المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: الضغط الجوي والرياح - جغرافية المناخ والنبات

[يوسف عبد المجيد فايد]

الفصل: ‌الفصل الثاني: الضغط الجوي والرياح

‌الفصل الثاني: الضغط الجوي والرياح

الضغط الجوي ليس له أثر مباشر على نواحي البيئة الطبيعية أو البشرية كما هو الحال في حالة الحرارة والمطر، غير أن له أهمية كبيرة في أثره على حركة الرياح وبالتالي على الأمطار.

قياس الضغط الجوي: من المعروف أن الضغط الجوي عبارة عن القوة الناتجة عن ضغط الهواء أو ثقله، وهذا الثقل يتغير من وقت لآخر غير أن الإنسان لا يشعر كثيرًا بهذا التغير في الضغط كما يشعر بتغيرات الحرارة مثلًا.

وتستخدم عدة أجهزة في قياس الضغط الجوي وأهمها:

البارومتر الزئبقي: الفكرة الأساسية في عمل هذا البارومتر هو عبارة عن: أنبوبة زجاجية طولها حوالي ثلاثة أقدام تملأ بالزئبق ثم تقلب وتوضع فتحتها في إناء مملوء بالزئبق، وبذلك يتدفق الزئبق من الأنبوبة في الإناء ويصبح ارتفاع الزئبق في الأنبوبة معبرًا عن قوة الأنبوبة وإذا قل الضغط انخفض الزئبق "شكل 16" وهذا الجهاز البسيط اخترعه تورشلي Torricelli في عام 1642، ومعظم الأجهزة التي تستخدم حاليًا لقياس الضغط الجوي ليست إلا تحسينات شكلية على هذا الجهاز "شكل 17".

بارومتر أنرويد Aneroid: وهو من الأجهزة الشائعة لقياس الضغط ويتكون من صندوق معدني قابل للتمدد والانكماش، وهذا الصندوق مفرغ من الهواء ويتأثر هذا الصندوق بتغيرات الضغط الجوي، وتتصل التحركات الناتجة عن ذلك بمؤشر يدور على دائرة مقسمة حسب المقياس المستخدم "شكل 18"، غير أن

ص: 40

بارومتر أنرويد ليس دقيقًا مثل البارومتر الزئبقي، ولكنه سهل الاستعمال، ويمكن نقله من مكان لآخر بسهولة.

الباروجراف: وهو عبارة عن بارومتر أنرويد في تصميمه؛ غير أنه يسجل الضغط الجوي أثناء دورانه، وهو شبيه في هذا بالترموجراف "شكل19".

1-

الرقائق المعدنية التي تتأثر بالضغط الجوي.

2-

الرافعة المتصلة بالرقائق.

3-

الذراع.

4-

الأسطوانة الدوارة التي يرسم عليها منحنى الضغط.

وحدات الضغط الجوي: من المعروف أن عمودًا من الهواء في مساحة قدرها بوصة مربعة ويمتد من سطح الأرض إلى قمة الغلاف الغازي يبلغ وزنه 14.7رطل، وهذا الوزن يساوي وزن عمود من الزئبق طوله 29.9 بوصة أو 760ملليمترًا، ويقاس الضغط الجوي أحيانًا بوحدات يشار لها بالملليبار0.1 بوصة من الزئبق تساوي 3.4 ملليبار تقريبًا".

ص: 42

ويعتبر متوسط الضغط الجوي عند سطح البحر 29.92 بوصة أو 760 ملليمتر أو 1013.2 ملليبار.

الاختلافات في الضغط الجوي ومصدرها: يختلف الضغط الجوي من مكان لآخر ومن وقت لآخر، فنجد على سبيل المثال في خرائط الضغط الخاصة بالعالم مناطق واضحة للضغط المرتفع وأخرى للضغط المنخفض، كذلك إذا نظرنا إلى الخريطة الجوية اليومية للجمهورية العربية المتحدة أثناء فصل الشتاء نجد أنه في بعض الأحيان توجد انخفاضات جوية تمر إلى الشمال من ساحل مصر الشمالي من الغرب إلى الشرق، ويؤدي مرورها إلى حدوث تقلبات هامة في الأحوال الجوية في المنطقة.

وهناك نوعان من نظم الضغط الجوي، أولهما: مناطق ضغط مرتفع تسمى بأضداد الأعاصير أو الارتفاعات، وثانيهما: مناطق ضغط منخفض تسمى بالأعاصير أو الانخفاضات. ومناطق الضغط المرتفع والمنخفض بعضها نتيجة لظروف حرارية Thermal وبعضها لظروف ديناميكية Dynamic وبعضها نتيجة للاثنين معًا. وما دمنا نعرف أن كثافة الهواء ووزنه يتأثران بالحرارة السائدة فإنه من المتوقع أن أي اختلافات في الحرارة سوف تؤدي إلى اختلافات في الضغط الجوي، فالهواء إذا زادت حرارته فإنه يتمدد وإذا برد فإنه ينكمش؛ لذلك فعمود من الهواء الساخن الخفيف يزن أقل من عمود آخر من الهواء البارد الثقيل. ووجود الهواء الساخن الخفيف منخفض الضغط والهواء البارد الثقيل مرتفع الضغط يؤدي بدوره إلى حركة أفقية في الهواء من الضغط المرتفع إلى الضغط المنخفض. غير أنه ليس من المحتم أن تكون مناطق الدفء ذات ضغط منخفض دائمًا، ومناطق البرودة ذات ضغط مرتفع مستمر.

ومن أمثلة مناطق الضغط التي تنتج عن أثر حراري منطقة الضغط المنخفض التي توجد فوق وسط آسيا في فصل الصيف ومنطقة الضغط المرتفع التي توجد فوقها في الشتاء، ومن أمثلة مناطق الضغط الناتجة عن أثر ديناميكي مناطق الضغط المرتفع التي توجد حول خطي عرض 30 شمالًا وجنوبًا حيث تفترق الرياح فيتجه بعضها نحو خط الاستواء وهي التجاريات، والأخرى نحو الدائرتين القطبيتين وهي الرياح الغربية العكسية أو الغربيات، ويؤدي هذا الافتراق للرياح Divergence إلى وجود تيارات هوائية هابطة تعمل على زيادة ثقل الهواء ومن

ص: 43

ثم ارتفاع الضغط؛ ولا يفوتنا أن هذا العامل الديناميكي يفوق العامل الحراري في التأثير على الضغط الجوي إذ إن هذه العروض تتميز بالحرارة المرتفعة نسبيًا.

التوزيع العمودي للضغط الجوي:

حيث إن الهواء له وزن فإنه من الواضح أن يقل وزن الهواء أو ضغطه بالارتفاع، فالطبقات السفلى من الهواء هي أكثرها ضغطًا، وينخفض الضغط الجوي بمعدل بوصة واحدة أو 34 ملليبار لكل 10 قدم. ويتأثر الجسم البشري بالضغط المنخفض إذا انخفض انخفاضًا شديدًا فيصاب الإنسان بأعراض منها الإغماء وإدماء الأنف وغير ذلك. وفيما يلي جدول يوضح متوسط انخفاض الضغط بالارتفاع:

الارتفاع بالقدم الضغط الجوي بالبوصة

18.

000 41،94

17.

000 15،56

16.

000 16،21

15.

000 16،88

14.

000 17،57

13.

000 18،29

12.

000 19،03

11.

000 19،79

10.

000 20،58

9.

000 21،38

8.

000 22،22

7.

000 23،09

6.

000 23،98

ص: 44

الارتفاع بالقدم الضغط الجوي بالبوصة

5.

000 24.89

4.

000 25.84

3.

000 26.81

2.

000 27.82

1.

000 28.86

سطح البحر 29.92

التوزيع الأفقي للضغط الجوي:

يمثل توزيع الضغط الجوي في الخرائط بواسطة خطوط الضغط المتساوي lsobars وهي خطوط تصل بين الأجزاء المتساوية الضغط على ارتفاع واحد؛ حيث إن قيمة الضغط الجوي تعدل لمستوى سطح البحر كما هو الحال في خطوط الحرارة المتساوية وتوجد خرائط للضغط الجوي لتعطي صورة لتوزيع الضغط على ارتفاع 10.000قدم أو 18.000 قدم فوق سطح البحر، ولهذه الخرائط أهمية كبيرة في الدراسات المتعلقة بالرياح والسحب والأمطار.

وحيث تتقارب خطوط الضغط المتساوي من بعضها فإن هذا يعتبر دليلًا على أن الضغط الجوي عميق وأن الرياح الناتجة قوية شديدة السرعة والعكس صحيح.

ومن دراسة خرائط توزيع الضغط الجوي يتضح لنا ما يأتي:

1-

أن هناك نطاقات للضغط الجوي تمتد من الغرب إلى الشرق مع خطوط العرض ولكن هذه النطاقات تكون أحيانًا متصلة فوق اليابس والماء وأحيانًا تنفصل، ومن الملاحظ أن توزيع مناطق الضغط أكثر تجانسًا في نصف الكرة الجنوبي عنه في نصف الكرة الشمالي.

ص: 45

2-

تنتقل مناطق الضغط المرتفع والمنخفض نحو الشمال ونحو الجنوب تبعًا لحركة الشمس الظاهرية كما لاحظنا سابقًا بالنسبة لخطوط الحرارة المتساوية.

3-

مناطق الضغط المرتفع في العروض الوسطى تكون قوية في الأجزاء الشرقية من المحيطات وضعيفة في الأجزاء الغربية منها، ويرجع ذلك إلى أنه في الأجزاء الشرقية من المحيطات تكون الرياح متجهة من مناطق أبرد إلى مناطق أكثر دفئًا ويكون هواؤها ثقيلًا فيهبط في الأجزاء الشرقية وبذلك يرتفع الضغط، أما على الجانب الغربي لمناطق الضغط المرتفع؛ فإن الهواء يكون قادمًا من العروض الاستوائية وحرارته مرتفعة فيميل إلى الصعود إلى أعلى، وبذلك يساعد على انخفاض الضغط في هذا الجزء، يضاف إلى ذلك أن الأجزاء الشرقية من المحيطات في هذه العروض تتميز بمرور تيارات بحرية باردة تعمل على خفض حرارة الهواء وزيادة وزنه وبالتالي ارتفاع ضغطه، ومن أمثلة ذلك تيار كناريا البارد في الجزء الشرقي من المحيط الأطلسي الشمالي، أما السواحل الغربية للمحيطات في هذه العروض فتمر بها تيارات بحرية دفيئة تعمل على زيادة حرارة الهواء الموجود في المنطقة، وتمدده وبالتالي انخفاض ضغطه، ومثال ذلك تيار الخليج الدافئ على السواحل الشرقية للولايات المتحدة.

4-

مناطق الضغط المرتفع فوق القارات تتحول إلى مناطق للضغط المنخفض أثناء فصل الصيف بسبب ارتفاع الحرارة فوق اليابس في ذلك الفصل.

5-

الضغط المنخفض حول الدائرة القطبية الجنوبية يكون نطاقًا متصلًا "شكل 20" بينما نصف الكرة الشمالي نجد هذا النطاق متقطعًا في عدة مراكز تقوي أو تضعف تبعًا للفصول، ففي يناير نجد مركزين واضحين للضغط المنخفض: أحدهما فوق المحيط الهادي الشمالي "الانخفاض الألوشي" والآخر فوق المحيط الأطلسي الشمالي "الانخفاض الأيسلندي" ولكن هذين الانخفاضين يضعفان في يوليه إلى درجة كبيرة.

ص: 46

6-

في يناير تتكون منطقة قوية للضغط المرتفع فوق وسط آسيا وأخرى أقل قوة فوق وسط أمريكا الشمالية "شكل 21".

ونلاحظ أنه مع زيادة الارتفاع عن سطح البحر تبدأ مناطق الضغط التي توجد بالقرب من السطح في الضعف والتغير بحيث نجد على ارتفاع حوالي 10.00

"شكل 20"

قدم أن الضغط يصبح مرتفعا عند خط الاستواء ويأخذ الضغط في الانخفاض نحو القطبين وهذا ما يؤدي إلى وجود تيارات هوائية عليا تتجه بصفة عامة من منطقة خط الاستواء نحو القطبين.

ص: 47

الرياح:

قياس اتجاه الرياح:

يستخدم في قياس اتجاه الرياح جهاز يسمى دوارة الرياح Wind Vane "شكل 23" وتسمى الرياح باسم الجهة التي تهب منها: أي الاتجاه الذي يشير إليه سهم دوارة الرياح: أي أن اتجاه الرياح يكون شرقيًا إذا هبت الرياح من الشرق. ويبلغ طول دوارة الرياح عادة 30 بوصة وتركب على قوائم ويكون لها ذيل من جزأين، كل جزء عرضه 8 بوصات وطوله 12بوصة، والزاوية المحصورة بينهما 22 درجة وهناك جهاز يسمى إيروفين Veroane يعطي تسجيلًا مستمرًا لاتجاه الرياح.

قياس سرعة الرياح:

ويستخدم في قياس سرعة الرياح جهاز يسمى

"شكل 23" دوارة الرياح

ص: 50

أنيموميتر Anemometer وأشهرها أنيوميتر روبنسون وهو عبارة عن عمود مثبت فيه عدد من أنصاف الدوائر المعدنية، ويتصل العمود بعداد، وعندما تدور الأجزاء المعدنية بفعل الرياح يسجل العداد قراءات يمكن ملاحظتها في فترة محددة من الزمن ثم تحسب سرعة الرياح على أساسها "شكل 24".

وهناك جهاز حديث يعطي سرعة الرياح ويسمى أنيموسكوب Anemoclpe والعوامل التي تؤثر في حركة الرياح هي:

الضغط الجوي واختلافاته: السبب الأساسي في هبوب الرياح هو الاختلاف في الضغط الجوي من مكان لآخر وبذلك يكون هبوب الرياح عبارة عن محاولة من الطبيعة لإيجاد حالة من التوازن ويدل اتجاه خط الضغط المتساوي على اتجاه الرياح إذ تهب الرياح عادة شبه موازية لخطوط الضغط إلا في حالات خاصة.

"شكل 24" الأنيموميتر

ص: 51

انحراف الرياح بسبب دوران الأرض حول نفسها: لو أن الأرض كانت ثابتة لوجدنا أن الرياح تهب مباشرة وفي خط مستقيم من الضغط المرتفع إلى الضغط المنخفض، غير أنه بسبب دوران الأرض فإن الرياح في هبوبها يصيبها انحراف عن الاتجاه المباشر فتنحرف على يمين اتجاهها في نصف الكرة الشمالي وعلى يسار اتجاهها في نصف الكرة الجنوبي، ويسمى هذا بقانون فرل Ferrl Law "شكل 25".

اتجاهات الرياح حسب قانون فرل

"شكل25"

ص: 52

الارتفاع عن سطح الأرض وأثره على سرعة الرياح:

تزداد سرعة الرياح عادة بالارتفاع عن سطح الأرض، وتكون الزيادة كبيرة في المائة قدم الأولى، إذ تبلغ سرعة الرياح عند ارتفاع 33 قدمًا ضعف سرعتها على ارتفاع 1.5 قدم، والسبب في انخفاض سرعة الرياح في الجزء الأسفل من الغلاف الغازي هو وجود عوائق السطح، وتعمل عوائق السطح أيضًا على تغيير اتجاه الرياح وانقسام التيار الهوائي الواحد إلى عدة أقسام حسب شكل التضاريس أو وجود مباني أو أشجار أو غير ذلك

الرياح السطحية الدائمة:

يقصد بالرياح السطحية تلك التي تهب في الجزء السفلي من الغلاف الغازي على ارتفاع يتراوح بين 1.000 و 2.000 قدم من سطح الأرض، ومن الصورة العامة لتوزيع مناطق الضغط على سطح الكرة الأرضية يمكن لنا رسم صورة عامة للرياح السائدة، فمن منطقتي الضغط المرتفع عند خطي عرض 30 درجة شمالًا وجنوبًا تهب رياح متجهة نحو منطقة الضغط المنخفض الاستوائي وتسمى هذه الرياح التجارية وهي بسبب دوران الأرض حول نفسها تصبح شمالية شرقية إلى شمال خط الاستواء وجنوبية شرقية في النصف الجنوبي. كذلك تهب رياح من مناطق الضغط المرتفع عند 30 شمالًا وجنوبًا إلى مناطق الضغط المنخفض حول الدائرتين القطبيتين في الشمال والجنوب وهذه هي الرياح الجنوبية الغربية في نصف الكرة الشمالي الغربية في نصف الكرة الجنوبي، وهذه هي الرياح العكسية. أما فيما وراء خطي عرض 60 أو 65 شمالًا وجنوبًا فإن الأرصاد الجوية قليلة ولا يمكن الاعتماد عليها في رسم صورة واضحة للرياح في تلك الجهات، وإن كانت بعض الدراسات المتناثرة تدل على أن هناك رياحًا قطبية

ص: 53

شرقية تهب شمالية شرقية في نصف الكرة الشمالي وجنوبية شرقية في نصف الكرة الجنوبي.

وفي النطاق الذي تتقابل فيه الرياح التجارية من الشمال ومن الجنوب وذلك في العروض الاستوائية يوجد نطاق تسود فيه رياح متغيرة وضعيفة ويسمى هذا النطاق بأسماء مختلفة مثل الجبهة المدارية lnter-trcpical covergence أو منطقة الركود الاستوائي Doldrnms كذلك يوجد بين منطقة التفرقة بين الرياح التجارية والرياح الغربية العكسية في نصفي الكرة نطاق آخر تسود فيه رياح ضعيفة متغيرة وذلك حول خطي عرض 30 شمالًا وجنوبًا ويسمى هذا النطاق عروض الخيل Horse Latitudes "شكل 75".

غير أن هذه الصورة العامة لتوزيع الرياح تعدل منها بعض الظروف المحلية مثل تداخل اليابس والماء أو وجود المرتفعات ويحدث ذلك على وجه الخصوص في نصف الكرة الشمالي.

وفيما يلي بعض صفات الرياح السطحية الدائمة كل على حدة:

الرياح التجارية: Trades تهب الرياح التجارية -كما ذكرنا- من نطاق الضغط المرتفع في عروض الخيل نحو نطاق الضغط المنخفض الاستوائي. ويتمثل الضغط المرتفع فيما وراء مدار السرطان في منطقة الضغط المرتفع الأزوري في المحيط الأطلسي الشمالي ومنطقة الضغط المرتفع في المحيط الهادي الشمالي ومنطقتي الضغط المرتفع فوق كتلتي أوراسيا وأمريكا الشمالية في يناير، أما في نصف الكرة الجنوبي فتتمثل في مناطق ضغط مرتفع فوق المحيطات الثلاثة الجنوبية ومناطق الضغط المرتفع فوق قارات استراليا والنصف الجنوبي من إفريقيا وأمريكا الجنوبية وهي توجد في فصل الشتاء الجنوبي فقط، ومن المعروف أن

ص: 54

الرياح التجارية تهب شمالية شرقية في نصف الكرة الشمالي، وجنوبية شرقية في نصف الكرة الجنوبي متجه نحو منطقة الضغط الاستوائي، غير أن منطقة الضغط المنخفض عند خط الاستواء تنتقل إلى الشمال قليلًا في فصل الصيف الشمالي مع حركة الشمس الظاهرية فتضطر الرياح التجارية إلى عبور خط الاستواء الفلكي لكي تصل إلى منطقة الضغط المنخفض وبذلك يصبح اتجاهها جنوبية غربية، وتحدث حالة مماثلة في الصيف الجنوبي عندما تنتقل منطقة الضغط المنخفض الاستوائي إلى جنوب خط الاستواء فتعبر الرياح التجارية الشمالية الشرقية خط الاستواء ويصبح اتجاهها شمالية غربية.

والرياح التجارية تتصف بعدم التغير من وقت لآخر، وقد أدى هذا إلى تسميتها بالتجاريات فهي ثابتة في سرعتها، كذلك تقل الاضطرابات الجوية في مناطق نفوذ الرياح التجارية إذا قورنت بالرياح الغربية العكسية، وتبلغ سرعة الرياح التجارية عادة ما بين 16، 24 كيلو متر في الساعة، غير أنها أكثر هدوءًا في الأجزاء الشرقية من المحيطات، أما في الأجزاء الغربية فهي أقل استقرارًا. كذلك نجد أن الرياح التجارية أسرع في نصف الكرة الجنوبي "حوالي23 كيلو متر في المتوسط" منها في نصف الكرة الشمالي "حوالي 18 كيلو متر في المتوسط" والسبب في هذا أن المسطحات المائية التي تغلب على نصف الكرة الجنوبي لا تمثل عائقًا يحد من سرعة الرياح، بينما في نصف الكرة الشمالي حيث يغلب اليابس والتضاريس المرتفعة فتقل سرعة الرياح نتيجة لهذه العوائق.

الرياح الغربية: تخرج هذه الرياح من مناطق الضغط المرتفع حول خطي عرض 30 شمالًا وجنوبًا متجهة نحو القطبين، فهي بذلك تختلف عن الرياح التجارية في أنها تتحرك من جهات معتدلة إلى جهات باردة نسبيًا، ولذلك فهي تحمل إليها الدفء على عكس الرياح التجارية التي تعمل على تلطيف حرارة الجهات المدارية التي تسود فيها.

ص: 55

والرياح الغربية العكسية رياح متغيرة من وقت لآخر، إذ تتغير في سرعتها واتجاهها تغيرًا كبيرًا، خاصة وأن نطاق الرياح الغربية تسود به الأعاصير التي تنتقل من الغرب إلى الشرق. وأثناء هبوب تلك الأعاصير تسود اضطرابات في اتجاه الرياح وسرعنها وقد تحدث عواصف كما قد تهب رياح من جميع الجهات، والرياح الغربية -كما هو الحال في جميع المظاهر المناخية الأخرى- أكثر انتظامًا في نصف الكرة الجنوبي عنها في نصف الكرة الشمالي، كما أن الرياح الغربية تتصف بزيادة قوتها في فصل الشتاء عنها في فصل الصيف وخاصة في نصف الكرة الشمالي، فعندما تصبح القارات مناطق ضغط منخفض في الصيف يقلل هذا من حدة الاختلاف في الضغط بين مناطق الضغط فوق القارات، وفوق المحيطات، وبالتالي يؤدي ذلك إلى ضعف الرياح.

الرياح القطبية: تهب هذه الرياح من منطقتي الضغط المرتفع القطبي نحو مناطق الضغط المنخفضة عند الدائرتين القطبيتين الشمالية والجنوبية، والرياح القطبية تكون شمالية في نصف الكرة الشمالي وجنوبية شرقية في نصف الكرة الجنوبي، وهي رياح ضعيفة عادة، ولذلك عندما تلتقي الرياح الغربية العكسية قد تطغى عليها الأخيرة وتسود في مناطق نفوذها، ويؤدي التقاء الرياح القطبية بالرياح العكسية إلى تكوُّن جبهة هوائية تتولد على طولها الانخفاضات الجوية أو الأعاصير التي تتحرك من الغرب إلى الشرق والتي سنتكلم عنها بالتفصيل فيما بعد.

الرياح الموسمية:

الرياح الموسمية Monsoons أثر مباشر للاختلافات الحرارية بين اليابس والماء بحيث يؤدي ذلك إلى تغير في الضغط الجوي من فصل لآخر، ومن ثم إلى نشأة نظام فصلي للرياح في تلك الجهات، والسبب في هذا الوضع هو الاختلاف في درجة التسخين والبرودة بين اليابس والماء، ففي فصل الشتاء تبرد الكتل اليابسة بدرجة

ص: 56

أكثر من البحار المجاورة، ويؤدي إلى زيادة كثافة الهواء فوق اليابس وبالتالي إلى ارتفاع الضغط فوق اليابس عنه فوق الماء، وينتج عن ذلك هبوب الرياح الموسمية الشتوية، ولأن الرياح الموسمية الشتوية تنشأ فوق اليابس البارد فإنها عادة جافة وباردة.

أما في فصل الصيف فينعكس الوضع إذ تصبح الحرارة مرتفعة في المناطق القارية مما يؤدي إلى تركز مناطق للضغط المنخفض فوق اليابس، بينما يكون الضغط فوق الماء أكثر ارتفاعًا ويترتب على ذلك هبوب رياح من البحر إلى اليابس، وهذه هي الرياح الموسمية الصيفية، وبما أن هذه الرياح تنشأ فوق الماء فإنها تكون رطبة ودفيئة وتحمل معها الأمطار "شكل 26".

وتعتبر الرياح الموسمية ذات أثر كبير من حيث الحرارة وسقوط المطر في المناطق التي تسود فيها، وينتج عن هذا اختلافات موسمية واضحة في الأحوال المناخية، في تلك المناطق، فالصيف يتميز بالدفء والمطر بينما الشتاء يتميز بالبرودة والجفاف، ويجب أن نلاحظ أن النظام الموسمي ما هو إلا تعديل للنظام العادي للرياح في تلك المناطق. فعلى سبيل المثال في شرق آسيا تهب رياح شمالية في فصل الشتاء على الأجزاء الجنوبية والشرقية من القارة وهذه هي الموسمية الشتوية أو بمعنى آخر هي الرياح التجارية الشمالية الشرقية معدلة تعديلًا بسيطًا.

مناطق نفوذ الرياح الموسمية: تعتبر قارة آسيا أهم مناطق نفوذ الرياح الموسمية، ويدخل تحت تأثير الرياح الموسمية كل الأجزاء الشرقية والجنوبية الشرقية من القارة ممتدة من منشوريا وكوريا واليابان نحو الجنوب الشرقي إلى الهند وباكستان، وفي الواقع يوجد في قارة آسيا نوعان للرياح الموسمية هما:

1-

الرياح الموسمية الشرقية التي تؤثر في الصين واليابان وكوريا وهي تتصف بأنها أقوى في الشتاء عن فصل الصيف، وفي كلا الفصلين ينقطع هبوب الرياح الموسمية أحيانًا بسبب مرور الانخفاضات الجوية في هذه العروض، وينتج عن الرياح الموسمية الشتوية انخفاض شديد في درجات الحرارة على طول سواحل شرقي آسيا، وهي في الواقع من أكثر جهات العالم انخفاضًا في الحرارة

ص: 57

في ذلك الفصل خاصة وأن هذه المناطق ليست مرتفعة ارتفاعًا كبيرًا عن سطح البحر، كذلك تتميز هذه الرياح الموسمية بجفافها كما هو الحال في شمال الصين وفي منشوريا، غير أنه عندما تحدث جبهات بين تيارين هوائيين مخلتفين كما هو الحال فوق اليابان وجنوب الصين فإن الأمطار تسقط بكميات متوسطة، وإن كانت كميتها أقل من المطر الصيفي الذي ينتج عن الرياح الموسمية الصيفية.

2-

الرياح الموسمية في جنوب آسيا: وهي من أصل مداري وترتبط بانخفاض شديد في الضغط الجوي فوق شمال الهند وتكون أشد عنفًا في فصل الصيف عنها في فصل الشتاء، وفي الواقع ليست الرياح الموسمية الشتوية سوى الرياح التجارية العادية كما ذكرنا من قبل، وتسقط الرياح الموسمية الصيفية كميات هائلة من الأمطار، أما في فصل الشتاء فإن الرياح الموسمية الشتوية تتصف بالجفاف إلا في حالة مرور الرياح على مسطحات مائية ثم مقابلتها لمرتفعات كما يحدث على ساحل كرومندل في شرق الهند وفي جزيرة سيلان.

وفيما عدا آسيا فإن النظام الموسمي ليس في نفس القوة ويوجد نظام شبه موسمي في جنوب وجنوب شرق الولايات المتحدة وفي شمال استراليا وفي الحبشة وسواحل اليمن وعسير وغير ذلك.

الرياح المحلية:

أولًا: الرياح المحلية الحارة:

1-

الخماسين: الخماسين رياح رملية هواؤها شديد الحرارة تهب من الجهات الصحراوية الجنوبية على شمال مصر، ويرجع سبب هبوبها إلى مرور انخفاضات جوية آتية من الغرب بعضها يتجه في سيره على طول ساحل البحر المتوسط وهذا النوع كثير الحدوث في شهر فبراير وبعضها الآخر يأتي على طول الصحراء الليبية وهو النوع الغالب في شهري إبريل ومايو.

ص: 58

"شكل 26"

ص: 59

وتهب الخماسين على مصر في فترات متقطعة أثناء فصل الربيع، وإن كانت موجاتها لا تستمر أكثر من يومين أو ثلاثة في كل مرة. ويذكر المستر ستون Sutton في إحدى مقالاته عن الخماسين1 أن عدد الموجات التي سجلت في مدة 16 سنة كانت 185 موزعة كالآتي:

فبراير مارس أبريل مايو يونية

41 44 48 34 18

ويقصر البعض اسم الخماسين على الموجات الحارة التي تحدث ابتداءً من شهر إبريل، ولذلك يصح أن نميز بين الموجات المبكرة "فبراير ومارس" وبين الموجات المتأخرة "إبريل ومايو ويونية"، فالأولى عبارة عن رياح خماسينية قصيرة المدى تدوم نحو يوم أو يومين، بينما الموجات التي تحدث في شهري إبريل ومايو تسبب ارتفاعًا شديدًا في الحرارة لمدة قد تصل إلى ثلاثة أيام. أضف إلى ذلك أن الموجات المتأخرة نحس بها أكثر، وتأثيرها أوضح من سابقتها؛ وذلك لأن الشمس في شهر أبريل تكون قد تحركت حركتها الظاهرية من خط الاستواء واتجهت شمالًا صوب مدار السرطان فتكون الصحراء الكبرى قد ارتفعت حرارتها تبعًا لذلك، فإذا مر انخفاض جوي على سواحل مصر هبت من الصحراء رياح ساخنة حارة وفي الواقع أن هبوب الرياح من الجنوب نحو شمال مصر لا يقتصر على فصل الربيع، وإنما هو يحدث حتى في أوائل فصل الشتاء أي قد يحدث في شهر ديسمبر نتيجة لمرور انخفاض جوي مبكر، غير أنه في ذلك الوقت من السنة لا يوجد فرق كبير بين حرارة الجنوب والشمال فوصول هواء من الصحراء إلى مصر السفلى لا تكون له آثار جوية تذكر.

ويبدأ الانخفاض الجوي عادة في التكون في الغرب ثم يتحرك شرقًا نحو الدلتا فإذا كان الانخفاض شديد العمق اشتد هبوب الرياح، ولرياح الخماسين آثار سيئة على النباتات خاصةً في محافظتى الجيزة والقليوبية حيث تقع أكبر مساحة

1 Sutton، L.J. & Barometric Dapression of the kham asin Tybe، physical Deparment paper، Government press Gairo 1932

ص: 60

من أراضي الخضر، والفاكهة في مصر، وتتعرض مثل هذه المزروعات الحساسة للتلف الذي ينجم عن انخفاض الرطوبة النسبية انخفاضًا واضحًا دون المعدل.

2-

السيروكو والسولانو: السيروكو رياح شديدة العنف تهب من شمال إفريقيا إلى صقلية وجنوب إيطاليا واليونان، ويساعد على شدتها التغير السريع في الضغط الجوي من الجنوب إلى الشمال، وتعمل السيروكو على رفع درجة الحرارة في كثير من المناطق التي تهب عليها وخاصة في فصل الربيع، كما أن السيروكو تتميز بالرطوبة العالية ذلك لأنها تحمل بخار الماء نتيجة لمرورها فوق البحر المتوسط؛ لذلك فهي تؤدي إلى مضايقة الإنسان بسبب اجتماع الحرارة والرطوبة، كذلك للسيروكو آثار سيئة على النباتات، فكثير من أشجار الفاكهة التي يشتهر بها إقليم البحر المتوسط يتلف بسببها

أما السولانو فهي رياح ساخنة شأنها في ذلك شأن رياح السيروكو وتهب هذه الرياح على جنوب أسبانيا وبخاصة منطقة جبل طارق "شكل27".

3-

رياح الهرمطان: وهي نوع آخر من الرياح المحلية الساخنة التي تحمل الرمال، وتهب من الصحراء الكبرى في فصلي الشتاء والربيع نحو ساحل غانا

ص: 61

وإفريقيا الغربية، وسبب هبوبها التباين بين الضغط المرتفع فوق الصحراء الكبرى في الشتاء وبين الضغط المنخفض الاستوائي، وتؤثر رياح الهرمطان على زراعة القطن في شمال نيجيريا؛ لذلك يقوم السكان بزراعة أشجار نخيل الزيت لصد هذه الرياح، وتثير رياح الهرمطان أثناء هبوبها سحبًا من الرمال والأتربة فوق اليابس الإفريقي والسواحل الغربية للقارة المطلة على المحيط الأطلسي.

ومن أمثلة رياح الهرمطان رياح الهبوب التي تهب على أواسط وشمال السودان في فصل الصيف وهي ناتجة عن ارتفاع درجة حرارة اليابس ارتفاعًا كبيرًا خلال هذا الفصل، مما يؤدي إلى تكون مناطق ضغط منخفض محلية ينخفض فيها الضغط انخفاضًا شديدًا، بحيث يؤدي هذا إلى حدوث تيارات هوائية صاعدة محملة بالأتربة، وفي نفس الوقت تعمل الرياح الجنوبية على تجمع الأتربة في تلك المناطق المتفرقة ودفعها على هيئة سحب هائلة من التراب.

ومن أمثلة الرياح المحلية الحارة أيضًا رياح تعرف باسم لفش Leveshe تهب على الأجزاء الجنوبية من أسبانيا قادمة من الجنوب الشرقي، وكذلك رياح البريكفيلدرز Brickfielders التي تهب على جنوب استراليا في الربيع والصيف ورياح زوندا Zonda التي تهب على إقليم بتاجونيا في جنوب الأرجنتين ورياح الجبلي في طرابلس الغرب وغير ذلك.

ثانيا: الرياح المحلية الدفيئة:

1-

رياح الفهن Fohn، وهي رياح دافئة جافة تهب على المنحدرات الشمالية لجبال الألب في أوربا خاصة في سويسرا وألمانيا، وهي تهب عندما يوجد ارتفاع جوي في منطقة سهل لمباردي ثم يمر انخفاض جوي فوق وسط أوربا من الغرب إلى الشرق، فيؤدي هذا إلى اندفاع الهواء من الضغط المرتفع نحو الضغط المنخفض، ويضطر هذا الهواء إلى عبور مرتفعات الألب ويصعد على المنحدرات الجنوبية، فتنخفض حرارته ويحدث تكاثف وسقوط أمطار على هذه السفوح، ثم يبدأ الهواء في الهبوط على المنحدرات الشمالية ويؤدي هبوطه إلى تسخينه وارتفاع حرارته Adiabetic heating هذا بالإضافة إلى الحرارة

ص: 62

الكامنة التي تضاف إلى الهواء نتيجة لعملية التكاثف؛ لذلك يصبح هذا الهواء دفيئًا وجافًا، وقد ترتفع درجة الحرارة في الجهات التي تتأثر برياح الفهن 12درجة م غير أن هذا الارتفاع في الحرارة لا تكون له آثار سيئة مثل رياح الخماسين أو السيروكو، إذ إن السكان في وسط أوربا يرحبون عادة بوصول الفهن التي تعمل على إذابة الثلوج، ويستفاد منها في نضج بعض المحاصيل في جنوب ألمانيا والنمسا كالتفاح والكمثري غير أنه بسبب جفافها قد تؤدي إلى حدوث حرائق في الغابات لأنها لا تعمل على جفاف الأشجار.

2-

الشنوك Chinook: وهي تشبه الفهن إلى حد كبير، وتهب رياح الشنوك في فصلي الشتاء والربيع من المحيط الهادي نحو غرب أمريكا الشمالية فتعترضها جبال روكي فيضطر الهواء إلى الصعود على السفوح الغربية للمرتفعات ثم الانحدار بشدة على سفوحها الشرقية، وكلمة شنوك ذات أصل هندي أمريكي وتعني آلة الثلوج إذ إن هذه الرياح تعمل على رفع درجة الحرارة وتساعد على إذابة الثلوج ونضج بعض الغلات في براري كندا والولايات المتحدة.

ومن أمثلة الرياح المحلية الدفيئة أيضًا رياح سانتا أنا Santa Anna وهي تهب على جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة في فصلي الربيع والشتاء عندما يوجد ضغط مرتفع إلى الشرق من المرتفعات الغربية فيخرج منه الهواء ويعبر المرتفعات ثم ينحدر إلى الساحل الغربي دفيئًا وجافًا.

ثالثا: الرياح المحلية الباردة:

1-

المسترال Mistral: وهي رياح شديدة البرودة، وتهب في فصل الشتاء من أواسط فرنسا نحو الجنوب على طول وادي الرون وتندفع بسرعة إذ يتراوح متوسط سرعتها بين 55، 65 كيلو مترا في الساعة؛ والسبب في هبوب هذه الرياح هو مرور الانخفاضات الجوية على الحوض الغربي للبحر المتوسط مما يؤدي إلى جذب الرياح من داخل القارة الأوربية، وبسبب وجود الحواجز الجبلية تضطر الرياح إلى البحث عن منفذ تسلكه فتجد أمامها وادي الرون فتندفع على طوله بسرعة كبيرة.

ص: 63

ولرياح المسترال آثار سيئة على المزروعات في المنطقة، وقد عملت الحكومة الفرنسية على تلافي أضرارها بواسطة زراعة نطاقات الغابات على طول الريفيرا الفرنسية.

2-

البورا: Bora وهي رياح شمالية باردة، وهي تشبه المسترال إلى حد كبير، ومنطقة نفوذها في حوض البحر المتوسط أيضًا، وتهب البورا في فصل الشتاء في منطقة البحر الأدرياني ويكون اتجاهها شماليًا ثم تعبر جبال الألب الدينارية وتهبط على سفوحها الغربية فترتفع حرارتها نتيجة لذلك وتكتسب صفة الفهن.

وهناك أمثلة أخرى للرياح المحلية الباردة غير المسترال والبورا، مثال ذلك الرياح التي تهب على طول ساحل نيو سوث ويلز في استراليا وتعرف باسم Southely Busters وتعمل هذه الرياح على خفض درجات الحرارة إلى أكثر من 15 درجة م خلال بضع دقائق من هبوبها. ويساعد على هبوب هذه الرياح مرور انخفاضات جوية عميقة على البحار المجاورة، كذلك تهب على البرازيل رياح جنوبية وجنوبية غربية باردة في فصل الشتاء تعرف باسم رياح بامبيرو Pampero سببها مرور انخفاضات جوية في الأجزاء الشمالية من البرازيل متجهة من الغرب إلى الشرق.

هناك نظم يومية للرياح تنشأ نتيجة لظروف محلية خاصة. ولهذه آثار مناخية هامة في الجهات التي تهب فيها ومن أمثلة الرياح اليومية نسيم البحر والبر ونسيم الوادي والجبل.

1-

نسيم البحر ونسيم البر: في الجهات المدارية وفي العروض المتوسطة يصبح لنسيم البحر ونسيم البر أثر واضح في المناخ، ونسيم البحر والبر ما هو إلا صورة مصغرة من الرياح الموسمية، غير أن حركة الهواء يومية بدلًا من أن تكون فصلية، ويهب نسيم البحر نحو اليابس الساخن أثناء النهار، ومن اليابس البارد أثناء الليل يهب نسيم البر نحو الماء "شكل 29" تأثير نسيم البحر إلى مسافة حوالي 15 أو 20 كيلو مترًا من الساحل وذلك في العروض المدارية،

ص: 64

أما في العروض المعتدلة حيث يقتصر أثر نسيم البحر على فصل الصيف، فإن أثره يصل إلى مسافة محدودة من الساحل. ويشتد أثر نسيم البحر على طول السواحل المدارية الجافة وعلى طول السواحل التي تمر بجوارها تيارات باردة بحيث

يصبح الفرق واضحًا بين حرارة الماء وحرارة اليابس، ونسيم البر أضعف عادة من نسيم البحر، وفي الجهات المدارية نجد أن لنسيم البحر أثر ملطف إذ قد يؤدي هبوبه إلى انخفاض درجة الحرارة حوالي 8 أو 10 درجات مئوية في ظرف

ص: 66

1/4 أو 1/2 ساعة؛ لذلك كانت تلك السواحل مرغوبة لسكنى الإنسان خاصة في فصل الصيف.

2-

نسيم الجبل ونسيم الوادي: وهو يشبه نسيم البحر والبر من ناحية

"شكل 30"

أنه رياح يومية، ففي أثناء النهار يسخن الهواء في الأودية فيتمدد ويصعد إلى أعلى، وهذا الهواء الدافئ المتصاعد يسمى نسيم الوادي ويرى أثره في ظهور

ص: 67

السحاب المرتفع من النوع التراكمي Cumulus لذلك قد تسقط الأمطار بعد الظهر نتيجة لعملية التصعيد هذه، وبعد غروب الشمس يبدأ الهواء على المرتفعات في البرودة فيزداد وزنه ويتزلق إلى أسفل ليجتمع في بطون الأودية ويسمى هذا الهواء البارد نسيم الجبل "شكل 29".

العواصف المدارية:

توجد عواصف من أنواع مختلفة في العروض المدارية، ولكن أشدها عنفًا هي التي توجد في نطاق الرياح التجارية الشمالية الشرقية، ولذلك كانت معظم المناطق التي تتأثر بالعواصف المدارية تقع على الجوانب الغربية من المحيطات، وتحدث معظم العواصف المدارية فوق الماء والأجزاء اليابسة التي تتأثر بها محدودة، وهذه العواصف المخربة تشبه إلى حد كبير أعاصير العروض المعتدلة، ومن أهم ما يميز العواصف المدارية أنها شديدة السرعة والانخفاضات الجوية التي تصاحبها شديدة العمق؛ وتصل سرعة الرياح في هذه العواصف أحيانًا إلى 120 كيلو مترًا في الساعة كما أن الأمطار التي تسقط نتيجة لها تكون غزيرة جدًا على هيئة سيول ولا يوجد اختلاف كبير في كمية المطر أو في توزيع الحرارة في أجزاء العاصفة المدارية، ويكثر مرور العواصف المدارية في فصلي الصيف والخريف، ولكل عاصفة مركز أو عين، وهذه عادة تتصف بالهدوء ويخلوها من السحب، ونصف قطر هذه العين يتراوح بين 8، 40 كيلو مترًا. وينتج عن العواصف المدارية تخريب شديد المناطق الساحلية التي تمر بها العاصفة وترتفع الأمواج فتغرق الشواطئ.

وأهم المناطق التي تتأثر بالعواصف المدارية هي:

1-

منطقة البحر الكاريببي بما في ذلك خليج المكسيك، وتهب على هذه الجهات عواصف مدارية تعرف باسم الهريكين Hurricanes وتتولد هذه العواصف فوق خليج المكسيك أو فوق البحر الكاريببي أو فوق المحيط الأطلسي الجنوبي، ومن هذه المناطق تتجه عواصف الهريكين نحو شبه جزيرة فلوريدا

ص: 68

وهي أكثر جهات الولايات المتحدة تأثرًا بهذه العواصف كذلك يتأثر بها جنوب شرق وشرق الولايات المتحدة ثم يتلاشى أثرها قرب لونج إيلاند Long lsland قريبًا من مدينة نيويورك.

وموسم الهريكين يشمل أواخر فصل الصيف وأوائل الخريف خاصة شهري أغسطس وسبتمبر، وهي تهب سبع مرات في السنة في المتوسط، ولكل عاصفة تاريخ حياة وأدوار يتتبعها رجال الأرصاد الجوية ويسجلون حركتها وتطورها ويصدرون إنذاراتهم لسكان المناطق المعرضة لخطر العاصفة، وتفقد الهريكين قوتها إذا تحركت فوق اليابس؛ ذلك لأنها تفقد العامل الأساسي في قيامها واستمرارها ألا وهو بخار الماء الذي تستمده من المسطحات المائية، وقد تتجدد العاصفة بمرورها فوق الماء مرة أخرى ويحدث هذا في حالة عبور العاصفة لشبه جزيرة فلوريدا من خليج المكسيك ثم عودتها إلى المحيط الأطلسي، ومن أشد العواصف التي أصابت الولايات المتحدة تلك التي هبت على فلوريدا في سبتمبر سنة 1926 ودمرت معظم مدينة ميامي، وصحبت هذه العاصفة أمواج هائلة طغت على أجزاء من المدينة، وقد قدرت الخسائر التي نجمت عن هذه العاصفة بحوالي 80 مليون دولار1.

2-

منطقة البحر العربي وخليج بنغال وتصاب هذه المنطقة بعواصف مدارية مدمرة تؤدي إلى عرقلة الملاحة خاصة في فصلي الصيف والخريف، وتحدث العواصف في هذه الجهات خاصة في فترات هدوء الرياح الموسمية، ويقدر حدوثها بحوالي ثلاث مرات في المتوسط.

3-

منطقة بحر الصين وحول جزر الفلبين، وتعرف العواصف المدارية في هذه العروض باسم التيفون Typhoons، وتصحبها أمطار غزيرة وهي تؤثر في منطقة واسعة وتصل سرعة الرياح أثناء هبوبها إلى حوالي 120 كيلو مترًا في

1 T. A. Blair& R. C. Fite Weather Elements pp 212-220

ص: 69

الساعة، لذلك تؤدي إلى تخريب المناطق الساحلية التي تتأثر بها. ومن أمثلة ذلك ما حدث لجزيرة لوزون أحدى جزر الفلبين.

4-

منطقة المحيط الهندي، وتتأثر بالعواصف المدارية في هذا المحيط الجهات الواقعة إلى الشرق من جزيرة مدغشقر، ويكثر هبوب هذه العواصف في فصلي الشتاء والربيع، ومتوسط هبوبها حوالي سبع مرات في السنة.

5-

منطقة المحيط الهادي إلى الشرق من قارة استراليا ويطلق على العواصف المدارية في هذه المنقطة اسم Willy-Willy وموسمها فصلا الشتاء والربيع ومعدل هبوبها قليل لا يزيد عن مرتين في السنة.

وتبدأ العاصفة المدارية عادة بنصف قطر لا يزيد في المتوسط على 80 كيلو مترًا ثم تزداد مساحتها حتى يصل نصف قطرها إلى أكثر من 700 كيلو متر.

وبسبب شدة عمق الانخفاض الجوي الذي يصاحب هذه العواصف سريعة نحو أن خطوط الضغط المتساوي تقترب من بعضها؛ لذلك تهب الرياح سريعة نحو المركز. ولاحظ أن المركز يكون عادة عديم السحب هادئ نوعًا؛ لذلك قد يتوهم البعض أثناء مرور التيارات أنها قد انتهت ولكن لا تلبث العاصفة أن تتجدد مرة أخرى عندما يبدأ نصفها الآخر في المرورة بالمنطقة.

الترنيدو:

الترنيدو Tornado نوع فريد من العواصف المحلية، وهي صغيرة الحجم إذا قورنت بالعواصف المدارية، إذا يبلغ نصف قطرها 1/2 كيلو متر وهي تشبه القمع لمن يراها من بعيد إذ إن جزءًا من السحابة يمتد في شبه قمع نحو سطح الأرض وهذا الجزء يمثل عملية التصعيد الشديد للهواء وبخار الماء في مركز العاصفة، والترنيدو رغم صغرها من أكثر أنواع العواصف تدميرًا ويرجع ذلك إلى شدة انخفاض الضغط الجوي في مركز العاصفة لدرجة أن ذلك يؤدي أحيانًا إلى انفجار المباني التي تتعرض لها، كما أن العاصفة قد تعمل على رفع أشياء

ص: 70

أو حيوانات أو أشخاص من أماكنهم والإلقاء بهم في أماكن أخرى؛ لذلك يبنى الأهالي في المناطق التي تتعرض للترنيدو مخابئ يلجأون إليها يحتمون بها وقت هبوب هذه العواصف المخربة.

وتتكون عواصف الترنيدو نتيجة لعملية تسخين شديدة لهواء رطب ويترتب على ذلك تصاعد سريع للهواء ومن ثم انخفاض الضغط انخفاضًا كبيرًا. وارتفاع نسبة بخار الماء في ذلك العمود المتصاعد من الهواء يساعد على خفض ضغطه فيندفع هواء آخر من حركة أفقية نحو مركز العاصفة من جميع الجهات بسرعة شديدة.

وهناك رأي آخر يفسر حدوث الترنيدو بأنه نتيجة لتوليد انخفاضات جوية محلية صغيرة على طول جبهة التقاء بين كتلتين هوائيتين مختلفتين في اتجاههما وحرارتهما.

وأكثر جهات العالم تعرضًا لعواصف التريندو هو حوض المسيسبي الأدنى والأوسط في الولايات المتحدة. ومن أمثلة عواصف الترنيدو ما تعرضت له مدينة جلفستن الواقعة على خليج المكسيك في جنوب الولايات المتحدة في سبتمبر 1900، وقد أدت إلى ارتفاع الأمواج في خليج المكسيك وطغيانها على اليابس، وقد راح ضحية تلك العاصفة نحو ستة آلاف شخص رغم أن السكان كانوا قد أنذروا بالعاصفة قبل هبوبها.

ص: 71