الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثامن: مناخ العالم
"إفريقيا"
تمتد قارة إفريقيا بين خطي عرض 1َ2 37 ْشمالًا 1َ5 34 ْجنوبًا، وبذلك تقع القارة في الأقاليم المدارية والمعتدلة الدفيئة. والقسم الشمالي من القارة يتأثر بالظروف السائدة في قارتي آسيا وأوربا، بينما جنوب القارة يقع تحت تأثير المحيطات الجنوبية. ورغم هذا التباين إلا أننا نجد تكرارًا للأقاليم المناخية بشكل منتظم في شمال القارة وجنوبها إلى الشمال والجنوب من خط الاستواء. فهناك مساحة واسعة حول خط الاستواء يسود بها المناخ المداري المطير ومناخ السفانا كما يسود المناخ المعتدل جنوب خط الاستواء في أنجولا وروديسيا ويناظره في الشمال منطقة مرتفعات الحبشة، بينما الصحراء الكبرى تتكرر على صورة أصغر في صحراء كلها ري في الجنوب، وأخيرًا نجد إقليم البحر المتوسط يحتل الركن الشمالي الغربي والجنوبي الغربي من القارة.
ولما كانت إفريقيا ممتدة في العروض المدارية ومحاطة بمحيطات دفيئة نسبيًّا لذلك لا يوجد مصدر للكتل الهوائية الباردة بالقرب من القارة، ولا توجد في إفريقيا أجزاء تمت للأقاليم الباردة أو إقليم التندرا بصلة، ولا تتمكن الكتل الهوائية القطبية التي تغزو جنوب أمريكا الجنوبية من قارة أنتاركتيكا من الوصول إلى جنوب إفريقيا حيث إن الفاصل المائي بين إفريقيا وأنتاركتيكا يصل اتساعه إلى نحو 3500 كيلو متر، حتى أن الكتل الباردة تكتسب درجات حرارة دفيئة في طريقها إلى إفريقيا فوق ذلك المسطح المائي الكبير.
ولما كانت إفريقيا تتسع كثيرًا بين خطي عرض 20 ْ، 30 ْشمالًا، فإن المناخ الصحراوي يحتل منها مساحة واسعة تعتبر أكبر مساحة صحراوية في العالم
كله، ومن جهة أخرى نجد أن الإقليم الصحراوي في جنوب القارة صغير المساحة نسبيًّا لأن القارة تضيق إلى أقل اتساع لها في تلك العروض.
مظاهر السطح وأثرها في مناخ إفريقيا: من أهم صفات السطح في إفريقيا أنها تخلو من السلاسل الجبلية الشاهقة، ولا توجد المرتفعات إلا في أجزاء محدودة من القارة حيث يصل الارتفاع إلى حوالي 3000 متر فوق سطح البحر، ولا نجد في إفريقيا أجزاء كثيرة يقل ارتفاعها عن 300 متر. ومعظم الهضاب الجنوبية في القارة يصل ارتفاعها إلى حوالي 1000 متر. وأهم مظاهر السطح في إفريقيا هي:
1-
في الجزء الشمالي الغربي توجد مرتفعات جبال أطلس وهضبة الشطوط التي تفصل بين الساحل في الشمال والصحراء المنخفضة نسبيًّا في الجنوب، وقد يصل الارتفاع أحيانًا في بعض جهات المغرب إلى 3000 متر.
2-
يتباين الارتفاع في الصحراء الكبرى، حيث توجد جبال منعزلة هنا وهناك تصل قممها إلى ارتفاع حوالي 2500 متر مثل جبال الأحجار وتبستي.
3-
أهم المناطق الجبلية في القارة توجد في نطاق يمتد من روديسيا إلى ساحل البحر الأحمر، وفي منطقة بحيرة فكتوريا وفي الحبشة تصل بعض القمم إلى ارتفاع حوالي 4000 متر أو أكثر.
4-
توجد بعض المناطق الجبلية المحدودة في جنوب شرق القارة منها جبال دراكنزبرج Drakensberg وفي جنوب غرب القارة مثل جبال أواز Auaz، وجبال الكمرون في غرب القارة، وجبال أنكاراترا Ankaratra في جزيرة مدغشقر وغير ذلك.
ومن الصفات العامة للقارة أيضًا أنها خالية من البحار الداخلية وتقل بها أو تنعدم أشباه الجزر بعكس قارة أوربا، ولا توجد خلجان ذات أهمية سوى في منطقة خليج غانة وقابس وسرت وعدن، أما البحيرات فهناك بحيرات رودلف وفكتوريا ونياسا.
"شكل 54"
ومن هذا العرض يتضح أنه لا توجد في إفريقيا سلاسل جبلية ممتدة امتدادًا طويلًا بحيث تعمل كحاجز مناخي هام مثل جبال روكي في أمريكا الشمالية أو الأنديز في أمريكا الجنوبية أو الهملايا في آسيا، غير أن هضاب وسط وشرق إفريقيا تؤثر في مناخ القارة تأثيرًا واضحًا. فنجد تلك الأقسام من القارة ذات مناخ أكثر جفافًا وأقل حرارة من منطقة ساحل غانا في غرب القارة وفي نفس خطوط العرض. وقد ساعدت ظروف الحرارة المنخفضة في هضاب وسط وشرق إفريقيا على جعلها مناطق مناسبة لسكنى الأوربيين مثل كينيا وروديسيا وغيرها.
وأهم مظاهر تأثير السطح على مظاهر المناخ في إفريقيا هي:
1-
تعمل جبال أطلس على منع تأثير المنخفضات الجوية التي تغزو منطقة البحر المتوسط في الشتاء عن جنوب الجزائر والمغرب، بينما تؤدي هذه المرتفعات إلى زيادة كمية المطر في منطقة المرتفعات وذلك هو ما نسميه بالمطر التضاريسي.
2-
يعزى سقوط كميات متوسطة من المطر في أجزاء من شرق إفريقيا إلى تأثير المرتفعات التي توجد في ذلك القسم من القارة.
"شكل 55"
3-
لما كانت السلاسل الجبلية في جزيرة مدغشقر تمتد عمودية على اتجاه الرياح فإن ذلك يعمل على سقوط كميات كبيرة من الأمطار على الساحل الشرقي للجزيرة.
"شكل 56"
4-
لا يوجد أثر كبير للجبال التي توجد في وسط الصحراء الكبرى من ناحية سقوط الأمطار، حيث الكتل الهوائية التي تغزو الصحراء تتصف بالجفاف.
وبالإضافة إلى تأثير المرتفعات على سقوط المطر في بعض أجزاء إفريقيا فإن
لها تأثير واضح على درجات الحرارة، فنجد على سبيل المثال أن درجات الحرارة تقل حوالي 6 ْم في الجزء الجنوبي الشرقي من القارة عن الجزء الجنوبي الغربي منها.
الضغط والرياح:
أولًا: يناير: يمكن تلخيص أهم صفات توزيع الضغط والرياح في يناير فيما يلي:
1-
يتعرض الجزء الشمالي من القارة إلى عملية تبريد، بينما الجزء الجنوبي يتعرض للتسخين، وتؤدي برودة النصف الشمالي من القارة إلى تكوين منطقة
ضغط مرتفع بالقرب من جبال أطلس وهضاب الجزائر، ويمكن اعتبار منطقة الضغط المرتفع هذه امتدادًا لمنطقة الضغط المرتفع الأزوري التي توجد فوق المحيط الأطلسي إلى الغرب من شمال إفريقيا، ويفصل بين منطقة الضغط المرتفع فوق الصحراء الكبرى ومنطقة الضغط المرتفع فوق آسيا منطقة للضغط المنخفض تتكون فوق البحر المتوسط، الذي يكون دفيئًا نسبيًّا في فصل الشتاء إذا قورن بالكتل اليابسة المحيطة به، وفي ضوء هذا التوزيع العام للضغط نجد أن الرياح تكون غربية في الجزء الساحلي من شمال إفريقيا، بينما تسود رياح خفيفة وركود في المنطقة الواقعة بين 20 ْ، 30 ْشمالًا.
2-
يؤدي التسخين الشديد إلى الجنوب من خط الاستواء إلى تكوين منطقة للضغط المنخفض تتركز فوق النصف الجنوبي من إفريقيا وتمتد إلى الشمال من خط الاستواء حتى خط عرض 10 ْشمالًا تقريبًا، ويفصل هذا الضغط المنخفض بين منطقتي الضغط المرتفع الموجودتين فوق المحيط الهندي والمحيط الأطلسي الجنوبي وتهب الرياح التجارية الجنوبية الشرقية من مناطق الضغط المرتفع متجهة نحو مركز الضغط المنخفض الاستوائي.
3-
عندما تعبر الرياح التجارية الجنوبية الشرقية خط الاستواء تغير اتجاهها وتصل إلى ساحل غانة كرياح جنوبية غربية ويجذبها الضغط المنخفض إليه، أما إلى الشمال من ساحل غانة فإن الرياح فوق الصحراء الكبرى والسودان والحبشة هي الشمالية والشمالية الشرقية. وهذه هي تجاريات نصف الكرة الشمالي.
4-
على طول الساحل الشرقي للقارة يؤدي وجود منطقة الضغط المرتفع فوق المحيط الهندي، ومنطقة الضغط المنخفض فوق جنوب القارة ووسطها إلى هبوب رياح شمالية شرقية من الساحل إلى الداخل.
ثانيًا: يولية:
1-
مع حركة الشمس الظاهرية نحو مدار السرطان في يولية، يؤدي ارتفاع الحرارة في النصف الشمالي من إفريقيا إلى تكوين منطقة ضغط منخفض
فوق الصحراء الكبرى، ومنطقة ضغط مرتفع فوق جنوب إفريقيا، ونتيجة لذلك تسود الرياح التجارية الجنوبية الشرقية من 30 ْجنوبًا إلى خط الاستواء وهذه الرياح تغير اتجاهها لتصبح جنوبية غربية إلى الشمال من خط الاستواء حتى خط عرض 15 ْشمالًا.
2-
في الشتاء الجنوبي تتعرض منطقة الكاب لهبوب الرياح الغربية العكسية وما يصحبها من انخفاضات جوية، فهي في ذلك مثل شمال غرب إفريقيا في يناير.
3-
تقوى منطقة الضغط المرتفع الأزوري في يوليه ولما كانت منطقة الضغط المنخفض الاستوائي تمتد إلى جنوب الصحراء الكبرى في هذا الفصل فإن الرياح تكون شمالية شرقية على نصف القارة الشمالي في فصل الصيف وهذه هي تجاريات نصف الكرة الشمالي.
علاوة على هذا النظام العام للضغط والرياح فوق القارة في الشتاء والصيف، فإن هناك نظمًا محلية للضغط والرياح تنتج عن الظروف المحلية للإقليم، مثال ذلك الرياح المحلية الحارة التي تهب من الصحراء الكبرى على شمال إفريقيا خلال فصل الربيع وأوائل الصيف نتيجة لمرور الانخفاضات والارتفاعات الجوية فوق البحر المتوسط من الغرب إلى الشرق كما شرحنا في الفصل الخاص بالرياح. وكذلك توجد مناطق عديدة تتأثر بنسيم البحر والبر ونسيم الوادي والجبل.
التيارات البحرية وأثرها في مناخ إفريقيا:
يتأثر مناخ سواحل إفريقيا بالتيارات البحرية التي تمر بجوارها، وأهم هذه التيارات هي:
1-
تيار كناريا البارد الذي يتجه إلى الجنوب محاذيًا للساحل الشمالي الغربي للقارة في المحيط الأطلسي الشمالي، وتتميز مياه المحيط الأطلسي بين جبل طارق وداكار بالبرودة التي مبعثها ذلك التيار بالإضافة إلى حركة انقلاب المياه السفلى التي تكون حرارتها أبرد من المياه السطحية عادة. والسبب في حركة تيار كناريا هو الرياح التجارية الشمالية الشرقية الدائمة، ومن أهم آثار تيار كناريا البارد كثرة وجود الضباب على الساحل وسيادة الجفاف في الداخل.
2-
إلى الجنوب من خط الاستواء وعلى ساحل إفريقيا الغربي أيضًا يوجد تيار بنجويلا البارد، الذي يتجه من الجنوب إلى الشمال فيحمل المياه الباردة إلى سواحل إفريقيا الجنوبية الغربية، وتصل درجات حرارة الماء على سواحل إفريقيا الجنوبية الغربية إلى حوالي 16 ْم أو أقل معظم السنة. وينتشر الضباب على هذا الساحل أيضًا.
3-
يتجه هذان التياران البحريان إلى الغرب عند خطي عرض 15 ْشمالًا، 10 ْجنوبًا على التوالي، وبالقرب من خط الاستواء يتجه التيار الاستوائي أو تيار غانة نحو الشرق إلى الساحل الإفريقي، وهذا التيار يتميز بالدفء، ويؤثر هذا التيار في الجزء الممتد من داكار Dakar إلى ليبرفيل Libreville ونلاحظ
"شكل 58"
أن الأجزاء التي تكتنفها التيارات الباردة تتصف بالجفاف بينما الأجزاء التي تتأثر بالتيارات الدفيئة تسقط بها الأمطار؛ ذلك لأن برودة الماء لا تساعد على تبخرها ومن ثم فالكتل الهوائية التي تمر فوق المياه الباردة لا تحمل بخار الماء بعكس تلك التي تمر فوق المياه الدفيئة.
4-
تختلف ظروف الساحل الشرقي لإفريقيا عن الساحل الغربي. فحركة الهواء حول الضغط المرتفع المتمركز في المحيط الهندي تؤدي إلى اتجاه مياه دفيئة نحو القطب على طول الساحل الشرقي، وإلى الجنوب من خط الاستواء يسمى التيار البحري باسم تيار موزمبيق، والجزء الجنوبي منه حوالي خط عرض 35 ْجنوبًا يسمى تيار أجولهاس Agulhas وتعمل هذه التيارات على تدفئة الساحل الشرقي لإفريقيا لذلك نجد أن درجة حرارة الماء على الساحل الشرقي تزيد حوالي 8 ْم أو 10 ْم عن درجة حرارة الماء على الساحل الغربي في نفس العروض. كذلك تؤدي هذه التيارات الدفيئة على الساحل الشرقي إلى سقوط الأمطار في الجزء الجنوبي الشرقي من القارة.
5-
يختلف اتجاه التيارات البحرية في الجزء الشمالي من المحيط الهندي إلى الشمال من خط الاستواء من فصل لآخر تبعًا لحركة الرياح الموسمية، ففي الصيف يؤدي هبوب الرياح الموسمية الجنوبية الغربية إلى اتجاه تيار بحري دافئ بجوار الساحل الإفريقي من الجنوب إلى الشمال، ويمر هذا التيار نحو الشرق عند خط عرض 10 ْشمالًا، لذلك فساحل الصومال وشبه الجزيرة العربية أبرد قليلًا من الساحل الإفريقي إلى الجنوب من هذه العروض. وفي الشتاء يؤدي هبوب الرياح الموسمية الشمالية الشرقية إلى تحرك تيار بحري من الشمال إلى الجنوب. وهو تيار بارد نسبيًّا، وعلى هذا فإن المياه الباردة توجد بجوار ساحل إفريقيا الشرقي إلى الشمال من خط عرض 10 ْشمالًا في كل الفصول، ويعتقد أن هذه المياه الباردة من العوامل المساعدة على قيام ظروف الجفاف في منطقة الصومال وشبه الجزيرة العربية.
6-
التيارات البحرية في البحر المتوسط تدور في حركة ضد عقارب الساعة حول سواحل هذا البحر.
الكتل الهوائية في إفريقيا:
تتأثر إفريقيا بعدد من الكتل الهوائية المختلفة وأهمها:
أولًا: الكتل المدارية البحرية m T حيث إن معظم إفريقيا يقع في العروض المدارية فإن للكتل الهوائية المدارية أثر كبير في مناخها، والمصدر الرئيسي لهذه الكتل الهوائية الدفيئة الرطبة هو المحيطات التي تحيط بإفريقيا إلى الشمال والجنوب من خط الاستواء، غير أنه توجد بعض الاختلافات بين كتلة هوائية وأخرى تبعًا للظروف الإقليمية الخاصة بكل منها.
وتتميز الكتل الهوائية في الجزء الشرقي من مناطق الضغط المرتفع دون المدارية بالثبات m Ts فهي توجد على الساحل الغربي الشمالي للقارة من جبل طارق إلى الرأس الأخضر Cape Verde، وعلى الساحل الغربي الجنوبي من رأس الرجاء الصالح إلى 15 ْجنوبًا، والمعروف أن الأجزاء الشرقية من مناطق الضغط المرتفع تتميز بحركة هبوط الهواء، وعدم وجود ظروف مناسبة لحدوث حركة تصعيد في الهواء وسقوط أمطار. أما الكتل الهوائية المدارية غير الثابتة m Tu فتوجد على الأطراف الغربية لمناطق الضغط المرتفع دون المدارية مثل الساحل الشرقي الجنوبي لإفريقيا أو توجد على طول جبهة الالتقاء المدارية l T C وهذه الكتل تتميز بارتفاع نسبة الرطوبة وبالدفء لذلك تجلب معها الأمطار التي تسقط خاصة على الساحل الشرقي لإفريقيا وفي وسط شرق إفريقيا. كذلك أمطار ساحل غانة في الجزء الممتد بين خطي عرض 5 ْشمالًا وجنوبًا تحملها الكتل الهوائية المدارية الرطبة غير الثابتة.
أما في يوليه فإن الكتل الهوائية المدارية البحرية التي تتحرك إلى الشمال حتى تصل إلى داكار ورأس لوبيز Cape Lopez وتتجه هذه الكتل الهوائية نحو الشرق مع حركة الرياح، وتحدث حركة تصعيد في هذا الهواء مع سقوط أمطار غزيرة في هذا الفصل من السنة في المنطقة الممتدة بين 15 ْشمالًا، 5 ْجنوبًا، أما الهواء المداري الذي يغزو غربي إفريقيا إلى الجنوب من خط الاستواء فإنه يتميز بالثبات في فصل الصيف وكذلك في فصل الشتاء. ولذلك تسقط كمية
محدودة من الأمطار في يولية في هذا الإقليم الممتد بين خط الاستواء وخط عرض 30 ْجنوبًا أما إلى الشمال من خط الاستواء على الساحل الشرقي، فإن حركة الهواء تجعل اتجاه الكتل الهوائية من اليابس إلى الماء، لذلك لا يصل الهواء المداري البحري إلى الساحل الشرقي الشمالي لإفريقيا.
ثانيًا: الكتل الهوائية المدارية القارية C T: وهناك مصدران رئيسيان لهذا الهواء الدافئ الجاف. أولًا ذلك النطاق الصحراوي الكبير الممتد بين 30 ْشمالًا، 15 ْشمالًا: وثانيًا صحراء كلهاري في جنوب إفريقيا وأثناء الشتاء الشمالي يسيطر هذا الهواء المداري القاري على معظم النصف الشمالي للقارة إلى الشمال من خط الاستواء، وباستثناء ساحل البحر المتوسط وساحل غانة، فإن هذا الهواء المداري القاري يسبب منطقة واسعة ذات سماء صافية وخالية من الأمطار، أما في جنوب غرب إفريقيا فإنه رغم عدم ثبات الهواء في يناير فإن قلة رطوبة الهواء تجعل كمية المطر الساقطة قليلة أما في الصيف الشمالي فإن الصحراء الكبرى تظل منطقة نفوذ للهواء المداري القاري الجاف، أما الإقليم الواقع إلى الجنوب من خط عرض 15 ْشمالًا فيقع تحت تأثير الهواء المداري البحري mt ku، ورغم شدة تسخين الهواء في المنطقة الممتدة بين خط عرض 15 ْشمالًا والبحر المتوسط فإن انخفاض نسبة رطوبة هذا الهواء لا تساعد على سقوط أمطار. وعلى طول ساحل البحر المتوسط تغزو المنطقة كتل هوائية قادمة من أوربا بعد عبورها للبحر، وفي فصل الصيف الشمالي توجد فوق جنوب أوربا كتل هوائية شبيهة بالكتل الهوائية المدارية البحرية بل وأكثر منها رطوبة، ورغم هذا يصل هذا الهواء إلى شمال إفريقيا فلا يسقط مطرًا لأن حرارته تزداد ومن ثم تزداد قدرته على حمل بخار الماء.
ثالثًا: الكتل الهوائية القطبية البحرية mP يندر وصول الكتل الهوائية القطبية إلى إفريقيا التي تقع بعيدة عن العروض العليا، وفي خلال الشتاء الشمالي لا يتأثر بالهواء القطبي البحري سوى الطرف الشمالي الغربي من القارة، وهذا الهواء تجذبه الانخفاضات الجوية التي تمر فوق البحر المتوسط من الغرب إلى الشرق في هذا الفصل، ولما كان هذا الهواء محملًا ببخار الماء فإنه يسقط أمطارًا
غزيرة خاصة فوق منطقة المرتفعات في إقليم جبال أطلس، وبالمثل يغزو الهواء القطبي البحري الطرف الجنوبي من إفريقيا خاصة أثناء فصل الشتاء الجنوبي.
رابعًا: الكتل الهوائية القطبية القارية CP يتأثر جزء من الساحل الشرقي لإفريقيا بالهواء القطبي القاري القادم من قارة آسيا، غير أن هذا الهواء يدخل عليه تعديل كبير أثناء مروره في عروض مدارية في طريقه إلى إفريقيا، فيفقد حرارته المنخفضة وجفافه بحيث يصعب التعرف عليه، أما الأطراف الجنوبية من القارة فهي لا تتأثر بالهواء القطبي حيث إنها تبعد كثيرًا عن القارة القطبية الجنوبية.
الجبهات الهوائية:
أهم مناطق الجبهات الهوائية في إفريقيا هي:
1-
جبهة البحر المتوسط التي تمتد إلى الجنوب الغربي من المحيط الأطلسي: وتفصل هذه الجبهة بين الهواء القطبي البحري في الشمال والهواء المداري البحري في الجنوب، وفي الجزء الشرقي من هذه الجبهة يلتقي الهواء القطبي بهواء مداري قاري يأتي من داخل القارة الإفريقية.
2-
بالقرب من خط الاستواء توجد جبهة الالتقاء المدارية وهي عبارة عن منطقة واسعة يتغير موضعها إلى الشمال والجنوب مع حركة الشمس الظاهرية من فصل لآخر.
3-
توجد جبهة قطبية في نصف القارة الجنوبي تمتد من رأس الرجاء الصالح نحو الجنوب الشرقي، غير أن هذه الجبهة تظهر أحيانًا وتختفي أحيانًا أخرى.
ومن أهم صفات هذه الجبهات أن جبهة البحر المتوسط تختفي في الصيف الشمالي، وأن الجبهة المدارية تتحرك نحو الشمال في الصيف الشمالي أيضًا، كذلك تختفي الجبهة القطبية في جنوب إفريقيا في الصيف الجنوبي لأنها تتحرك نحو الجنوب وبذلك تبعد عن القارة في ذلك الفصل.
الأعاصير وأضداد الأعاصير: تتأثر أجزاء صغيرة من القارة بالأعاصير التي تتكون على طول الجبهات الهوائية، فالأعاصير التي تتكون في منطقة البحر المتوسط هي المسئولة عن الأمطار التي تسقط في شمال إفريقيا من مراكش حتى القاهرة، وتتكون الانخفاضات الجوية إما فوق المحيط الأطلسي أو فوق البحر المتوسط، وفي الحالة الأولى تتحرك الانخفاضات في اتجاه جنوبي غربي ثم شمالي شرقي وبعد دخولها البحر المتوسط تتخذ مسارًا شرقيًّا، ويكون الهواء المداري البحري الجزء الدافئ من الإعصار عندما يكون الانخفاض ما زال إلى الغرب من جبل طارق، بينما يحل محله الهواء المداري القاري إلى الشرق من خط طول صفر، وبسبب ارتفاع الرطوبة في الهواء المداري البحري فإنه يحمل سحبًا كثيفة بينما تسود سماء صافية خالية من السحب مع وصول الهواء المداري القاري، على أن وصول الهواء المداري القاري تصحبه العواصف الرملية المشهورة، وفي الجزء الخلفي من أعاصير البحر المتوسط يوجد هواء قطبي بحري وتنتج عنه سحب وأمطار، وذلك على طول الجبهة الباردة من الإعصار، ولشكل الساحل الإفريقي الشمالي ووجود المرتفعات أثر واضح في تباين كمية المطر في الأجزاء المختلفة، إذ تؤدي مواجهة الساحل للرياح واصطدام الكتل الهوائية بالمرتفعات إلى سقوط المطر التضاريسي.
وتمر بعض الانخفاضات إلى الجنوب من ممراتها العادية فتصل إلى جنوب المغرب والجزائر. وهذه الانخفاضات تكون عادة ضعيفة ولا تصحبها سحب كثيفة والأمطار التي تسقطها محدودة.
وبالإضافة إلى وصول الأعاصير من المحيط الأطلسي فإن البحر المتوسط نفسه منطقة تتكون فيها الأعاصير، ومع اختفاء جبهة البحر المتوسط في الفترة من مايو إلى أكتوبر ينعدم مرور الأعاصير أو يندر إذ قد تتكون بعض الانخفاضات الضعيفة فوق المغرب والجزائر.
وتختلف الاضطرابات التي تتكون على طول الجبهة المدارية عن انخفاضات البحر المتوسط، إذ تمتد الانخفاضات المدارية فوق مساحة محدودة، وأهم
الأعاصير المدارية هي ذلك النوع الذي يسمى الترنيدو التي تتحرك عادة من الشرق إلى الغرب وتصحبها أمطار غزيرة، ويكثر حدوث هذه الاضطرابات في بدء ونهاية فصل المطر، وتوجد مثل هذه الأعاصير في منطقة ساحل غانة ونيجيريا وحوض الكونغو وتوجد العواصف المدارية من نوع الهريكين في الجزء الجنوبي الغربي من المحيط الهندي، ويكثر حدوثها في الفترة من يناير إلى إبريل، وتنشأ هذه العواصف إلى الشرق من جزر سيشل Seehelles قرب خط عرض 10 ْجنوبًا ومعظم هذه العواصف تختفي قرب جزيرة مدغشقر خاصة على الجانب الشرقي منها.
أما عن الأعاصير التي تتكون في منطقة إقليم البحر المتوسط في جنوب القارة فتتحرك بعد تكونها في اتجاه جنوبي شرقي لذلك فتأثيرها على مناخ جنوب القارة محدود لأنها تتحرك بعيدًا عن القارة.
من هذا العرض يتضح لنا أمران: أولهما أن الأجزاء التي تنال مطرها نتيجة للأعاصير محدودة للغاية، وفي الواقع أن معظم أمطار إفريقيا تنتج عن عملية تصعيد الهواء.
وثانيهما أن مناخ إفريقيا يتميز بالرتابة وعدم التغير الكبير من فصل لآخر أو من يوم لآخر في معظم أجزاء القارة، وهذا يرجع إلى نفس السبب الأول وهو قلة الأعاصير التي تؤثر في مناخ القارة.
الأقاليم المناخية في إفريقيا:
إقليم شمال غرب إفريقيا: يدخل ضمن هذا الجزء المناطق الساحلية ممتدة من مراكش إلى مصر بالإضافة إلى الجبال الداخلية والهضاب الموجودة في مراكش والجزائر وتونس. والمطر في هذا الإقليم من أصل إعصاري على طول جبهة البحر المتوسط، ولما كانت الأعاصير معدومة تقريبًا خلال فصل الصيف فإن مطر هذا الإقليم شتوي، وعلاوة على ذلك فإن كمية المطر تزداد حيث تقع الجبهة
الهوائية ومثال ذلك الساحل الممتد من طنجة إلى بنزرت، أما الساحل الجنوبي لمراكش فأمطاره قليلة، فكمية المطر في موجادور 33mogador سم في السنة والأجزاء الداخلية من مراكش يسقط بها مطر قليل في فصل الصيف بالإضافة إلى مطرها الشتوي ففي مدينة جريفل Geryvills تسقط 6 سم من المطر في شهر مايو، وهذا المطر الصيفي ينتج عن حركات تصعيد في الهواء في هذه المناطق الداخلية. وإلى الشرق من بنزرت يبدو تأثير الصحراء الكبرى واضحًا في الأجزاء الساحلية ذلك لأنه لا توجد سلاسل جبلية تحجب تأثير الصحراء عن ساحل البحر المتوسط كما هو الحال في منطقة المغرب، لذلك نجد كمية المطر قليلة في هذا الجزء الشرقي لأن الكتل الهوائية سواء كانت قادمة من الشمال أو الجنوب تتميز بقاريتها وانخفاض نسبة الرطوبة بها، وبالإضافة إلى ذلك فإن الأمطار تقل ثم تنعدم بسرعة إذا ما ابتعدنا عن الساحل نحو الداخل، فكمية المطر في مدينة الجزائر 75 سم في السنة، بينما في مدينة بسكره تصل إلى 17.5 سم في السنة.
ومن ناحية الحرارة نجد أن الجزء الشمالي يتميز بدرجات حرارة أكثر ارتفاعًا في الشتاء وأقل حرارة في الصيف عن الأجزاء الداخلية، أما ساحل مراكش المطل على المحيط الأطلسي فحرارته منخفضة في فصل الصيف بسبب مرور تيار كناريا البارد، ويبدو أثر الصحراء الكبرى في ارتفاع درجة الحرارة في الجزء الواقع إلى الشرق من بنزرت خاصة في فصل الصيف. غير أن الشريط الساحلي يتمتع بدرجات حرارة ألطف من المناطق الداخلية بسبب تأثير البحر خاصة وأن الرياح السائدة تهب من البحر إلى اليابس، ومثال ذلك أن المناطق الداخلية يزيد متوسط حرارتها في شهر يولية 5 ْعن المناطق الساحلية. وترتفع درجات الحرارة ارتفاعًا شديدًا خلال الفترات التي تهب فيها رياح السيروكو التي تأتي من الصحراء في مقدمة الانخفاضات الجوية التي تمر فوق البحر المتوسط من الغرب إلى الشرق.
إقليم الصحراء الكبرى:
تشمل الصحراء الكبرى ذلك النطاق الجاف الواقع الممتد من البحر المتوسط في الشمال حتى خط عرض 15 ْشمالًا في الجنوب
وفي فصل الشتاء الشمالي تسود في هذا النطاق الرياح التجارية الشمالية الشرقية حتى خط عرض 12 ْشمالًا وتمنع هذه الرياح وجود أي كتل هوائية رطبة في المنطقة وفيما عدا الطرف الشمالي من الصحراء الكبرى فإن بقية الإقليم تسود به أحوال الجفاف، وتسقط بعض الأمطار الشتوية في الأطراف الشمالية من الصحراء الكبرى متأثرة بنظام البحر المتوسط.
وفي فصل الصيف الشمالي يحدث العكس ويصبح الطرف الشمالي من الصحراء الكبرى عديم المطر، بينما الطرف الجنوبي ينال بعض الأمطار المرتبطة بمنطقة الضغط المنخفض الاستوائي التي تتحرك نحو الشمال في يولية، فكمية المطر في مدينة تمبكتو Timbuktu على الحد بين الصحراء الكبرى والإقليم السوداني عند خط عرض 20 ْشمالًا 22.5 ْسم سنويًّا يسقط منها 8.8 سم في شهر يولية وحده أما الجزء الممتد بين خطي عرض 28 ْ، 18 ْشمالًا فكمية المطر السنوي به لا تزيد عن 5 سم، ويلاحظ أيضًا أن نسبة السحب منخفضة جدًّا فوق الصحراء الكبرى في معظم الفصول، وذلك فيما عدا ساحل المحيط الأطلسي حيث تسود به السحب من النوع السمحاق المنخفض أثناء فصل الصيف.
ويساعد انخفاض نسبة الرطوبة في الهواء المداري القاري CT الذي يسود في إقليم الصحراء الكبرى على ارتفاع درجات الحرارة أثناء النهار ارتفاعًا شديدًا وتنخفض درجات الحرارة أثناء الليل ولذلك فالمدى الحراري اليومي كبير، ومتوسط الحرارة في شهر يناير يصل إلى حوالي 18 ْم، أما فصل الصيف فتسود به درجات حرارة مرتفعة تكاد تكون أعلى درجات حرارة في العالم كله، فمتوسط حرارة الصيف حوالي 48 ْم، بل إن درجة حرارة بلدة العزيزية في جنوب ولاية طرابلس قد وصلت إلى 56.5 ْفي خلال فصل الصيف وهي أعلى درجة حرارة تم تسجيلها في أي مكان في العالم، هذا بالإضافة إلى هبوب العواصف الرملية من نوع الهرمطان.
أما الكتل الجبلية المرتفعة في وسط الصحراء الكبرى مثل جبال الأحجار وتبستي فمناخها من نوع الاستبس وتسقط بها أمطار تنتج عن عمليات التصعيد
في فصل الصيف، وتقدر كمية المطر في منطقة هضبة الأحجار بحوالي 25 سم في السنة، وتتميز هذه الأجزاء المرتفعة بدرجات حرارة منخفضة نسبيًّا إذا قورنت بالمناطق المنخفضة المحيطة بها.
إقليم السودان وساحل غانة:
يعتمد نظام المطر وتوزيعه في غرب إفريقيا بين خط الاستواء وخط عرض 15 ْشمالًا على موقع الجبهة المدارية. ففي فصل الشتاء الشمالي توجد هذه الجبهة إلى الجنوب من خط الاستواء وذلك إلى الشرق من خط طول 15 ْشرقًا ولكنها تظل إلى الشمال من خط الاستواء إلى الغرب من خط طول 15 ْشرقًا؛ وذلك بسبب عملية التسخين لليابس الإفريقي إلى الشمال من خليج غانة، ويمكن اعتبار ساحل غانة الحد الجنوبي لمنطقة الضغط المنخفض.
وبقدوم فصل الصيف تتحرك منطقة الضغط المنخفض نحو الشمال حتى تصل إلى خط عرض 20 ْشمالًا، وعلى طول الجبهة المدارية يلتقي الهواء المداري القاري من الشمال والمداري البحري من الجنوب وإلى الأخير تعزى الأمطار التي تسقط في هذه الجهات في فصل الصيف الشمالي. ومن ناحية قمة المطر نلاحظ أن المحطات التي توجد في أقصى شمال الإقليم تتمتع بقمة مطر واحدة تأتي في يولية أو أغسطس ومثال ذلك تمبكتو، بينما المحطات التي توجد في أقصى الجنوب تتمتع بقمتين تتبعان مرور منطقة الضغط المنخفض الاستوائي مرتين، غير أن أمطار الصيف تفوق أمطار الشتاء في العادة. كما نلاحظ أن المحطات الساحلية تسقط بها كمية أكبر من الأمطار وهي من نوع المطر التضاريسي ومن المناطق الساحلية التي تقل بها الأمطار حتى يمكن اعتبارها ضمن الإقليم شبه الصحراوي رغم أنها توجد ضمن ساحل غانة ذلك الجزء المحيط بخليج بنين Bight of Benin، والسبب في قلة المطر في هذا الجزء هو أن شكل الساحل يجعل الرياح الجنوبية الغربية السائدة تهب موازية للساحل فلا تسقط مطرًا، كما أن المياه في هذا الجزء تتميز بالبرودة النسبية مما لا يساعد على سقوط أمطار، فكمية المطر في مدينة أكرا Accra عاصمة جمهورية غانة تبلغ 68 سم في السنة، بينما في مدينة عنتبة Entebbe في أوغنده تصل إلى 145 سم، وأمطار الإقليم السوداني تحدث
مصحوبة بعواصف رعدية شديدة. وفي هذا الإقليم يوجد فصل جفاف واضح تسود به الرياح التجارية الشمالية الشرقية ويقل طول هذا الفصل الجاف كلما اتجهنا جنوبًا. ولا تصل العواصف الرملية إلى ساحل غانة، كما أن ظروف الجفاف التي تسود في الشمال تقلل منها وجود النباتات إلى الجنوب من خط عرض 1 ْشمالًا وفي الواقع يمكن وصف مناخ ساحل غانة بأنه من النوع الموسمي ولذلك فإن قمة الحرارة تأتي قبل موسم الأمطار ويمكن تقسيم السنة بالتالي إلى ثلاثة فصول:
1-
فصل برودة وجفاف يمتد من نوفبر إلى فبراير.
2-
فصل حرارة وجفاف يمتد من مارس إلى مايو.
3-
فصل دفء ومطر من مايو إلى نوفمبر.
وفي الجزء الشمالي من هذا الإقليم تصبح درجات الحرارة في فصل الشتاء أكثر انخفاضًا "المتوسط حوالي 12 ْم" وبالمثل تصبح درجات الحرارة في الصيف أكثر ارتفاعًا وذلك بسبب قلة المطر "المتوسط حوالي 34 ْم".
وعلى هذا الأساس يمكن تتبع عدد من الأقاليم المناخية من ساحل غانة نحو الشمال فنجد أولًا المناخ المداري المطير على طول الساحل "Af" ثم مناخ السفانا "Aw" وإلى الشمال منه يوجد مناخ الاستبس "BS" أخيرًا نصل إلى الصحراء الحقيقية "Bw".
وإلى الشرق من خط طول 10 ْشرقًا يوجد مثل هذا التتابع في الأقاليم المناخية، غير أن المؤثرات القارية تبدو بوضوح في هذا الجزء، فالأمطار أقل بسبب بعد هذا القسم عن مصدر الرطوبة، كما أن درجات الحرارة في الصيف أكثر ارتفاعًا من القسم الغربي. وتبدو قلة المطر في القسم الشرقي عن القسم الغربي إذا ما قارنا كمية المطر في ليبرفيل "246سم" بكمية المطر في منجلا "سم Mongalla "97.5.
وتنخفض نسبة السحب في القسم الشرقي فيما عدا خلال فصل الأمطار.
وتهب في شمال السودان أثناء الفصل الجاف رياح محملة بالأتربة تصاحب الرياح الشمالية الشرقية وتسمى هذه الرياح "الهبوب" Haboob ،وهي عبارة عن انخفاضات جوية شديدة وصغيرة المساحة على طول الجبهة المدارية في أوائل فصل الصيف قبل سقوط الأمطار.
إقليم الكمرون وجنوب غرب إفريقيا: يتدرج مناخ غرب إفريقيا إلى الجنوب من خط الاستواء -كما هو الحال إلى شمال خط الاستواء- من المناخ الاستوائي المطير حتى نصل إلى الصحراء في أقصى الجنوب، غير أنه بسبب ضيق القارة الإفريقية في نصفها الجنوبي فإن هناك بعض الاختلافات بين شمال القارة وجنوبها أهمها:
1-
على طول الساحل الغربي للقارة تظل منطقة الضغط المنخفض الاستوائي إلى الشمال من خط الاستواء طول العام، لذلك فإن حركة الهواء من الماء إلى اليابس في نصف القارة الجنوبي ضعيفة.
2-
يصل تيار بنجويلا البارد حتى خط الاستواء تقريبًا، بينما تيار كناريا البارد في الشمال يصل إلى خط عرض 15 ْشمالًا ثم يحل محله تيار دافئ.
وينتج عن العاملين قلة المطر على السواحل الغربية جنوب خط الاستواء إذا ما قورنت بمثيلتها شمال خط الاستواء.
وفي شمال الكمرون يوجد نظام مطر شبيه بالنظام السائد في نيجيريا حيث موسم المطر الرئيسي يمتد من مايو إلى أكتوبر، ويتغير توزيع المطر حوالي خط عرض 2 ْأو 3 ْشمالًا ففي ليبرفيل بالقرب من خط الاستواء يمتد فصل المطر من سبتمبر إلى مايو بينما يسود الجفاف في شهري يولية وأغسطس. وإذا اتجهنا جنوبًا على طول الساحل فإن فصل الجفاف يزداد طولًا وكمية المطر تأخذ في القلة.
وفي الداخل يتدرج المطر في قلة من الشمال إلى الجنوب كما هو الحال على الساحل. ويسقط المطر في شمال حوض الكنغو في فصل الصيف الشمالي وتقع
قمته في شهري يوليه وأغسطس، أما القسم الجنوبي من حوض الكنغو فيتميز بفصل جفاف يمتد من مايو إلى سبتمبر.
وفي كل أنحاء حوض الكنغو يسقط المطر نتيجة لعملية التصعيد وتصحبه عواصف رعدية. وكمية المطر في حوض الكنغو أقل منها في حوض الأمزون في أمريكا الجنوبية رغم وقوعهما في خطوط عرض واحدة، ويرجع هذا إلى ظروف السطح المحلية إذ إن وجود المرتفعات إلى الشرق من حوض الكنغو يحجب الكتل الهوائية المدارية الرطبة عن الوصول إلى المنطقة، يضاف إلى ذلك وجود المياه الباردة على طول الساحل إلى الجنوب من خط الاستواء. وإلى الجنوب من حوض الكنغو تبدأ كمية المطر في القلة حتى نصل إلى الصحراء، وعلى الساحل في منطقة صحراء ناميب Namib يكثر الضباب نتيجة لمرور تيار بنجويلا البارد الذي يؤدي إلى حدوث عملية تكاثف لبخار الماء أثناء مرور الهواء الدافئ فوق المنطقة الساحلية، وإلى الداخل في صحراء كلهاري تسود السماء الصافية طول العام، ويساعد ارتفاع السطح إلى الجنوب من خط عرض 10 ْجنوبًا على التقليل من شدة الحرارة، هذا بالإضافة إلى تأثير نسيم البحر.
إقليم جنوب إفريقيا:
يختلف مناخ جنوب إفريقيا من مكان لآخر، وذلك بسبب التغيرات التي تطرأ على نظام الرياح من فصل لآخر وبسبب الاختلافات في مظاهر السطح. ففي فصل الشتاء الجنوبي عندما تنتقل منطقة الضغط المرتفع عند عروض الخيل نحو الشمال، يقع جنوب إفريقيا تحت تأثير الانخفاضات الجوية التي تمر من الغرب إلى الشرق فوق المحيطات الجنوبية، وتجلب هذه الانخفاضات المطر الإعصاري لجنوب إفريقيا في فصل الشتاء، ويزيد من كمية المطر عامل التضاريس في الأجزاء المرتفعة. وتقل كمية المطر نحو الداخل وعلى الساحل الشرقي.
وأما في فصل الصيف الجنوبي فتتحرك منطقة الضغط المرتفع عند عروض الخيل حتى تصل إلى الجنوب من رأس الرجاء الصالح، بينما تتركز منطقة ضغط منخفض فوق اليابس في الداخل، وعلى ذلك يهب هواء مداري بحري من الماء
إلى اليابس على الساحل الشرقي إلى الشمال من رأس أجولهاس. والهواء المداري في هذا الجزء يتميز بالدفء والرطوبة العالية بسبب وجود تيار موزمبيق الدافئ على طول الساحل الشرقي الجنوبي لإفريقيا، ويقلل من ثبات هذه الكتلة الهوائية وجود الضغط المنخفض فوق القارة وينتج عن ذلك سقوط أمطار صيفية غزيرة على الساحل الشرقي وفي جزء من الداخل، وتقل كمية المطر من الساحل إلى الداخل فكمية المطر في مدينة دربان Durban على الساحل تصل إلى 107 سم سنويًّا بينما في مدينة كمبرلي Kimberly في الداخل تبلغ 40.5 سم فقط. أما الساحل الغربي في فصل الصيف، فهو عديم المطر؛ ذلك لأن اتجاه الرياح من اليابس إلى الماء.
وتنحدر الرياح من المرتفعات مما يؤدي إلى تسخينها وتسمى رياح البرج Berg "وهي كلمة ألمانية معناها جبل" وهي شبيهة برياح الفهن والشنوك التي سبق الكلام عنها في الفصل الخاص بالرياح. وتتأثر درجات الحرارة بظروف السطح إلى حد كبير، ولما كانت أكثر المناطق ارتفاعًا توجد في الشمال فقد أدى ذلك إلى التقليل من أثر خط العرض. بينما تغير الحرارة مع خطوط الطول يبدو أكثر وضوحًا فدرجة حرارة يوليه في دربان 18 ْم بينما في بورت نولوث Port Nolloth تصل إلى 13 ْم ويرجع ذلك إلى تأثير التيارات البحرية "تيار بنجويلا البارد"، ويعمل هذا التيار على خفض درجات الحرارة في يناير حوالي 8 ْم على الساحل الغربي عنها على الساحل الشرقي حيث يعمل تيار موزمبيق الدافئ على رفع درجة حرارة الصيف في الأجزاء المطلة على المحيط الهندي.
وتعمل المرتفعات على خفض درجات الحرارة فوق الهضاب الداخلية في فصل الشتاء حتى إن الصقيع يتكون أحيانًا أثناء الليل.
ويمكن تلخيص مناخ جنوب إفريقيا في أنه مناخ بحر متوسط مطره شتوي وجاف في الصيف حول مدينة الكاب Capetown، ومناخ استبس وصحراء على الساحل الغربي والمطر شتوي قليل، أما الساحل الشرقي والجزء الشرقي الأوسط فمطره صيفي، وأخيرًا يسود مناخ رطب حار في الأودية الداخلية لنهري زمبيزى Zambezi ولمبوبو Limpopo.
إقليم شرق إفريقيا: يشمل هذا الإقليم الساحل الشرقي والقسم الشرقي الأوسط من القارة.
ولما كانت موزمبيق إلى الجنوب من خط عرض 10 ْجنوبًا فإن مطرها يسقط في الصيف، ويسقط المطر في هذه المنطقة نتيجة لوصول الهواء المداري الرطب الذي يتجه من المحيط صوب منطقة الضغط المنخفض الاستوائي، ويقل المطر في هذا الإقليم في فصل الشتاء بسبب برودة اليابس النسبية، أما في فصل الصيف فإن كمية المطر تزداد بفعل التسخين الذي يصيب الكتل الهوائية فوق اليابس وبسبب وصول العواصف المتجهة من الشرق إلى الغرب في المحيط الهندي ويسود المطر الصيفي أيضًا في ملاوي وشمال روديسيا، فأكبر كمية شهرية للمطر تسقط في شهر يناير في مدينة زمبا Zomba في ملاوي وفي مدينة لفنجستون Livingstone في روديسيا الشمالية، ومعظم المطر من النوع التصاعدي وفصل المطر يمتد من نوفمبر إلى إبريل.
وتختلف كمية المطر من مكان لآخر بسبب تباين السطح، ويبدو هذا واضحًا في كينيا وأوغندة وتنزانيا، وفصلية المطر في هذا الإقليم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمرور الجبهة المدارية، فالجزء الجنوبي من تنزانيا يتمتع بقمة واحدة للأمطار، أما الأجزاء الشمالية فبها قمتان للمطر حيث إن الجبهة المدارية تمر بها مرتين. وتقل كمية المطر كلما اتجهنا غربًا ومثال ذلك أن كمية المطر إلى الغرب من بحيرة فيكتوريا أقل منها إلى الشرق من البحيرة. وتقل كمية المطر نحو الشمال بسبب قلة بخار الماء في الهواء وبسبب وجود المياه الباردة نسبيًّا بجوار الساحل كما شرحنا سابقًا.
ويسقط المطر في فصل الصيف في الحبشة وإرتريا والصومال، أما الشتاء فهو فصل جاف. وتهب الرياح من الجنوب الغربي خلال فصل الصيف، ويصل هذا الهواء إلى الحبشة والصومال بعد أن يكون قد قطع مسافة طويلة فوق القارة لذلك فكمية المطر في هذا الجزء أقل من كمية المطر في الأجزاء الواقعة إلى الغرب منه. أما ساحل البحر الأحمر فهو يقع في ظل المطر حيث إن المرتفعات
الواقعة إلى الغرب منه تحجب عنه أمطار هذه الرياح الغربية. وتسقط أمطار قليلة على ساحل البحر الأحمر في فصل الشتاء تنتج عن وصول الرياح الموسمية الشتوية الخارجة من آسيا بعد عبورها للبحر الأحمر.
وتحدث أعلى درجات حرارة قبل حلول فصل المطر كما هو الحال في غرب إفريقيا وترتفع درجات الحرارة ارتفاعًا شديدًا في أجزاء من شمال شرق إفريقيا القليلة المطر، وتنخفض درجات الحرارة أثناء فصل الشتاء ويلاحظ أن هناك اختلافات واضحة في درجات الحرارة تنتج عن الاختلافات في مظاهر السطح، فالجبال المرتفعة تتمتع بدرجات حرارة منخفضة أثناء فصل الصيف، بينما ترتفع الحرارة في الأودية والأحواض المنخفضة وعلى طول السهل الساحلي المنخفض.
من هذا الوصف لمناخ شرق إفريقيا تتضح لنا حقيقة هامة وهي أنه لا يوجد مناخ مداري مطير "Af" في شرق إفريقيا حتى حول خط الاستواء حيث يسود جفاف في فصل الشتاء يجعل المنطقة تنتمي إلى إقليم السفانا. ويرجع ذلك إلى عامل الارتفاع الذي يؤدي إلى انخفاض الحرارة، وكذلك إلى الارتباط الشديد بين سقوط الأمطار وموقع الجبهة المدارية.
جزيرة مدغشقر:
تمتد المرتفعات في جزيرة مدغشقر من الشمال إلى الجنوب عمودية على اتجاه الرياح، لذلك تنال السواحل الشرقية من الجزيرة قسطًَا وافرًا من الأمطار، أما الجزء الغربي فيقع في ظل المطر. وفي فصل الصيف تخترق منطقة الضغط المنخفض الاستوائي شمال جزيرة مدغشقر لذلك تسقط أمطار غزيرة في القسمين الشمالي والشرقي من الجزيرة. وكذلك تسقط أمطار محدودة على الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة نتيجة لعملية التصعيد، وتتأثر جزيرة مدغشقر بمرور العواصف المدارية التي تحدث في هذا الجزء من المحيط الهندي في أواخر الصيف والخريف. وترتفع درجات الحرارة في النصف الجنوبي من الجزيرة في فصل الصيف. وبذلك يمكن تقسيم الجزيرة إلى ثلاثة أقاليم مناخية: الساحل الشرقي ويسود به مناخ مداري مطير "Af"، والساحل الغربي ويسود به مناخ السفانا "Aw" والمرتفعات ويسود بها مناخ معتدل دافئ "C".