الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإلى جانب القوة العسكرية والعلم والمعرفة تميز الخلفاء المسلمون بالكرم الوافر والعناية بالعمران لتعمير الأرض فلم يكن بأرضهم أرض مجدبة لا تنتج ولا كان في ملكهم فقير معدم. فخيرهم عم الأرض ومن عليها من بشر.
وهكذا من خلال تلك الأبيات وعددها أحد عشر بيتا يعلى شوقي من قيمة وأصالة الحضارة الإسلامية، ويسمو بها على كل الحضارات السابقة فهي حضارة دنيا ودين وروح ومادة قامت على أساس من سنن الله سبحانه وتعالى، فأما الحضارات الاخرى فقد قامت على بعد واحد اهتم بالجانب المادي لذلك انتهت ولم تبق سوى هياكلها، فأما الحضارة الإسلامية فهي حضارة باقية لأنها تقوم على أساس قوي وهو شريعة الله، وتتضح من المقارنة التي عقدها شوقي في خلال هذه الأبيات ثقافته الإنسانية والمامه بالحضارات القديمة وتوغله في أبعادها ورؤيته الخاصة لها، ودفاعه عن الحضارة التي ينتمى إليها روحا ووجدانا وعقلا وهي الحضارة الإسلامية العظيمة التي جمعت بين المادة والروح وكانت موجهة للإنسانية جمعاء وليست كتلك الحضارات التي كانت مسخرة لخدمة وتمجيد الملوك والقياصرة فحسب.
10- الخلفاء الراشدون:
لم يتناول كعب بن زهير في قصيدته (البردة) مدحا أو اطراء لأحد من الخلفاء الراشدين وذلك لأن الخلافة لم تكن وقتها بل كان الخلفاء ضمن الفئة المؤمنة التي امنت بالرسول، وانما أشار إليهم حينما عرض لمدح المسلمين المجتمعين حول الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد في قوله: -
في عصبة من قريش قال قائلهم
…
ببطن مكة لما أسلموا زوالوا
(........)
وقوله:
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم
…
ضرب إذا عرد السود التنابيل
والإمام البوصيري أيضا لم يتوقف خلال قصيدته عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكرهم إلا ذكرا عابرا بألقابهم كما في البيت التالي: -
فالصدق في الغار والصديق لم يرما
…
وهم يقولون ما بالغار من ارم
فقد أشار هنا وفي هذا البيت إلى لقب أبي بكر الصديق فقط. وورد ذكر الخلفاء الراشدين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وال بيته في البيتين التاليين كذلك، قال:
ثم الرضا عن أبي بكر وعن عمر
…
وعن على وعن عثمان ذي الكرم
والال والصحب ثم التابعين فهم
…
أهل التقى والتقى والحلم والكرم
ولا غرو في ذلك فقد انصب كل اهتمام البوصيري على مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوسل به ومناجاته وعرض حاجاته على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الغرض الأساسي من القصيدة.
أما شوقي فقد تميز عن كعب بن زهير وعن الامام البوصيري على الرغم من اعترافه بأنه نهج نهجه في القصيدة، فقد أفاض شوقي في مدح الخلفاء الراشدين كما مدح في نفس القصيدة الصحابة رضوان الله عليهم بوجه عام، وهذا أمر طبيعي فشوقي منذ البداية مدح حضارة بأكملها بمبادئها وقيمها وروادها وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن نهج نهجه وسار على خطاه ومدح الخلفاء الراشدين الأربعة ويضاف إليهم خامسهم عمر بن عبد العزيز، فقد استحقوا هذا المديح لأنهم خلفاء الرسول وخلائف الله في أرضه، وهذا اهتمام بشأنهم وتيمنا بذكرهم وذلك ابتداء من البيت التالي:
خلائف الله جلوا عن موازنه
…
فلا تقيسن أملاك الورى بهم
وفيه نجد شوقي يرفع من شأن هؤلاء الخلفاء الراشدين إلى درجة لا يمكن معها أن تقاس إلى جانبهم أملاك الدنيا وسلاطينها، وفي الأبيات التالية. لهذا البيت شدّد شوقي فضائل كل خليفة من هؤلاء الخلفاء وما تميز به من صفات وخلائق صارت دلائل على كل واحد منهم ما إن ذكرت حتى يقفز إلى الذهن