الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس عشر: النباتات الطبيعية
عوامل الحياة النباتية:
تدرس الجغرافيا النباتية توزيع النبات الطبيعي على سطح الأرض وتشرح الظروف الطبيعية التي أدت إلى هذا التوزيع. ويقصد بالنبات الطبيعي ما تخرجه الأرض من نبات من تلقاء نفسها دون أن يتدخل الإنسان في هذه العملية، فإذا تدخل الإنسان فيها بغرس الأشجار أو بذر الحبوب أو ري التربة أو غير ذلك فلا يعتبر هذا نباتًا طبيعيًّا وإنما يعتبر نباتًا مزروعًا، وبمعنى آخر يمكن القول إن النبات الطبيعي هو ثمرة الظروف الطبيعية وحدها وأن الزراعة ثمرة جهود الإنسان في استغلال الظروف الطبيعية. والظروف الطبيعية التي تنتج النبات الطبيعي كثيرة ولكن أهمها التربة والمناخ حتى يمكن القول بصفة عامة أن النبات الطبيعي نتيجة التفاعل بين عاملي التربة والمناخ. وبحسب اختلاف ظروف التربة والمناخ على سطح الأرض تختلف الصور أو الأشكال الطبيعية للنبات ويمكن تحديد عدد هذه الصور أو الأشكال في ثلاثة: أشجار وحشائش وصحراء ويطلق على الظروف الطبيعية مجتمعة تعبير البيئة الطبيعية، ويحاول النبات -كأي كائن حي- أن يكيف نفسه بحسب بيئته الطبيعية وأن يتلاءم معها، فإن لم يستطع ذلك فإنه يفنى.
ولدراسة الجغرافية النباتية أهمية كبيرة إذ تتوقف على صورة النبات الطبيعي بالإقليم صورة المجهود البشري من حيث نوع الحرفة التي يحترفها السكان ودرجة تقدمهم الاقتصادي. ومن هنا كان الإلمام بتوزيع الأنواع النباتية وربط هذا التوزيع بالبيئة الطبيعية من الموضوعات التي يجب أن يعنى بها طالب الجغرافيا عناية كبيرة فالنبات نتيجة للبيئة الطبيعية من ناحية وأساس الحياة البشرية من ناحية أخرى أو هو حلقة الوصل بين الظروف الطبيعية وبين الإنسان.
ويدخل في ميدان هذه الدراسة أيضًا التي بذلها الإنسان لإزالة النبات الطبيعي وإحلال الزراعة أو الرعي أو أي نشاط بشري آخر محلها. فقد غيرت هذه الجهود البشرية من توزيع النبات الطبيعي على سطح الأرض، فلا بد لدارس الجغرافيا النباتية من أن يعنى -إلى جانب دراسة التوزيع الطبيعي للنبات- بالتعديل الذي أدخله الإنسان على هذا التوزيع.
وإذا كان النبات الطبيعي -الذي هو موضوع دراستنا- وليد البيئة الطبيعية فلا بد لدراسة هذا النبات وتوزيعه على سطح الأرض من معرفة شتى عوامل البيئة الطبيعية التي تشكله وتتحكم في توزيعه، وأهم هذه العوامل هي الحرارة والرطوبة والضوء والرياح والهواء والتربة ويمكن أن نطلق عليها جميعًا تعبير "عوامل الحياة النباتية".
والنبات كائن حي يولد ويعيش ويموت، شأنه في ذلك شأن الحيوان والإنسان وهو مثل الحيوان والإنسان أيضًا محتاج دائمًا للغذاء لكي يقيم به بنيانه، بل هو يتخير غذاءه، فإذا كان بعض الحيوان يأكل العشب وبعضه الآخر يأكل اللحم، وإذا كان الإنسان لا يأكل كل شيء بل يختار لنفسه من الأطعمة ما يريد، فكذلك النبات يحب هذا النوع من الغذاء ويكره ذاك. وإذا كان في الحيوان والإنسان ما يألف الحر وما يألف البرد فكذلك النبات. وإذا كانت حياة الحيوان والإنسان مستحيلة بغير هواء فكذلك النبات.
ولكن المشهور أن النبات يحتاج إلى الماء حاجة شديدة تفوق حاجته إلى الأشياء الأخرى، والحقيقة أن الماء بالنسبة للنبات يؤدي غرضين هما الغذاء والارتواء. إذ إن العناصر الغذائية لا يمكن أن تصل إلى جسم النبات إلا مذابة في الماء، فالماء يذيب ما في التربة من عناصر غذائية ثم يسري بها في جسم النبات فيغذيه، وبعد أن يمتص جسم النبات ما في الماء من غذاء يتخلص من الماء نفسه بطريقة البخر لكي يخلي السبيل إلى ماء جديد محمل بالغداء. أي
لا بد من وجود مجرى مائي دائم خلال النبات يصل بين الجذور -التي تمتص من التربة الماء المحمل بالغذاء- وبين الأوراق التي تتخلص من الماء الزائد بعد أن استنفذ النبات ما به من غذاء.
وهذه المادة الغذائية التي تصل إلى النبات لا قيمة لها إذا لم تحول إلى مادة حية تدخل في كيان النبات، وهذا ما تقوم به مادة البروتوبلازم التي تؤدي وظيفة تحويل المادة الغذائية إلى مادة حية تدخل في تركيب النبات. ولكن مادة البروتوبلازم لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها هذه إلا بتوفر قدر معين من الحرارة والضوء، ومن هنا كانت حاجة النبات إلى الحرارة والضوء. ومن هنا أيضًا كان تنوع النبات واختلاف أشكاله نتيجة لاختلاف الحرارة والضوء في البيئات الطبيعية المختلفة. يضاف إلى هذا أن لكل نبات جزئياته فالقدر من الماء والهواء والضوء الذي يلائم نمو الجذور قد لا يلائم نمو الأوراق أو تكون الأزهار أو نضوج الثمار، ومن هنا اختلفت حاجة النبات إلى هذه العناصر في أدوار حياته المختلفة. فمثلًا نجد من النبات ما يحتاج إلى الماء الوفير في دور الإنبات ولكنه يحتاج إلى الجفاف الشديد في دور النضوج.
والنبات من الكائنات الحية المرنة التي تغير من كثافتها وحجمها وشكلها ولونها وبنائها نتيجة لظروف البيئة الطبيعية التي تقوم فيها، ولا تقتصر حاجة النبات إلى الماء والهواء والحرارة والضوء كعناصر غذائية فحسب بل يحتاج النبات إلى هذه العناصر كوسيلة من وسائل نشر الحبوب أو وسيلة من وسائل التلقيح والإخصاب، يضاف إلى هذا أن بعض الحشرات والحيوانات تقوم للنبات بوظيفة التلقيح والإخصاب.
ويشترك النبات مع الكائنات الحية الأخرى في صفة الكفاح. فبعض النبات يكافح في سبيل الضوء وبعضه يكافح في سبيل الرطوبة، بل إن من النبات ما يعتدي على غيره من الكائنات الحية ويحاول حماية نفسه من اعتداء هذه الكائنات عليه نباتية كانت أو حيوانية أو بشرية. وسنناقش فيما يلي أهمية كل عناصر البيئة الطبيعية بالنسبة للنبات.
أثر الحرارة في النبات:
إذا كانت درجة الحرارة تقل بالتدريج من خط الاستواء إلى القطبين فكذلك الحياة النباتية تقل بالتدريج في نفس الاتجاه من حيث الحجم والكثافة والتنوع، وإذا كانت درجة الحرارة تقل بالتدريج كلما ارتفعنا من قاعدة أي جبل إلى قمته فكذلك الحياة النباتية تقل في نفس الاتجاه، وهذا دليل واضح على الارتباط الوثيق بين درجة الحرارة وبين النبات، فكلما ازدادت الحرارة كلما أسرع النبات في نموه وكبر حجمه وازدادت كثافته بشرط توفر المياه، وكلما قلت درجة الحرارة كلما أبطأ النبات في نموه وصغر حجمه وتضاءلت كثافته حتى مع توفر المياه.
ويختلف النبات بحسب مدى حاجته للحرارة، بل إن كل جزء من أجزاء النبات يحتاج إلى قدر من الحرارة يختلف عن الجزء الآخر، فيخرج البراعم في درجة حرارة معينة تختلف عن الدرجة التي يخرج فيها الأوراق أو الأزهار أو غير ذلك، ولكن أهم هذه الدرجات هي النهاية العظمى والصغرى التي يحتملها كل نبات، وتختلف النباتات عن بعضها في ذلك اختلافًا كبيرًا. فدرجة الحرارة التي لا تعلو كثيرًا عن درجة التجمد "درجة الصفر المئوي" قد تقتل نباتات المنطقة الحارة، بينما تعيش بعض نباتات المنطقة الباردة في درجة حرارة أقل من درجة التجمد بحوالي 70 درجة مئوية، وتزدهر النباتات ذات الأوراق في درجة حرارة 70 ْم، بينما بعض النباتات الأخرى من نفس المنطقة الحارة تموت في درجة تتراوح بين 35 و4 ْم.
وإذا كانت هذه النهايات المتطرفة خطرًا على حياة النبات، فإن الأخطر منها التغير الفجائي في درجة الحرارة. فالنبات الذي عاش في درجة الصفر أثناء الليل يموت إذا ما تلا ذلك صباح مشمس ترتفع فيه درجة الحرارة. ويقال دائمًا إن الزراع يخشون الذوبان الفجائي للثلج أكثر مما يخشون التجمد.
وأشد النباتات تعرضًا لأخطار النهايات المتطرفة وأخطار التغير الفجائي في
درجة الحرارة هي تلك التي تختزن كمية كبيرة من المياه في أنسجتها أو تلك التي تحتاج بسبب حياتها النشيطة إلى مجرى مائي خلالها يضمن سريان الماء بسرعة وباستمرار بين قاعدة النبات وبين قمته، فنباتات الصبير وغيرها من النباتات التي تسمى بـ "المكتنزة باللحم" -مثل هذه النباتات- قد تعيش في الصحاري الحارة ولكنها تختفي من الجهات الباردة كما أنها لا تقوى على مقاومة التقلبات الشديدة في درجة الحرارة. وعلى العكس من ذلك النباتات الهادئة البطيئة في نموها، فإنها أكثر مقاومة وأشد احتمالًا للتقلبات الحرارية، ومثل هذه النباتات يوجد خارج الجهات التي تلائم الحياة النباتية النشيطة. ويتخذ النبات وسائل واقية للحرارة والبرودة، فتوجد نباتات عارية لا يحميها شيء تتجمد لعدة شهور متتالية -في موسم الأزهار في بعض الأحيان- ثم بمجرد ذوبان الثلوج تستأنف حياتها من المرحلة التي وقفت عندها بعد التجمد، فمثل هذا النبات لم يصبه ضرر من البرد وكل ما يحدث أن يقف نموه في فترة البرد ثم يستأنف النمو في فترة الدفء.
أثر المياه في النبات:
يختلف النبات عن الحيوان والإنسان في أن اكتسابه للمياه ليس مقصورًا على ما يوجد في التربة وإنما يشمل أيضًا ما يوجد في الهواء على شكل بخار. على أن معظم النباتات الضخمة تتلقى مياهها من التربة من خلال جذورها ثم تتخلص من الزائد منه بتنفسه على هيئة بخار غير مرئي من خلال أفمام صغيرة منتشرة فوق الطبقة الخارجية للأوراق والجذوع. والجو الذي يحتوي على كمية كبيرة من بخار الماء ذو فائدة كبيرة للنبات، فإذا ما وجد بخار الماء في الهواء في أوقات متفرقة أو في حالة دائمة تغزر الحالة النباتية وتكون في حالة خضرة نضرة، وزيادة بخار الماء في الهواء عن المعتاد من الظواهر الاستثنائية ذات الصفة المؤقتة. ولذلك ليس هناك ضرر على النبات من هذه الزيادة. وأما نقص الرطوبة في الهواء فيكون في حالتين: إما النقص المؤقت كما في الأقاليم ذات الفصول الجافة والتي تهب عليها رياح جافة، وإما النقص المستمر كما في الأقاليم الصحراوية.
ويحمي النبات نفسه ضد فقدان الرطوبة من خلال أوراقه وجذوعه بعدة طرق، ولما كانت الرياح تزيد من عملية البخر، ثم هي تزداد قوة كلما ارتفعت عن سطح الأرض، فإن قوتها على إحداث البخر تزداد عند قمم الأشجار فتتأثر بهذه القوة الأشجار العالية أكثر من الأشجار الواطية، ولما كانت قمة الشجرة في الوقت نفسه هي أبعد أجوائها عن المصدر الرئيسي للماء وهو التربة، فمعنى هذا أن قمم الأشجار أكثر عرضة للجفاف لبعدها عن التربة من جهة ولازدياد تأثير الرياح عليها من جهة أخرى ونتيجة لهذا كانت الأشجار المعرضة للجفاف أقصر من تلك التي لا تخشى الجفاف، ويرتبط سمك الجذع بقصره عادة، وكذلك نجد الأوراق الحساسة التي يفقد عن طريقها معظم الرطوبة تتناقص عددًا وحجمًا في حالة الجفاف، كما تتخذ هذه الأوراق لنفسها جلدًا سميكًا أو طبقة من الشعر أو الشمع أو الصمغ أو غير ذلك لمقاومة البخر، وفي بعض الأحيان تلتف الورقة على نفسها لنفس الغرض. وأما الجذوع فإنها تحمي نفسها ضد البخر باتخاذ قشرة سميكة أو غطاء من الفلين.
وأما النباتات التي لا تخشى فقدان الماء وعلى الأخص الأشجار فتكون طويلة رفيعة وتكون ذات أوراق عريضة رقيقة وخفيفة وذات أفمام قليلة في جلدها الرقيق. وكذلك قشرة جذوعها تكون رقيقة وناعمة كما أنها تتنفس بحرية. وكثيرًا من أشجار الغابات الاستوائية تتقي التناوب بين زيادة المطر وزيادة الجفاف بأن تنقسم أوراقها إلى وريقات تتحرك بحرية وتستطيع أن تقف مستقيمة بحيث لا تعرض للشمس إلا حافاتها، وتدور مع الشمس بحيث لا يتعرض منها للشمس إلا هذه الحافات كما أنها تنحني في وقت المطر.
وإذا كانت المياه الباطنية مضمونة دائمًا فيمكنها أن تعوض أي جفاف في الهواء، كذلك إذا وجد مجرى مائي في الصحراء فإنه يضمن الحياة النباتية الغنية على شواطئه، ومثال ذلك مصر التي ما هي إلى شريط ضيق من الغنى النباتي على شاطئ النيل في قلب صحراء شديدة الجدب.
وزيادة الماء في التربة فوق القدر الذي يحتاجه النبات يضر به؛ لأنه يمنعه من
التنفس بحرية، وفي الأقطار الحارة نجد النباتات التي تنمو في مستنقعات دائمة، فلا تستطيع جذورها أن تتنفس بحرية لعدم وجود الهواء في الماء الراكد، نجد مثل هذه النباتات ذات أعضاء خاصة تظهر فوق سطح الماء للقيام بوظيفة التنفس، ومن أمثلة ذلك المانجروف الذي ينمو على شواطئ البحار في الجهات الاستوائية المنخفضة، فلهذه الأشجار جذور خاصة للتنفس. ثم إذا كانت المياه الباطنية تندر في التربة بصفة مؤقتة أو دائمة فإن النبات يتخذ لنفسه جذورًا طويلة قوية لكي تمتص المياه الباطنية على أعماق كبيرة تحت السطح. ومثال ذلك أشجار الكافور فإنها تستطيع أن تنمو نموًّا جيدًا في الأقطار الجافة بفضل جذورها الطويلة، وقد وجد أن لبعض النباتات الصحراوية جذورًا طويلة تصل إلى عمق 40 قدمًا.
وليست كل أنواع المياه مفيدة للنبات، فالمياه الملحية لا تستطيع التوغل في الجذور بل قد تمتص هي نفسها المياه من الجذور، ويحدث هذا في الجهات القلوية أو الملحية. وتحتوي المياه في كثير من المستنقعات على أحماض مشتقة من النباتات المتعفنة، وفي هذه الحالة تكون التربة الجافة أفضل من مثل هذه التربة الكثيرة المياه، وتكون نباتات مثل هذه الجهات المستنقعية على هيئة نباتات الجهات الجافة قصيرة الجذوع ذات أوراق صغيرة بل تكون عديمة الأوراق في بعض الأحيان.
وتستطيع نباتات كثيرة أن تعيش في الجهات القليلة المياه، وذلك باختزان الماء في أنسجتها والاحتفاظ بقدر دائم من هذا الماء المختزن لا تبدد منه شيئًا بالبخر، وإذا ما بدد منه شيء عوضته في الظروف النادرة التي تسقط فيها الأمطار في هذه الجهات. وبسبب الحرص على ما بها من ماء مختزن تكون أوراقها صغيرة جدًّا حتى لا تتعرض للبخر، وتوصف هذه النباتات بأنها أشبه بقرب ماء غير مسامية حتى لا ينفذ الماء منها إلى الخارج، كما تسمى أحيانًا بالنباتات البدينة أو المكتنزة باللحم وتسمى أيضًا مخازن الماء أو مستودعات الماء، ومن أمثلتها الباوباب أو شجرة خبز القرود "عيش القرود" ومن أمثلتها أيضًا أنواع الصبير المختلفة والتين الشوكي.
وخلاصة هذا كله أن كمية الماء التي يستطيع النبات أن يحصل عليها تعتبر أهم عامل يحدد شكل النبات وطريقة حياته، فالنباتات التي تنمو في الجهات ذات المياه الغزيرة -سواء في التربة أو في الجو- تكون طويلة الساق عريضة الأوراق، وأما النباتات التي تنمو في جهات محدودة المياه فإنها تكون قصيرة الساق صغيرة الأوراق وتكون ذات جذور طويلة لكي تصل إلى المياه الباطنية البعيدة الغور فتخزنها أجسامها المنتفخة.
وتسمى النباتات التي تنمو في الجهات الغزيرة الأمطار بالنباتات المحبة للمياه، ويكون نمو هذه النباتات نشيطًا وغزيرًا. وأما النباتات التي تعيش في الجهات الجافة فيكون نموها بطيئًا وتوصف بأنها من النباتات المقتصدة لأنها تقتصد في استهلاك المياه وتدخر في جسمها قدرًا منه من موسم المطر لموسم الجفاف الشديد، وتقضي هذه النباتات موسم الجفاف في نوم أو ركود أي إن نموها يقف في هذا الموسم ثم تتجدد حياتها في الأوقات التي تتوفر فيها الرطوبة، وهي حينما تنمو في موسم المطر تنمو نموًّا سريعًا جدًّا كأنها على سباق؛ وذلك لكي تستغل كل دقيقة من هذا الموسم، ويعبر بعض الكتَّاب عن هذه الحالة بأن هذه النباتات أصابتها حمى النمو، ويتكيف شكلها نتيجة للجفاف فتكون جذورها أحيانًا على شكل بصلات أو أنابيب أو مصاصات وذلك للحصول على الماء أولًا ثم اختزانه ثانيًا.
وفي جهات الجفاف الدائم تبقى معظم النباتات في حالة حياة غير محسوسة، في شكل حبوب غير ظاهرة. فإذا ما سقط مطر مفاجئ تنطلق هذه الحبوب نحو الحياة انطلاقًا سريعًا ولكن في صورة حشائش مؤقتة ثم لا تلبث أن تموت بعد أسابيع قليلة مخلفة وراءها حبوبًا جديدة تنتظر دورها في النمو تحت تأثير مطر مفاجئ آخر، على أن بعض الحبوب تبقى حية لعدة سنوات وتخرج عدة دفعات من الحشائش بعد كل مطر مفاجئ.
أثر الضوء في النبات:
الضوء ضروري لحياة النبات؛ لأن المادة الخضراء "وهي المسماة كلوروفيل"
لا تنمو ولا تعيش إلا في الضوء، والنباتات التي لا تحصل على قدر كافٍ من الضوء كما في قيعان الغابات الكثيفة تكون ضعيفة هزيلة ذات أوراق وفروع قليلة، وتميل مثل هذه النباتات إلى الطول لعلها تصل إلى الضوء في أعلى الغابة.
وإذا كان مقدار الضوء متوسطًا فإن هذا يلائم ازدهار النبات بالأوراق الخضراء ولكنه لا يكفي ازدهارها بالأزهار النضرة، وأما إذا كان مقدار الضوء وفيرًا فإن هذا يلائم النباتات القصيرة ذات الأوراق الصغيرة ولكن أزهار مثل هذه النباتات تكون كبيرة عادة وذات ألوان زاهية.
فإذا زاد الضوء عن حاجة النبات فإنه يتلف مادته الخضراء، ولذلك نجد في الأقطار ذات الشمس الساطعة أن أوراق النبات -وعلى الأخص الأشجار- تدور مع الشمس بحيث لا تعرض لأشعتها إلا حافات الأوراق، ومن الأمور الملفتة للنظر دوران الأوراق في الغابات الاستوائية.
وكثرة الضوء في بعض الأقطار الشمالية تعوض نقص الحرارة، ولذلك تزرع الحبوب في العروض العليا رغم قصر فصل الصيف وبرودته.
أثر الرياح في النبات:
كلما كان الهواء جافًّا كلما أخرج النبات ما به من ماء على هيئة بخار من خلال سطحه المعرض للهواء، ولا سيما من خلال الأوراق والمسام الموجودة في جذوعه، فإذا كان هذا البخار يحمل بعيدًا باستمرار بواسطة الهواء فإن عملية البخر من النبات ستزداد كذلك، وهذا هو التأثير الرئيسي للرياح على النبات، وإذا كانت عملية البخر بتأثير الرياح أسرع من عملية تعويض الرطوبة بواسطة الجذور فإن الأجزاء العارية من النبات تجف وتيبس، وبسبب هذا تموت الأوراق والبراعم والفروع وترجع عدم قدرة النبات على تعويض ما يفقده من رطوبة إلى جفاف التربة أحيانًا وإلى تجمدها أحيانًا أخرى، ففي كلا الحالتين لا يجد النبات ماء سائلًا يمتصه. وتوجد هذه الحالة في الجهات القطبية وفي الصحاري والنطاقات الجبلية.
والرياح القوية قد تمنع وجود النباتات الغزيرة النمو، الطويلة الجذوع، العريضة الأوراق، كما قد تحد من نمو الأشجار بصفة عامة، ويحدث حول القطبين وفوق الجبال، وحتى الأعشاب لا تستطيع النمو في الجهات ذات الرياح العنيفة كما هو الحال في جزر المحيط الهادي التي برغم توفر الماء والحرارة وكل الظروف الملائمة لوجود الغابات الكثيفة فإن حافات الجبال وقممها المعرضة للرياح العنيفة جرداء من الأشجار بل ومن الأعشاب الطويلة. وقد لوحظ أن الرياح هي التي تعين في معظم الأحوال حدود الأعشاب القطبية والألبية.
ويتخذ النبات عدة وسائل لمقاومة الجفاف الذي تسببه الرياح القوية منها قصر الجذوع وصغر الأوراق، كما تكون الأوراق سميكة قليلة المسام. وتتركز هذه المسام على الجانب السفلي للورقة متخذة شكل تعرجات وحزات، كما تكون الأعشاب والأشجار الصغيرة قزمية ومنحنية. وأما الفروع والبراعم فإن معظمها يموت ويكون ما تبقى منها قصيرًا ومتجمعًا إلى بعض حتى ينجو من أثر الرياح العنيفة.
والزوابع العنيفة قد تقتلع غابة بأكملها، كما أن الرياح البحرية المحملة بالأملاح تمنع نمو الأشجار بقرب الساحل؛ لأن الأملاح الزائدة عن الحاجة تقتل معظم النباتات، على أنه لا ينبغي أن تنسينا كل هذه العيوب فضل الرياح على النبات، إذ إن معظم الجهات المطيرة مدينة بأمطارها للرياح التي تجلب إليها الرطوبة من أماكن بعيدة، ومن أحسن الأمثلة على ذلك الرياح الموسمية والرياح الغربية.
أثر التربة في النبات:
يحصل النبات على معظم حاجته من الماء وعلى غذائه المعدني من التربة، وبهذا كانت كمية الماء في التربة من أهم الأشياء في حياة النبات، فإذا زادت هذه الكمية أو قلت عن حاجته الفعلية تعرضت حياته للخطر وتتوقف كمية الماء في التربة على حجم الذرات أو الجزئيات الصغيرة التي تتكون منها هذه التربة، فالماء ينزلق سريعًا من فوق التربة الصخرية أو يتسرب خلال شقوقها، كما أن الماء
يتوغل خلال التربات الحجرية والحصباوية والرملية إلى آخر مدى يستطيع الوصول إليه، وبذلك يترك الطبقة السطحية من التربة جافة لتأثرها بالبخر، ولذلك تكون مثل هذه التربات المسامية جافة وجرداء من النبات رغم ما يسقط عليها من أمطار. وأما التربات المكونة من الطين والطفل فتكون ذراتها دقيقة، وبذلك لا تسمح للمياه بالتسرب سريعًا إلى باطن التربة أو التبخر إلى الهواء، ومثل هذه التربات يكون أكثر خصوبة من السابقة. ويمكن القول عمومًا أن الطين والطفل والتربات السوداء تقاوم تسرب المياه إلى الباطن أو إلى الهواء، وتوصف هذه التربات بأنها ثقيلة، وأحيانًا تكون باردة لا يتخللها إلا القليل من الهواء، ويجف سطحها في بعض الأحيان فتصبح متماسكة وتكون غطاء غير مسامي شديد الضرر بالحياة النباتية.
والتربة المكونة من الطين أو الطفل أكثر أنواع التربات ملاءمة للحياة النباتية. رغم أن قيمتها الفعلية تتوقف على حالة المناخ وبعض الظروف الأخرى. وأما التربات الأخف فإنها لا توفر للنباتات تربة متماسكة يثبت فيها جذوره، وبذلك لا تصلح للحياة النباتية الكثيفة مثل الغابات. وتناسب هذه التربات الخفيفة نمو الأعشاب والشجيرات وسائر النباتات ذات الجذور الضحلة.
وتكتسب التربات التي نمت فيها النباتات مدة من الزمن خصوبة جديدة من بقايا النباتات الميتة والمتحللة مثل الجذور والأوراق والأخشاب ومن بقايا الحيوانات كالحشرات والديدان وغيرها، فإن هذه البقايا النباتية والحيوانية المتحللة تتجمع في طبقات التربة العليا مكونة ما يسمى بالتربة الخضراوية، وإذا حدث هذا التركيب في بيئة يتوفر فيها الهواء والرطوبة والدفء فإن التربة تكون شديدة الغنى بالغذاء اللازم للنبات. وأما إذا لم يتوفر الهواء والماء والحرارة فإنه تتكون من ذلك تربة رديئة تضر بالحياة النباتية. ويزداد النوع الأخير من التربة سوءًا في بعض الأحيان فتتجمع البقايا المتعفنة في هيئة طبقة داكنة اللون أسفنجية التركيب حمضية التكوين، ولا يعيش في مثل هذه التربة إلا أنواع نباتية قليلة. وفي الجهات التي تنمو فيها الحشائش بكثرة تتشابك جذيراتها التي لا حصر لها. فتكون غطاء من التربة غير مسامي، فلا يسمح بتخلل الماء
والهواء في التربة وبذلك تصبح هذه التربة ضارة بالنباتات الكبيرة وإن كانت تظل ملائمة لنمو الحشائش.
وتختلف التربات اختلافًا كبيرًا في نسبة الغذاء المعدني الذي تحتويه، وكما هو الحال في الضوء والحرارة والماء نجد لكل نبات احتياجاته الخاصة من الغذاء من حيث النوع والكمية، فالغذاء الذي يناسب هذا النوع من النبات قد لا يناسب ذاك. وفي التربات الفقيرة ينمو النبات ببطء ولا يعلو كثيرًا عن سطح الأرض، كما أن بعض النباتات لا تستطيع النمو في بعض التربات، ومثل ذلك أن غابات القسطل لا تستطيع الوجود في التربات المحتوية على الجير. كما أن كمية الملح في التربة إذا وصلت إلى حد معين استحال معه نمو معظم النباتات، ولا توجد إلا نباتات قليلة تعيش في التربة المحلية كبعض الأعشاب والشجيرات.
انقسام النبات إلى أشكال بحسب المناخ:
هناك ثلاثة أشكال رئيسية للنبات هي:
1-
الغابات
2-
الحشائش
3-
الصحاري.
ويتضح من هذه الأسماء أن الرطوبة هي العامل الأول في هذا التقسيم، سواء أكانت هذه الرطوبة على شكل مطر يسقط على الأرض أو بخار يحمله الهواء.
ثم يتدخل عامل الحرارة فيقسم كل شكل من هذه الأشكال الرئيسية إلى ثلاثة أيضًا:
فتنقسم الغابات إلى:
1-
غابات حارة
ب- غابات معتدلة
جـ- غابات باردة
وتنقسم الحشائش إلى:
أ- حشائش حارة
ب- حشائش معتدلة
جـ- حشائش باردة
وتنقسم الصحاري إلى:
أ- صحاري حارة
ب- صحاري معتدلة
جـ- صحاري باردة
العوامل التي تتحكم في توزيع النبات على سطح الأرض:
بعد أن عرفنا العوامل المؤثرة في حياة النبات ننتقل إلى دراسة العوامل التي تتحكم في توزيعه فنجد أن توزيع النبات على سطح الأرض يخضع لثلاثة عوامل رئيسية هي ما يأتي:
أولًا: التوزيع الفصلي للأمطار.
ثانيًا: التوزيع الفصلي للحرارة.
ثالثًا: نوع التربة.
فأما العامل الأول -وهو توزيع المطر- فله أهمية خاصة في العروض الدنيا والوسطى -من صفر إلى 45ْ؛ وذلك لأن الحرارة متوفرة طول العام في كل أقاليم هذه العروض، فالتباين المناخي وما يتبعه من تباين نباتي إنما يرجع هنا إلى توزيع المطر، لذلك يتخذ توزيع المطر أساسًا للتمييز بين الأقاليم النباتية في هذه العروض.
وأما العامل الثاني وهو توزيع الحرارة فله أهمية خاصة في العروض العليا -الأكثر من 45ْ؛ لأن الرطوبة متوفرة بهذه العروض بينما تقل درجة الحرارة؛ ولهذا يعتبر عامل الحرارة هو العامل الرئيسي في الاختلافات النباتية بالعروض العليا.
وأما عن العامل الثالث فإن لكل تربة معينة نبات خاص يجود فيها، ولذلك تختلف أنواع النبات وفصائله باختلاف أنواع التربة، ولكن أغلب أنواع التربة صالحة لنمو النبات ولذلك يمكن إهمال هذا العامل عند دراسة التوزيع العام للأقاليم النباتية. فالتوزيع العام وليد العوامل المناخية وحدها "الحرارة والمطر" حتى يمكن القول إن الأقاليم النباتية ما هي إلا صور مناخية. وأما أثر التربة فمقصور على إحداث بعض الاختلافات المحلية.
وقد يتغلب نوع التربة على العامل المناخي فيؤدي إلى نمو الحشائش حيث تكون ظروف المطر والحرارة ملائمة لنمو الغابات، ومثال ذلك تربة الحجر الجيري التي تتسرب منها المياه. وقد يحدث العكس فتنمو الغابات حيث تكون ظروف المطر والحرارة ملائمة لنمو الحشائش ومثال ذلك التربة الصلصالية التي تختزن المياه، ولكن تغلب عامل التربة على العامل المناخي لا يكون إلا في حالات قليلة.
وهناك مبادئ عامة في توزيع النباتات على سطح الأرض أهمها ما يأتي:
أولًا: تحتوي كل منطقة من المناطق المناخية على الأنواع النباتية الثلاثة، فالمنطقة الحارة تحتوي على غابات وحشائش وصحاري، والمنطقة المعتدلة تحتوي كذلك على غابات وحشائش وصحاري، والمنطقة الباردة تحتوي أيضًا على غابات وحشائش وصحاري، وهناك تدرج في كل منطقة من الغابات إلى الحشائش إلى الصحاري في اتجاه شمالي جنوبي وفي اتجاه شرقي غربي، أي توجد أقاليم انتقال بين الأقاليم النباتية وبين بعضها.
ثانيًا: هناك تدرج من قاعدة الجبل إلى قمته، وهذا التدريج يسير بنفس الترتيب من خط العرض الذي يقع عليه الجبل إلى القطب، فالغابات الصنوبرية التي على جبال الألب أو الهيمالايا أو الكربات، هي من نفس نوع الغابات الصنوبرية الواقعة في شمال سيبيريا وأوربا، وكذلك في أعلى الجبال يوجد ما يسمى بالحشائش الألبية وهي تعادل حشائش التندرا في أقصى الشمال.
ثالثًا: توجد اختلافات محلية في توزيع النبات في كل إقليم نتيجة لاختلاف الظروف المحلية، إذ تؤثر هذه الظروف في حالة النبات فتغير من التوزيع العام الذي ذكرناه، ولكن هذه حالات نادرة.