وروى الشافعي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب".
أما من عدا هؤلاء، فلا تؤخذ منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلَاّ الإسلام، أو القتل؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عمر، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"أمرتُ أن أُقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلَاّ الله".
قال في "شرح الإقناع": ولا جزية على من لا يجوز قتله إذا أسر، كامرأةٍ، وصغيرٍ، ومجنونٍ، وزمِنٍ، وأعمًى، وشيخٍ فانٍ، وراهب بصومعة؛ لأنَّ قتلهم ممتنع، والجزية بدل عن قتلهم.
ولا تجب على فقير يعجز عنها، غير معتمل.
ومرجع تقدير الجزية إلى الإمام؛ لأنَّه يرجع فيها إلى اجتهاده.
ومتى بذلوا الواجب عليهم من الجزية، لزم قبوله، ودفع من قصدهم بأذى في دارنا، ولو كانوا منفردين ببلد، وحرُم قتالهم، وأخذ مالهم؛ لأنَّ الله تعالى جعل عطاء الجزية غاية لقتالهم فقال تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)} [التوبة].
***
1137 -
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخذَهَا -يَعْنِي: الجِزْيَةَ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَلَهُ طَرِيقٌ فِي "المُوطَّإ" فِيْهَا انْقِطَاعٌ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- مَجوس: واحدهم: "مجوسي"، منسوب إلى: المجوسية: ملة تطلق على أتباع الديانة الزرادشتية، وقد انقرضت، أو كادت تنقرض بعد استيلاء المسلمين على بلاد فارس.
- هَجر: -بفتحتين-: هي ما يسمى الآن: الإحساء، وكانت تلك المقاطعة تسمى: البحرين، وعاصمتها هجر، والآن اقتصر اسم البحرين على تلك الجزر المعروفة، وهي المنامة، والمحرق، وتوابعهما.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
الكفار نوعان:
أحدهما: أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، فأصحاب هاتين الديانتين، يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا، عُرِض عليهم تسليم الجزية، فإن أبو، قوتلوا.
الثاني: من عداهم من طوائف الكفار: من عبدة الأوثان، والدهريين، والهندوس، والبوذيين، وغيرهم ممن ليس يهوديًا، ولا نصرانيًا، فهؤلاء لا يقبل منهم إلَاّ الإسلام، أو القتال.
2 -
أما المجوس: فقد أُلحقوا بأهل الكتاب؛ لأنَّ لهم شبهة كتاب، قال الوزير،
(1) البخاري (3157)، مالك (1/ 278).
وابن رشد وغيرهما: اتَّفق العلماء على أنَّ الجزية تُضرب على أهل الكتاب، والمجوس.
3 -
ووجه إلحاق المجوس بأهل الكتاب حديث الباب، وما رواه الشافعي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال:"سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب".
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء فيمن عدا أهل الكتاب، والمجوس: هل تؤخذ الجزية منهم، أم لا؟.
فذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها لا تؤخذ إلَاّ من أهل الكتاب، والمجوس.
وذهب جمهور العلماء إلى: أنَّه يجوز مهادنة الكفار كلهم، وأخذ الجزية منهم، واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم.
قال الشيخ: إذا عرفت السنة تبين لك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين عربي وغيره، وأنَّ أخذ الجزية كان أمرًا ظاهرًا مشهورًا، ولم يخص العرب بحكم في الدين.
* فائدة:
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: الفرق بين المعاهد، والمستأمَن، والذمي: فالمعاهد هو من أُخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمَن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي هو من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية، فبالجملة الفارق بين المعاهد والمستأمن، وبين الذمي أنَّهما لم يستوطنا دار الإسلام، والذمي هو من استوطن دارنا بالجزية، والله أعلم.
***
1138 -
وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ رضي الله عنهم:"أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيْدِ إِلَى أُكيْدِرِ دُومَةَ الجَنْدَل، فَأَخَذُوهُ، فَأَتوْا بِهِ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الجِزْيَةَ". روَاهُ أَبُو دَاوُدَ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث محتج به مقبول، سكتَ عنه أبو داود والمنذري.
قال في "التلخيص": رواه أبو داود من حديث أنس بن مالك، كما رواه أبو داود والبيهقي من حديث محمَّد بن إسحاق قال: حدَّثني يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر؛ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
…
فذكر الحديث مطولاً، وقد قواه البيهقي.
* مفردات الحديث.
- بعث النَّبي خالدًا: وذلك في غزوة تبوك.
- أُكَيْدِر: بضم الهمزة -تصغير: أكدر- ابن عبد الملك الكندي ملك دُومَة الجندل في الجاهلية، له قصر يسمى (مارد) وهو حصن منيع لا تزال آثاره باقية، بعث إليه النَّبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد من تبوك، فأسره وفتح حصنه، وعاد به إلى المدينة، فردَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى بلاده، وضرب عليه الجزية، فنقض العهد بعد وفاة النَّبي-صلى الله عليه وسلم، فبعث أبو بكر خالدًا إليه، فقتله واستولى على دومة الجندل.
- دُومَة: -بضم الدال المهملة ثم واو ساكنة وميم وهاء، وبعضهم: يرى أنَّها بفتح الدال-: وهي بلدة بالجوف أثرية زراعية تقع على حدود المملكة العربية
(1) أبو داود (3037).
السعودية في منطقة الجوف، وهي عاصمتها، وفيها آثار هامة منها: حصن (مارد)، وقد ألف الشيخ عبد الرحمن بن عطا الشائع مؤلفًا من جزأين، ذكر فيه الآثَار والسكان والعمران والنَّهضة الحديثة فيها، فهو مؤلَّف مستوفى عن تلك المنطقة الشمالية من المملكة العربية السعودية.
- حقَن دمَه: أي: صانه ومنعه أن يقتل ويسفك دمه.
***
1139 -
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: "بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِيرِيًّا". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح:
أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأقرَّه الذَّهبي.
قال الترمذي: حسن صحيح، وهذه رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق، وهي رواية محفوظة، قد رواها عن الأعمش جماعة، منهم: سفيان الثوري، وشعبة، ومبشر، وحرب، وأبو عوانة، ويحي بن شعبة، وحفص بن غياث.
وأما الرواية التي أنكرها الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حزم-: فهي رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن مسروق عن معاذ، فهي غير محفوظة، بخلاف الأولى، والله أعلم.
وللحديث طرق عديدة.
* مفردات الحديث:
- حالِمٍ: يقال: حلَم الغلام، فهو حالم؛ أي: بلغ سن الحلم، فصار في عداد المكلفين.
- دينارًا: تقدم تحديده عدة مرات.
(1) أبو داود (3038)، النسائي (5/ 25)، الترمذي (623)، ابن حبان (794)، الحاكم (1/ 398).
- عِدله: بكسر العين المهملة، وفتح، وسكون الدال؛ أي: ما يعادله، ويساويه قيمةً.
- معافرِيًّا: بفتح الميم، والعين؛ أي: ثوبًا معافريًا، نسبة إلى بلد في اليمن، تسمى: معافر.
* ما يؤخذ من الحديثين:
1 -
الحديثان من أدلة أصل مشروعية أخذ الجزية من الكفار بشرطها.
2 -
أما الحديث رقم (1138): فيدل على جواز أخذ الجزية من العرب كغيرهم، قال الخطابي: الأكيدر من العرب يقال: إنَّه من غسَّان، ففيه دليل على جواز أخذ الجزية من العرب، كجوازه من المعجم، وهذا هو الصحيح من قولي أهل العلم.
3 -
أما الحديث رقم (1139): فيدل أيضًا، على جواز أخذ الجزية من العرب، فإنَّ قبائل اليمن هم أصل العرب، فهم شعب قحطان المسمون:"العرب العاربة".
4 -
ويدل على أنَّ الجزية لا تؤخذ إلَاّ ممن قد بلغ الحلم؛ لأنَّ ضابط الذي لا تؤخذ منه: هو الذي لا يجوز قتله إذا أسر: من صغيرٍ، وامرأة، وغيرهما.
5 -
ويدل على قدر الجزية، فمعاذ أخذها من أهل اليمن دينارًا، وبما أنَّ النقود قد لا تتيسر في اليمن، فإنَّه يؤخذ عوض الدينار ثوبًا معافريًا، مشهورًا عندهم، نسبة إلى البلدة التي ينسج فيها، وهي بلدة معافر اليمنية.
6 -
قال في "شرح الإقناع": إنَّ عمر رضي الله عنه جعل على الموسر ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الأدنى اثني عشر درهمًا، وكان بمحضر من الصحابة، ولم ينكر، فكان كالإجماع.
7 -
الصحيح أنَّ الجزية يرجع في تقديرها إلى اجتهاد الإمام، فإنَّها تختلف حسب اختلاف المكان والزمان، والغنى والفقر، والدليل على ذلك أنَّ النَّبيَّ
-صلى الله عليه وسلم هو الذي قدرها على أهل اليمن، فقال لمعاذ:"خذ من كل حالم دينارًا"، بينما زادت الجزية في تقدير عمر حينما قدرها على أهل الشام، وقد قيل لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ فقال: جعل ذلك من أجل اليسار.
قال في "شرح الإقناع": ومرجع الجزية إلى اجتهاد الإمام.
***