الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أضواء على لامية كعب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:
عندما أنشد كعب بن زهير قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخرج عن المألوف عند شعراء الجاهلية إذ بدأ قصيدته كعادتهم قبل الإسلام، فقد بدأها بالغزل والتشوق إلى الحبيب.
وفيه يفصح كعب عن لوعته وشوقه إلى سعاد التي بعدت عنه حتى اضناه الفراق فهو أسيرها لا يجد الوسيلة التي يستطيع أن يفك قيوده منها وما سعاد سوى هذه الحبيبة أو الزوجة كما وردت في بعض الروايات، وينهي هذا الجزء من القصيدة عند البيت الثالث عشر.
وفي هذا الجزء يتعرض كعب بن زهير لوصف حسي، وقد أدهشنا فيه أنه ذكره أمام الرسول صلى الله عليه وسلم عقب صلاة الفجر في المسجد فلم ينهه الرسول عليه الصلاة والسلام عن إنشاد هذا الغزل بل رفع عنه العقوبة التي كان قد عاقبه بها وان دل هذا على شيء فهو يدل على تفتح افاق الإسلام وافاق الرسول صلى الله عليه وسلم وسماحة المباديء الإسلامية الغراء، وكعب بن زهير عندما تعرض لهذا الغزل لم يكن يقصد الغزل لذاته وإنما اتخذه مدخلا لما سوف يلي ذلك من إعجاب بدين الله ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك امتداد لما كان عليه الشعراء وبعد معرفته الإسلام وإيمانه به وعفو رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد يتعرض في شعره للغزل الحسي. أو غير الحسي ونستطيع أن نقول أن كعبا حينما طرح صورة سعاد إنما يطرح أمام المستمع صورة خيالية متحركة كاملة ليدلل على أنه مفتون بجمالها، وتناسق أجزاء بدنها في الوقت الذي يأمل من تحقيق رغبة في الوصال واللقاء، ولكن من هي سعاد؟
هل هي تلك السعادة التي تحرك شعوره الداخلي لمبايعته للرسول عليه الصلاة والسلام بالإسلام والشهادة أم هي سعادته بدخول الدين الجديد؟ .. وإذا ما تمعنا في بداية القصيدة ونظرنا بعين المتأنى لنفسية كعب فيها تبين لنا أن سعاد ما هي إلا الدعوة الإسلامية والتي هو بعيد عنها، وأنه في شوق إليها بعد أن وصلت إليه رسالة أخيه بجير وفيها أن الرسول أخ كريم وابن أخ كريم، يعفو ويعرض عن الجاهلين، وكعب ممن حق عليهم القتل كغيره، فأحس بنشوة الإيمان
لمحتوى رسالة أخيه الذي سبقه بالإيمان ووجد الأمان في ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن سعاد ما هي إلا الدعوة وهو في شوق إليها وإلى التلذذ بمبادئها، وشرب شرائعها السمحة.
وفي الجزء الثاني من القصيدة يتعرض كعب لغرض من أغراض الشعر الجاهلي وهو وصف الناقة أو الراحلة، ولعله غرض ثابت تقريبا في أكثر من المطولات الشعرية، وأغلب هذه القصائد لا بد أن تحتوي على وصف الراحلة إن كانت ناقة أو حصانا، وهنا يبدأ كعب بتمهيد منطقي لوصف ناقته وهي وسيلته للوصول إلى محبوبته وجاءت ضرورة وصف الناقة كأداة للوصول إلى أرض سعاد البعيدة، ويصف ناقته وصف مختص فأهم عارف بطبائع وصفات هذا الحيوان، وليس ذلك بمستغرب عليه وهو يقيم بين النوق فهو يركبها، ويرعاها، ويشرف على تربيتها وولادتها. وعلى أكلها وشربها، ويعرف أنسابها وأنواعها والجيد منها وغير الجيد، والكريم وغير الكريم، والسريع وغير السريع وما إلى ذلك من صفات هذه النوق، وتعرض كعب بن زهير لهذه الناقة من خلال استخدامه المفردات البيئية التي يعيش فيها، ولا يستعير من مفردات ومعاني الحضارات المجاورة كالفارسية والرومانية، بل يعتمد في تعبيره على قاموس البيئة العربية. وهذه الصفات امتدت على مدى واحد وعشرين بيتا. ونجد كعبا قد أنهى هذا الجزء بنهاية مفاجئة بلا تمهيد، لينتقل إلى غرض اخر وهو ما يسعى إليه كعب ليطرحه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم يمدحه ويظفر بعفوه، وبهذا الانتقال المفاجيء يريد أن يؤكد حقيقة واقعة لمسها إذ يكشف أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليهم رضوان الله من خلال أربعة أبيات مركزة كل التركيز، ولكنها تكشف عما في نفسه واحساسه بأن الوشاة ليس لهم إلا بث الفرقة والاساءة ومراعاة مصالحهم الذاتية وتشويه قيمة الإنسان كإنسان، هم الذين بالأمس قد أخبروه باهدار الرسول صلى الله عليه وسلم لدمه ولا عفو عنده ولا تراجع ولا مسامحة وهم أيضا الذين استحثوه ودفعوه إلى ذلك مما أورده هذا المورد الخطر واليوم قد تخلوا عنه ونزوعه نحو إلقاء القصيدة
يعتبر لحظة تحول في حياته، فيها كشف عن العلاقات الإنسانية مما جعله يلخصها تلخيصا شديدا في مجموعة من الحكم أو الحقائق المكثفة فلسفيا ودراميا، فقد استطاع أن يؤكد ثلاث حكم أو حقائق بليغة كل البلاغة..
1-
الحقيقة أو الحكمة الأولى:
(أنه لا صديق إلا نفسه) من قوله: (كل صديق عنك مشغول؛ 2- والحقيقة أو الحكمة الثانية:
(ان الله ما شاء فعل) من قوله: (وكل ما قدر الرحمن مفعول) 3- الحقيقة أو الحكمة الثالثة:
(ان كل انسان مهما طالت به الحياة سينتهي إلى التراب)
من قوله: (يوم على الة حدباء محمول)
ولعله لا يفوتنا ونحن بصدد قوله:
نبئت أن رسول الله أوعدني
…
والعفو عند رسول الله مأمول
ان نشير إلى أن كلمة نبئت عند كعب كانت شعاع نور وبداية لحياة جديدة بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد فضل الله، فقد أحل دمه، ولكن الرسول أوعده بالعفو وأنباه بذلك أخوه بجير، ويبدو كعب بعد ذلك كالطفل الوليد مادحا من أعطاه صك الحياة مرة أخرى، ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يمثل عنده وفي هذه اللحظة بالذات، لحظة العفو والصفح الأب والأم والأسرة، وفي أثناء مدحه للرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ في الاعتذار عن ذنوبه، وما أخطأ فيه، لقد ترك كعب الوشاة وزمرة السوء، وبدأ يلجأ إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتخذ منهم الرفاق والصحاب، ويستبدل الماضى بالحاضر، حيث الاستقرار والصدق والفداء والتضحية، وهذا يكشف عن أحساسه بتصديق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما سمعه عن المسلمين المحيطين به، كما يعتبر بداية لإيمانه برسالة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبتصديق ما جاء به، ويخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام بنفس مطمئنة راضية متضرعا إليه بعظمة الله سبحانه، وبعظمة القران الكريم كمعجزة نزلت عليه من السماء إذ يقول:
مهلا هداك الذي اعطاك نافلة
…
القران فيها مواعيظ وتفصيل
وبهذا القول يقر كعب بن زهير بأحقية الرسول في نبوته وبمعجزته الدائمة القران الكريم ويؤكد أن الرسول قادر على تنفيذ إهدار دمه، فيتوسل إليه بقوله (مهلا) ثم يقر بوجود الله فيدعو الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا:(هداك الذي أعطاك نافلة القران) معترفا بأن هذا القران من عند الله ومعجزة من معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل يستطيع شاعر مهما كانت بلاغته أن يقول في بيت واحد كل هذه المعاني بلا خلل؟ وفي كلمات محدودة ما قاله كعب في القران الكريم؟
أنها نغمة إيمانية مفاجئة أصابت كعبا فبهرته، فتفتحت نفسه للإيمان وللإسلام، وتحول من يأسه وعدم مبالاته بالموت إلى إنسان يطلب العدل في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والأمان بين رعيته من المسلمين. ويمضي بعد ذلك كعب فيصف مجلس الرسول متخذا من القفار والوديان وحيوانات هذه القفار وتلك الوديان صور حسية تشعرنا بالأثر النفسي الذي أصابه وتملكه في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وبمدى الرعب والهلع والفزع الذي شعر به وهو جالس أمام الرسول الكريم ويرى هيبته وعظمته بين أصحابه.
ويختتم كعب بن زهير لاميته المطولة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بثمانية أبيات يمدح فيها الرسول الكريم ويبين أحداث الهجرة ثم حروب المسلمين مع الكفار ويفتتحها بأجمل بيت في القصيدة كلها معنى ومبنى، ألا وهو قوله:
ان الرسول لنور يستضاء به
…
مهند من سيوف الله مسلول
وفيه يصف الرسول الكريم بأنه نور وسيف.
وينثني كعب بعد هذا نحو وصف المسلمين في قتالهم مع الكفار بأنهم هم الأعلون قوة وشكيمة وبأسا، فهم دائما في القتال مقبلون على الموت بصدورهم لا يفرون منه لأنه قدرهم وبهذا ينهي كعب بن زهير لاميته الشهيرة في مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويمنحه الرسول صلى الله عليه وسلم العفو فيعيش في ركاب الإسلام والمسلمين مرضيا عنه ذائع الصيت بينهم، مذكورا في تاريخهم، ولعل هذه القصيدة تعتبر من القصائد النموذجية للشعراء المخضرمين، فهي تمت بصلة
لبناء شعراء الجاهلية في الشكل أما من ناحية المضمون فهي قصيدة إسلامية في مدح الرسول الكريم من شاعر عاش فترة الجاهلية وعاش مواقف الكفار وهذه القصيدة أول قصيدة للشاعر بعد إسلامه، وهي سبب خلود كعب سبب تقدمه على الشعراء بعد إسلامه، عدا حسان بن ثابت هو شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم.