الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدليل الثالث:
يبدو أن إجماعهم قد انعقد على أن الكسرة هي الأصل في تحريك همزة الوصل، أما اختيار الكسرة بالذات، فلأنها هي "الأصل في التخلص من التقاء الساكنين" أو لأنها أحق الحركات بها، لأنها "أي: الكسرة" راجحة على الضمة بقلة الثقل، وعلى الفتحة بأنها لا توهم استفهاما"1.
وهذه التعليلات التي قدموها لتفضيل الكسرة على غيرها تعليلات واهية في نظرنا ولا نستطيع أن نسلمها لهم، فالحركة التي يأتي بها العربي عند التقاء الساكنين ليست في نظرنا كسرة وإنما هي نوع من التحريك الذي لا ينحاز إلى أي من الحركات الثلاث: إنه صويت جيء به لتسهيل النطق بالساكنين المتتاليين، ويمكن تسميته حركة من باب المجاز فقط ويسمى في اللغة الإنجليزية prosthetic vowel. وليس لنا بحال أن نعد هذه الحركة أو هذا التحريك -بعبارة أدق- جزءا من نظام الحركات في اللغة العربية، إذ هو يختلف من ناحية النطق ومن ناحية التوزيع الصوتي في اللغة phonetic distribution عن بقية الحركات اختلافا بينا.
ثم لنا أن نسأل: لم كانت الكسرة بالذات هي الحركة المفضلة عند التقاء الساكنين؟ يجيب بعضهم عن هذا التساؤل إجابات لا تعدو أن تكون افتراضات عقلية أو تخمينات نظرية لا أساس لها من الواقع. يقول المولى شمس الدين أحمد:
1 الصبان على الأشموني، جـ4 ص209.
وإنما جيء بالكسر لتحريك همزة الوصل "لأنه أصل في تحريك الساكن، لأنه أبعد حركات الإعراب عن الإعراب لامتناع دخوله في قبيلين من المعربات وهما المضارع وما لا ينصرف، ودخول أخويه في المعربات كلها. فلما احتيج إلى التحريك حركت بما هو أقل وجودًا في الإعراب وأكثر شبها بالسكون الذي وجد في بعض المعربات دون بعض، ولأن السكون والجزم عوض في الفعل من الكسرة في الاسم فعوض الكسر من السكون أيضا، ولأن وقوع اجتماع الساكنين كثير في الكلام بشهادة الاستقراء وللأفعال منه القِدْحُ المُعلَّى، وناهيك -نوعا- الأوامر من الأفعال المشددة الأواخر وما ينجزم منها بأنواع الجزم، وعندك أن للأكثر حكم الكل فتقدمت الأفعال في اعتبار اجتماع الساكنين والاحتياج إلى التحريك. ومعلوم أن لا مدخل للجر في الأفعال؛ فأفادت الكسرة الخلاص من اجتماع الساكنين، وذلك ظاهر، وكون الكسرة طارئة بكم المقدمة المعلومة، بخلاف اختيها فإنهما تفيدان الخلاص فقط والمفيد لفائدتين أولى بأن يكون أصلا، فالكسر أصل في تحريك الساكن"1.
وهكذا نرى أن هذا النص مشحون بالافتراضات الذهنية التي تتضمن قضايا منذرة بالخطر، ما كان ينبغي لها أن تلقى بهذه السهولة إلى القارئ دون التأني والتعمق في البحث عن حقيقتها، وكل افتراض من هذه الافتراضات قابل للنظر والمناقشة، بل للرفض كذلك.
فالادعاء بأن الكسر أقل وجودًا في الإعراب من أخويه "الضم والفتح" مبني على النظر في عدد الأبواب التي تدخلها هذه الحركة أو تلك. ونحن هنا لا ننظر إلى الأبواب التي هي من صنع اللغوي، وإنما ننظر إلى الواقع اللغوي المنطوق، أي: إلى الأمثلة الفعلية التي يمارسها المتكلم والتي تندرج تحت هذه الأبواب. وفي ظننا أن المعرب بالكسرة في هذه الأمثلة الفعلية لا يقل -إن لم
1 شمس الدين أحمد شرح مراح الأرواح ص55.
يزد -عما كان حظه الإعراب بالضمة أو الفتحة منفردة. على أنا نستطيع -على طريقتهم- أن ندعي أن هذه القلة تنطبق على الفتحة كذلك، إذ هي لا توجد إلا في بابين، هما جمعا التصحيح: جمع المؤنث السالم وهذا ظاهر، وجمع المذكر السالم الذي ينصب ويجر بالياء، أي: بالكسرة الطويلة في نظرنا، ولا وجود للفتحة فيهما.
أضف إلى هذا أن مسألة الكثرة والقلة في الوقوع مسألة تستدعي إحصاء شاملا لكل الأمثلة، ولا يمكن الاعتماد على التخمين فيها، فإذا ما تم هذا الإحصاء ربما ساغ لنا هذا الادعاء ونحوه. وحتى فيما لو ثبت أو صح أن الكسرة أقل وقوعا في الإعراب فلسنا -مع ذلك- نرى أن هذا الأمر يصلح مسوغا لتفضيلها على أختيها، إذ لا ارتباط بين الجهتين.
أما تشبيه الكسر بالسكون في قلة الوقوع بالمعربات ففيه مغالطة واضحة، إذ ما الداعي إلى قصر وجه الشبه على الوقوع في المعربات دون المبنيات!! لا نظن أن هناك سببا غير التمحل والتحايل على الأمور لتسويغ افتراضاتهم.
على أن هذا التشبيه يثير الدهشة في نظر القارئ، إذ هو على عكس المألوف المتعارف فيما بينهم. هذا المتعارف هو تشبيه الفتحة "لا الكسرة" بالسكون للخفة في كل منهما. وهذه الخفة -وهي وجه الشبه هنا- أولى بالأخذ في الحسبان في قضيتنا هذه، لأن المسألة كلها من بدايتها إلى نهايتها ترتبط بموضوع تسهيل النطق وتيسيره. أما كانت الفتحة إذن أولى من الكسرة في ذلك؟!
ومن طريف ما ذكروا أن اختيار الكسرة بالذات إنما جاء عن طريق العوض. فالسكون أي: الجزم خاص بالأفعال دون الأسماء: على عكس الكسرة في ذلك. فكان من العدل في نظرهم -على طريق المقاصة- أن
يعوض الكسر من السكون "فيدخل الأفعال". ولما استشعروا أن الكسر "للتخلص من التقاء الساكنين" لا يقتصر على الأفعال. سوغوا هذه المقاصة بأن "للأفعال القدح المعلى" من ظاهرة اجتماع الساكنين التي تستدعي وجود الكسر، ومعلوم أن "للأكثر حكم الكل".
وبهذا التعليل الذي قدموه وسجلوه في النص السابق، كانت الكسرة في نظرهم هي الأصل عند التقاء الساكنين، ومن ثم كانت الأصل كذلك في تحريك همزة الوصل، وهو تعليل واه ضعيف، لا يفضل التعليل الثاني الذي قدموه لتفضيل الكسرة على الضمة. فالكسرة في نظرهم أولى من الضمة لخفتها أو "لقلة ثقلها" في النطق. وهذه -في رأينا- مسألة تختلف فيها أذواق الناس. وما كانت أذواق الناس في يوم من الأيام أساسا للحكم الموضوعي على الأشياء أو أساسا لوضع قواعد اللغة وتقنينها. إن النظر العلمي الموضوعي لا تعنيه بحال مسألة الصعوبة والسهولة لاعتمادها على الذاتية وتأثرها بالرأي الفردي.
أما التعليل الثالث وهو إيثار الكسرة على الفتحة حتى "لا توهم استفهاما" فهو يدل على جهل بحقائق الأمور، إذ شتان بين همزة الوصل وهمزة الاستفهام، فالأولى لها خواصها بوصفها للوصل والثانية همزة قطع لها صفاتها ومميزاتها التي تختلف عما استقر للأولى، وينطبق هذا على النطق وعلى ما يعرض لكل منهما في سياق الكلام المتصل، على نحو ما قرره علماء العربية أنفسهم. أضف إلى هذا أن همزة الاستفهام لها سياقات لغوية معينة يدركها من له أدنى خبرة بخواص "المنطوق" الاستفهامي، حيث يتميز هذا المنطوق بصفات صوتية، منها التنغيم "أو موسيقا الكلام" وأنماطه. ومنها ما يسبقها أو يلحقها من كلام، وهناك أخيرا -وليس آخرا- المقام الذي يعين الباحث على تحديد الظواهر اللغوية المختلفة.
وبهذا كله تبين لنا أن تعليلاتهم التي ذكروها لاختيار الكسرة بالذات ولتفضيلها على أختيها في حال التقاء الساكنين وتحريك همزة الوصل ادعاءات لا يؤيدها الواقع اللغوي، أو منطق البحث العلمي الصحيح، ويبدو أن الكوفيين كانوا أكثر توفيقا من غيرهم حيث نصوا على أن كسرة همزة الوصل في نحو "اضرب وضمها في اسكن" إنما جاء "اتباعا للثالث"1، فالكسر إذن ليس مفضلا لذاته، وإنما لسبب صوتي واضح، وهو تعليل جيد يدل على تذوق وفهم.
وهذا الذي رآه الكوفيون ذو أهمية خاصة في هذا المجال، إذ هو يقودنا إلى حقيقة الموضوع. وهي أن هذا الصوت الذي سمي همزة وصل لا يعدو أن يكون نوعا من التحريك ينحو نحو الحركة التالية له في الكلمة. وربما يدل على هذا ما أحس به بعض النابهين من أن حركة همزة الوصل لها حالات متعددة يلاحظ فيها أو في أغلبها أنها تناسب نوع الحركة التالية لها وتوافقها في بعض خواصها. يقول الأشموني:
"اعلم أن لهمزة الوصل بالنسبة لحركتها سبع حالات: وجوب الفتح وذلك في المبدوء بال، ووجوب الضم وذلك في نحو: اُنطلق واُستخرج مبنيين للمفعول2، وفي أمر الثلاثي "المضموم العين" في الأصل3، نحو: اُقتُلْ واُكْتُبْ، بخلاف امشوا وامضوا، ورجحان الضم على الكسر وذلك فيما عرض جعل ضمة عينه كسرة نحو: اُغزي، قاله: ابن الناظم. وفي تكملة أبي علي أنه يجب إشمام ما قبل ياء المخاطبة وإخلاص ضمة الهمزة. وفي التسهيل: أن همزة الوصل تُشَمُّ قبل الضم المشم. ورجحان الفتح على الكسر
1 الأشموني جـ4 ص209.
2 البناء للمفعول، ومبني لما لم يذكر فاعله، ومبني لما لم يسم فاعله. كلها مصطلحات تشير إلى الفعل المبني للمجهول.
3 يشير بعبارة "في الأصل" إلى الفعل المضارع فإذا كانت عينه مضمومة وجب حينئذ أن يكون الأمر المبدوء بألف الوصل. واجب الضم: يكتُب، اُكتب.