الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
في جهود علماء الحنفية
في المقارنة بين القبورية الحديثة وبين الوثنية القديمة
1 -
لقد قام كثير من علماء الحنفية بالمقارنة والمقابلة بين القبورية الوثنية الحديثة في هذه الأمة وبين الوثنية القديمة من المشركين السابقين، فحققوا أن كلا منهم أهل الشرك وأن القبورية الحديثة على طريقة الوثنية القديمة في الشرك وعبادة غير الله، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة والشبر بالشبر.
2 -
وقد سبق كثير من نصوص علماء الحنفية في ذلك أيضًا.
3 -
وسيمر بالقارئ الكريم كثير من نصوصهم في ذلك أيضًا إن شاء الله تعالى.
4 -
بل للحنفية تحقيقات بديعة في أن القبورية الحديثة أشد شركًا من الوثنية القديمة.
5 -
وأن القبورية الحديثة أعظم خوفًا وعبادة للقبور وأهلها منهم عند الكربات * لرب البريات وخالق الكائنات.
وذلك بعرض علماء الحنفية لعقائد المشركين السابقين وأنهم كانوا معترفين بتوحيد الربوبية وإنما كان إشراكهم باستغاثتهم بآلهتهم والنذور لهم وجعلهم وسائط بينهم وبين الله.
بل صرح علماء الحنفية: بأن الشرك والقبورية قد عما وطما إلى حد - لم يقتصرا في العوام والطغام فحسب بل سريا في كثير من أهل العلم والفضل والعقل والزهد والفقه وهم لا يشعرون.
6 -
فوصل الأمر إلى أن:
(تعذر على العارفين الأمر بالعرف * وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف) .
(حتى نسج العالم الخبير على فيه من السكوت اللثام * وترك الأمر بالمعروف خوفًا من اللئام *) .
7 -
الحاصل: أن القبورية أهل الشرك صدقًا وهم وثنية حقًا، عباد الأوثان بلا شك، عبد الأنصاب بلا امتراء، وأنهم أتباع المشركين الأولين بلا ريب، وأن الشرك الأكبر الصراح موجود واقع فيهم، وبعدما عرفنا ذلك ننتقل إلى المبحث الثاني؛ لأذكر جواب علماء الحنفية عن شبهة القبورية التي تشبثوا بها في عدم وقوع الشرك في الأمة.
*****
المبحث الثالث
في جهود علماء الحنفية في الجواب عن شبهة القبورية
التي تشبثوا بها في إنكار وجود الشرك في هذه الأمة
لقد سبق أن ذكرت عدة شبهات للقبورية وسقت أجوبة علماء الحنفية عنها، منها شبهتهم في تعريف التوحيد.
ومنها ست شبهات لجعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية.
ومنها أربع عشرة شبهة لزعمهم أن المشركين كانوا مشركين في توحيد الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية.
ومنها شبهة في تعريف العبادة.
ومنها شبهة في حصرهم للعبادة في عدة أعمال.
ومنها شبهة في عدم جعل القبور أوثانًا.
وقد سبق جواب الحنفية عنهما فصار كأن لم يغن بالأمس، بحمد الله وتوفيقه.
وللقبورية شبهات كثيرة سأذكرها مع أجوبة علماء الحنفية عنها إن شاء الله تعالى:
منها ما يتعلق بالشرك.
ومنها ما يتعلق بعلم الغيب.
ومنها ما يتعلق بالتعرف في الكون.
ومنها ما يتعلق بالاستغاثة بالأموات.
ومنها ما يتعلق بسماع الأموات.
ومنها ما يتعلق بالحياة البرزخية.
ومنها ما يتعلق بالتوسل.
ومنها ما يتعلق بالنذر للقبور.
وغيرها من الشبهات القبورية الوثنية.
وفي هذا المبحث أذكر أولًا شبهة القبورية التي تشبثوا بها في زعمهم أن الشرك لم يقع في هذه الأمة، ثم أذكر ثانيًا جواب علماء الحنفية عنها لإتمام الحجة وإيضاح الحجة.
أولًا: عرض هذه الشبهة:
لقد حاولت القبورية على عادتهم السيئة إخفاء وثنيتهم وستر إشراكهم الأكبر وتبرير عبادتهم لأموات ولا سيما عند الكربات بالتشبث بعدة شبهات قد سبق ذكر بعضها وسيأتي ذكر بعضها، ومن تلك الشبهات:
زعمهم أن الشرك لم يقع في هذه الأمة وتشبثوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» .
وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، واستدلت القبورية بها، على أن الشرك غير واقع في جزيرة العرب ليأس الشيطان أن يعبده المسلمون.
وقد فسرت القبورية جزيرة العرب بأنها:
جنوبًا وشمالًا: من عدن إلى ديار بكر.
وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر.
فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر.
قال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (توفي حوالي سنة 1210هـ) ،
في صدد تقرير استدلاله بهذا الحديث وأمثاله، ما حاصل كلامه:
إن هذا الحديث يقرر أن الشيطان لا يعبد في جزيرة العرب، مع أن ما تعدونه كفرًا وشركًا وعبادة القبور والأوثان، من الاستغاثة بالأولياء والنذر لهم ونحوها - ملأت مكة، والمدينة، واليمن، والحجاز، والعراق من سنين متطاولة.
ودل على أن الشرك لم يقع في الجزيرة فما بالك بغيرها.
الجواب:
ولقد أجاب علماء الحنفية بأجوبة:
منها: أن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: ((المصلون)) في هذا الحديث: هم المؤمنون الكاملون العارفون للتوحيد والشرك المصلون صلاة صحيحة أمثال الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أهل السنة والحديث والأثر، وليس المراد من يصلي فقط وينتمي إلى الإسلام مع ارتكابه الشرك والكفر.
قال العلامة شكري الآلوسي:
(إن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدقون بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه المذعنون له الممتثلون لأوامره المنتهون عما نهى عنه.
ولا شك: أن من كان على هذه الصفة - فهو على بصيرة ونور من ربه.
فلا يطمع فيه الشيطان أن يعبده.
وأما من تسمى باسم الإسلام، وتعاطى كل ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يسر ويعلن - فهو باسم المنافق أحق منه باسم المؤمن، وإن صام وصلى.
فمن التجأ إلى غير الله، وتوكل على غيره، ودعاه * في سره ونجواه * - لم يكن مؤمنًا برب العالمين * ولا مقرا بوحدانية إله السماوات والأرضين *
فوجود مثل هذا في جزيرة العرب - لا ينافي الحديث الصحيح * كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل رجيح * وإطلاق المصلين على المؤمنين * كثير في كلام العارفين*) .
وقال: (ويحتمل: أن يراد بالمصلين: ((أناس معلومون)) ؛ بناء على أن تكون ((ال)) للعهد، وأن يراد بهم الكاملون فيها، بناء على أن تكون للكمال: وهم خير القرون، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث:
…
) .
ولابن آصف الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (1407هـ) كلام قريب من هذا.
الحاصل: أن الشرك قد وقع في القبورية من هذه الأمة، وهذا الحديث لا ينافي ذلك بحمد الله تعالى، وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الثالث؛ لنعرف جهود علماء الحنفية في الرد على شبهات القبورية الأخرى.
*****