الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث
في صحة شروط العبادة
لقد تحدثت في المباحث والمطالب السابقة عن تعريف العبادة، وأركانها، وأنواعها عند علماء الحنفية، وأتحدث في هذا المطلب عن شروط صحة العبادة عند علماء الحنفية، كل ذلك ردا على القبورية عباد القبور وأهلها.
فأقول وبالله التوفيق، وعليه توكلي وإليه إنابتي:
لقد ذكر علماء الحنفية لصحة العبادة وقبولها عند الله ثلاثة شروط:
الأول: التوحيد الخالص من الشرك.
والثاني: الإخلاص لله عز وجل: أي النية الصحيحة الخالصة من النفاق، والرياء.
والثالث: موافقة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلوص العبادة من البدعة.
وقد أشير إلى هذه الشروط الثلاثة في قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] .
فقوله تعالى: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} يدل على اشتراط الشرط الأول، وهو التوحيد الخالص من الشرك.
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ} يدل على اشتراط الشرط الثاني، وهو الإخلاص في العبادة، وخلوصها من النفاق والرياء والسمعة.
وقوله تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} يدل على اشتراط الشرط الثالث وهو موافقة العبادة للسنة، وخلوصها عن البدعة.
قلت: أما الشرط الأول - وهو التوحيد الخالص من الشرك - فلا حاجة إلى الإطالة في تحقيقه؛ فقد سبق أن التوحيد له ركنان: النفي والإثبات؛ فمن لم يكفر بالطاغوت، ولم يبرأ من الشرك، فتوحيده باطل فاسد، وأعماله كلها - حتى إقراره بـ ((لا إله إلا الله)) - وغير ذلك من العبادات حابطة.
قال العلامة محمود شكري الآلوسي (1342هـ) في بيان أن إقرار القبوية بـ ((لا إله إلا الله)) ، وتصديقهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك من العبادات، لا يجديهم ولا ينفعهم:
(فيقال له: لا يفيد ذلك الزعم مع إظهار الأعمال الشركية الدالة على عقيدة الشرك وما يصادم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك كمن يقول: إني مصدق بما ذكر، ثم شد الزنار) .
وأما الشرطان: الثاني، والثالث: وهما الإخلاص، وموافقة السنة:
فقد ذكر كثير من علماء الحنفية أنهما شرطان لصحة العبادة وقبولها. وإليكم بعض نصوصهم.
(1)
قال الإمام فضيل بن عياض رحمه الله (187هـ) :
(العمل الحسن هو أخلصه، وأصوبه. قالوا: يا أبا علي! ما أخلصه، وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل؛ حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة) .
وذكر علماء الحنفية أن هذين الشرطين لتحقيق كلمة التوحيد.
(2)
(3) قال العلامة نعمان الآلوسي (1317هـ) ؛ والعلامة الخجندي (1379) هـ، واللفظ للأول:
(وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: ألا نعبد إلا الله. وألا نعبد إلا بما شرع. وهذان الأصلان - هما تحقيق شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] .
قال الفضيل: أخلصه، وأصوبه. وقال {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ؛ ولذا قال الفقهاء: والعبادات مبناها على التوقيف) .
(4)
قال شيخ القرآن الفنجفيري (1407هـ) :
(قال أبو محمد عبد الوهاب الثقفي: لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابًا. ومن صوابها إلا ما كان خالصًا. ومن خالصها إلا ما وافق السنة) .
(5)
وقد ذكر علماء الحنفية أن هذين الشرطين يدل على اشتراطهما لصحة العبادة وقبولها عند الله جل وعلا قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}
…
[البقرة: 112] .
قال شيخ القرآن المذكور في تفسير هذه الآية:
(قال ابن كثير في تفسيره: وقال سعيد بن جبير:
{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} : أخلص.
{وَجْهَهُ} : قال: دينه،
{وَهُوَ مُحْسِنٌ} : أي اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده.
والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة. فمتى كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يتقبل. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» . رواه مسلم من حديث عائشة رح. فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم ذلك إلا متابعًا للرسول صلى الله عليه وسلم .
قلت:
وتمام نص كلام الحافظ ابن كثير (774هـ) رحمه الله:
(المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وفي أمثالهم قال الله تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، وقال تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 2-5] ،
…
وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة
الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضًا مردود على فاعله.
وهذا حال المرائين والمنافقين؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [النساء: 142]، وقال تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 4-6] . ولهذا قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وقال في هذه الآية الكريمة:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} .....) .
(6)
ونقل الشيخ الرستمي لتحقيق هذين الشرطين للعبادة قول الإمام ابن القيم رحمه الله (751هـ) :
وعبادة الرحمن غاية حبه
…
مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر
…
ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله
…
لا بالهوى والنفس والشيطان
قلت: وتمام كلام ابن القيم - وفيه تحقيق الشرط الآخر -:
فقيام دين الله بالإخلاص وال
…
إحسان إنهما له أصلان
لم ينج من غضب الإله وناره
…
إلا الذي قامت به الأصلان
والناس بعد فمشرك بإلهه
…
أو ذو ابتداع أو له الوصفان
(7)
قلت: اشتراط متابعة السنة في العبادة يسميه علماء الحنفية:
((توحيد المتابعة)) ، ويسميه الإمام ابن القيم (751هـ) رحمه الله:((توحيد الطريق)) .
وهذا برهان ساطع على أهمية هذا الشرط لصحة العبادة عند الحنفية.
وهذا حجة باهرة قاهرة على أن من أخل بتوحيد المتابعة، وتوحيد الطريق في عبادته لله فقد نقض توحيده وأبطله لفوات شرط صحته.
(8)
قال الشيخ الرستمي - بالنسبة إلى توفر هذين الشرطين في العبادة وعدم توفرهما -:
(ثم اعلم: أن تحقق العبادة على أصلين عظيمين: الإخلاص للمعبود. ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذا انقسم الناس إلى أربعة أقسام:
(1)
أهل الإخلاص والمتابعة؛ وهم أهل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .
(2)
ومن لا إخلاص له ولا متابعة؛ وهم أهل الرياء مع كونهم أهل البدع؛ فهم أهل الغضب والضلال.
(3)
ومن هو مخلص في أعماله؛ لكنها على غير المتابعة؛ كجهال العباد، وكل من تعبد الله بغير أمره، واعتقده قربة.
(4)
ومن كان عمله على المتابعة لغير الله؛ كالعبادة والجهاد
والعلم ومثلها الدنيا والرياء والسمعة) .
قلت: أصل هذا الكلام للإمام ابن القيم رحمه الله (751هـ) ؛ فله كلام فصيح بليغ متين رصين في بيان هؤلاء الأصناف الأربعة بالنسبة إلى هذين الشرطين للعبادة.
قلت: لقد تبين من كلام الحنفية: أن هاهنا سبعة أصناف من الناس بالنسبة إلى العبادة وأركانها وشروطها:
1 -
من عبد الله تعالى بالحب والرجاء والخوف والإخلاص ومتابعة السنة فهو موحد سني.
2 -
من عبد غير الله تعالى فهو مشرك.
3 -
من عبد الله بالحب وحده، لا رجاء الجنة ولا خوفًا من النار كالصوفية القائلين:
((لا مقصود إلا الله)) فهو زنديق.
4 -
ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ.
5 -
ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري خارجي.
6 -
ومن عبد الله بدون الإخلاص فهو منافق، مراء.
7 -
ومن عبد الله بدون اتباع السنة فهو مبتدع راهب ضال.
وبعد أن عرفنا أهم ما يتعلق بالتوحيد من تعريفه، وأنواعه، وأركانه، وأهميته، وشروط صحته، وكون توحيد العبادة هو الغاية، والعبادة وأنواعها وأركانها وشروط صحتها، في هذا الباب - بحمد الله وتوفيقه - ننتقل إلى الباب الثالث لنعرف أهم ما يتعلق بالشرك وأنواعه إن شاء الله تعالى.
*****