الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجموعة الأولى:
وهذه المجموعة تمثل اتجاها قويا بين لُغويي العرب، والمتأخرين منهم بوجه خاص. يعامل أصحاب هذا الاتجاه السكون على أنه حركة أو كما لو كان كذلك حيث ينعتونه صراحة بالمصطلح "حركة"، ويجعلونه قسيما للحركات وواحدًا في سلسلة عددها. أو هم -في أقل تقدير- يقرنون السكون بالحركات وينسبون إليه ما لها أو لبعضها من خواص صوتية أو وظيفية. ومن الواضح أن هذا الاتجاه يستلزم ضمنا -وبالضرورة- اعترافهم بأن السكون شيء ينطق ويتلفظ به بالفعل. إذ ثبوت كونه حركة أو منحه الخواص الصوتية للحركات يقتضي هذا اللزوم بداهة.
ومن أصرح النصوص في هذا الشأن عبارة بعضهم التي تحكي "أنه ينوب عن أربع حركات الأصول عشرة أشياء. فينوب عن الضمة: "الواو والألف والنون"، وعن الفتحة: "الألف والكسرة والياء وحذف النون"، وعن الكسرة: "الفتحة والياء"، وعن السكون: "الحذف""1.
ويفهم من هذا القول صراحة أن السكون حركة وأنه أحد أربع حركات. كما يفيد أن السكون شيء محقق صوتيا أو أنه شيء إيجابي مادي، ينوب عن شيء مادي آخر "هو الحذف وفقا للنص السابق"، إذا اقتضى السياق عدم ظهوره أو إذا لم يسمح هذا السياق بذلك.
ويقرب من هذا ما قرره ابن هشام في توضيحه، حيث قرن السكون بالحركات وجعله واحدا منها، فيقول: "وأنواع البناء أربعة، أحدها: السكون وهو الأصل
…
ويسمى أيضا وقفا. ولخفته دخل في الكلم الثلاث نحو: هلْ وقمْ وكمْ. والثاني: الفتح وهو أقرب الحركات إلى السكون، فلهذا دخل أيضا
1 حاشية الخضري على ابن عقيل، جـ1 ص34.
في الكلم الثلاث نحو: سوفَ وقامَ وأينَ. والنوعان الآخران، وهما الكسر والضم ولثقلهما وثقل الفعل، لم يدخلا فيه ودخلا في الحرف والاسم"1.
وفي هذا النص كذلك نلاحظ أن السكون عومل معاملة الحركات من حيث "الوجود الصوتي"، فهو يظهر فعلا في الكلمات المختلفة أو يدخلها كالحركات تماما. كما أن وصفه بالخفة ومقارنته بالفتحة في ذلك، فيه إشارة واضحة إلى خاصة "الوجود الصوتي" هذه، إذ الخفة إنما تكون في النطق أولا وقبل كل شيء.
ومن الواضح أن ابن هشام هنا يردد قولة ابن مالك عن أنواع البناء:
ومنه ذو فتح وذو كسر وضم
…
كأينَ أمسِ حيثُ والساكن كمْ
ولابن هشام رأي آخر في مفهوم السكون يختلف عن رأيه السالف بل يكاد يناقضه، إذ يشير إليه كما لو كان شيئا سلبيا أو شيئا يتحقق وجوده عند زوال غيره "ويعني بذلك الحركات". وهذا التفسير يؤخذ من قوله: وعلامات الإعراب الأصلية أربع "هي الضمة للرفع، والفتحة للنصب، والكسرة للخفص، وحذف الحركة للجزم"2 وهو في هذا السياق كذلك متأثر بقول ابن مالك:
واجزم بتسكين
والتسكين -كما فسروه وارتضاه الكثيرون منهم- معناه حذف الحركة "لا عدمها". وهذا الرأي الثاني -وإن كنا لا نميل إليه- يسير في الاتجاه الصحيح حيث نفى الإيجابية الصوتية عن السكون، غير أنه كان الأولى أن يعبر عن هذه الحالة "بعدم الحركة"، لأن "حذف الحركة" -حسب عبارته السابقة- يفيد أنه كانت هناك حركات ثم أزيلت. والواقع اللغوي -كما هو
1 التصريح على التوضيح، جـ1 ص59.
2 انظر التصريح على التوضيح جـ1 ص61.
واضح -لا يؤيد ذلك إذ الحركة لم توجد وما كان لها أن توجد في مثل هذا السياق الذي يشير إليه ابن هشام.
وهناك من المحدثين من وقع في مثل هذا الخلط أو أشد درجة، على الرغم مما تشعر به بعض عباراته من أنه يدرك المفهوم الصوتي للسكون. إننا نعني بذلك الأستاذ حفني ناصف1 الذي يصرح بأن "الحركات الأصلية التي تصور الحروف أربع وهي الفتحة والكسرة والسكون". ويؤكد هذا المعنى نفسه بقوله في مناسبة أخرى: إن "الحركات قسمان أصلية ومتفرعة، فالأصلية هي: الفتحة والكسرة، والضمة، والسكون، وهي المصطلح على تصويرها هكذا: ـَُِْـ".
ولكنه يعود فيعتذر عن نفسه اعتذارا لطيفا، فيقول "وإنما أطلق اسم الحركة على السكون هنا تغليبا"2 ومع ذلك مازلنا نضعه في عداد الواهمين، لأن تسمية الشيء باسم غيره تغليبا تقتضي الاشتراك أو الاتفاق في خواص معينة. وهذا لا ينطبق على السكون ألبتة من الناحية النطقية، وهي الناحية التي يعنيها هذا الباحث في هذا المقام، على ما يبدو. أما إذا كان يعني مشاركة السكون للحركات في الوظائف الصرفية والنحوية فهذا أمر مقبول، بل من الضروري أخذه في الحسبان عند معالجة قواعد العربية.
1 هناك محدثون آخرون اتجهوا هذا الاتجاه، كالأستاذ إبراهيم مصطفى، وقد ناقشنا رأيه مستقلا نظرا لأهميته وغرابة ما جاء به من آراء.
2 حفني ناصف تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية ص11، 15.