المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

1- ‌ ‌ الأندلس: تقدمة: في نهاية القرن الأول الهجري، فُتِحَت الأندلس، فردوس الدنيا، - حاضر العالم الإسلامي

[علي جريشة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب التمهيدي: وضع العالم الإسلامي وموقعه

- ‌العالم الإسلامي جغرافيًا

- ‌الموقع

- ‌ العالم الإسلامي فقهيًّا:

- ‌ العالم الإسلامي بين غيره من العوالم:

- ‌الباب الأول: واقع العالم الإسلامي

- ‌الفصل الأول: الواقع الفكري للعالم اللإسلامي

- ‌مدخل

- ‌الأفعى اليهودية تنفث سمومها:

- ‌ الفكر الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي:

- ‌ الفكر الماركسي اليهودي في الشرق الإسلامي:

- ‌الفصل الثاني: الواقع السياسي للعالم الإسلامي

- ‌مدخل

- ‌ غيبة الخلافة الإسلامية:

- ‌ الاستعمار الجديد:

- ‌ البعد عن جوهر النظام الإسلامي السياسي:

- ‌الفصل الثالث: الواقع الاجتماعي للعالم الإسلامي:

- ‌الفصل الرابع: الواقع الاقتصادي للعالم الإسلامي

- ‌الباب الثاني: قضايا إسلامية معاصرة

- ‌الفصل الأول: أوطان سلبية

- ‌مدخل

- ‌ الأندلس:

- ‌ فلسطين المسلمة:

- ‌الأرض السليبة تحت النفوذ الشيوعي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: المسلمون في الاتحاد السوفيتي

- ‌ثانيًا: المسلمون في الصين

- ‌ثالثًا: المسلمون في بلاد شيوعية أخرى

- ‌الفصل الثاني: أوطان تجاهد

- ‌أفغانستان المجاهدة

- ‌ إرتريا:

- ‌عذراء ماليزيا

- ‌مدخل

- ‌أولًا: كيف دخل الإسلام عذراء ماليزيا

- ‌ثانيًا: حاضر عذراء ماليزيا

- ‌ثالثًا: مستقبل العذراء "ماليزيا

- ‌الفصل الثالث: أوطان يتهددها الخطر

- ‌مدخل

- ‌ إندونيسيا:

- ‌سوريا

- ‌مدخل

- ‌ البعث:

- ‌ النصيرية:

- ‌ مصر:

- ‌لبنان

- ‌مدخل

- ‌أطماع صليبية قديمة وحديثة في لبنان:

- ‌تصويب الخطأ:

- ‌الفهرست:

الفصل: 1- ‌ ‌ الأندلس: تقدمة: في نهاية القرن الأول الهجري، فُتِحَت الأندلس، فردوس الدنيا،

1-

‌ الأندلس:

تقدمة:

في نهاية القرن الأول الهجري، فُتِحَت الأندلس، فردوس الدنيا، فُتِحَت بسواعد المسلمين، ودمائهم، وجهادهم، ومثلت فيها أعظم حضارة عرفتها التاريخ، بينما أوربا تغرق في ظلمات القرون الوسطى.

وبقي حكم الإسلام في الأندلس ثمانية قرون، تغترف فيها أوربا من حضارة الإسلام، وتتلمذ على أساتذته، ثم ضاعت الأندلس، ضاع فردوس الدنيا، ضيَّعها ملوكها، ضيَّعها التَّرَف، ضيَّعها الخلاف، ضيَّعها غزو الفكر قبل غزو السلاح.

وبكى المسلمون الأندلس.

كما بكوا من بعدها أرض بخارى والقرم والقوقاز.

كما بكوا ضياع الخلافة الإسلامية في تركيا.

كما بكوا ضياع مهبط الأديان في فلسطين، وبكوا معها القدس والمسجد الأقصى {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه} .

ونحن ندرس في هذه الكلمات الأندلس باعتبارها حاضرًا لا ماضيًا.

باعتبارها حاضرًا سليبًا يذكِّر المسلمين مجدهم، ويذكِّرهم الجهاد لاستعادة فردوسهم المفقود، مع استعادة فلسطين والأقصى، واستعادة مثوى البخاري ومسلم، وغيرهم من علماء المسلمين في أرض الاتحاد السوفيتي.

ثم لنأخذ العبرة.

كيف كانت الأندلس؟

كيف صارت الأندلس؟

ص: 82

كيف ضاعت الأندلس؟

فنأخذ من الضياع كيف نتوقَّى الضياع.

ونأخذ من الضياع كيف نسترد ما ضاع.

والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

أولًا: الأندلس قبل الضياع

قبل الضياع فترتان لا بُدَّ من الإشارة لهما:

فترة ما قبل الفتح الإسلامي.

ثم فترة ما بعد الفتح الإسلامي.

ففي الإشارة إليهما عبرة لأولى الألباب.

- الأندلس قبل الفتح الإسلامي:

شبه جزيرة الأندلس "أسبانيا والبرتغال الآن" تقع في الجنوب الغربي من أوربا، وتحيط بها مياه المحيط من غربها، ومياه الأبيض المتوسط من جنوبها وشرقها، ويفصلها عن المغرب الإسلامي مضيق جبل طارق، وتتحصن بالجبال في أماكن عديدة.

وهي بعد موقعها تتميّز بجمال طبيعتها، وباعتدال جوها، وبخصب أرضها.

وقد كانت القرون الوسطى -قبل الفتح الإسلامي- تغرق في ظلمات الجهل والاستبداد، والفوارق الاجتماعية، وتحكُّم الإقطاع والكنيسة، ولنعلم إلى أي حدٍّ انحطَّت الكنيسة، لنا أن نعلم بعد الذي سقناه أنها كانت تحرّم الاغتسال والتطهير، ويعتبرون قذارة البدن تسير طرديًّا مع طهارة الروح، حتى ليفخر أحد رهبانهم بأنه لم يرتبك إثم غسل الرجلين طوال العمر، وحتى ليتندر آخر بأنه كانوا يعدون غسل الوجه حرامًا، حتى جاء الفتح الإسلامي فصاروا يدخلون الحمامات.

ص: 83

ويعتبرون النساء رجسًا ولو كنَّ أمهات أو شقيقات، ومن ثَمَّ لا يقتربون منهن، ولا يتحدثون إليهن، ويفرون منهن فرار الرجل من الجرب.

2-

الأندلس بعد الفتح الإسلامي:

استمرَّ الفتح الإسلامي ما بين عامين وأربعة على اختلاف الروايات، وعمَّ نور الإسلام شبه الجزيرة، ودخل الناس طواعية في دين الله أفواجًا

وشحذ الإسلام الهمم، وأنار بعد القلوب العقول، حتَّى تفتَّقت عن حضارة لم يعرف لها العالم ولا التاريخ مثيلًا.

ويكفي أن نعرف أنها أنجبت بفضل الله ونوره:

أ- أمثال ابن حبان القرطبي، شيخ المؤرخين، وصاحب أحكام القرآن الشهير بتفسير القرطبي، والمقتبس في أخبار بلاد الأندلس في عشرة أجزاء، أو غيرها من المؤلفات.

ب- ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، ومؤسس فلسفة التاريخ، وصاحب مقدمة ابن خلدون، وما أعقبها من مجلدات كتاب "المبتدأ والخبر".

ج- ابن حزم "الظاهري" صاحب كتاب المحلَّى "9 أجزاء"، والإحكام في أصول الأحكام في أصول الفقه، فضلًا عن أربعمائة مجلة آخر "400".

د- أبو القاسم المجريطي، الفلكي الشهير، الذي تُرْجِمَت كتبه إلى اللاتينية.

وقد كان للمسلمين مراصد في قرطبة وطليطلة، فضلًا عن اختراعهم لأنواعٍ من الساعات سميت "الميقاتة".

هـ- أبو القاسم الزهراوي، الطبيب المسلم الشهير، الذي توصَّل إلى استخراج الحصاة من المثانة أو تفتينها، وإجراء عمليات في العين، فضلًا عن بقية أفراد عائلة زهر التي اشتهرت بالطب رجالًا ونساءً.

وفي مجالات أخرى برز المسلمون من أبناء الأندلس المسلم:

ص: 84

ففي مجالات الكيمياء: كانوا أوَّل من جعلوا البارود مادة متفجرة دافقة قابلة لإطلاق القذائف، كما وضعوا كثيرًا من قواعدها وأصولها التي نقلها عنهم الأوربيون بعد ذلك، وتوصَّلوا إلى كثير من الصناعات باستعمال المواد الكيمياوية في الطباعة والدباغة وصناعة المعادن.

وفي الفيزياء: وضعوا كثيرًا من أسس هذا العلم، كما وضعوا نظرية الجاذبية، وتحدَّثوا عن "المغناطيسية" والبصريات، وغير ذلك.

وفي الجغرافيا والرحلات: ارتادوا البحر والفجاج، واستكشفوا الكثير، وكان لهم إنتاج طيب، وظهر منهم أمثال:"الرازي والبكري، والعذري والإدريسي وابن بطوطة".

وفي التعليم: ظهرت أساليب التعليم، وظهرت الجامعات:"جامعة قرطبة، وجامعة غرناطة، وجامعة إشبيلية"، ووقف عليها ليس فقط المسلمون، بل هرع إليها غير المسلمين ينهلون من علمها، ويتعلمون منها كيف يتعلمون وكيف يعلِّمون.

وأخيرًا نسوق بعض ما قاله غير المسلمين، والحق ما شهدت به الأعداء.

يقول ماك كيب:

لم تطلع الشمس على أهنأ وأرغد عيشًا، ولا أكثر رغبةً في التمتُّع بالجمال والعلوم والأعمال المجيدة من عرب الأندلس.

ويقول كذلك:

إن العرب الأندلسيين لو تجمَّعوا في فتح أوربا وبقوا فيها قرنين، وأقاموا فيها مدينتهم، كما فعلوا في الأندلس؛ لكنَّا الآن متقدمين خمسة قرون على ما نحن فيه.

ثم يشير لى إغفال المؤرخين الأوربيين لحضارة الإسلام في الأندلس، ويسوق الأسباب لذلك:

هكذا صارت الأندلس بعد أن فتحها الإسلام تعرف النوم وتمضي في ظلال النور، تقيم أعظم حضارة عرفها التاريخ، في كل مجالات العلم والمعرفة والفن، لولا ما أصابها بعد ذلك، فانتقلت إلى دور الفردوس المفقود.

ص: 85

ثانيًا: الفردوس المفقود:

كيف ضاعت الأندلس؟

حديث الضياع حديث أليم، خاصَّة إذا كان عن الأندلس فردوس المسلمين وباب الإسلام إلى أوربا والغرب كله، ثُمَّ منارة حضارية إلى العالمين.

لكن تشخيص الداء لازم لسلامة الدواء وسلامة الاستشفاء، ومن ثَمَّ كان لا بُدَّ من هذا الحديث.

والأندلس ضاعت يوم ضاع الإسلام في قلوب أبنائها؛ ففسد الأمراء، وسكت العلماء، وفسد من بعد هؤلاء وأولئك بقية الناس.

- ودَبَّ الترف وسرى في عروق الحاكمين، وامتدَّ من الحاكمين إلى مَنْ يلهم من الطبقات، ومع الترف يكون الفسق ويكون الفجور، وعرفت الأندلس القيان، والغناء، وارتخت أعصاب المترفين، وترهَّلت أجسادهم، ونعمت أطرافهم، فلم تعد صالحةً للجهاد، ومن ثَمَّ توقَّف الجهاد.

وتنافس الحاكمون في اقتناء الإماء، وفي الشتبيب بالنساء، وفي تشييد القصور، وعرفت قرطبة: الزهراء، والكامل، والمجرَّد، والحائر، والروض، والمعشوق، والمبارك، والرستق، والتاج، وقصر السرور، وانهمك "الناصر" في عمارة الزهراء، حتى ترك الجمعات؛ فوقف الإمام منذر بن سعيد ينذر بالهلاك ويقول:

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء 128-135] .

ص: 86

ثم نوَّه بالزهراء وتلا قول الله:

{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 109-110] .

وظهر من الحكام من يجهر بالمعاصي، والجهر بالمعصية إغراء بها، وتحريض عليها، فإن كان الجهر من الحكام فالإغراء أشد، والتحريض أعظم، وهكذا يشير المؤرخون إلى الحكم بن هشام، ثم إلى ولده عبد الرحمن، وإذا كان الأمر كذلك على مستوى أولي الأمر، فإن السقوط أشدّ، والتتابع بين العامَّة أفظع، وهكذا صدق قول الله:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 6] . وفي القراءة الأخرى: "أمَّرْنَا مترفيها" بتشديد الميم، فمع التشديد يكون تشديد الله أشد.

وكان مما صاحب الترف وزكاه على مستوى الجماهير، غزوٌ فكري حمله مبشرون وصلوا إلى الألف، وحملة مدرسون في المدارس وصلوا إلى 485 مدرسًا، وحملته كئوس الخمر ينفق عليها البابا خمسمائة ألف فلورين "سنويًّا".

وكان مما صاحبه على مستوى الأمراء مصاهرة النصارى؛ فنزوج أبو الحسن "الغني بالله" من النصرانية ثريَّا، وكان يستعين بأهلها "ملوك قشتالة" النصارى على ابن أخيه الزعل، وتتابع مَنْ قبله ومَنْ بعده أمراء في هذا الأمر، ولم يصغوا لقول الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] ولا قوله: {يَا أَيُّهَا

ص: 87

الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الممتحنة: 1] .

وكان هذا هو عامل الانهيار الأول: الانهيار داخل النفس.

وأعقبه انهيار آخر، انهيار داخل الصف.

بما أصاب المسلمين في الأندلس من خلاف وشقاق، كان سببه الاقتتال على الجاه والمنصب، وبدأ أوّل ما بدأ في صفوف الأمراء والحاكمين، وامتدَّ عصبية مقيتة كريهة بين صفوف الفاتحين من قحطانيين وعدنانيين، ومن عرب وبربر، تفجَّرت القوميات والعصبيات كريهة، تقسم الصف وتفتته، وتطمع عدو الله وعدوه.

وعرفت الأندلس الثورات، وعرفت الحروب الداخلية، ومن أسف أن يستعان فيها بالنصارى ضد المسلمين، فيضعف الأخيرون ويتقوَّى الأولون، يقفون متربصين انهيار الدولة الإسلامية هناك وراء الجبال في الشمال.

ويأتي العامل الثالث والأخير ليجهز على ما بقي:

تأتي حشود النصارى القابعة وراء جبال الشمال؛ لتجهز على ما بقي من قوة المسلمين، فقد فات المسلمون أن يطهروا هذه الجبال مِمَّنْ قبع وراءها من فلول الأسبان، فتقدموا غداة ضعف الدولة وانهيارها؛ ليتلَّمسوا طليطلة من ملكها التافه العاجز المسمَّى خطأ بالقادر "سنة 1086"؛ لتكون هذه أول حملة صليبية يعقبها بثلاثة عشر عامًا نزول الصليبيين في بيت المقدس سنة 1099هـ.

وهكذا المسلمون جسد واحد؛ إذا أصيب في جانب صار عرضة لِأَنْ يُصَابَ في بقية الجوانب، أو هم كالبناء الواحد إذا تداعى في ناحية أمْكَنَ أن يسقط في أخرى.

ص: 88

وفي الخامس عشر من صفر 609هـ "1212م" دارت آخر معركة بين قوات الموحِّدين وقوات قشتالة يقودها ألفنسو الثامن، فيهوي عَلَم الموحدين، ويرتفع عَلَمُ الصليبيين، ويذوق المسلمون الإبادة والنفي والهوان، حتى تستأصَلَ شأفتهم في فردوسهم المفقود.

وما يجدون، بل ما يجيدون بعدها غير البكاء على الأطلال:

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف

كما بكى لفراق الإلف هيمان1

على ديار من الإسلام خالية

قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس مـ

ـا فيهنّ إلّا نواقيس وصلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة

حتى المنابر ترثى وهي عيدان

أعندكم نبأ من أهل أندلس

فقد سرى بحديث القوم ركبان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم

أسرى وقتلى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع في الإسلام بينكم

وأنتم -يا عباد الله- إخوان

1 مرثية أبي البقاء الرندي في ضياع الأندلس -نهاية الأندلس- عنان ص50.

ص: 89

ثالثًا: الطريق إلى الأندلس:

هو الطريق المضاد لطريق الضياع،

هو معنويًّا: من خلال النفس: أن يعمرها الإسلام والإيمان.

وهو إعداد من خلال الصف: أن تعود إليه وحدته، فتعود الأمة الواحدة والدولة مسلَّحة مع الإيمان، بما استطاعت من قوة.

وهو استراتيجيًّا: واجب الصف الإسلامي الأوَّل المرابط هناك في أرض المغرب الإسلامي، فليس بينها وبين الأندلس غير خطوات.

فلا بُدَّ أن تعود الأندلس، فردوس الإسلام المفقود، الذي رفرف عليه علم الإسلام ثمانية قرون.

لا بُدَّ أن تعود الأندلس -أرض المسلمين، والجهاد لعودتها فرض عينٍ تمامًا كالجهاد لاستعادة فلسطين.

ص: 90