المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثامن عشر: الحشائش - جغرافية المناخ والنبات

[يوسف عبد المجيد فايد]

الفصل: ‌الفصل الثامن عشر: الحشائش

‌الفصل الثامن عشر: الحشائش

تنمو الحشائش في الجهات التي يكثر فيها المطر في فصل وينعدم في فصل آخر بشرط أن يتفق موسم المطر مع موسم الدفء فتنمو الحشائش نموًّا سريعًا في هذا الفصل الممطر الدافئ حتى إذا ما انتهى وحل فصل الجفاف والبرودة ماتت الحشائش وأصبحت الأرض مقفرة من النباتات، فهذه الفصلية الحادة في الحالة المناخية يظهر صداها في الحياة النباتية، فتوجد النباتات في فصل وتنعدم في فصل آخر، وليس هناك نوع نباتي يلائم هذه الحالة إلا الحشائش، فالأشجار تستغرق في نموها عدة سنين وتتخذ من الوسائل ما يقاوم تقلبات الفصول، وأما الحشائش فلا تتعدى حياتها بضعة شهور، ثم هي من الرقة والهزال بحيث تعجز عن مقاومة تقلبات الفصول، وبذلك لا تستطيع الحياة عامًا بأكمله بل تحيا مع موسم المطر والدفء وتموت بانتهاء الموسم.

وتقع الجهات الملائمة لنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من كل المناطق المناخية الصالحة للحياة النباتية، أي كل المناطق المناخية باستثناء الجهات الصحراوية فتنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري ويعرف هذا النوع من الحشائش باسم السفانا، كما تنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من المنطقة المعتدلة ويعرف هذا النوع باسم الإستبس. كما تنمو الحشائش في الأجزاء الداخلية من المنطقة الباردة وتعرف باسم التندرا. وسنتناول بالدراسة كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة على حدة.

1-

حشائش السفانا:

السفانا هي الحشائش المدارية وتسمى أيضًا الكامبوس واللانوس وهي تغطي مساحات كبيرة في أمريكا الجنوبية إلى الشمال والجنوب من غابات الأمازون

ص: 323

وكذلك في إفريقية في السودان ومرتفعات شرق أفريقية وحول صحراء كلهاري وتمتد في جنوب هذه القارة حتى ناتال، وتوجد في أستراليا على هيئة نطاق دائري حول الصحراء الوسطى.

وواضح من هذا التوزيع أن حشائش السفانا تنمو في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري، وأما الجهات البحرية من هذا الإقليم فتنمو بها الغابات الضخمة القريبة الشبه من الغابات الاستوائية؛ وذلك بسبب الأمطار الغزيرة التي تسقط طول العام على هذه الجهات البحرية من الإقليم المداري.

وقد سبق أن بينا الظروف المناخية في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري، وعرفنا أن السنة فيها تنقسم إلى فصلين: فصل الشتاء وتهب فيه الرياح التجارية الجافة، ثم فصل الصيف وتسقط فيه أمطار انقلابية تعمل على خلق نوع من الحشائش يمتاز بالطول والغزارة بسبب توفر الرطوبة والحرارة في فصل واحد.

ويستحيل نمو الغابات في الأجزاء الداخلية من الإقليم المداري بسبب طول فصل الجفاف، وتصبح الحشائش هي النوع النباتي الوحيد الذي يستطيع النمو بغزارة وعلى نطاق واسع في هذه الأجزاء فتنمو وتكبر بسرعة مدهشة في موسم المطر وتموت بسرعة مدهشة كذلك في موسم الجفاف على أنه توجد في وسط حشائش السفانا أشجار قليلة متفرقة هنا وهناك، وليست هذه الأشجار من أشجار الجهات البحرية بهذا الإقليم، وإنما هي نوع من الأشجار التي تقاوم موسم الجفاف بوسائل مختلفة.

والمنظر العام لإقليم السفانا أشبه بالبستان؛ لأنه عبارة عن امتداد هائل من الحشائش الطويلة تتخلله أشجار قليلة مبعثرة هنا وهناك، وفي البقع المنخفضة من هذا الإقليم تتجمع الأشجار في شكل غابة صغيرة، ثم على الحافات الجبلية تتفرق الأشجار أو تختفي تمامًا.

ويبلغ طول حشائش السفانا من مترين إلى ثلاثة أمتار، ولكنها في بعض

ص: 324

الأماكن تبلغ ارتفاعًا يتراوح بين أربعة وخمسة أمتار، ويتخلل هذه الحشائش أعشاب وشجيرات، وبعض هذه الشجيرات ذات أوراق دائمة الخضرة، وبعضها من النوع الشوكي اتقاء لجفاف الشتاء ونتيجة لتفاعل عوامل السطح والتربة والمناخ نجد المظهر العام في إقليم السفانا يتنوع من مكان إلى آخر، ولذلك يمكن التمييز بين المظاهر الرئيسية الآتية من مظاهر السفانا:

1-

جهات منخفضة تسمح الموارد المائية فيها بنمو الأشجار بغزارة، وتظهر هذه الأشجار في شكل تجمعات هنا وهناك أو في شكل غابات صغيرة محدودة المساحة مبعثرة داخل إقليم السفانا، وقد أطلق عليها بعض الرحالة اسم الواحات؛ وذلك لأن التضاد بين بقع الأشجار وبين الامتداد الواسع للحشائش شبيه بالتضاد بين البقع الخضراء وبين المساحات الرملية الهائلة في الصحراء.

2-

جهات منبسطة تمتد فيها الحشائش لمسافات طويلة وهذه الحشائش مرصعة بأشجار النخيل المبعثرة هنا وهناك.

3-

منطقة عشبية شجيرية مرصعة ببعض الأشجار التي على شكل المظلة "الشمسية".

4-

جهات كثيفة الحشائش بحيث يتعذر اختراقها إذ ترتفع فيها الحشائش إلى حوالي ستة أمتار تتخللها أشجار منخفضة.

5-

جهات مكشوفة تشغلها حشائش لا يزيد ارتفاعها عن متر، وتتخلل هذه أشجار البوباب أطل أشجار السفانا، وتسمى هذه الشجرة أحيانًا "عيش القرود".

6-

جهات مكشوفة الحشائش خالية من الأشجار.

والميزة الطبيعية لحشائش السفانا هي قدرتها على مقاومة الجفاف الطويل وكان لهذه الميزة في تكوينها، إذ إنها تنمو في خصلات متماسكة ذات جذور قوية متماسكة ويتجمع هشيم السنوات الماضية فيكون غطاء للتربة يحميها من

ص: 325

البخر ثم إن الغطاء في الوقت نفسه كالسفنجة يختزن بعض الماء فيُمَكِّن النبات من أن يحيا حياة النائم خلال الفصل الجاف. وتظهر التربة عارية بين خصل الحشائش المنعزلة.

وفي كثير من الجهات تختلط حشائش السفانا بعدد من النباتات غير الحولية والشجيرات التي تتباين ما بين نفضي وشوكي ودائم الخضرة.

ومما هو جدير بالملاحظة أن جهود الإنسان تعمل على انتشار حشائش السفانا في بعض الجهات؛ وذلك بسبب عادة حرق هذه الجهات فتموت بسبب ذلك الأشجار وسائر النباتات غير الحولية، ولا تستطيع النمو مرة أخرى بينما الحشائش تنمو فجأة وبسرعة بمجرد سقوط المطر في الموسم التالي، ومن أحسن الأمثلة على ذلك إفريقيا إذا امتدت فيها الحشائش على حساب الغابات الموسمية بل على حساب الغابات الاستوائية في بعض المناطق.

وتلائم طبيعة السفانا حياة كثير من الحيوانات مثل الأبقار الوحشية "الوعول" والجاموس والحمار الوحشي والزراف ثم الفيلة وأفراف الماء وغيرها من الحيوانات آكلة العشب والأشجار، ثم هي بدورها طعام الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم.

الاستثمار الاقتصادي:

جهات السفانا صالحة للاستغلال الاقتصادي بسبب وفرة المطر وصلاحية التربة واستواء السطح وسهولة المواصلات وغنى الموارد الطبيعية، ووجوه هذا الاستغلال متعددة منها الصيد وتربية الماشية والزراعة. ويستطيع الزارع بواسطة الري أن يزرع كل غلات الجهات الاستوائية والمدارية، ولذلك كانت مناطق السفانا محط أنظار الدول الأوروبية فتنافست في سبيل استعمارها وحاربت بعضها البعض في سبيل الاستيلاء عليها.

والحياة الزراعية في إقليم السفانا متأثرة إلى حد كبير بالفصلية التي نشاهدها في المناخ، ففي الفصل المطير -الذي هو فصل الحرارة في نفس الوقت- تتوفر

ص: 326

الظروف الملائمة لنمو النبات، ثم في فصل الجفاف تتوفر الظروف الملائمة لجني الغلات، ومن أهم هذه الغلات القطن والذرة والبن وقصب السكر.

ولكن أهم مقومات الحياة الاقتصادية بهذا الإقليم هو الرعي، والحيوان الذي يتلاءم مع هذا النوع من الحشائش هو الماشية، وبهذا كانت تربية الماشية أمرًا شائعًا في كل جهات السفانا الإفريقية وفي إقليم الكامبوس في البرازيل وإقليم اللانوس في فنزويلا.

وسكان السفانا أكثر رقيًّا ونشاطًا من سكان الغابات الاستوائية، فليس في السفانا ذلك الخمول الذي تسببه الحرارة والرطوبة في الإقليم الاستوائي. فالفصلية الواضحة في المناخ المداري لا تجعل الحياة مملة وعلى وتيرة واحدة بل تجعلها متغيرة، فيتجدد نشاط الإنسان ويزداد إقباله على العمل وبذلك يزداد إنتاجه.

2-

حشائش الإستبس:

الإستبس هي حشائش المنطقة المعتدلة بقسميها الدافئ والبارد. وتسمى أيضًا حشائش البمباس وحشائش البراري وحشائش السهوب. وهي تشغل مساحات واسعة في نصف الكرة الشمالي في أوراسيا حيث تسمى بالإستبس. وفي أمريكا الشمالية حيث تسمى بالبراري ثم مساحات أقل سعة في نصف الكرة الجنوبي وتتوزع حشائش الإستبس على النحو التالي:

أ- جنوب شرق أوربا.

ب- جنوب غرب سيبيريا.

جـ- براري أمريكا الشمالية.

د- إقليم البمباس في أمريكا الجنوبية.

هـ- هضبة جنوب إفريقيا.

و حوض مري ودار لنج في استراليا.

وقد كان لموقع هذه الجهات في وسط القارات بعيدًا عن البحر أثره في حالتها النباتية؛ فمن حيث الحالة المناخية نجد أن المناخ القاري هو السائد فتشتد الحرارة في الصيف حتى يصبح من الأمور المألوفة أن ترتفع الحرارة إلى

ص: 327

حوالي 3 ْمئوية، كما تشتد البرودة في فصل الشتاء حتى يصبح من الأمور المألوفة كذلك أن تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون درجة الصفر ومن أثر بعد هذه الجهات عن البحر أيضًا قلة المطر؛ لأن الرياح الممطرة تقطع مسافات طويلة في سبيل الوصول إلى هذه الجهات، وبذلك تفقد معظم حمولتها من الرطوبة قبل الوصول إليها، فلا يصيبها إلا قدر ضئيل من المطر لا يسمح إلا بنمو نوع نباتي خاص هو الحشائش القصيرة الفقيرة. أو المتوسطة في الطول والغنى بحسب اختلاف الكمية الفعلية للأمطار التي تصيب الجهات المختلفة، ولا تمكن مثل هذه الحالة المناخية من نمو الأشجار حتى إنه من المميزات الخاصة بهذا الإقليم خلوه من الأشجار خلوًّا يكاد يكون تامًّا.

وحشائش الإستبس هي النوع النباتي السائد في قلب القارات بصفة عامة سواء في ذلك المنطقة المعتدلة أو الباردة، وتمتاز المنطقة المعتدلة والمنطقة الباردة بنوعين من النبات، فحيث تسقط الأمطار بوفرة تقوم الغابات بفصائلها المختلفة ويكون هذا بقرب السواحل، وأما حيث تسقط الأمطار بقلة فتقوم الحشائش ويكون هذا في قلب القارات بصفة عامة، والانتقال تدريجي بين حشائش الإستبس وبين الغابات المعتدلة والباردة. على مثال الانتقال التدريجي الذي رأيناه بين الغابات الاستوائية وبين حشائش السفانا، أو بين حشائش السفانا وبين الصحراء.

وموسم المطر في مناطق الإستبس هو الربيع وأوائل الصيف، ومعنى هذا أن موسم المطر متفق مع موسم الدفء وهو مما يساعد على نمو الحشائش وازدهارها ولكن لا تلبث الحرارة الشديدة في أواخر الصيف أن تقتل هذه الحشائش وقد سبق أن بينا أنه نتيجة لتأثر الأرض بحرارة الشمس في فصل الربيع تأخذ مناطق الضغط المنخفض في التكون فوق هذه المساحات الواسعة من اليابس، فتجتذب إليها الرياح المحملة بالرطوبة من المحيط فتسقط ما بها من مطر ولكنه مطر قليل كما سبق أن ذكرنا بسبب طول المسافة التي قطعتها الرياح في طريقها إلى قلب القارات حيث توجد مناطق الإستبس وإذا قارنا بين خرائط متوسط المطر السنوي وبين خرائط النبات في كل من أوربا وآسيا وأمريكا الشمالية لعرفنا أن هذه الحشائش توجد حيث يقل المطر عن حوالي 35 سم في السنة.

ص: 328

الاستغلال الاقتصادي:

أهم النواحي التي يستغل فيها الإنسان جهات الإستبس هي الرعي والزراعة، فهما الحرفتان الرئيسيتان في هذا الإقليم.

فمن حيث الرعي نجد بهذا الإقليم الغنم والماعز والخيل وقطعان الماشية. على أن نوع الحيوان يختلف من مكان لآخر في جهات الإستبس المختلفة، ففي استراليا وجنوب إفريقيا وبعض جهات الأرجنتين تسود تربية الأغنام، وأما في كندا وروسيا فيتعذر تربية الأغنام على نطاق واسع بسبب البرد الشديد، ثم في أورجواي وبعض الجهات الأخرى من الأرجنتين تسود تربية الماشية، ويمكن القول بصفة عامة إن الحياة الاقتصادية في كل هذه الجهات تعتمد اعتمادًا رئيسيًّا على الرعي.

على أن مساحات كبيرة من إقليم الإستبس والبراري قد تحولت إلى الزراعة، وعلى الأخص الأجزاء التي قامت فيها وسائل الري، فمكنت من زراعة الحبوب، وأهم الحبوب التي تزرع في هذه الجهات القمح الذي يأتي في المرتبة الأولى في نصف الكرة الشمالي يتلوه الشعير والشوفان والشيلم، وأما في نصف الكرة الجنوبي فالغلة الرئيسية هي الذرة. ويساعد المناخ على نجاح زراعة الحبوب في جهات الإستبس. فإن رطوبة الربيع ودفئه يساعدان على نمو البذور وازدهار النبات ثم يأتي الصيف فيساعد على نضج الحبوب، ثم تلائم الحرارة والجفاف في أواخر الصيف موسم حصاد الغلات ولقد أصبحت الزراعة حرفة رئيسية في البراري بأمريكا الشمالية والبمباس في أمريكا الجنوبية، والفلد بجنوب إفريقيا والإستبس في استراليا، حتى لتعتبر هذه الجهات في الوقت الحالي مخزن العالم في الحبوب. ومع ذلك لا تزال هناك مساحات واسعة تسود فيها حرفة الرعي في جهات الإستبس الأسيوية.

وتقوم بهذا الإقليم حرفة الصيد أيضًا، إذ تكثر به الحيوانات، وهي على نوعين: نوع آكل العشب الذي يعيش على الحشائش. ونوع آكل اللحوم الذي يعيش على النوع الأول.

ص: 329

3-

حشائش التندرا:

هذا الإقليم مقصور على نصف الكرة الشمالي فالمنطقة القطبية الشمالية عبارة عن بحر يحيط به يابس بينما المنطقة القطبية الجنوبية عبارة عن يابس يحيط به ماء، وليس اليابس القطبي الجنوبي صالحًا لنمو النبات لوقوعه في أقصى العروض القطبية الجنوبية، ثم لوقوعه تحت تأثير ضد الإعصار القطبي الذي يطرد كل تأثيرات الدفء، فلا تصل إلى الإقليم، حتى إن متوسط أكثر الشهور حرارة لا يرتفع في أي مكان فوق درجة التجمد ولذلك نجد الجليد يغطي أجزاءه طول العام، وأما اليابس القطبي الشمالي فتسمح العروض التي يقع فيها بنمو النبات، هذا فضلًا عن أن عوامل الدفء تستطيع الوصول إليه. وبذلك يتراجع خط الصفر الحراري المتساوي في شهر يناير إلى طرف سبتزبرجن عند خط عرض 77 ْشمالًا ونتيجة لهذا نجد هذا الإقليم -باستثناء جرينلند- به حرارة صيفية كافية لنمو النبات الذي يسوده النوع المسمى بحشائش التندرا.

ومع ذلك فإن حشائش التندرا لا تنمو إلا بعد كفاح شديد ضد ظروف مناخية شديدة القسوة. فالسنة تنقسم إلى فصلين غير متكافئين، شتاء طويل شديد البرودة، ثم صيف قصير لا يتعدى شهرين أو ثلاثة، وعلى النبات أن يقطع أدوار حياته الثلاثة -الإنبات والنمو والنضوج- في خلال فصل الصيف القصير، قبل أن يداهمه الشتاء بصقيعه الدائم، ومثل هذا المناخ لا يلائمه إلا الحشائش؛ إذ إن الفصلية فيه شديدة الوضوح، ولكن الفصلية هنا تتضح في عامل الحرارة وليس في عامل المطر كما في حشائش السافانا، والفصلية الحادة في المناخ لا يلائمها بصفة عامة من أنواع النبات إلا الحشائش التي تنمو بسرعة كبيرة كأنما انتابتها حمى النمو بقصد الانتهاء من أدوار حياتها في فصل المطر والدفء.

ونباتات هذا الإقليم قصيرة الجذور؛ لأن ذوبان الجليد في فصل الصيف يقتصر على التربة السطحية، وأما التربة السفلية فتظل متجمدة لا تسمح لجذور النبات بالتعمق فيها. ولا تتحمل هذه الظروف المناخية القاسية إلا نباتات قليلة أهمها

ص: 330

الطحالب والحشائش القصيرة. وقد تنمو أشجار قصيرة لا يزيد ارتفاعها عن قدم أو قدمين في الأماكن المحمية على طول المجاري المائية. وتتدرج الحياة النباتية في هذا الإقليم ففي أقصى الشمال تختفي النباتات تمامًا وتكون عبارة عن صحراء جليدية، ولكن في جنوبه تكثر الحياة النباتية نوعًا ما، وتنمو الشجيرات التي يزداد طولها ويكثر عددها وتتعدد أنواعها كلما تقدمنا نحو الجنوب.

ويمكن القول بصفة عامة إن هذا الإقليم عبارة عن سهول عديمة الأشجار تقع شمال نطاق غابات المنطقة المعتدلة الباردة، إذ لا تنمو الأشجار عادة إذا انخفضت حرارة الصيف عن 50ْ ف وعلى هذا يمكن أن نعتبر خط الحرارة المتساوي 50 ْف في فصل الصيف الشمالي معينًا للحد الجنوبي لإقليم التندرا ويتبين من دراسة خرائط الحرارة المتساوية أنه لا توجد في نصف الكرة الجنوبي أجزاء من اليابس تقع جنوب خط الحرارة المتساوي 50 ْف لفصل الصيف فيما عدا مرتفعات القارة القطبية الجنوبية.

الاستغلال الاقتصادي:

حياة الإنسان في الإقليم عبارة عن كفاح مستمر ضد الطبيعة وهو يعتمد على حرفة الجمع والالتقاط فيلجأ إلى صيد البر والبحر ويلعب صيد البحر دورًا هامًّا في حياته حتى إن سكناه للعروض العليا تكاد تقتصر على الجهات الساحلية.

ويتطلب التغير الفصلي حياة التجوال فالبيت الصيفي هو الخيمة الخفيفة المصنوعة من الجلد وأما البيت الشتوي فهو بناء من الطوب والثلج ومواد البناء نادرة ولا سيما الخشب.

وتختلف وسيلة النقل والانتقال عند سكان هذا الإقليم في الصيف عنها في الشتاء ففي الصيف يستخدمون القوارب الصغيرة في البحار والأنهار؛ لأن معظم الأرض تغطيها المستنقعات في هذا الفصل. وأما في الشتاء فيستخدمون الزحافات التي تجرها الكلاب أو الرنة لأن تساقط الثلج وتجمد المياه يحول النهر والأرض وحتى البحر إلى طريق للانتقال متشابه.

ويخضع الحيوان كذلك للتغير المناخي الحاد، فمعظم الطيور تهاجر في آخر

ص: 331

الصيف إلى الأقطار الأكثر دفئًا كما يتراجع حيوان الرنة إلى أطراف غابات التيجا ويتبعه الذئب القطبي، ولكن بعض الحيوانات تظل مقيمة بالإقليم مواجهة قسوة الشتاء مثل الأرنب القطبي والثور الأمريكي والرنة وهذه تبحث عن طعامها تحت الثلج فتنبش التربة للوصول إلى حشائش التندرا المدفونة تحت طبقة الجليد التي تكون عادة رقيقة في هذا الإقليم، ويعتبر البحر موردًا هامًّا من موارد الغذاء لبعض الحيوان مثل الدب القطبي.

ولا تساعد الظروف الطبيعية على قيام حياة حيوانية غنية في هذا الإقليم وأهم ما يوجد به حيوان الرنة الذي يقتات من الطحالب والحشائش الأخرى التي تظهر فوق سطح الأرض في زمن الصيف، ويستطيع الحصول عليها في فصل الشتاء بأن ينبش بحوافره الجليد الذي يغطي هذه الحشائش كما سبق أن ذكرنا، وقد أمكن استئناس هذا الحيوان في آسيا فانتفعت به القبائل التي تعيش في إقليم التندرا بهذه القارة، فمدهم بالطعام واللباس كما استخدموه وسيلة للنقل. أما في تندرا أمريكا فلم يستأنس بل ما زالوا يصطادونه ويسمى هناك كاريبو. وفيما عدا الرنة والكاريبو يعتمد الأهالي في حياتهم على الأسماك فيصيدونها في المناطق الساحلية من خلال الثقوب في الجليد، وأما الزراعة فغير ممكنة في هذا الإقليم؛ لأن درجة الحرارة لا تسمح بنضج النبات.

ص: 332