المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السابع عشر: الغابات - جغرافية المناخ والنبات

[يوسف عبد المجيد فايد]

الفصل: ‌الفصل السابع عشر: الغابات

‌الفصل السابع عشر: الغابات

الأحوال المناخية التي تساعد على نمو الغابات:

العامل الأول في وجود الغابات بأشكالها المختلفة هو توفر الرطوبة في التربة طول السنة أي أن جذور الأشجار تجد حاجتها من الماء في كل الأوقات، فوجود فصل جاف في إقليم ما لا يمنع من نمو الغابات؛ لأن التربة قد تختزن المياه اللازمة لتغذية جذور الأشجار في هذا الفصل، ومثال ذلك الغابات الموسمية التي تستطيع مقاومة الجفاف فترة تتراوح بين أربعة شهور وخمسة.

وهناك عدة وسائل تتخذها الأشجار لمقاومة فصل الجفاف، من هذه الوسائل صغر الأوراق وسمك القشرة اقتصادًا للمستهلك من المياه بطريق البخر "النتح"، ومن هذه الوسائل اختزان الشجر للمياه في جذوعه وأوراقه في فصل المطر لكي يرتوي بها في فصل الجفاف، ومن هذه الوسائل نفض بعض الأوراق -أي التخلص منها- في فصل الجفاف. اقتصادًا للمستهلك من المياه من جهة وتقليلًا للمفقود بالبخر من جهة أخرى.

ولا شك أن الغابة التي تحتاج أشجارها إلى الاقتصاد في استهلاك المياه لا تكون في كثافة الغابة التي تتمتع أشجارها بالرطوبة طول العام، فكلما ازداد الجفاف وطال فصله قلت أشجار الغابة وصغر حجمها وزادت المسافات بين كل شجرة وأخرى، وبذلك تتضاءل الغابة بازدياد الجفاف حتى تتحول في النهاية إلى إقليم حشائش.

والعامل الثاني في وجود الغابات هو درجة الحرارة فتعتبر درجة الحرارة 43 ْف الحد الأدنى اللازم لنمو الأشجار، وتسمى المدة التي تزيد فيها الحرارة

ص: 305

عن هذه الدرجة "فصل النمو"، ويعتبر عامل الحرارة هو العامل الرئيسي في تحديد طول فصل النمو، وتقاوم الأشجار ظروف الحرارة المنخفضة وما يتبعها من تساقط الثلوج بعدة أمور منها اتخاذ الشكل المخروطي والأوراق الإبرية.

أنواع الغابات:

يتضح مما سبق أن الغابات تخضع للتوزيع الفصلي لعاملي الرطوبة والحرارة، فتحاول الأشجار في كل بيئة أن تتلاءم مع هذا التوزيع فتنقسم السنة بحسب الظروف المناخية إلى فصل نمو وفصل ركود. فإذا توفرت الحرارة والرطوبة طول العام، كان نمو الأشجار مستمرًّا طول العام كذلك، بمعنى أنه لا يوجد فصل نمو وفصل ركود، ومثل هذه الغابة تتخذ شكلًا خاصًّا هو الذي نسميه "الغابة دائمة الخضرة" وأشجار هذا النوع ضخمة عريضة الأوراق تحتفظ بها مخضرة طول العام فلا يتغير مظهر الشجرة من فصل إلى آخر.

وأما إذا توفرت الحرارة طول العام ولم تتوفر الرطوبة أي تعرض الإقليم لفصل جفاف فإن الأشجار تنفض أوراقها لا سيما إذا اتفق فصل شدة الحرارة مع فصل شدة الجفاف، فهذا يزيد من عملية البخر وتبديد ما بالشجرة من رطوبة لاسيما وأن أوراق الأشجار النفضية من النوع العريض، ومثل هذه الغابة تتخذ شكلاً خاصًّا هو الذي نسميه "الغابة النفضية" لأنها تنفض أوراقها في فصل الجفاف.

وأما إذ توفرت الرطوبة طول العام ولم تتوفر الحرارة، أي تعرض الإقليم لفصل تقل فيه درجة الحرارة عن 43 ْف لمدة تزيد على ستة شهور فإن نمو الأشجار يقف وتمر الغابة بفترة ركود، وتقاوم الأشجار هذه البيئة ذات الحرارة المنخفضة والثلوج المتساقطة باتخاذ الشكل المخروطي والأوراق الإبرية، أي إن هذه الغابة تتخذ شكلًا خاصًّا هو الذي نسميه "الغابة المخروطية"، ويلاحظ أن أشجار الغابة المخروطية تحتفظ بأوراقها طول العام أي لا تنفضها؛ وذلك لأن الرطوبة متوفرة طول العام لا سيما وأن الغابة المخروطية تستطيع أن تحيا على قدر من المطر أقل من القدر الذي تحتاجه الغابة النفضية وهو 15 بوصة.

ص: 306

خلاصة هذا أن طول فصل النمو هو الذي يتحكم في شكل الغابة، فإذا كان فصل النمو أقل من سنة وأكثر من ستة شهور، كان نوع الغابة نفضيًّا وإذا كان فصل النمو أقل من ستة شهور كان نوع الغابة مخروطيًّا.

ويستخلص من هذا أيضًا أن الأشكال الرئيسية للغابات ثلاثة هي:

1-

الغابات الدائمة الخضرة.

2-

الغابات النفضية.

3-

الغابات المخروطية.

"أولًا" الغابات الدائمة الخضرة

توجد الغابات الدائمة الخضرة في ثلاثة أقاليم هي:

أ- الإقليم الاستوائي.

ب- إقليم البحر المتوسط.

جـ- الإقليم الصيني.

وسنصف كلًّا منها ونوزعها ونبين قيمتها الاقتصادية.

1-

الغابات الاستوائية:

وصف الغابة: تنمو الغابة الاستوائية في أشد جهات العالم حرارة ورطوبة مجتمعين، وتسبب هذه الحرارة المرتفعة طول العام والمطر الغزير المتواصل نمو الغابات الكثيفة ذات الأشجار الضخمة، ويصف بعض الكتاب الغابة الاستوائية بأنها حديقة معلقة فوق أعمدة تتخللها سراديب مظلمة، وذلك لأن شدة الحرارة وغزارة المطر تسببان قوة النمو في هذه الغابة، حتى إن الأغصان التي تتألف منها تيجان الأشجار الطويلة تتشابك وتكون مظلة ضخمة تنمو تحتها طبقة من الأشجار القصيرة، ينمو بين هذه الطبقة الثانية من الأشجار خليط من النباتات الزاحفة والمتسلقة التي تتشابك أيضًا مع بعضها، ثم أخيرًا تنمو مجموعة من النباتات الطفيلية، ومن مجموع هذا كله يتألف ما نسميه بالغابات

ص: 307

الاستوائية، فهي غابة دائمة الخضرة، ذات طبقات، حتى ليبلغ اشتباك فروع الأشجار في أعلى الغابة إلى درجة تكوين غطاء متصل يكون هو بدوره تربة لنمو طبقة أخرى من النباتات، ويصف بعض الكتَّاب الغابة الاستوائية بأنها بحر عظيم من الخضرة.

من الصفات العامة في الغابة الاستوائية تنوع أشجارها حتى ليندر أن نجد أكثر من شجرتين من نوع واحد في الفدان الواحد، ومن صفاتها أيضًا طول الجذوع وخلوها من الأفرع إلا في أعلاها حيث تنتهي بفروع كثيرة الأوراق تتشابك بعضها مع بعض بحيث تكون ستارًا كثيفًا يمنع ضوء الشمس من الوصول إلى أسفل الغابة. ومن أجل هذا كان قاع الغابة مظلمًا لا يكاد الضوء يصل إليه مما يدفع بالأشجار إلى التنافس في سبيل الوصول إلى الضوء، ولقد أدى تنافس النباتات في سبيل الوصول إلى أعلى الغابة حيث الضوء والهواء إلى وجود النباتات المتسلقة وقد سميت كذلك لأنها تتسلق غيرها للوصول إلى أعلى الغابة.

وتزيد هذه النباتات المتسلقة من كثافة الغابة وصعوبة اختراقها، يضاف إلى ذلك أكوام النباتات المتعفنة التي تغطي قاع الغابة.

وليس للحياة النباتية في هذه الغابة فصلية خاصة بمعنى أن السنة لا تنقسم فيها إلى فصول متعاقبة للنمو والإزهار والإثمار والموت، بل توجد هذه الفصول ممثلة في وقت واحد ويرجع السبب في هذه الفوضى إلى تشابه الحالة المناخية طول أيام السنة، وبذلك نجد شجرة مثمرة إلى جانب أخرى في دور الإزهار وبجانبهما ثالثة في دور الموت

وهكذا.

توزيع الغابات الاستوائية:

توجد الغابات الاستوائية في سهول الأمازون بأمريكا الجنوبية "غابات السلفا" كما توجد في حوض الكنغو وساحل غانة بأفريقية ثم في الملايو وجزر الهند الشرقية بالقارة الأسيوية كما توجد غابات شبيهة بالغابات الاستوائية في برما وأسام وبنغال. ويعتبر إقليم الأمازون أفضل الأقاليم التي تتمثل فيها الغابات الاستوائية

ص: 308

أتم تمثيل فغاباته ضخمة الأشجار شديدة الكثافة، وأما حوض الكنغو وساحل غانة فمع أنهما يشتملان على المميزات العامة للغابات الاستوائية من حيث الكثافة ودوام الغابة وضخامة الأشجار، إلا أن الغابات الاستوائية الإفريقية أقل كثافة من مثيلاتها في أمريكا الجنوبية، وكذلك الغابات الاستوائية الأسيوية لا تبلغ مرتبة غابات أمريكا الجنوبية من حيث الكثافة وضخامة الأشجار، وطبيعة السطح الذي تنمو عليه مثل هذه الغابات إما أن يكون سهلًا منبسطًا أو سفح جبل لا يزيد ارتفاعه عن 1000متر.

القيمة الاقتصادية للغابات الاستوائية:

إن الظروف الطبيعية التي سببت كثافة الغابة الاستوائية وضخامة أشجارها هي نفس الظروف التي تعوق استثمار هذه الغابة حتى جعلت قيمتها الاقتصادية ضئيلة.

فمن حيث الظروف المناخية نجد أن الرطوبة والحرارة مجتمعين تبعثان على خمول الجسم وضعف التفكير وخور الهمة، فالهنود الحمر بغابات الأمزون والأقزام بغابات الكنغو يعيشون معيشة بدائية للغاية لا يبذلون مجهودًا في استغلال بيئتهم بل يقنعون بما جادت عليهم هذه البيئة من خيرات غذائية وفيرة. بل إن بعض هؤلاء يحيى حياة أقرب ما تكون إلى حياة القردة إذ يبنون أكواخهم فوق قمم الأشجار، ومع أنه في بعض الجهات التي تقل فيها كثافة الغابة ينشط السكان في استثمارها، إلا أن المناخ الحار الرطب يجعل حدًّا لهذا النشاط ويقف حائلًا دون زيادته ومن أمثلة ذلك استغلال غابات شبه جزيرة الملايو وغابات جزر الهند الشرقية مثل جاوة وبرنيو.

ومن حيث نوع الأخشاب نجد أنها من الأنواع الصلبة التي لا يسهل قطعها وتشكيلها وبذلك كانت فائدتها محدودة ولعل أبلغ الأمثلة على ذلك أن مدينة مناؤس الواقعة في قلب غابات الأمازون تستورد أخشاب البناء من غابات الأقاليم المعتدلة بأمريكا الشمالية وذلك لندرة الأخشاب اللينة بالغابات الاستوائية.

ومن حيث قوة النمو قد يظن أن هذه الصفة من مزايا الغابات الاستوائية

ص: 309

غير أن الواقع أن قوة النمو في هذه الغابات تجعل إزالة الأشجار وإعداد الأرض للزراعة أمرًا شاقًّا للغاية، كما تجعل المحافظة على الأرض وتنقيتها مما ينمو بها من أعشاب مهمة عظيمة التكاليف، وقد لوحظ أنه بعد الجهود المضنية في سبيل إزالة الغابة لاستثمارها في الزراعة أن هذه الزراعة غير ممكنة بسبب قوة النمو إذ سرعان ما تنمو النباتات البرية التي تتلف الزراعة مثل الغاب والحشائش الكثيفة.

كما يتعرض الاستغلال الزراعي بالغابات الاستوائية لأخطار فيحدث في بعض الجهات التي تزال غاباتها ولا سيما في سفوح الجبال أن الأمطار الغزيرة تجرف التربة حتى تصل إلى الصخر الأصم.

ومن أجل هذه الصعوبات في سبيل الاستثمار الاقتصادي، ينبغي ألا تخدعنا ضخامة الغابات الاستوائية فنعتقد أنها منطقة غنية بثروتها الاقتصادية، إذ الواقع أن هذه الغابات من أقل الأنواع النباتية إنتاجًا.

ولكن الإنسان يعمل جاهدًا على التغلب على هذه الصعوبات وقد نجح في ذلك في كثير من الجهات؛ إذ أمكن استثمارها في إنتاج عدة غلات ذات قيمة اقتصادية كبيرة كالمطاط وزيت النخيل والكاكاو وقصب السكر، وأصبحت المزارع تنتشر في الإقليم الاستوائي على حساب الغابة، وقد حدث هذا نتيجة للنشاط الزراعي الذي قام في أقاليم المنطقة المعتدلة، فجزء كبير من صناعات الدول الكبرى في أوربا وأمريكا يعتمد على غلات الإقليم الاستوائي سواء المواد الغذائية أو المواد الخام اللازمة للصناعة.

ويمكن القول إن المطاط ونخيل الزيت أهم أشجار الغابة الاستوائية من الناحية الاقتصادية، فهما مورد هام من موارد الثروة؛ لأن الصناعة الحديثة تعتمد عليهما ولكن جمع المطاط ونخيل الزيت من الأشجار البرية يكلف نفقات باهظة لما سبق أن ذكرناه من تفرق الأشجار التي من نوع واحد في أنحاء الغابة الاستوائية، فكان لا بد من الاعتماد على الأشجار المزروعة وقد نجحت هذه الطريقة إذ ثبت أن إنتاج المطاط البري في البرازيل لم يستطع منافسة

ص: 310

إنتاج المطاط المزروع في جزر الهند الشرقية. وما يقال عن المطاط يقال عن بقية الأشجار مثل نخيل الزيت والماهوجني والأبنوس وغيرها من الأشجار التي يمكن الاستفادة من ثمارها أو أخشابها.

والسنة الزراعية في الإقليم الاستوائي غير منظمة بمعنى أنه لا يوجد تقسيم فصلي لمراحل الزراعة المختلفة، فلا يوجد فصل معين للبذر وآخر للحصاد، بل إن الفوضى التي وجدناها في النبات الطبيعي نجد مثيلًا لها في النبات المزروع.

ويصحب انتشار المزارع عادة انتشار المساكن ونشأة القرى والمدن، مما أدى إلى تعمير جهات كثيرة من الإقليم الاستوائي ونشاط الحركة التجارية إلى جانب النشاط الزراعي. وكان لا بد بعد هذا التغيير الاقتصادي في حياة الغابة أن تتقدم طرق المواصلات، ولكن في هذه الناحية أيضًا تتغلب طبيعة الغابة الاستوائية التي تجعل مد الطرق البرية وصيانتها أمرًا عسيرًا للغاية يتطلب مجهودًا كبيرًا ومالًا وفيرًا ومن أجل هذا ما زالت الأنهار أيسر السبل لاجتياز الغابات الاستوائية فتركزت على شواطئها مراكز العمران المختلفة.

ورغم كل هذه الجهود البشرية ما زال معظم الغابات الاستوائية على حالته الطبيعية لم تغير منه المحاولات التي بذلت لاستغلاله، وعلى الأخص غابات الأمازون والكنغو. وأما غابات ساحل غانة وشبه جزيرة الملايو وجزر الهند الشرقية فقد تقدم الاستغلال الاقتصادي بها تقدمًا كبيرًا.

ب- غابات البحر المتوسط:

يشغل إقليم البحر المتوسط المناخي الأجزاء الغربية من سواحل المنطقة المعتدلة الدفيئة، والنوع النباتي الطبيعي القائم في هذا الإقليم هو الغابات الدائمة الخضرة؛ لأن الظروف المناخية به تلائم نمو الأشجار ولا تلائم نمو الحشائش؛ وذلك لأن فصل المطر يتفق مع فصل البرودة، والشجرة هي النوع النباتي الذي يلائم هذه الحالة المناخية -حالة اجتماع المطر والبرودة في فصل واحد- إذ ترتوي الشجرة بالماء وتقاوم البرودة بمتانة بنيانها، وأما الحشائش فلا تستطيع

ص: 311

ذلك كما أن موسم الجفاف يتفق في هذا الإقليم مع موسم الحرارة وهي حالة مناخية لا تسمح إلا بقيام الأشجار، إذ تستطيع الشجرة في هذا الفصل أن تستفيد من الحرارة وتقاوم الجفاف بأساليب مختلفة لا تقوى عليها إلا الأشجار، وأما الحشائش فتحتاج إلى دفء ومطر في وقت واحد وهما عاملان لا يجتمعان في فصل واحد في إقليم البحر المتوسط، ومن هذا كان هذا الإقليم إقليم أشجار وليس إقليم حشائش.

على أن حالة الغابة في هذا الإقليم بحسب كمية المطر ففي الجهات التي يتوفر فيها المطر تنمو الغابات الدائمة الخضرة حقيقة، فتكثر أشجار الصنوبر والأرز والبلوط الدائم الخضرة "الشاهلبوط" والكافور الدائم الخضرة "الجارا"، ثم في الجهات الأقل مطرًا ينمو البلوط النفضي والكافور النفضي ثم حينما يزداد فصل الجفاف طولًا تتدهور الغابة وتتحول إلى شجيرات ولكنها شجيرات دائمة الخضرة أيضًا مثل الصفصاف والآس والحصالبان.

وأهم الصفات المناخية بإقليم البحر المتوسط التي لها تأثير على حالته النباتية صفتان: الصفة الأولى أن درجة الحرارة فوق الحد الأدنى اللازم لنمو النبات طول العام، والصفة الثانية أن موسم الجفاف -وهو الصيف- ليس جفافًا تامًّا في جميع الحالات، ومعنى هذا أن الحرارة والمطر متوفران في هذا الإقليم معظم شهور السنة، وهو ما يسمح بنمو الأشجار وتكاثفها إلى حد تكوين غابة في كثير من الحالات. ويمتاز هذا الإقليم بالتتابع المنتظم في أحواله المناخية، وقد ظهر هذا التتابع المنتظم في أدوار حياة النبات به، فيعتبر فصلا الربيع والخريف موسم الغزارة النباتية لاعتدال الحرارة وكفاية المطر بهما.

وكذلك الشتاء يعتبر من مواسم الغنى النباتي بهذا الإقليم، ولكنه لا يصل إلى مستوى الربيع والخريف بسبب البرودة النسبية. وأما الصيف فهو فصل ركود حقيقي بسبب الجفاف الذي يزيد من قسوته شدة الحرارة التي تجعل أية كمية من المطر تسقط في هذا الفصل لا قيمة لها، إذ سرعان ما تضيع بالبخر، ويتوقف احتفاظ النبات بالحياة على قدرته على مقاومة هذا الجفاف الشديد

ص: 312

الذي يتصف به فصل الصيف، وتتخذ النباتات وسائل عدة لمقاومة الجفاف وتحاول بكل وسيلة الإقلال من إفراز المياه ومن هذه الوسائل سمك القشرة والأوراق الشوكية والأوراق ذات الغطاء الشمعي أو الوبري، وفي الحالات التي يعجز فيها النبات عن مقاومة الجفاف يتحول الإقليم إلى تربة جرداء وصخور عارية.

ومن صفات هذا الإقليم المناخية كذلك ازدياد كمية المطر مع الارتفاع؛ لأن المطر التضاريسي غير قاصر على شهور الشتاء، وقد أدى هذا إلى كثافة الغابات الجبلية، ولكن الأشجار تتحول في هذه الحالة إلى أشجار نفضية عريضة الأوراق مثل شجرة الزان وأبو فروة، ثم تتحول هذه الغابة في أعلى الجبال إلى منطقة أعشاب ألبية.

الاستثمار الاقتصادي:

رغم أن هذا الإقليم إقليم أشجار لا تعتبر الأخشاب من موارده الاقتصادية. وبينما لا تستغل أخشاب الأشجار نجد ثمارها عظيمة القيمة، فتزرع أشجار الفواكه معتمدة على الرطوبة الطبيعية أو على الري. وإلى جانب زراعة الأشجار تزرع النباتات الحولية كالخضروات والحبوب، وعلى الأخص القمح.

ومن أشجار هذه المنطقة ما يقاوم الجفاف بطبيعته كالزيتون، ومنها ما يحتاج إلى ري كالموالح، وهذه تشغل العمال في فصل الصيف "فصل الجفاف" ويلائم طول هذا الفصل نمو بعض الفواكه كالعنب، كما يلائم صناعة تجفيف الفواكه. بصفة عامة كالزبيب والتين. وأما فصول المطر "الشتاء والربيع" فتلائم زراعة الخضروات والحبوب التي يتم نضجها وضمها في أوائل فصل الصيف.

وتنقسم الأشجار في هذا الإقليم إلى أشجار أصيلة وأشجار دخيلة، فالأشجار الأصيلة هي التي بها خاصية مقاومة الجفاف كأشجار الزيتون والتين والعنب وهذه من الأنواع التي تقاوم الجفاف بواسطة تعمق جذورها في التربة، وأما الأشجار الدخيلة فتحتاج في هذا الإقليم إلى ري صناعي إذ لا تحتمل موسم الجفاف الطويل، ومن أمثلتها أشجار الخوخ والبرتقال والليمون، ومع ذلك فقد استقرت هذه الفواكه في كل جهات إقليم البحر المتوسط المناخي حتى أصبحت تعتبر من مميزاته

ص: 313

ولكنها في الأصل من أشجار الإقليم الصيني أو الإقليم المداري ونقلها الإنسان إلى إقليم البحر المتوسط، إذ إنها تحتاج إلى رطوبة في فصل الصيف، وهي صفة لا تتوفر في إقليم البحر المتوسط، ولذلك لا بد لهذه الأشجار من أن تعتمد على الري الصناعي في فصل الصيف.

ولا تنمو بهذا الإقليم نباتات مائية كثيرة إلا حيث تساعد العوامل المحلية على وجود الرطوبة في فصل الصيف كالأحراش التي تنمو على شواطئ الأنهار وكبساتين البرتقال التي تعتمد على الري، وكأشجار كاليفورنيا الحمراء التي ترتوي من الضباب في فصل الصيف الجاف.

وتنمو النباتات الحولية سريعًا في فصل الربيع وتنتج حبوبها قبيل حلول فصل الجفاف، ويتخذ بعضها لنفسه جذورًا بصلية أو درنية، وتزدهر النباتات عادة في أوائل الربيع ثم تموت أزهارها في أوائل الصيف ولكن تبقى جذورها حية.

ورغم أن كثيرًا من أشجار هذا الإقليم لا قيمة له كمورد للخشب فإن إزالة هذه الأشجار لاستغلال الأرض في الزراعة لا يكون إلا حيث تصلح التربة لذلك وحيث يتوفر الري الصناعي.

وينمو في هذا الإقليم بعض العشب ولكنه عشب فقير قليل القيمة لا يصلح إلا لغذاء الماعز وهو حيوان هزيل يرضى بالقليل. ويمكن القول بصفة عامة بأن الحشائش ليست من نباتات البحر المتوسط؛ لأن موسم الحرارة لا يتفق مع موسم الرطوبة، ولهذا كانت الظروف أكثر ملاءمة لنمو الأشجار، ولما كانت المراعي الغنية غير موجودة بهذا الإقليم فقد تعذرت تربية الماشية وحل محلها الماعز وعلى ذلك نجد بهذا الإقليم نقصًا طبيعيًّا في موارد اللحوم وموارد الألبان كالزبد واللبن، ويحل محلها الفول بدلًا من اللحم وزيت الزيتون بدلًا من الزبد وعصير الفاكهة بدلًا من اللبن.

ص: 314

3-

غابات الإقليم الصيني:

لا ينخفض متوسط الحرارة في الإقليم الصيني في أي شهر من الشهور إلى درجة تحول دون نمو النبات، كما أن الرطوبة متوفرة به في كل الفصول ولذلك كان النوع النباتي الذي يلائم هذا الإقليم هو الأشجار الدائمة الخضرة كالصفصاف والبلوط. وإذًا فغابات إقليم الصين دائمة الخضرة مثلها في ذلك مثل إقليم البحر المتوسط، غير أن عدم وجود فصل جاف في إقليم الصين أتاح الفرصة لوجود أشجار أخرى مثل السرخس والخيزران وهي أنواع لا تستطيع أن تعيش في إقليم البحر المتوسط بسبب وجود فصل جاف به، وكذلك بينما نجد غابات البحر المتوسط فقيرة متناثرة ذات أشجار هزيلة بسبب قلة المطر ووجود الفصل الجاف، نجد غابات الإقليم الصيني غنية بأشجارها العالية الضخمة ذات الأوراق العريضة، وذلك لانتظام سقوط المطر بهذا الإقليم في كل فصول السنة من جهة ووفرة كميته من جهة أخرى.

ومع أن الشجرة الدائمة الخضرة هي النوع النباتي الرئيسي السائد بهذا الإقليم إلا أنه توجد به بعض أشجار نفضية بل وصنوبرية في بعض الأحيان. فنجد في هذه الغابة أشجار البلوط والأسفندن والجوز والسوسن وأشجار النخيل والأشجار السرخسية والأشجار الصنوبرية ذات الأوراق الإبرية. وكثيرًا ما تضارع غابات الإقليم الصيني الغابات الاستوائية من حيث ضخامة الأشجار ولكنها أقل منها كثافة.

الاستثمار الاقتصادي:

لغابات الإقليم الصيني قيمة كبيرة كمورد للأخشاب؛ فكثير من أشجارها يعطي خشبًا جيدًا مثل أشجار البلوط والجوز وبعض الأشجار الصنوبرية التي يوجد بها الخشب المعروف باسم الخشب العزيزي.

على أن أجزاء كثيرة من هذه الغابات قد اجتثت وحلت محلها الزراعة ومناخ الإقليم الصيني ملائم بطبيعته للرعي والزراعة. وهنا نلاحظ الفروق الهامة في الحالة النباتية بين الحافة الغربية للمنطقة المعتدلة الدفيئة "إقليم البحر

ص: 315

المتوسط" وبين الحافة الشرقية لهذه المنطقة "الإقليم الصيني" فإقليم البحر المتوسط أقل غنى في أشجاره؛ إذ ليست لأشجاره قيمة اقتصادية تذكر، وأقل غنى في مراعيه؛ حيث إنه لا يصلح لنمو الأعشاب، وأقل غنى في زراعته؛ بسبب قلة كمية المطر وطول فصل الجفاف. وأما في الإقليم الصيني فقد عرفنا أن لأشجاره قيمة اقتصادية كبيرة كمورد للأشجار. من حيث الرعي نجد أعشاب هذا الإقليم غنية بسبب توفر الدفء والمطر في كل فصول السنة. ومن حيث الزراعة تنمو به غلات قيمة كالتبغ والقطن والذرة والأرز والشاي وقصب السكر والبرتقال، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الفاكهة لا تحتاج إلى ري، وتؤدي الظروف المناخية إلى نجاح الزراعة هنا نجاحًا عظيمًا، فالصيف طويل وفير الرطوبة خالي من الصقيع خلوًّا تامًّا لمدة ثلاثة شهور على الأقل، ولذلك كان هذا الفصل ملائمًا للنمو الغزير وتجنى الغلات في الخريف قبل حلول برودة الشتاء بعكس إقليم البحر المتوسط الذي تجنى غلاته في الربيع قبل حلول فصل الصيف فالعامل المناخي الهام في إقليم البحر المتوسط هو الرطوبة؛ وذلك لتوفر الدفء طول العام، وأما العامل المناخي الهام في إقليم الصين فهو الحرارة؛ وذلك لتوفر الرطوبة طول العام.

وبينما نوع الحبوب السائد في إقليم البحر المتوسط هو القمح بسبب وجود فصل حار جاف يساعد على النضج والحصاد، نجد نوع الحبوب السائد في إقليم الصين هو الذرة في الجهات المتوسطة المطر، والأرز في الجهات الغزيرة المطر، وهما نوعان من الحبوب يحتاجان إلى حرارة ورطوبة مجتمعتين في فصل واحد، وكقاعدة عامة لا تنجح زراعة الحبوب الأخرى بإقليم الصين بسبب عدم وجود فصل حار جاف يسمح بنضجها وجنيها. ولكن يعوض هذا أن هذه الحرارة والرطوبة مجتمعتين في فصل الصيف يؤديان إلى ازدهار نباتات أخرى ذات قيمة اقتصادية كبيرة. مثل التوت والشاي الذين يغلان غلة من الأوراق القيمة خلال هذا الفصل.

والغالب في هذا الإقليم أن تزرع الأرض بمحصول واحد في السنة. ولكن في جهاته التي تتمتع بشتاء دافئ تزرع الأرض بغلة أخرى بعد جني الغلة الصيفية.

ص: 316

وبسبب هذه الطاقة العظيمة في الإنتاج الزراعي، سواء ما يستخدم منها في إنتاج المنسوجات كالقطن والتوت، أو في إنتاج المواد الغذائية كالحبوب والفاكهة والشاي، كان هذا الإقليم قادرًا على إعالة عدد كبير من السكان. ولذلك عرفت بعض جهات هذا الإقليم بازدحام السكان بها ازدحامًا شديدًا.

ثانيًا: الغابات النفضية:

تنفض الأشجار أوراقها لأسباب مختلفة، ففي الإقليم الموسمي تسقط الأشجار أوراقها في فصل الصيف اتقاء شدة الحرارة، وفي الإقليم المعتدل تسقط الأشجار أوراقها في فصل الشتاء اتقاء شدة البرد. على أن الإقليم الرئيسي للغابات النفضية هو الحافة الغربية من المنطقة المعتدلة للباردة "إقليم غرب أوربا المناخي" ثم الحافة الشرقية من هذه المنطقة "إقليم سنت لورنس المناخي" ويعتبر هذان الإقليمان الموطن الأصلي للغابات النفضية، وهذا يرجع إلى أن أوراق الأشجار بهما رقيقة تتأثر سريعًا بالصقيع، فاختارت الأشجار فصل الشتاء ليكون فترة سكونها، فتتخلص من أوراقها قبل حلول هذا الفصل. ويطلق على الفصل الذي تتخلص فيه، الأشجار من أوراقها فصل السقوط في بعض الأقاليم، كما يطلق عليه اسم فصل الخريف في أقاليم أخرى مثل إنجلترا.

ولا بد لقيام الغابات النفضية من وجود فصل شتاء بارد طويل ينخفض متوسط الحرارة به إلى أقل من 6 ْم، وهي النهاية الصغرى اللازمة لنمو النبات. فإذا ما كان الشتاء معتدلًا غير بارد كما في بعض جهات غرب أوربا نمت الأشجار الدائمة الخضرة ذات المظهر شبه المداري مثل أشجار عنب الديب في جنوب غرب أيرلنده وأشجار الآس والصفصاف في كورنوال، ولكن أغلب جهات إقليم غرب أوربا يسودها الشتاء الطويل البارد ولذلك كان النبات الطبيعي السائد بهذا الإقليم هو الغابات النفضية وتمتد هذه الغابات لمسافة كبيرة في الداخل إلى أن يضع تناقص المطر حدًّا لامتدادها، ويكون ذلك عند خط طول 50 ْشرقًا في أوراسيا، وأما في أمريكا الشمالية فامتداد الغابة النفضية

ص: 317

محدود، ومعظم الغابة بالحافة الغربية من المنطقة المعتدلة الباردة من النوع المخروطي، ولا تمتد شرقًا إلى ما بعد جبال كورديلليرا.

ولا ينتج المناخ البحري الصرف -أي الواقع على حافة البحر مباشرة- أحسن الغابات النفضية؛ لأن من شروط قيام هذه الغابات وضوح الانتقال الفصلي في الحرارة والمطر، وهو شرط غير متوفر على السواحل، يضاف إلى هذا أن الرياح المحملة بالأملاح ضارة بالأشجار. ولكن بمجرد أن نغادر الشريط الساحلي ونصل إلى الجزء الداخلي الذي يوصف مناخه بأنه شبه بحري يجود نمو الغابات النفضية، ومن أمثلة ذلك غابات إنجلترا وفرنسا وألمانيا ومن أهم أشجار هذه الغابات البلوط والزان والدردار والإسفندان وأبو فروة والزيزفون والبتولا.

وكذلك تتحول الغابة النفضية بالتدريج كلما اتجهنا شرقًا إلى منطقة حشائش ثم إلى منطقة شبه صحراوية بسبب تناقص المطر، حتى إذا ما اقتربنا من الحافة الشرقية تظهر الغابة من جديد بسبب تزايد المطر من جديد، ولكن الغابات في شرق القارات ليست نفضية صرفة، بل إن أشجارها خليط من المخروطية والنفضية. ثم إذا سرنا نحو القطب نجد أن هذه الأنواع النباتية كلها تتحول إلى غابات مخروطية تمتد في شريط متصل من شرق القارات إلى غربها خلال أوراسيا وأمريكا الشمالية وهي غابات لا تتبع المناخ المعتدل البارد الذي نحن بصدده وإنما تتبع المناخ البارد الصرف الذي سيرد ذكره فيما بعد.

الاستثمار الاقتصادي:

أخشاب الغابات النفضية ذات قيمة عظيمة إذ يمكن قطعها وتشكيلها بسهولة وهي في هذه الميزة تفوق أخشاب الغابات الاستوائية. ومن مميزات الغابة النفضية أيضًا تجمع النوع الواحد من الأشجار في بقعة واحدة إذ إن هذا ييسر عملية الاستغلال ويزيد من قيمتها الاقتصادية بالإضافة إلى قيمة أخشابها.

ص: 318

وكانت الغابات النفضية تغطي جهات كثيرة من شمال غرب أوربا ووسطها ولكنها اجتثت في الوقت الحالي وحلت محلها الزراعة والرعي والصناعة، وأما في أمريكا الشمالية فلم يتقدم المجهود البشري تقدمًا كبيرًا في إقليم الغابات النفضية؛ لأن معظم كلومبيا البريطانية -حيث تسود هذه الغابات- جبلي شديد الوعورة لا يشجع كثيرًا على الاستيطان البشري والاستغلال الاقتصادي، وعلى العكس من ذلك إقليم الغابات النفضية في شرق القارات، فقد تقدم هذا الإقليم تقدمًا كبيرًا في العالم الجديد حيث اجتثت الغابات في الولايات المتحدة الأمريكية وفي كندا وحلت محلها حركة صناعية كبرى. بينما في العالم القديم ما زال هذا الإقليم على حالته الطبيعية فلم يحدث في الإقليم الأسيوي تقدم صناعي كبير يضارع التقدم الذي وجد في الولايات المتحدة الأمريكية. وما زالت منشوريا معتبرة من الأقطار التي لم تعمل فيها يد الإنسان بالتغيير الكبير.

ولقد سببت عملية إزالة الغابات النفضية اختفاء هذا النوع من مساحات كبيرة حيث حلت محلها الحشائش. ثم تزال هذه الحشائش في الغالب لكي تحل محلها الزراعة، والحشائش التي تحل محل الغابات بعد قطعها تكون عظيمة الكثافة بسبب غزارة المطر كما أنها تنمو في جميع فصول السنة بفضل شتاء المناخ البحري المعتدل؛ ولذلك تعتبر غذاء جيدًا للقطعان ولا سيما الماشية المدرة للألبان.

الغابات الموسمية:

تنمو هذه الغابات في جهات تشبه إقليم الغابات الاستوائية من حيث الحرارة وأما من حيث المطر فيوجد بها فصل جاف، وكان من الضروري أن يسبب هذا الفصل الجاف في جهات الغابات الموسمية اختلاف هذه الغابات عن الغابات الاستوائية، ويمكن أن نحصر وجوه الاختلاف بين النوعين فيما يلي:

1-

الغابات الموسمية غابات نفضية أو على الأقل شبه نفضية، فهي ليست دائمة الخضرة كالغابات الاستوائية بل تنفض أشجارها أوراقها العريضة في موسم الجفاف اتقاء لفقدان الرطوبة.

2-

الغابات الموسمية ليست في كثافة الغابات الاستوائية بل تتباعد

ص: 319

أشجارها عن بعضها، وواضح أن اختلاف نظام المطر بين الإقليمين هو السبب في الاختلاف في كثافة الغابة.

3-

أحجام الأشجار أقل في الغابات الموسمية.

4-

ليست الغابة الموسمية منقسمة إلى طبقات نباتية واضحة كالغابات الاستوائية بمعنى أن الحياة النباتية في أسفل الغابة ليست غزيرة.

ومما تجدر ملاحظته أنه في موسم المطر لا تظهر فروق واضحة بين الغابات الاستوائية وبين الغابات الموسمية فإذا ما حل موسم الجفاف تظهر هذه الفروق، ومن أهم أشجار الغابات الموسمية البامبو، ويتضح من توزيع الغابات الموسمية أن هذه الغابات تسود في جنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى.

ثالثًا: الغابات المخروطية "الصنوبرية"

الغابات الصنوبرية ذات أشجار مخروطية الشكل إبرية الأوراق توجد في المنطقة المعتدلة الباردة والمنطقة دون القطبية حيث الشتاء طويل قارص البرودة، وقد اتخذت الأشجار في هذه الجهات الشكل المخروطي حتى لا يتراكم عليها الثلج المتساقط خلال فصل الشتاء، إذ إن معظم التساقط في هذا الفصل يكون على شكل ثلوج وليس على شكل أمطار. كما تقاوم الأشجار برودة هذه المنطقة باتخاذ الأوراق الإبرية السميكة ذات الطبقة الصمغية. وتمتد هذه الغابات في شمال أمريكا الشمالية في كندا وآلاسكا ثم في شمال أوربا في اسكندناوة وشمال روسيا ثم شمال آسيا في سيبيريا ثم في أعالي الجبال في شمال غرب أوربا ووسطها. ومعنى هذا أن الغابات المخروطية تكاد تكون مقصورة على النصف الشمالي من الكرة الأرضية بسبب اتساع مساحة اليابس به وضيق هذه المساحة في المنطقة دون القطبية بنصف الكرة الجنوبي.

وتحتاج الغابة المخروطية إلى كمية صغيرة من الأمطار إذ يكفيها حوالي عشر بوصات من المطر مركزة في فصل النمو، وتقل كثافة الغابة وتصغر أشجارها كلما انتقلنا شمالًا أي كلما ابتعدنا عن المنطقة المعتدلة الباردة وتوغلنا في المنطقة

ص: 320

دون القطبية حتى نصل إلى حد تعجز فيه الأشجار نهائيًّا عن النمو، ويسمى هذا بالحد النهائي لنمو الغابات أي الحد الذي لا تنمو الغابات في شماله، وتعتبر الغابات دون القطبية أقل قيمة من الغابات المعتدلة الباردة بسبب صغر حجم الأشجار واختفاء الأنواع الجيدة من الصنوبر بالغابة دون القطبية.

على أن الغابات المخروطية ليست خلوًّا من الأشجار النفضية بل توجد بها هذه الأشجار مثل الجوز والبتولا والصفصاف والراتنج بل ويمتد وجود الأشجار النفضية حتى الحد النهائي لنمو الغابات.

والتحول من غابات نفضية إلى غابات مخروطية سببه مناخي، وهو قيام نوع من الأشجار لا يحتاج لأن ينفض أوراقه بل يستطيع أن يحتفظ بهذه الأوراق على أن تتخذ المظهر الإبري لمقاومة البرد. ولكن في بعض الأحيان يكون التحول من غابات نفضية إلى غابات مخروطية لأسباب تتعلق بالتربة، فحيث توجد التربة الرملية مثلًا في المنطقة المعتدلة الباردة تقوم الغابات المخروطية في الجهات التي كان ينتظر أن تقوم فيها الغابات النفضية، والقيمة الاقتصادية للغابة المخروطية كبيرة إذ تعتبر من المصادر الهامة لتموين العالم بالأخشاب اللينة بل هي أعظم مورد في العالم لهذا النوع من الأخشاب، إذ تفوق الغابات النفضية في هذه الميزة وهي ليونة الخشب وسهولة قطعه وتشكيله، كما تعتبر هذه الغابات من الموارد الهامة للب الخشب اللازم لصناعة الورق، وللحيوانات ذات الفراء التي تعيش فيها.

وفيما يختص بقطع الأخشاب تقدم استغلال هذه الغابات في كل من أوربا وأمريكا الشمالية. فأما في شمال أوربا فإن غاباتها المخروطية تستغل منذ زمن بعيد حتى أصبحت مساحات كثيرة فيها خالية من هذه الأشجار، وأما في أمريكا الشمالية فتستغل غابات كندا استغلالًا جيدًا حيث توجد أشجار الصنوبر الأبيض والأحمر والراتنج -كل في التربة الملائمة له- ويقع مركز قطع الأخشاب في شرق كندا على طول شواطئ سنت لورنس كما تستغل أشجار الشربين والراتنج من كلمبيا البريطانية استغلالًا جيدًا كذلك. وأما في آسيا فما زال استغلال الغابات

ص: 321

المخروطية ضعيفًا لظروف طبيعية كثيرة منها كثافة الغابة وجريان الأنهار نحو الشمال مما يجعل اختراق الغابة عسيرًا بسبب الكثافة أولًا وبسبب جريان الأنهار نحو الجهات غير المغمورة ثانيًا؛ فلا يمكن أن تتخذ وسيلة من وسائل نقل الإنسان أو الأخشاب خلال هذه الغابات، بل إن هذه الظروف الطبيعية التي عليها الأنهار تجعل وجودها من العوامل التي تعوق الاستغلال الاقتصادي، فهذه الأنهار تتجمد في الشتاء ثم تأخذ في الذوبان ابتداء من الربيع وبطبيعة الحال تذوب أجزاؤها العليا أولًا لتعرضها للدفء قبل غيرها بسبب وقوعها في الجنوب، فإذا ما اتخذت هذه المياه الذائبة مجراها نحو الشمال وجدت مجرى النهر في الأجزاء الوسطى والدنيا ما زال في حالة تجمد لأن الدفء لم يصبها بعد بسبب وقوعها في الشمال فلا يجد الماء طريقًا فيفيض على الجانبين وبذلك تتحول الغابة المخروطية في سيبيريا -في موسم الدفء والنشاط- إلى مستنقعات تعوق الحركة والاستغلال وتفسد الحالة الصحية، فضلًا عن أن مياه المستنقعات تتلف الأخشاب وتجعل مرتبتها الاقتصادية منحطة.

ولا يمكن اختراق الغابات السيبيرية إلا في الشتاء حينما تتجمد المياه، ولكن في هذا الفصل أيضًا يصعب استغلال الغابة، فالأنهار متجمدة والمحيط المتجمد الشمالي نفسه متجمد، مما يجعل عملية نقل الخشب وتسويقه متعذرة، وباهظة التكاليف، ولذلك ظلت الغابات السيبيرية بكرًا حتى الوقت الحاضر إلا على حافاتها الجنوبية.

وأما استخدام لب الخشب في عمل عجينة الورق فتتفوق في ذلك كندا واسكندناوه، وأما صيد الحيوانات ذات الفراء فتتفوق في ذلك سيبيريا والمنطقة المحيطة بخليج هدسن.

وقد أجهدت الغابات المخروطية إجهادًا كبيرًا فنضب معينها من جهات كثيرة حتى لتعتبر كندا وروسيا القطرين الوحيدين في العالم اللذين ما زالا قابلين للاستغلال في هذه الناحية الاقتصادية.

ص: 322