المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السادس: المناخ التفصيلي - جغرافية المناخ والنبات

[يوسف عبد المجيد فايد]

الفصل: ‌الفصل السادس: المناخ التفصيلي

‌الفصل السادس: المناخ التفصيلي

مقدمة:

من المعروف أن معظم الدراسات التي تطالعنا في كتب المناخ تعتمد على إحصاءات مناخية مأخوذة من سجلات المراصد التي توضع أجهزتها في أكشاك تعلو عن سطح الأرض بمسافة مترين. وهذا الارتفاع موحد عالميًّا، لذلك فإن هذه الأرصاد تتم بعيدًا عن المستوى الذي يتأثر بالعوامل المحلية التفصيلية، ولما كانت الأحوال الجوية والمناخية في النطاق المحدود الذي يوجد من سطح التربة حتى ارتفاع المترين لها أهمية كبيرة من الناحيتين النظرية والعملية، فإن دراسة المناخ التفصيلي microclimatology تعتبر من أهم فروع علم المناخ. فسطح التربة هو الذي يمثل المصدر الذي يعطي الهواء حرارته ورطوبته حيث إن أشعة الشمس تخترق الهواء دون أن يمتص منها شيئًا يذكر والغالبية تصل إلى سطح الأرض فتسخنه ويقوم هو بتسخين طبقات الهواء التي تعلوه مبتدئًا بطبقة الهواء التي تلامس التربة مباشرة، وهذه الطبقة من الهواء هي موضوع دراسة المناخ التفصيلي. كذلك يؤثر شكل سطح الأرض على حركة الهواء من حيث اتجاهه وسرعته.

أما من الناحية العملية فإن طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض هي التي تؤثر في النباتات، ذلك لأن معظم النباتات تنمو قريبة من سطح الأرض وتحت ارتفاع المترين ولذلك يهتم الزراع بأحوال المناخ على النطاق التفصيلي micro وليس على النطاق الإقليمي الواسع macro كذلك يهتم هذا الفرع من علم المناخ إلى جانب هذا بدراسة مناخ المدن أو أجزاء منها والمزارع والغابات1.

1 Sutton o. Y.، "Understanding Weather،" 1960 pp. 179-206

ص: 112

وللأسف نجد أن معظم الدراسات التي تتعلق بهذا الفرع قد عملت في العروض المعتدلة خاصة في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بعيدًا عن العروض المدارية والقطبية التي ما زالت تنتظر الدراسة التفصيلية:

الحرارة:

تعتبر الحرارة من أهم العوامل التي تؤثر في نمو النباتات، لذلك فإنها تأتي في مقدمة عناصر المناخ التي يهتم بها في الدراسة التفصيلية. وإذا نظرنا إلى هذا العنصر نجد أولًا أنه في طبقات الهواء القريبة من سطح الأرض تنتقل الحرارة من أسفل إلى أعلى ببطء شديد إذا ما قورنت بانتقالها بين طبقات الهواء في الارتفاعات التي فوق ذلك.

والسبب في هذا هو أن المظاهر الطبوغرافية لا تتيح الحركة الحرة للهواء إلى أعلى. وعندما لا يتحرك الهواء نفسه من أسفل إلى أعلى، فإن انتقال الحرارة يتم عن طريق التوصيل Conduction فقط. ومن المعروف أن انتقال الحرارة من طبقة من الهواء إلى طبقة أخرى بواسطة حركة الهواء إلى أعلى تعادل 10 ْ من قوة انتقال الحرارة بين طبقات الهواء عن طريق التوصيل.

فإذا نظرنا إلى تناقص الحرارة بالارتفاع في القدم أو القدمين من الهواء اللذان يعلوان سطح الأرض مباشرة نجدها نتيجة لذلك تنخفض بسرعة كبيرة في هذا الحيز.

وقد أجريت تجربة في مدينة رفرسايد Riverside بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية على طريق أسفلت بعد ظهر أحد الأيام فوجد أن حرارة الأسفلت نفسه مرتفعة بمقدار 18 ْف عن درجة حرارة الهواء على ارتفاع قدم واحد من سطح الأسفلت "انظر شكل 50"، ومن الممكن أن توجد مثل هذه الحالة في أي مكان آخر، ولكن بمعدل تناقص للحرارة Lapse rate أقل من هذا، وذلك عندما يكون سطح الأرض مكونًا من تربة بها بعض الرطوبة؛ ذلك لأن جزءًا من أشعة الشمس التي تصل إلى سطح التربة يستنفذ في تبخير الماء الموجود في التربة.

كذلك تعتمد حرارة الجزء الأسفل من الغلاف الغازي القريب من سطح الأرض على مدى قدرة التربة على توصيل الحرارة إلى الهواء وهو ما يعبر عنه باصطلاح Heat conductivity 1، فإذا كانت هذه القدرة قليلة فإن سطح التربة يصبح شديد

Blair A. Thomas، "Weather Elements،" N.J. 1959، p. 96

Willett Hurd C.، "Descriptive meteorology،" New York 1959، p. 38

ص: 113

الحرارة؛ لأنه يحتفظ بأشعة الشمس المرسلة إليه أو بمعظمها والعكس صحيح، وفي حالة انخفاض قدرة التربة على توصيل الحرارة إلى طبقة الهواء التي تعلوها، فإن جزءًا كبيرًا من حرارة التربة يتجه إلى أسفل متغلغلًا إلى باطن التربة فيقوم بتسخين التربة السفلى Subsoil أما في حالة سطح الماء فإن حرارة السطح لا ترتفع كثيرًا لأن نفاذ الحرارة إلى الطبقات السفلى يتم بدرجة أسرع، ولأن جزءًا من الحرارة يستنفذ في عملية تبخير الماء.

"شكل 50"

وقد أجرى الأستاذ جيجر دراسة لمكان قريب من مدينة ميونيخ بألمانيا لحصر عدد الأيام التي تزيد حرارتها عن 77 ْف "25 ْم" على ارتفاعات مختلفة من سطح الأرض وتوصل إلى النتائج التالية في الجدول:

ص: 114

أما أثناء الليل فإن أقل درجات حرارة تحدث أيضًا عند سطح الأرض مباشرة حيث إن فقدان الحرارة بالإشعاع يبلغ أقصاه من سطح الأرض، ومن المعروف أن سطح الأرض يفقد حرارته بالإشعاع أسرع من فقدان الهواء لها؛ لذلك نجد هناك انقلابًا في التوزيع العمودي للحرارة Temperature inversion في طبقات الهواء القريبة من سطح الأرض خاصة في الليالي التي لا توجد بها سحب والتي تتميز بعدم حركة الهواء؛ لأن ذلك يساعد على سرعة فقدان الحرارة من سطح الأرض1. وحيث إن قدرة الهواء على توصيل الحرارة أقل من قدرة التربة فإن التربة المسامية أقل قدرة على توصيل الحرارة من التربة الصماء أو ضيقة المسام، كما أن الأرض المحروثة أقل قدرة على توصيل الحرارة من الأرض غير المحروثة، كذلك الأرض المغطاة بالقش أو الحشائش الجافة أقل قدرة على توصيل الحرارة من الأرض العارية وذلك بسبب وجود الهواء بين عيدان القش وبعضها أو بينها وبين التربة. لذلك يحدث الصقيع في أغلب الأحيان في المناطق المغطاة بالقش ولذلك يجب التخلص من الحشائش الجافة التي تغطي التربة في المناطق المعرضة لحدوث الصقيع.

الرطوبة: كما هو الحال بالنسبة للحرارة فإننا نجد رطوبة الهواء تبدي تغيرًا سريعًا في الاتجاه العمودي من سطح الأرض وخلال الطبقة المحدودة من الهواء القريبة من السطح. ولكي نتفهم توزيع الرطوبة في الجزء الأسفل من الغلاف الغازي لا بد أن نناقش أولًا الرطوبة المطلقة absolute humidity ذلك لأن دراسة هذا العنصر تتيح التعرف على الضوابط الطبيعية التي تؤثر على توزيع الرطوبة في الهواء. ولما كان مصدر رطوبة الهواء هو سطح الأرض فإن أعلى نسبة للرطوبة تكون عند سطح الأرض مباشرة والاستثناء لهذا يوجد في حالتين: الأولى عندما تكون هناك عملية تصعيد قوية للهواء المحمل ببخار الماء إلى الطبقات العليا والثانية عندما يحدث تكاثف في طبقة من الهواء تعلو بعض الشيء عن سطح الأرض.

أما التغير اليومي للرطوبة المطلقة فإنه يحكم بواسطة الضوابط الطبيعية السابق ذكرها، فالحد الأدنى للرطوبة المطلقة عند سطح الأرض يحدث في الساعات المبكرة من النهار

1 Trewartha Glenn T.، "An lntroduction to Climate، New YorK 1954، P.30

ص: 115

عندما تكون الحرارة منخفضة، وكلما ارتفعت درجات الحرارة ترتفع كمية الرطوبة في الهواء بسرعة حتى تصل إلى نهايتها العظمى قبل الظهر ثم تبدأ الرطوبة المطلقة في القلة مرة أخرى لسببين أولهما أن سطح الأرض يصير جافًّا نسبيًّا بعد أن استمر التبخر منه لساعات طويلة من شروق الشمس حتى الظهر، وثانيهما أن انتقال بخار الماء من طبقة الهواء القريبة من سطح الأرض إلى الطبقات العليا تتم بسرعة كبيرة في ساعة الظهيرة ولذلك تقل كمية بخار الماء في الهواء القريب من سطح الأرض في الوقت الذي ترتفع فيه الحرارة إلى حدها الأقصى، ويبدو هذا الحد الأدنى للرطوبة المطلقة أكثر وضوحًا في المناطق الصحراوية الجافة. أما في ساعات المساء فتبدأ الرطوبة المطلقة في الارتفاع مرة أخرى.

أما عن الرطوبة النسبية Relative humidity فإنها تقل كلما ارتفعنا عن سطح الأرض رغم أن درجة الرطوبة النسبية لا تتوقف على كمية بخار الماء في الهواء فقط، وإنما تتوقف في المقام الأول على درجات الحرارة. وقد لوحظ اختلاف يصل إلى 40% في درجة الرطوبة النسبية بين الهواء على ارتفاع 5 سم من سطح الأرض والهواء على ارتفاع 200 سم من سطح الأرض. ويمكن القول بصفة عامة أن معدل تناقص الرطوبة النسبية بالارتفاع أكثر وضوحًا أثناء الليل عنه أثناء النهار، ففي أثناء الليل تنخفض حرارة الهواء الملامس لسطح الأرض عن حرارة الهواء الذي يعلوه بدرجة واضحة كذلك تقل كمية بخار الماء في الهواء كلما ارتفعنا لذلك تنخفض الرطوبة النسبية بالارتفاع. أما خلال النهار فإن الحرارة تكون مرتفعة بالقرب من سطح الأرض وتقل بسرعة بالارتفاع -كما ذكرنا من قبل- لذلك فإن الرطوبة النسبية بالقرب من سطح الأرض لا تعلو كثيرًا عنها في طبقات الهواء الأكثر ارتفاعًا. ومهما كانت كمية بخار الماء كبيرة في الهواء القريب من سطح الأرض فإن ارتفاع الحرارة ارتفاعًا شديدًا يجعل الرطوبة النسبية منخفضة1.

الرياح: تتغير الرياح أيضًا في اتجاهاتها وسرعتها بالقرب من سطح الأرض

1 Landsberg، H:"Physical Climatology"، p. 216 1945، poc

ص: 116

فتختلف بذلك عن الرياح في طبقات الهواء الأعلى. فبالقرب من سطح الأرض تكون الرياح بطيئة للغاية وذلك بسبب تأثير عوائق السطح Surface friction، ثم تزداد سرعة الرياح كلما ارتفعنا لأن عوائق السطح تقل أو ينعدم تأثيرها على الرياح1.

ومن الجدول التالي يتضح أن عدد المرات التي سجلت فيها حالات ركود في الهواء تزيد في النطاق القريب من سطح إذا قورن بالنطاقات التي تعلوه:

ونلاحظ أن حالات ركود الهواء تزداد بصفة خاصة في الساعات المتأخرة من المساء، ويقل عدد حالات الركود كلما ارتفعنا إلا في حالات نادرة، ومن الملاحظ أيضًا أن سرعة الرياح تزداد أثناء النهار عنها أثناء الليل.

وبعد مناقشة أهم عناصر المناخ في الحيز الصغير من الغلاف الغازي القريب من سطح الأرض نفرد جزءًا لتوضيح أهم عناصر البيئة الطبيعية التي تؤثر على الأحوال المناخية التفصيلية.

تأثير مظاهر السطح على المناخ التفصيلي:

من المعروف أن مظاهر السطح تؤثر في الأحوال المناخية العامة على المقياس الكبير، كذلك نلاحظ أن مظاهر السطح

1 Taylor، F. George، "Elementary Meteorology"، 1959. pp. 133-134

ص: 117

تؤثر على الأحوال الجوية والمناخية في الحيز الصغير من الغلاف الغازي الذي نحن بصدده.

ومن أهم مظاهر تأثير التضاريس على المناخ التفصيلي ظاهرة انحدار الهواء البارد إلى الأجزاء المنخفضة من سطح الأرض أثناء الليل، ويحدث هذا حتى بالنسبة للحفر الصغيرة. وقد قام الأستاذان مدلتون وميلار1 بقياس درجات الحرارة في أحد الشوارع الرئيسية في مدينة تورنتو Toronto في كندا وهو شارع يونج Yonge الذي يشق المدينة من بحيرة أنتاريو Ontario حتى الطرف الشمالي للمدينة وذلك في يوم 22 فبراير سنة 1936، وقد أجريت التجربة بواسطة ترمومتر ثُبِّت في سيارة على ارتفاع 27 بوصة من سطح الأرض. وقد بدئ في قياس درجات الحرارة على طول الطريق بعد منتصف الليل بست دقائق واستغرق القياس أربعين دقيقة في الاتجاهين من وإلى البحيرة، وكان الطرق مموجًا أي به ارتفاعات وانخفاضات. وقد تميز ذلك المساء الذي أجريت فيه التجربة بخلو السماء من السحب. وقد اتضح من القياس "شكل 51" أن درجات الحرارة تنخفض انخفاضًا واضحًا في الأجزاء المنخفضة من الطريق وبدرجة أقل من الأجزاء المنخفضة القريبة من البحيرة بسبب تأثير نسيم البحيرة على رفع درجات الحرارة بعض الشيء. وأهم ما يلاحظ هو الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة عند الميل السابع من الطريق. وهذا التباين الواضح في درجات الحرارة بين قيعان الأودية والأجزاء المرتفعة يحدث بوجه خاص في الليالي الصحوة الهادئة الهواء، ففي مثل تلك الليالي يبرد سطح الأرض بسرعة بفعل الإشعاع وتنخفض درجة حرارة الهواء القريب من سطح الأرض فيبدأ هذا الهواء البارد الثقيل في الانزلاق إلى بطون الأودية والأجزاء المنخفضة من سطح الأرض حيث يتجمع فيها. ويشبه انحدار الهواء إلى أسفل انحدار الماء من أعلى الجبل إلى أسفل الوادي ولكن مع الفارق. وقد يقال إن انحدار الهواء من أعلى إلى أسفل يؤدي إلى تدفئته عن طريق الضغط بالهبوط adiabetic heating فإن هذا وإن صح في حالة المناخ الإقليمي على المقياس الكبير إلا أنه غير صحيح في حالة المناخ التفصيلي؛ ذلك لأن الارتفاعات صغيرة والمسافة التي ينحدرها الهواء لا تسمح

1 Haurwitz Bernhard and James M. Austin، "Climatology"، N. Y. 1944، p.164

ص: 118

بتدفئته أثناء هبوطه. والذي يحدث عادة أن الهواء البارد عندما ينزلق إلى الأجزاء المنخفضة فإنه يطرد الهواء الدافئ الموجود في بطن الوادي إلى أعلى، فيصعد هذا الهواء الدافئ نسبيًّا ويحتل جوانب الانحدار التي تصبح نتيجة لذلك أكثر دفئًا من بطن الوادي، ويتخذ الهواء الدافئ المتصاعد شكل دوامات على جانبي الوادي. وهذا الهواء الدافئ نفسه يبرد بعد ذلك ثم ينحدر مرة أخرى إلى بطن الوادي وهكذا1.

وقد قام الأستاد جيجر Geiger بدراسة مماثلة إذ إنه سجل النهايات الصغرى للحرارة خلال سنة كاملة في بقعة قطعت غاباتها ومنسوب الانحدار فيها 1: 200 بالقرب من مدينة ميونيخ في جنوب ألمانيا. وقد وجد جيجر أنه حتى في الأجزاء

1 Blair A. Thomas، "Climatology، General and Regional"، N. Y. 1942، pp. 78-82

ص: 119

ذات السطح المستوي فإن انزلاق الهواء قد يعوقه حاجز بسيط مثل جذوع الأشجار الملقاة على سطح الأرض.

وفي الجدول التالي نجد النهايات الصغرى للحرارة خلال شهري مايو ويونيه عندما يكون فصل الصقيع قد قارب الانتهاء، وخلال شهر أكتوبر أي في بداية فصل الصقيع. وقد أخذت القياسات في ثلاث نقط على طول المنحدر كل منها على ارتفاع 5 سنتيمترات عن سطح الأرض، وكانت النقطة الأولى عند حضيض المنحدر والثانية على بعد 48 مترًا من النقطة الأولى وعلى ارتفاع يزيد عن النقطة الأولى بـ 24 سنتيمترًا والثالثة على بعد 80 مترًا من النقطة الأولى وتزيد في ارتفاعها 40 سنتيمترًا عن النقطة الأولى. وقد وجد جيجر أن المتوسط الشهري للنهايات الصغرى أقل بكثير عند حضيض المنحدر عنها عند أعلى المنحدر، وبالتالي فإن التعرض للصقيع أكثر خطورة في الأجزاء المنخفضة عنه في الأجزاء المرتفعة.

ورغم أن الفروق في درجات النهايات الصغرى للحرارة قليلة إلا أن هذه الفروق ذات أهمية كبيرة خصوصًا إذا لاحظنا أن هذه الارتفاعات محدودة أولًا وأن الفرق

ص: 120

بينها قليل جدًّا، كذلك نلاحظ أن مستوى هذه الارتفاعات جميعًا أقل من المستوى الذي توضع فيه أجهزة المراصد وهو مترين.

أما عن سرعة الهواء الذي ينحدر من أعلى إلى أسفل فهي سرعة محدودة لا تزيد في العادة عن متر واحد في الثانية، ومن أهم العوامل التي تؤثر في حركة انحدار الهواء شكل الانحدار واتجاهه1، ولكي نتعرف على تأثير شكل الانحدار واتجاهه نضرب مثالًا بتل قبابي سيمتري الشكل غير شديد الانحدار، وبذلك تكون كمية الإشعاع الشمسي التي يستقبلها أي جزء من التل متوقفة على عوامل أخرى خلاف انحدار التل واتجاهه. والمفروض في هذه الحالة أن الجانب الشرقي يستقبل كمية من الأشعة مساوية للجانب الغربي من التل وأن أشعة الشمس توزع على الجانبين بالتساوي فهي تسخن الجانب الشرقي من شروق الشمس حتى الظهر وتسخن الجانب الغربي من الظهر حتى الغروب "على شرط أن تتساوى جميع الأشياء الأخرى مثل كمية السحب وحركة الهواء".

غير أن التجارب الواقعية دلت على أن درجات الحرارة على الجانب الغربي من التل تكون أعلى من درجات الحرارة على الجانب الشرقي والسبب في ذلك أنه خلال النصف الأول من النهار وعندما تكون أشعة الشمس مسلطة على الجانب الشرقي من التل فإن الهواء يسخن أيضًا ويقوم هذا الهواء بتسخين الجانب الغربي من التل بعض الشيء وعندما تصل أشعة الشمس إلى الجانب الغربي في النصف الثاني من النهار فإنها لا تبدأ التسخين من الصفر، في حين أن تسخين الجانب الشرقي في الصباح يبدأ من الصفر بعد ساعات الليل الباردة. لذلك فإن السفوح الغربية للمرتفعات تكون أكثر حرارة من السفوح الشرقية إذا تساوت جميع الظروف الأخرى. ولما كان أشعة الشمس تصيب السفوح الجنوبية في نصف الكرة الشمالي أكثر من غيرها فإنه يمكننا أن نضيف أن السفوح الجنوبية هي أكثر السفوح حظوة بأشعة الشمس. وهذه القاعدة صحيحة إذا كانت المرتفعات ذات شكل منتظم وهو ما لا يتوفر في الطبيعة دائمًا، فقد يحدث أن يكون اتجاه التل بحيث تسلط أشعة الشمس على

1 Sverre Petterssen، "Introduction to Meteorology" 1958، N. Y. pp. 164-169

ص: 121

سفحه الشرقي معظم ساعات النهار وحينذاك تكون درجات الحرارة على السفح الشرقي أعلى منها على أي جانب آخر. وهناك عامل آخر يتدخل لتغيير هذا الوضع المثالي وهو كمية السحب، فلو حدث أن زادت كمية السحب بعد الظهر فإن هذا يقلل من كمية أشعة الشمس التي تصل إلى الجانب الغربي. وهذه الحالة شائعة في العروض المدارية القريبة من خط الاستواء حيث تتجمع سحبها في ساعات ما بعد الظهر.

أما عن التبخر فإنه يتدخل لصالح رفع درجات الحرارة على الجانب الغربي من التلال؛ ذلك لأن جزءًا كبيرًا من المياه التي توجد في التربة على الجانب الغربي يتبخر في النصف الأول من النهار، لذلك فإن ما يضيع من الحرارة في التبخير عندما تصل أشعة الشمس إلى الجانب الغربي يكون محدودًا، في حين أن جانبًا كبيرًا من أشعة الشمس المرسلة إلى الجانب الشرقي يضيع في تبخير المياه الموجودة في التربة على ذلك الجانب.

وإلى جانب الحرارة التي تنال الاهتمام الأكبر في دراسة العلاقة بين مظاهر السطح والمناخ فإن الرياح والمطر يظهران تأثرًا ملحوظًا بالسطح أيضًا. فعلى المقياس الإقليمي الكبير نجد أن السفوح المواجهة للرياح تنال كمية أكبر من الأمطار إذا قورنت بالسفوح التي توجد في منصرف الرياح. أما على المقياس التفصيلي فإن الارتفاعات محدودة لدرجة أنها لا تؤثر على تبريد الهواء وحدوث التكاثف، ولذلك فإن العامل الأساسي الذي يؤثر في كمية المطر هو سرعة الرياح. وفي استعراض

ص: 122

توزيع الرياح وأثر مظاهر السطح، نعود مرة أخرى إلى المثال السابق الخاص بالتل القبابي السيمتري الشكل. وقد أجرى الأستاذ جيجر عدة تجارب أثبت بها أن سرعة الرياح تزداد على الجانب المواجه للرياح وخاصة عند قمة التل، كذلك تشتد السرعة على جانبي التل؛ ذلك لأن الرياح تعبر فوق التل وتدور حوله أيضًا لأن ارتفاعه ليس كبيرًا وامتداده ليس واسعًا. أما على الجانب الآخر للتل Lee side فإن سرعة الرياح تقل. ويتفق توزيع المطر مع توزيع الرياح فحيثما تشتد سرعة الرياح يقل المطر لذلك فإن كمية المطر تزداد على الجانب غير المواجه للرياح وهذا عكس ما يحدث على النطاق الإقليمي، والأدلة على ذلك كثيرة فالثلج الساقط يزداد على جوانب الكتل الصخرية والأشجار والمباني غير المواجهة للرياح، وبناء حواجز الثلج يراعى فيها أن تكون على الجوانب غير المواجهة للرياح.

أثر النباتات على أحوال المناخ التفصيلي: يختص هذا الجزء بمناقشة تأثير النباتات على الأحوال المناخية التفصيلية، وتأثير النباتات هنا له أهمية واضحة؛ ذلك لأن معظم النباتات تنمو قريبًا من سطح الأرض، ووجود غطاء نباتي يعطي خصائص معينة لسطح الأرض كما أنه يغير من شكل الأرض1.

أما فيما يتعلق بإعطاء التربة خصائص معينة فإننا نجد أن الأرض التي بها نباتات تمتص قدرًا أكبر من الحرارة إذا قورنت بالتربة العارية من النباتات، أما كمية الإشعاع الأرضي الذي يتم على هيئة موجات طويلة فهي أقل في حالة التربة ذات الغطاء النباتي عن التربة العارية، ومعنى هذا أن هناك توازن حراري للسطوح التي تغطيها النباتات عن تلك التي لا تغطيها نباتات. كذلك نجد أن النباتات توجد بها عدة سطوح لاستقبال الأشعة أو فقدانها ممثلة في الفروع والأوراق، لذلك فإن الفروع والأوراق العليا تحمي الفروع والأوراق السفلى من اكتساب قدر زائد أو فقدان قدر زائد من الحرارة وهكذا لا توجد تطرفات حرارية.

وهناك عامل آخر يؤثر على حرارة السطوح المغطاة بالنباتات وهو تكون الندى الذي يعوق خروج الإشعاع الأرضي بنسبة تصل أحيانًا إلى 30% والعامل الوحيد

1 Hawruitz، Bernhard، and Austin، James M. "Climatology"، p.195

ص: 123

الذي يقلل من حرارة المناطق المغطاة بالنباتات هو عامل التبخر الذي يزداد حيثما توجد نباتات ولكن تأثيره لا يعادل العوامل الأخرى التي تساعد على زيادة الحرارة المكتسبة في المناطق التي بها غطاءات نباتية.

ووجود غطاء نباتي يؤثر أيضًا على سرعة الرياح إذ هو يحد منها، ويزداد سمك طبقة الهواء التي تتأثر بهذا العامل كلما زاد ارتفاع النبات عن سطح الأرض كما هو الحال بالنسبة للأشجار العالية، كما يتضح من الجدول التالي:

ويتضح من هذا الجدول أن سرعة الرياح قليلة بين جذوع الأشجار، ثم تزداد السرعة قليلًا عند قمم الأشجار، ولكنها تقفز مرة واحدة إذا ارتفعنا إلى ما فوق الأشجار.

أما عن تأثير النباتات على الحرارة والرطوبة فيمكن الرجوع إلى شكل 53 حيث يظهر الجزء العلوي منه توزيع الحرارة في حقل قمح خلال فترات نموه المختلفة، ويبدو ارتفاع عيدان القمح بالخطوط الرأسية المظللة. وفي جميع الحالات يبدو تأثير امتصاص النبات لأشعة الشمس، فنلاحظ أن درجات الحرارة تتغير بسرعة كلما ارتفعنا خلال عيدان القمح بينما التغير قليل مع الارتفاع بعد أن نصعد فوق قمة النبات، ويرجع ذلك إلى أن حركة الحرارة إلى أعلى بطيئة بسبب تأثير النبات، وكلما كبر النبات وارتفع كلما قلت كمية أشعة الشمس التي تصل إلى سطح التربة، لذلك فإن أعلى درجة حرارة لا تكون عند التربة مباشرة وإنما على ارتفاع منها1.

1 Sutton، O. G.، "The Challenge of the Atmosphere"، New York ، 1961، pp. 159-179

ص: 124

ويظهر من الرسم أن القمح قد حصد في 26 يوليو لذلك فإن الخط البياني الأخير وهو خاص بالفترة من 26 يوليو إلى 12 أغسطس يوضح تناقص الحرارة بالارتفاع Lapse Rate على تربة عارية. أما تناقص الحرارة بالارتفاع أثناء الليل فهو موضح في الجزء الثاني من شكل 53 ومنه يتضح أن الأحوال عكس ما يوجد أثناء النهار، فعندما يكون النبات قصيرًا أو معدومًا فإن أقل درجات حرارة أثناء الليل تسجل عند سطح التربة مباشرة. وعندما يكبر النبات فإن أقل درجات حرارة تسجل على ارتفاع يقع بين سطح التربة وقمة النبات؛ وذلك لسببين: الأول أن الحرارة المفقودة لا تأتي من قمة النبات فقط ولكن من الأجزاء السفلى منه أيضًا؛ لأن قمم النبات لا تمثل سطحًا مستويًا متصلًا، والسبب الثاني هو أن الهواء الذي يوجد عند قمم النبات عندما يبرد فإنه يهبط من مكانه قليلًا ولكنه لا يصل إلى سطح التربة كما أن سطح التربة نفسه لا يمثل السطح الأساسي للإشعاع الأرضي لأنه مغطى بالنبات. لكل هذا فإن أقل درجات حرارة أثناء الليل في حقل القمح توجد في منتصف المسافة تقريبًا بين سطح التربة وقمة عيدان القمح1.

ويختلف توزيع الحرارة في المزارع المختلفة إذا كانت النباتات من نوع آخر غير القمح، فقد سجلت أعلى درجات حرارة في حديقة زهور عند قمم النباتات تمامًا

1 United States Department of Agriculture "Climate and Man"، 1941،"S. C. Salmon: Climate and Small Grains"، pp. 321-342

ص: 125

إذ إن أوراق الزهور تكون مسطحًا متصلًا يقوم مقام سطح التربة ويختلف عن سطح عيدان القمح، لذلك فإن سطح الزهور هو الذي يستقبل معظم أشعة الشمس الواردة وهو الذي يشع هذه الأشعة بدوره على هيئة موجات طويلة إلى الفضاء.

كذلك الحال بالنسبة للغابات حيث إن تيجان الأشجار تقوم بدور سطح الأرض في استقبال أشعة الشمس وإشعاعها. وأعلى درجات حرارة خلال النهار في مناطق الأشجار توجد عند قمم الأشجار ثم تقل الحرارة نحو سطح الأرض الذي يوجد في الظل، أما فوق قمم الأشجار فإن الحرارة تقل بالمعدل العادي، وفي أثناء الليل يكون الهواء في الغابة أدفأ من الهواء في العراء؛ ذلك لأن الهواء داخل الغابة يكون محميًّا بواسطة جذوع الأشجار، وأثناء النهار يكون الهواء داخل الغابة أبرد من الهواء في العراء؛ وذلك بسبب الظل الذي توفره الأشجار وبسبب ضياع جزء من الحرارة في عملية التبخر، لذلك فإن الغابات تنشئ في المناطق التي توجد بها نظامًا شبيهًا بنسيم البحر والبر حيث تقوم الغابة في هذه الحالة بدور البحر، أما من ناحية الرطوبة فإنها تكون أعلى في مناطق النباتات عنها في المناطق الخالية وذلك بسبب ارتفاع كمية التبخر في مناطق النباتات.

خاتمة: وهكذا نجد كيف أن الأحوال الجوية والمناخية في النطاق المحدود القريب من سطح الأرض بما فيه من تفاصيل طبوغرافية ونباتات ذات أهمية كبيرة كما أن بها الكثير من الدقائق التي تخفيها الدراسة المناخية الإقليمية. ولا شك أن دراسة المناخ التفصيلي تحتاج إلى التجارب الخاصة التي تجرى في منطقة البحث لأن القياسات التي تحتاجها لا تأتي عن طريق المراصد الجوية العادية. ولا بد لكي يتقدم علم المناخ والدراسات المناخية من الاهتمام بالمناخ التفصيلي، إذ علاوة على أهميته من الناحية الأكاديمية فإن له أهمية لا تنكر من الناحية التطبيقية.

ص: 126