الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العشرون: توزيع النبات بالقارات
إفريقيا:
توضح الخريطة المبينة في "شكل 85" توزيع النبات بالقارة الإفريقية وفي هذه الخريطة نلاحظ ما يأتي:
أولًا: حوض الكنغو وساحل غانة: تغطي الغابات الاستوائية معظم السفوح والسهول المنحدرة نحو المحيط الأطلسي على طول شواطئ خليج غانة كما تغطي هذه الغابات الجزء الأكبر من حوض الكنغو، وهو الجزء الذي يتميز بالمناخ الاستوائي الصميم من حرارة وفيرة طول العام إلى مطر غزير دائم. وحوض الكنغو عبارة عن هضبة مستوية السطح سهلية المظهر ترتفع فوق سطح البحر بحوالي 500 متر وتحاط من كل جانب بحافات هضاب أكثر ارتفاعًا، ونتيجة لارتفاع بعض الأجزاء يتخلل الغابات الاستوائية في حوض الكنغو بعض أشرطة من الأشجار الأقل صلابة بل وبعض مساحات من السفانا.
ثانيًا: شرق إفريقيا: في شرق إفريقية تختلف الحالة النباتية اختلافًا كبيرًا جنوب خط الاستواء عنها شمال هذا الخط. ففي جنوب شرق القارة تزدهر الحياة النباتية بفضل الأمطار الصيفية التي تجلبها الرياح التجارية. فنجد في ناتال غابات شبه استوائية في الجهات المنخفضة ثم تقل كثافة الغابات وتتحول إلى حشائش كلما ارتفعنا فوق سفوح الهضبة واتجهنا نحو داخل القارة، ولكن إذا تتبعنا الساحل الشرقي نحو الشمال نجد نوع النبات السائد هو الغابات الحارة الرطبة الشبيهة بالغابات الاستوائية. وتقل الحالة النباتية غنى كلما بعدنا عن الساحل وارتفعنا فوق سطح الهضبة الإفريقية. ثم بمجرد أن نعبر خط الاستواء نحو الشمال تنقلب الحالة النباتية انقلابًا تامًّا وتتحول إلى الجدب فلا نجد في الصومال
إلا الحشاش الفقيرة التي تتخللها أشجار السنط. ثم إذا ما تابعنا السير شمالًا نجد الحالة النباتية تنقلب مرة أخرى في منطقة الحبشة، فتتحول من جديد إلى الغنى النباتي حيث تنمو الغابات الموسمية على المرتفعات الحارة الرطبة وتنمو الحشائش فيما عدا ذلك من أجزاء، ويعبر عن الحبشة بأنه إقليم غني يبرز وسط أقاليم مجدبة؛ والسبب في غنى الحبشة النباتي هو أمطارها الصيفية الغزيرة الناتجة عن اصطدام الرياح الموسمية بالهضبة المرتفعة، ولذلك بمجرد أن نغادر منطقة الهضبة نحو الشمال يعود الجدب مرة أخرى، بل يعود بشدة أكثر مما وجدناه جنوب الهضبة فنجد الصحراء التامة تسود الساحل الإفريقي من شمال هضبة الحبشة حتى ساحل البحر الأبيض المتوسط.
ثالثًا: الصحراء: تشغل الصحراء قسمًا كبيرًا من القارة الإفريقية ولا سيما في نصف القارة الواقع شمال خط الاستواء، حتى أصبح لفظ "الصحراء" اسمًا علمًا يستخدم في اللغات الأجنبية للدلالة على "الصحراء الكبرى" في شمال إفريقية، وتعتبر هذه الصحراء الكبرى أهم ظاهرة جغرافية تستلفت الأنظار في القارة الإفريقية فهي عظيمة الاتساع لا يصطدم البصر فيها إلا ببعض الكثبان الرملية والتلال المبعثرة هنا وهناك وهي تمتد امتدادًا متصلًا من أقصى غرب القارة إلى أقصى شرقها أي أنها تمتد من ساحل المحيط الأطلسي حتى ساحل البحر الأحمر، وفي كل هذه المساحة الواسعة يسود جدب شديد وقحط عظيم وظمأ على نطاق واسع لا مثيل له في منطقة أخرى من العالم، ويندر في هذه الصحراء أن يقع البصر على خصلة من العشب أو على جذع شجرة ميتة من الظمأ، ولا يقطع هذا المنظر الممل في الصحراء إلا الواحات التي يقوم فيها بعض النبات معتمدًا على المياه الباطنية، بل إن مصر لا تعتبر أكثر من واحة أوجدها نهر النيل في هذه الصحراء؛ فمساحة الأراضي المزروعة في مصر لا تكاد تذكر إلى جانب المساحات الصحراوية التي تحيط بها من الشرق والغرب. ومثل هذا يقال على القسم الشمالي من السودان، فهو منطقة صحراوية ليس بها من علامات الحياة إلا الشريط الضئيل المساحة المطل على نهر النيل.
وكذلك تشغل الصحراء مساحة كبيرة في النصف الجنوبي من إفريقيا ولكنها
تختلف عن الصحراء الشمالية في أنها أصغر مساحة وأقل جدبًا، وفي أنها تقتصر على الجزء الغربي من جنوب القارة، وأما الجزء الشرقي من جنوب القارة فيتمتع -كما سبق أن ذكرنا- بأمطار صيفية وفيرة تجلبها إليه الرياح التجارية الجنوبية الشرقية. وهذه الرياح الشرقية تسقط معظم حمولتها من الأمطار على الساحل الشرقي حتى إذا ما عبرت حافة الهضبة وتقدمت نحو الغرب كانت رياحًا جافة لا تحمل إلا قدرًا ضئيلًا من الرطوبة. حتى هذا القدر الضئيل من الرطوبة
"شكل 85"
"توزيع النبات الطبيعي في إفريقيا"
يفقد في الطريق فإذا ما وصلت الساحل الغربي كانت جافة تمامًا؛ ولذلك كان الشريط الساحلي الغربي المواجه لصحراء كلهاري أشد جهات القسم الجنوبي من القارة قحطًا وجدبًا، ويتصل هذا الجزء المجدب بصحراء ناميب عبر هضبة دامارا ناما وأما صحراء كلهاري نفسها فهي لا تخلو من بعض العشب الفقير وبعض الشجيرات الشوكية، ثم إذا ما تجاوزنا صحراء كلهاري عبر هضبة الفلد نجد جبال الكارو ينالها شيء من المطر الذي ينمو عليه بعض العشب، ولذلك تقوم بالمنطقة التي تمتد من صحراء كلهاري حتى جبال الكارو حياة الرعي والصيد.
رابعًا: تشغل حشائش السفانا مساحة كبيرة من القارة الإفريقية في شمال خط الاستواء وفي جنوبه، وهو النوع النباتي الوحيد في القارة الذي تتصل أجزاؤه في شمال القارة وجنوبها، وتقع حلقة الاتصال بين السفانا الشمالية وبين السفانا الجنوبية في هضبة شرق إفريقيا التي قامت فيها حشائش السفانا -رغم وقوعها على خط الاستواء- بسبب ارتفاعها وكما هو واضح في الخريطة شكل 140 تمتد السفانا كشريط على الحافة الشمالية للغابات الاستوائية ثم تمتد السفانا عبر هضبة شرقي إفريقية إلى الجنوب فتشغل الهضبة الإفريقية حتى جبال دراكنزبرج. ولما كان ارتفاع الهضبة يزداد كلما تقدمنا جنوبًا، كما أن خط العرض يزداد في هذا الاتجاه، فإن السفانا تفقد خواصها الطبيعية الرئيسية في هذا الاتجاه كذلك، فنجد سفانا الزمبيزي تفقد صفتها كحشائش حارة وتتحول إلى حشائش أقل كثافة وطولًا تعرف باسم محلي هو حشائش الفلد، التي يمكن اعتبارها سفانا فقيرة ما زالت تتخللها بعض الأشجار، ثم إلى الجنوب من هذا تتحول إلى حشائش إستبس أي تخلو من الأشجار فضلًا عن قصرها وقلة كثافتها.
خامسًا: في الركن الشمالي الغربي من القارة وكذلك في ركنها الجنوبي الغربي وركنها الجنوبي الشرقي تقوم الأشجار الدائمة الخضرة التي هي النبات الطبيعي في هذه الأجزاء من المنطقة المعتدلة الدفيئة. فالركن الشمالي الغربي من القارة الذي تفصله سلاسل جبال الأطلس عن سائر القارة يصيبه قدر كبير من المطر تنمو عليه حياة نباتية غنية تتمثل في أشجار البلوط الدائم الخضرة في الجهات المتوسطة
الارتفاع، ثم في المناطق الأكثر ارتفاعًا تنمو غابات الأرز، وأما في السفوح السفلى والوديان فتنمو أشجار الزيتون والبرتقال.
وكذلك تقوم حياة نباتية شبيهة بهذه في الركن الجنوبي الغربي من القارة، وأما في الركن الجنوبي الشرقي فبسبب سقوط مطر صيفي وفير في السهل الساحلي تنمو حياة نباتية أكثر كثافة تقترب في طبيعتها من الغابات الشبه مدارية، ولا يقتصر نوع الأشجار على النوع الدائم الخضرة بل تكثر بها الأشجار النفضية، ولكن بمجرد أن نترك الساحل ونتدرج في الارتفاع على حافة الهضبة تتدرج الحياة النباتية تبعًا لهذا إلى أن يسود عشب من نوع السفانا فتعتبر هذه المنطقة العشبية امتدادًا لسفانا منطقة الزمبيزي.
أوروبا:
تبين الخريطة الموضحة "شكل 86" توزيع النبات الطبيعي في أوربا، وفي هذه الخريطة نلاحظ ما يأتي:
أولًا: تعتبر النباتات الجبلية من أهم الظاهرات النباتية بالقارة. فتوزيع النبات بهذه القارة يتأثر بتوزيع مظاهر السطح "التضاريس" تأثرًا كبيرًا. وتحدث الجبال تغيرات فجائية وحادة في الحرارة والمطر ولهذا تتدرج عليها الأشكال النباتية تدرجًا فجائيًّا وحادًّا أيضًا ويبدأ هذا التدرج بالشكل النباتي الملائم للإقليم الذي يقوم عليه الجبل ثم تتدرج النباتات إلى أعلى الجبل بنفس ترتيبها في اتجاه القطب، فتنمو الغابات النفضية في أكثر الجهات مطرًا على السفوح السفلى، وتعلوها الغابات الصنوبرية. ثم نطاق ضيق من الحشائش الألبية التي تعادل حشائش التندرا في العروض العليا، وتمتاز البيئة الجبلية بالتنوع النباتي الشديد في مساحة صغيرة، ولذلك نجد الفرد الواحد من سكان الجبال يحترف الرعي والزراعة وقطع الغابات والصناعة في داخل مسكنه ويقسم وقته بين هذه الحرف جميعًا بحسب فصول السنة. فمن الأمور المألوفة في الألب الفرنسية بجنوب شرق فرنسا أن تقوم الأسرة الواحدة بزراعة الكروم على السفوح السفلى ثم بزراعة القمح والشعير على السفوح العليا ثم برعي الماشية في نطاق الحشائش الألبية
"شكل 86 توزيع النبات الطبيعي في أوربا"
الذي يعلو نطاق الغابات، وتشجع المسافة القصيرة بين المناطق النباتية على سفوح الجبال على الهجرة الفصلية من منطقة إلى أخرى، ويلاحظ أن مثل هذه الهجرة متعذرة بين العروض المختلفة بسبب طول المسافة بين إقليم نباتي وآخر، هذا فضلًا عن قيام الحدود السياسية بين الدول. ويتمثل هذا التدرج النباتي كاملًا فوق كثير من جبال أوربا مثل هضبة فرنسا الوسطى والفوج وشفارتزفالد "الغابة السوداء" ومرتفعات الرين الأدنى وغابة ثورنجيا والهارتز والمرتفعات الحافة ببوهيميا، فكل هذه الجبال تتدرج نباتاتها من الغابات النفضية إلى الحشائش الباردة "الألبية" وتوجد الغابات الصنوبرية بوفرة في جبال الكربات، وأما جبال الألب فالتدرج النباتي عليها شديد الوضوح يبدأ بالغابات النفضية ثم تتدرج إلى الغابات الصنوبرية ثم تنتهي إلى الحشائش الألبية.
ثانيًا: تغطي الغابات بأنواعها المختلفة مساحة كبيرة من القارة الأوروبية، فالغابات الصنوبرية تغطي النصف الشمالي من روسيا واسكندناوه شمال خط عرض 63 ْشمالًا، وتغطي الغابات النفضية النصف الجنوبي من اسكندناوه ومعظم بريطانيا وشمال أسبانيا وغربها ثم باقي غرب أوروبا ووسطها. ويضيق نطاق هذه الغابات كلما اتجهنا شرقًا في القارة حتى ينحصر طرفها الشرقي -كما هو واضح من الخريطة- بين الغابات الصنوبرية وبين حشائش الإستبس. وأما غابات البحر المتوسط فتوجد في القسم الجنوبي من شبه جزيرة البلقان وبخاصة على السواحل الجنوبية الغربية للبحر الأسود ثم في يوجوسلافيا وألبانيا واليونان وإيطاليا وجنوب فرنسا وأسبانيا.
ثالثًا: تشغل حشائش التندرا شريطًا ضيقًا في شمال أوروبا؛ وذلك لأن ساحل القارة الشمالي لا يمتد كثيرًا في العروض العليا هذا فضلًا عن عوامل الدفء التي تقترب من هذا الجزء المتطرف من القارة، ولذلك تستطيع الأشجار أن تنمو في جهات شديدة القرب من المحيط الشمالي، ويعبر عن هذا جغرافيًّا بأن خط الأشجار متقدم في هذه العروض العليا فلم يترك للتندرا إلا شريطًا ضيقًا، وأما الحشائش المعتدلة فميدانها الرئيسي جنوب روسيا إذ تنتشر بها هذه الحشائش حتى حافات الغابات نفضية كانت أو صنوبرية وتمتد حشائش الإستبس من رومانيا
إلى بلغاريا إلى وادي الفلجا الأدنى وتتصل في هذا المكان بنطاق الإستبس الآسيوي ويمكن القول إن الحد الغربي لحشائش الإستبس يمتد حتى قاعدة جبال الكربات، كما أن طبيعة المجر تلائمها حشائش الإستبس بسبب مناخها القاري الجاف، على أن مساحات كبيرة من الإستبس الأوروبية قد حولت إلى الزراعة بفضل وسائل الري والزراعة الحديثة.
رابعًا: لا يوجد من أنواع الصحاري بالقارة الأوروبية إلا الصحراء الجليدية، وهذه تشغل شريطًا ضيقًا في أقصى شمال القارة، وأما الصحراء الحارة فلا وجود لها في هذه القارة لأن عروضها لا تسمح بذلك، فخط عرض 30 هو الحد الشمالي للصحاري الحارة في نصف الكرة الشمالي، وأما الصحراء المعتدلة فيمكن القول أيضًا إنها غير موجودة، ولو أنه يوجد بجنوب شرق القارة حول بحر قزوين بعض جهات الإستبس الشديدة الفقر إلى درجة تقترب من ظروف الصحراء المعتدلة.
آسيا:
بسبب امتداد قارة آسيا في خطوط العرض من الإقليم الاستوائي في الجنوب إلى الإقليم القطبي في الشمال تتتابع فيها الأشكال النباتية من الغابات الاستوائية والموسمية في الجنوب إلى حشائش التندرا والصحاري الجليدية في الشمال، ثم بسبب اتساع القارة من الشرق إلى الغرب ووجود الحواجز الجبلية التي تمنع وصول الرطوبة من البحر إلى الداخل يشغل قلب آسيا مساحات كبيرة من الصحاري المعتدلة والمناطق العشبية الفقيرة. وأخيرًا بسبب كثرة جبال القارة وهضابها وانتشارها في مساحات كبيرة منها نجد التوزيع الفعلي للنبات يخضع لعامل الارتفاع. ومثال ذلك إقليم ألتاي وإقليم التبت في المنطقة المعتدلة الباردة من الناحية المناخية ثم إقليم إيران وإقليم منغوليا اللذان يتبعان المنطقة المعتدلة الدفيئة من الناحية المناخية كذلك.
وتبين الخريطة الموضحة في شكل 87 توزيع النبات الطبيعي في قارة آسيا، وفي هذه الخريطة نلاحظ ما يأتي:
أولًا: تشغل الجهات الصحراوية مساحة كبيرة من قارة آسيا فالصحراء الجليدية تمتد في شريط متصل شمال هذه القارة، وأما الصحراء الحارة فتشغل شبه جزيرة العرب وجنوب إيران وصحراء ثار، كذلك تشغل الصحاري المعتدلة أجزاء كبيرة من قلب القارة تمتد تقريبًا من البحر الأبيض المتوسط إلى عاموريا فوق سطح متنوع بين منخفضات ومدرجات وسلاسل جبلية عالية. وتختلف الصحاري الأسيوية عن الصحراء الكبرى الإفريقية في أن الفروق الحرارية اليومية والفصلية أكبر في الصحاري الأسيوية حيث الشتاء قارس البرودة والصيف شديد القيظ.
وتحيط بالصحاري حشائش الإستبس، وأقصى الصحاري المعتدلة نحو الغرب صحراء طوران، ويحيط بصحراء طوران من الشمال حشائش الإستبس التي تمتد حتى بحر قزوين، وفي قلب طوران يقع بحر آرال الذي يصب فيه النهران المشهوران سيحون وجيحون، ويستمد هذان النهران مياههما من ذوبان ثلوج البامير وتيان شان. وتقوم الزراعة على شواطئ هذين النهرين، فهما -أشبه بمصر- عبارة عن شريطين من الخضرة في قلب الصحراء، ويحف بالصحراء على طول القاعدة الشمالية الغربية للجبال نطاق من التلال والمدرجات ترتوي من مياه الجبال فتقوم عليها حياة نباتية، ولكن يبقى نمو الأشجار مقصورًا على جوانب النهر، وأما ما عدا ذلك فحشائش الإستبس هي النبات الطبيعي إذا لم يستخدم الري للزراعة.
والجزء الغربي من سلاسل جبال تيان شان وألتاي وكذلك سلاسل خراسان تكثف رطوبة الرياح الشمالية فيصيبها قدر لا بأس به من المياه ولا سيما في الشتاء والربيع، ولذلك نجد حياتها النباتية شبيهة بحياة منطقة طوران، فتقوم الزراعة عند قواعد التلال ويقوم العشب في الجهات الأكثر ارتفاعًا، ثم نطاق من الغابات المخروطية ثم حشائش ألبية في أعلى "حشائش صيفية" ثم أخيرًا صحراء باردة فوق قمم الجبال.
وكذلك هضبة إيران محاطة بحافات ألبرز وخراسان فتحميها من الرياح الشمالية، ولكن تجتاحها رياح باردة جافة فتتعرض للتطرف الحراري، ومن الناحية النباتية توجد بها منخفضات قاحلة تحيط بها حشائش الإستبس القصيرة الخالية من الأشجار إلا الأنواع الصحراوية كالشجيرات الملحية الرخوة المختزنة للعصارة والشجيرات الشوكية والأثل، ومثل هذه الحالة نجدها في خراسان وكوهستان، ويحيط أيضًا بهذه الصحراوات المنخفضة حشائش الإستبس القصيرة الخالية من الأشجار وتشغل هذه الحشائش المستويات الأعلى الجافة بالمنخفضات.
وهنا نلحظ الفرق بين منخفضات الصحراوات المعتدلة ومنخفضات الصحراوات الحارة، فالمنخفضات الأخيرة أكثر جهات الصحراء غنى بالثروة النباتية، وأما منخفضات الصحراء المعتدلة فأكثرها جدبًا وفقرًا، وقد نشأ هذا الفرق نتيجة
لاختلاف مصدر الماء في كل منهما. ويشبه سهل أصفهان المروج الألبية، وتختلف الحياة النباتية في أجزاء هذا السهل بحسب ما يناله من ماء. وأما السلاسل الجبلية التي تخترق الهضبة فهي -كالسلاسل التي تحيط بالهضبة- تحتوي على وديان خصبة ذات مراعٍ جيدة، ولذلك يزداد عدد سكانها عن السهل المكشوف. وكذلك يوجد شبه بين شرق إيران وبين طوران، في صحاريها وأجزائها الملحة في المنخفضات ثم سهولها الهزيلة الحشائش ذات الشجيرات المبعثرة على قواعد فتحات الجبال في هندوكوش، ثم في واحاتها التي تقوم على شواطئ الأنهار، وتقوم الزراعة حول وديان الأنهار التي تنحدر من جبال هندوكوش نحو الجنوب والغرب، ومن أجل هذا كانت مركزًا لتجمع السكان، ويرجع الغنى النسبي لهذه الجهات إلى الأنهار التي تستمد ماءها من الثلاجات.
ويمتد الحائط الجنوبي لهضبة إيران من أرمينيا إلى الهند عبر سلسلة زاجروس وهو حائط وعر مقفر إلا من بعض الواحات الجبلية المنعزلة، ولكن مظهرها العام صحراوي صرف.
ثانيًا: تشغل الجهات الجبلية مساحة كبيرة أيضًا من قلب القارة الآسيوية، وتتصف الحالة النباتية فيها بالفقر الشديد. إذ تحيط الجبال المرتفعة من جميع الجهات بالهضاب الممتدة من البامير إلى خنجان فتمنع وصول الرياح المطيرة إليها. ومناخ هذه الهضاب متطرف من حيث الحرارة وجاف من حيث المطر، وأما نباتها فيغلب عليه الصفة الصحراوية، وأكثر الجهات جدبًا وفقرًا في الحياة النباتية حوض تاريم وجوبي الغربية. ويشغل حوض تاريم في معظمه صحراء تاكلامكان التي هي عبارة عن بحر من الكثبان الرملية المتنقلة. ويشغل الشريط الضيق الذي بينها وبين الجبال شجيرات هزيلة ومستنقعات وحشائش شتوية خشنة ثم واحات فوق الرواسب الغرينية ثم مساحات حصباوية، أي يغطيها الحصا والحصباء، ثم مدرجات مزروعة يقوم في أعلاها على سفوح الجبال المراعي الصيفية، ويوجد مثل هذا الترتيب النباتي على نطاق أوسع في صحراء جوبي أو صحراء شامو وعلى سفوح جبال ألتن تاج وكوينلن. ومن الأمور التي نتوقعها في نباتات الجبال المحيطة بهذه الهضاب أن سفوحها الخارجية -أي المواجهة
الرياح الممطرة -تكون كثيرة الأشجار، وأما سفوحها الداخلية أي الواقعة في ظل المطر فأشجارها قليلة أو معدومة- وأجزاء السلاسل التي تمتد في الصحراء مثل ألتاي وتيان شان خالية من الغابات وحتى مراعيها الألبية "الحشائش الباردة أو حشائش التندرا" مقصورة على الارتفاعات الكبيرة وينطبق هذا على زنجبار ومنغوليا أيضًا.
ثم على هضبة البامير تجد السلاسل الجبلية تضغط نطاق ضيق من الحافات الشاهقة والوديان العالية، ويغطي الثلج هذه الوديان لشهور عديدة من كل عام ثم في فصل الصيف يذوب الجليد وتزدهر الحشائش الألبية التي يستغلها رعاة القرغيز استغلالًا جيدًا.
أما على هضبة التبت فنجد السلاسل الجبلية تنتشر وتتباعد عن بعضها، كما يزداد عرض الوديان العالية بين الحافة الجبلية الشاهقة الارتفاع، ولا يمكن أن ينمو على هذه الارتفاعات التي تتراوح بين 4000، 5000 متر إلا الحشائش الألبية؛ وذلك لأن هذه المساحات المرتفعة تتعرض للتطرف بين الحرارة الشديدة والبرودة القاسية كما تتعرض للرياح الباردة في كل الفصول وللعواصف الثلجية في فصل الشتاء، ولا يستثنى من هذا إلا الجزء الشرقي من جنوب التبت حيث الظروف المناخية أقل حدة بحيث تسمح بقيام بعض الزراعة في الوديان الواسعة والسهول، ولذلك يتركز سكان التبت في هذا الجزء. وتتخلل السفوح الشرقية للتبت خوانق ضيقة بين حافات متوازية حادة، وتتلقى هذه السفوح أمطارًا وفيرة من الرياح الموسمية الصيفية التي تهب على الصين.
ومن أجل هذا يزداد الغنى النباتي على هذه السفوح فتتدرج الحياة النباتية من الحشائش الألبية في أعلى يتلوها نطاق من الغابات المخروطية، يتلوها نطاق من الغابات النفضية ذات الأشجار العريضة الأوراق ثم تتحول هذه إلى غابات دائمة الخضرة من نوع غابات إقليم البحر المتوسط والإقليم الصيني ثم تتحول على السفوح السفلى إلى غابات كثيفة شبيهة بالغابات الموسمية أو الاستوائية.
ثالثًا: تشغل الجهات المتمتعة بالنظام الموسمي مساحة كبيرة من هذه القارة في جنوبها وجنوبها الشرقي وشرقها في الهند وبرما والصين الهندية وأرخبيل الملايو والصين وعاموريا واليابان.
فأما في الهند فتهب الموسمية الجنوبية الغربية على الحافة الغربية لهضبة الدكن فتسقط أمطارًا غزيرة تقوم بسببها غابات كثيفة من النوع الاستوائي على ساحل مالابار، وكذلك تقوم مثل هذه الغابات في جنوب سيلان، وأما على الساحل الشرقي "ساحل كروماندل" وشمال سيلان فيسقط مطر أقل، ومن أجل هذا كانت الغابات مختلفة في نوعها وفي كثافتها فهي عبارة عن أشجار دائمة الخضرة على مسافات متباعدة. وأما وسط هضبة الدكن فيقع في ظل المطر، أي إنه قليل المطر فإذا أضفنا إلى هذا التربة التي لا تحتفظ بالرطوبة لعرفنا السبب في وجود أجزاء قاحلة في هذه الهضبة إلى جانب أجزاء يغطيها العشب وأخرى تغطيها الغابات النفضية وغابات التاكة. وإلى الشمال من هضبة الدكن نجد سهول السند والجانج، وتتدرج حالة الرطوبة في هذه السهول من الرطوبة الغزيرة في الشرق إلى الجفاف الشديد في الغرب حيث صحراء ثار، وتتبع سهول السند الصحراء الحارة التي تشمل أيضًا شبه جزيرة العرب والعراق، ولولا ما يأتي به نهر السند من مياه منحدرة إليه من جبال الهملايا لكانت سهوله عبارة عن صحراء حقيقية. وأما سهول الجانج فعلى النقيض من ذلك يصيبه مطر موسمي غزير وتأتيه مياه وفيرة من الأنهار التي تنبع من الهملايا أيضًا. ثم إذا تركنا السهول وانتقلنا إلى الهملايا في شمالها نجد الحياة النباتية تتدرج على سفوحها فتوجد النباتات المدارية إلى ارتفاع 5.000 قدم. ويكون القسم الغربي من هذه السفوح جافًّا وقسمها الشرقي رطبًا، ولذلك نجد الركن الشمالي الشرقي من الهند وسفوح الهملايا الدنيا في هذا الركن ثم غرب برما تسودها ظروف ملائمة لنمو الغابات الكثيفة من النوع الاستوائي. ثم على السفوح الوسطى للهملايا يوجد نطاق الأشجار الدائمة الخضرة يعلوه نطاق الغابات النفضية إلى ارتفاع 3500 متر بعد هذا الارتفاع يوجد نطاق الحشائش الألبية ويستمر حتى 4500 متر.
وأما برما فتسودها الغابات التي تتنوع بين غابات التاكة النفضية في برما الشرقية والسفلى بين غابات المنطقة المعتدلة الدفيئة على السفوح الجبلية المرتفعة "شبيهة بغابات الإقليم الصيني" وكذلك تتأثر الصين الهندية بالنظام الموسمي تأثرًا كبيرًا فتشغل معظم سيام وكمبوديا غابات التاكة والسافانا والأحراش وتغطي الغابات الكثيفة الجبال في شمالها وغربها، وتسود التاكه أيضًا في السفوح الدنيا، وأما في السفوح العليا فتسود غابات المنطقة المعتدلة الدفيئة "شبيهة بغابات الإقليم الصيني". ثم توجد الغابات الكثيفة الشبيهة بالاستوائية في المناطق المنخفضة في كوشن تشينا Cochoin China ولكن جزءًا كبيرًا منها أزيل لاستخدام الأرض في الزراعة. وأما شبه جزيرة الملايو فتقع في الإقليم الاستوائي وتشغلها الغابات الاستوائية وكذلك أرخبيل الملايو تقوم به الغابات الاستوائية الدائمة الخضرة على السفوح الجنوبية والشرقية والسهول المعرضة للأمطار الاستوائية الغزيرة، وأما السفوح الشمالية والغربية فتتعرض لفصل جاف ولذلك يتراوح نباتها بين الغابات النفضية التي من أهم أشجارها التاكه وبين السفانا التي تتخللها الأشجار، ثم على السفوح العليا تقوم الأشجار الدائمة الخضرة، وأخيرًا على القمم لا نجد إلا العشب.
وأما في الصين فإنها لفرط ما استغلت في الزراعة لم يبق من نباتها الطبيعي إلا النذر اليسير. وتعتبر سلسلة تسينلنج شان -التي تسير من الغرب إلى الشرق- وكذا مرتفعات شمال اليانجتس فاصلًا طبيعيًّا بين نوعين من المناخ والنبات الطبيعي ففي شمال هذا الفاصل يقاسي الإقليم من التغيرات في الحرارة ومن الشتاء الجاف القارس البرد، ولذلك كان نباته من النوع الذي يزدهر في فصل الصيف. وأما في جنوب هذا فنجد المناخ يتحول إلى الظروف المعتدلة الدفيئة مع الرطوبة الدائمة ولذلك نجد السفوح الجنوبية لجبال تسينلنج تغطي بعضها الغابات الكثيفة، وقد أصبح هذا الفاصل بين النبات الطبيعي فاصلًا بين النبات المزروع أيضًا ففي الشمال يزرع الشعير والذرة بنوعيها والقمح والقطن والتبغ والعنب، وقد ساعد على ذلك التربة الصفراء الغنية التي تلائم الزراعة الكثيفة وتمكن من تكاثف السكان
بالإقليم. وأما جنوب هذا الفاصل فيزرع الأرز والشاي والقطن إلى جانب استغلال الغابات استغلالًا جيدًا.
وفي شمال الصين نجد منشوريا وهي مقفولة من جميع الجهات بواسطة سلاسل جبلية ولذلك نجدها إقليمًا جافًّا تسوده حشائش الإستبس الخالية من الأشجار ولذلك يطلق عليها جوبي الشرقية أي إنها تعتبر إقليمًا صحراويًّا أو شبه صحراوي، ولا تزدهر الحياة النباتية في هذا الإقليم إلا في الشريط الساحلي الضيق وعلى سفوح الجبال شرقي زونجاريا حيث تنمو الغابات. ثم إلى الشمال من منشوريا توجد عاموريا وهي إقليم كثير التلال، ذو مناخ شبيه بوسط أوربا أي أنه مناخ قاري ولكنه أكثر قارية من وسط أوربا، أي أنه أكثر تطرفًا في حرارته، وبمعنى آخر نجد الفرق بين حرارة الصيف وبين برودة الشتاء أكثر في عاموريا منه في وسط أوربا. وينمو في هذا الإقليم بفضل ما يصيبه من مطر موسمي الغابات النفضية الغنية العريضة الأوراق والغابات المخروطية والحشائش.
رابعًا: يوجد بالقارة الأسيوية أعظم نطاق من الغابات المخروطية بالعالم ولكنه أقلها استغلالًا في نفس الوقت، وتقع هذه الغابات في سيبيريا جنوب حشائش التندرا وتسمى "التاييجا" وتمتد هذه التاييجا السيبيرية دون انقطاع من جبال أورال تقريبًا خلال سهول شمال آسيا حتى كمتشتكا، أي أنه يمتد في شريط متصل من أقصى غرب القارة إلى أقصى شرقها.
هذه هي الملاحظات الرئيسية على النبات الطبيعي بالقارة الأسيوية. وقد بينا في الخريطة رقم 134 توزيع نطاقاته بحسب الشكل النباتي السائد فيه نتيجة لظروف القارة الطبيعية من مساحة وسطح ومناخ.
أمريكا الشمالية:
تبين الخريطة الموضحة في شكل "88" توزيع النبات الطبيعي في أمريكا الشمالية، ونلاحظ على هذا التوزيع ما يأتي:
"شكل 88" توزيع النبات الطبيعي في أمريكا الشمالية
أولًا: النبات الطبيعي السائد في أمريكا الشمالية هو الغابات، فالغابات المخروطية والغابات النفضية وغابات إقليم الصين والبحر المتوسط كلها ممثلة في أمريكا الشمالية على نطاق واسع وفي مساحات كبيرة.
فالغابات المخروطية تغطي منطقة كبيرة من شمال القارة تمتد بدون انقطاع تقريبًا من المحيط الأطلسي في الشرق إلى المحيط الهادي في الغرب، وتخرج منها ألسنة طويلة تمتد فوق الجهات المرتفعة في الشرق والغرب، ويظهر هذا في الخط المتعرج الذي يحد هذه الغابات من الجنوب، ويلاحظ انحناء هذا الخط نحو الشمال في قلب القارة، إذ إن جفاف هذا الجزء يجعل حد الغابات يتزحزح نحو الشمال لكي تحل محلها حشائش الإستبس وتصبح الغابات أكثر غنًى في المنطقة الشرقية
بالقرب من البحيرات العظمى حيث الظروف المناخية أكثر ملاءمة لنمو الغابات، ولكن تختلط بها في هذا المكان أنواع من الأشجار ذات الأوراق العريضة، فلا تصبح أشجار الغابة مقصورة على الصنوبر والشربين والأرز وسائر الأشجار المخروطية، وإنما يوجد معها البلوط والإسفندان والقسطل وكثير من الأشجار النفضية الأخرى.
وتمتد هذه الغابات الخليطة في الشرق على طول الأبلاش حتى ولاية كارولينا الشمالية كما يزداد تنوع أشجارها، وإقليم الأبلاش أكثر غنًى من إقليم البحيرات، فكان مغطى بالغابات النفضية التي تمتاز بالكثافة وتنوع الأشجار على أن هذه الغابات النفضية كانت تختلط بالغابات الصنوبرية في بعض المناطق وتبادل معها في مناطق أخرى وذلك بحسب الموقع الجغرافي لكل من هذه المناطق. وكذلك هضبة ألليجني التي ينحدر منها المسيسبي كانت مغطاة بغابات عريضة الأوراق شبيهة بغابات الأبلاش. ثم إذا ما غادرنا الهضبة في اتجاه الغرب تأخذ الغابة في التضاؤل حتى يتحول الشكل النباتي إلى حشائش معتدلة.
وكذلك تغطي غابات الإقليم الصيني مساحة كبيرة في جنوب شرق القارة كما هو واضح من الخريطة ويزداد عرض هذه الغابات على شواطئ خليج المكسيك وفي دلتا المسيسبي وفي تكساس ثم يتضاءل شأن هذه الغابات كلما اتجهنا غربًا حتى تتحول أيضًا إلى سهول. وأما غابات البحر المتوسط فلا تشغل إلا شريطًا ضيقًا على المحيط الهادي شمال كليفورنيا.
وكذلك تغطي الغابات الموسمية مساحات تحيط بخليج المكسيك ويطلق على هذه الغابات أحيانًا اسم "شبه مدارية" وهي على العموم غابات حارة رطبة، وقد أزيل جزء كبير منها وحلت محله الزراعة وتستمر ظاهرة الغابات هذه حتى أمريكا الوسطى، فتغطي الغابات الاستوائية الكثيفة "غابات السلفا" الأجزاء الشرقية المنخفضة لأنها تتلقى مطرًا غزيرًا من الرياح التجارية. وأما الأجزاء الغربية المنخفضة فغاباتها من النوع الموسمي؛ لأن المطر بها أقل، بل تشغل حشائش السفانا بعض جهات هذا الإقليم ثم على ارتفاع 3000 قدم تغطي سفوح التلال
غابات المنطقة المعتدلة الدائمة الخضرة، ثم على الارتفاعات الأعلى توجد الشجيرات القصيرة الهزيلة التي تتحول في النهاية إلى حشائش ألبية.
ثانيًا: بينما تمتد الغابات هذا الامتداد الواسع الذي رأيناه في شمال القارة وشرقها وجنوبها الشرقي نجد وسط القارة يمتاز بشكل نباتي آخر يشغل مساحة كبيرة، ذات الشكل النباتي هو حشائش البراري المشهورة في أمريكا الشمالية، وتمتد هذه البراري أو الإستبس حتى كندا في الشمال وحتى قواعد جبال الروكي في الغرب وتخلو هذه الحشائش من الأشجار خلوًّا تامًّا إلا في بعض بقع حيث تظهر الأشجار كأنها جزر وسط محيط من الحشائش، كما أنه يظهر وسط هذه الحشائش في بقع أخرى تلال رملية أشد فقرًا من منطقة الحشائش، ويظهر في داكوتا بصفة خاصة ما يسمى "بالأراضي الرديئة" وهي أراضٍ قفراء مجدبة تتخلل حشائش البراري ثم في جنوب غرب القارة تصبح البراري أكثر فقرًا إلى أن تتلاشى، ويحل محلها إقليم قفر ينمو به نبات شوكي وعشب يابس وصبير وذلك في غرب تكساس ونيو مكسيكو، ثم بعد هذا يوجد الإقليم شبه الصحراوي في شمال المكسيك.
وفيما عدا هذا النوع من الحشائش "حشائش البراري" تتمثل حشائش التندرا في أمريكا الشمالية في شريط ضيق على طول ساحل بحر برنج والأراضي المنخفضة في شمال القارة ويطلق على إقليم التندرا اسم الأراضي القفراء Barren grouuds وهو يمتد من مصب نهر ماكنزي إلى مصب نهر نلسون كما يشغل القسم الشمالي من لبرادور. وإقليم التندرا في ألاسكا أشبه بالحديقة لكثرة زهوره. ثم تتحول هذه الحديقة نحو الشرق إلى حشائش التندرا الصميمة التي لا ينبت فيها إلا العشب، ولا تستطيع الأشجار مهما كانت قزمية أن تظهر في التندرا الصميمة، ولكن إلى الجنوب من هذه المنطقة أي من هضاب ألاسكا وكولومبيا البريطانية إلى الطرف الشرقي من لبرادور تتحول منطقة التندرا إلى منطقة غنية تظهر فيها بعض الأشجار المخروطية كالصنوبر. ولكن يمكن اعتبار هذه المنطقة منطقة غابات فقيرة أكثر منها منطقة تندرا.
ثالثًا: الظاهرة النباتية الثالثة ذات الأهمية في أمريكا الشمالية هي النباتات
الجبلية وتتمثل هذه بوضوح في النطاق الجبلي في الغرب حيث تمتد ثلاث سلاسل جبلية عالية ومتوازية من ألاسكا في الشمال إلى المكسيك في الجنوب، ورغم تنوع المناخ من الشمال للجنوب ومن الغرب للشرق فإن الحياة النباتية في هذه الجبال فقيرة أو تسودها الغابات الفقيرة التي تزداد فقرًا على الهضاب وفي الأحواض الفاصلة بينها. فالانتقال المناخي من الغرب للشرق حاد في كل من المطر والحرارة؛ ولذلك تصبح الغابات المخروطية أقل ارتفاعًا وأكثر جفافًا وأقل كثافة كلما اتجهنا على الجبال من الغرب للشرق حتى تصبح في أشد حالات فقرها في جبال روكي. ولكن السلسلة الساحلية معرضة لرياح المحيط الهادي المطيرة ولذلك تنمو عليها غابات صنوبرية تعتبر من أكثف الغابات الصنوبرية في العالم، ثم تقل كثافة هذه الغابات كلما اتجهنا شرقًا.
أمريكا الجنوبية:
تبين الخريطة الموضحة في شكل 89 توزيع النبات الطبيعي في أمريكا الجنوبية، وأهم ما نلاحظه على هذا التوزيع ما يأتي:
أولًا: تغطي الغابات الاستوائية "غابات السلفا" مساحة كبيرة من القارة في حوض الأمازون، وهي مساحة من السهل المنخفض يمتد لمسافة 2000 ميل في داخل القارة وتعتبر هذه الغابات أكثف الغابات الاستوائية بالعالم، وتشتد هذه الغابات كثافة في السهل الفيضي للنهر ورافده، ثم خلف هذا النطاق يقع قسم الغابة الذي يجود بالمطاط وجوز الهند، وهو قسم أكثر قيمة من الناحية الاقتصادية؛ لأن اختراقه غير مستحيل كالقسم السابق كما تمتد الغابات الاستوائية على طول الساحل الشرقي والشمالي للبرازيل وجيانا وفنزويلا.
ثانيًا: تغطي حشائش السفانا مساحة كبيرة من هذه القارة أيضًا تشمل الجزء الباقي من البرازيل الذي لا تغطيه الغابات الاستوائية ثم جيانا وفنزويلا فيما عدا النطاقات الساحلية. ويلاحظ أن الغابات تكون نطاقات حول منطقة السفانا وأنها تمتد ألسنة منها خلال الحشائش.
ثالثًا: تمتد حشائش البامبا "ومعناها الخلاء" إلى الجنوب الغربي من
مستنقعات البارانا، وهذه الحشائش عبارة عن بحر من الحشائش الخالية من الأشجار، ثم هي تتحول تدريجيًّا إلى شبه صحراء كلما اقتربنا من الإنديز غربًا،
كما تتحول إلى صحراء حقيقية في بتاجونيا. ولكن في أقصى جنوب القارة في الجزء الذي يستدق فيها طرفها -أي في الطرف الجنوبي لبتاجونيا والجزء الشمالي الشرقي من فويجو- تستطيع الرياح الغربية أن تتخطى الإنديز التي تنخفض في هذا المكان وتسقط أمطارها في هذه الجهات فتعود حشائش الإستبس إلى الظهور مرة أخرى، وهي أيضًا خالية من الأشجار مثل البامبا شمال الصحراء.
رابعًا: نباتات، الجبال الغربية متنوعة، فتغطي الغابات الحارة، ولكنها قليلة الكثافة، كولومبيا وإكوادور. ثم إلى الجنوب من ذلك تسود الظروف الصحراوية إلى أن تبلغ أقصاها في الشريط العريض الذي يسمى صحراء أتكاما.
ثم إلى الجنوب من خط عرض 30 ْجنوبًا تتحسن الحالة النباتية وتظهر غابات البحر المتوسط. ثم من خط عرض 40 ْجنوبًا إلى أقصى جنوب القارة في فويجو تغطي السفوح الغربية غابات من الصنوبر والزان.
استراليا:
تبين الخريطة الموضحة في شكل 90 توزيع النبات الطبيعي في أستراليا وأهم ما نلاحظه في هذه الخريطة ما يأتي:
أولًا: تشغل الصحاري الحارة مساحة كبيرة من قارة استراليا حتى ليعبر عن هذه القارة بأنها صحراء حارة محاطة بنطاق نباتي غني.
ثانيًا: لا توجد الغابات الاستوائية في استراليا نفسها لأنها تقع جنوب خط 10 ْجنوبًا، وأما الغابات الموسمية وتسمى أيضًا بالغابات المدارية الحارة الرطبة فتشغل الشريط الساحلي في شمال القارة وشمالها الشرقي بفضل الرياح الموسمية الصيفية. ولما كانت هذه الرياح تختلف قوتها من سنة إلى أخرى، هذا بالإضافة إلى أنها لا تكون في أشد قوتها إلا إذا اصطدمت بجبال، فلهذا كانت أمطار هذه الرياح غزيرة في بعض السنوات وقليلة في سنوات أخرى، كما أنها تكون غزيرة حيث مناطق الجبال وقليلة حيث الأرض منبسطة وبسبب هذه الظروف كانت الغابات غير كثيفة بل تتخللها بقع من الحشائش، كما أنها غابات نفضية إذ إن هذا هو النوع النباتي الذي يتلاءم مع هذه الظروف المناخية.
ثالثًا: تشغل الغابات كذلك شرق القارة من مدار الجدي إلى الجنوب ولكنها من نوع غابات المنطقة المعتدلة الدفيئة وهي غابات غنية تسود بها شجرة الكافور، ثم تتدرج هذه الحالة النباتية في الاتجاه الغربي فتتحول إلى حشائش ثم إلى صحراء صميمة. ثم في جنوب القارة نجد أن امتدادها الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي يناله أمطار من الرياح الغربية في فصل الشتاء الجنوبي، ولذلك تنمو هنا الأشجار الدائمة الخضرة وعلى الأخص في جنوب غرب القارة. ويلاحظ تقوس الساحل الجنوبي من الوسط نحو الشمال، فهذا التقوس حرم هذا الجزء من أمطار الرياح الغربية وما يترتب عليها من أشجار.