المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌9- المقارنة بين الحضارات: - ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

[حسن حسين]

الفصل: ‌9- المقارنة بين الحضارات:

‌9- المقارنة بين الحضارات:

لم يتناول كل من كعب بن زهير والامام البوصيري في قصيدتيهما موضوع الحضارات وان أشار الامام البوصيري إلى الحضارات السابقة كحضارة الفرس والروم، وأشار إلى الظواهر التي صاحبت مولد الرسول عليه الصلاة والسلام وهي ظواهر حضارية مادية لتلك الأمم بشارة عابرة.

بينما يقارن شوقي بين الحضارات القديمة وبخاصة الحضارة الرومانية واليونانية وحضارة مصر القديمة (الفرعونية) فيبدأ القول بأنه في ظل الحضارة الإسلامية اجتمعت للمسلمين سعادة الدارين دار الدنيا ودار الاخرة، دار الدنيا حضارة وفتوحات وملك، ودار الاخرة جنة عرضها السموات والأرض ورضوان من عنده سبحانه وتعالى. فهاتان السعادتان لم تكتبا لأي من تلك الأمم السابقة ولا لأي حضارة من تلك الحضارات، وانما كتبت للمسلمين والمجاهدين في سبيل نشر كلمة الله ودين الله وإعلاء الحضارة الاسلامية القائمة على أسس الدين الاسلامي الحنيف ومن هنا كانت تعبيرات شوقي الرافضة للحضارات القديمة كقوله: -

(دع عنك روما..، وخل كسرى..، واترك رمسيس..) فالحضارة الرومانية التي كان مقرها روما في القديم والحضارة اليونانية التي كان مقرها أثينا عاصمتها لم تترك شيئا للروح الانسانية اللهم إلا التحف وهذه قد حفلت بها بغداد عاصمة الخلافة العباسية الإسلامية بل قد حفلت بأبدع منها من الأحجار الكريمة والدرر وهذا ليس بشيء في نظر شوقي بالمقارنة بالقاعدة الروحية الأخلاقية التي هي عماد الحضارة الإسلامية، كذلك الحضارة الفارسية هي حضارة مادية استخدم لها شوقي الايوان الكسروي كرمز على فخامتها المادية إلا أن هذه الفخامة الحضارية قد هوت واحترقت وصارت دخانا في الهواء ولم يبق لها أثر فالباقي دائما هو القاعدة الروحية، والحضارة الإسلامية تقوم على قيم ومباديء وهدى نوراني من عند الله جل جلاله فهي الباقية.

ص: 164

ويتطرق شوقي أيضا إلى الحضارة المصرية القديمة (الفرعونية) ويقارن بينها وبين الحضارة الإسلامية فيقول: انها حضارة مادية ليس فيها قوة العدل لأن هذه القوة لا تأتي في ظل نهضة مادية ممثلة في بناات عظيمة كالأهرامات والقصور وغيرها، وإنما بنهضة العدل وهذه هي التي حققها الاسلام وطبقت في ظل الحضارة الإسلامية العظيمة.

ويعود شوقي مرة أخرى ليقارن بين الحضارات الرومانية القديمة والحضارة الإسلامية في بعد من أبعاد الحضارة وهو بعد القوانين والشرائع التي تحكم وتحدو ولكنها إذا ما ذكرت إلى جوار الشرائع الإسلامية فانها لا تكون ذات قيمة ويستخدم هنا شوقي أسماء العواصم رموزا للحضارات، فروما عاصمة الحضارة الرومانية القديمة وهي رمز لها وبغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في العصر العباسي وهي رمز للحضارة الإسلامية في أوج مجدها واتساعها وعظمتها إذن فلا مجال عند شوقي للمقارنة بين الشرائع الرومانية والشريعة الإسلامية، فالشريعة الإسلامية لا تقف أمامها شرائع الرومان في أي مجتمع من المجتمعات وليس هناك أوضح ولا أعدل في الحكم بين المتخاصمين مما في قوانينهما.

ويقارن شوقي أيضا بين الحكام العظام الذين حكموا في ظل الحضارتين الرومانية القديمة والحضارة الاسلامية في ظل الخلافة العباسية فيقطع بأن الحضارة الرومانية وهي حضارة عظيمة وحكامها كثير منهم عظاماء إلا أنهم إذا ما قورنوا بالرشيد والمأمون والمعتصم لم تكن المقارنة أبدا في صالحهم.

وباختصار لم يوجد بين حكامهم ما يعدل واحدا من هؤلاء الخلفاء المسلمين العظام فالخلفاء المسلمون على شاكلة الرشيد والمأمون والمعتصم كانوا قادة عسكريين لا يشق لهم غبار، ولا يقف أمامهم أبدا قادة عسكريون أو علماء ولا يقف إلى جانبهم أو يدانيهم أصحاب العقول والفهم فهم أيضا علماء يحنى لهم العلماء رؤوسهم إذا تكلموا ليس من هيبة الحكم وإنما من هيبة العلم الذي كانت تجيش به صدور هؤلاء الخلفاء وتبرزه عقولهم الفذة.

ص: 165