الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الواو والياء
المدلول الأول
…
الواو والياء:
فكرة تاريخية:
تطلق الواو والياء في اللغة العربية قديمها وحديثها على مدلولين صوتيين مختلفين. فهما اسمان "ورمزان كذلك" للواو والياء في نحو: ولد، يلد:"walada"؛ "yalidu" كما يدلان "ويصوران أيضا" الواو والياء في نحو: نتلو، نرمي:"narmii"؛ "natluu".
وهما في الحالة الأولى يعرفان في الدرس الصوتي الحديث بأنصاف الحركات "Semi-vowels"، ولكنهما -بالرغم من هذه التسمية- يعدان وحدتين أو عنصرين في نظام الأصوات الصامتة "Consonants".
أما في الحالة الثانية فهما حركتان "Vowels"، ونعني بهما الضمة والكسرة الطويلتين، أو ما يشار إليهما بواو المد ويائه في التراث اللغوي عند العرب.
المدلول الأول:
يؤخذ من تاريخ اللغات السامية بوجه عام أن هذا المدلول هو الأصل الذي وضعت له التسمية بالواو والياء، وأنه وحده هو الذي ظل يشار إليه بهذه التسمية لمدة غير قصيرة، ذلك لأن علماء هذه اللغات كانوا يوجهون عنايتهم بالدرجة الأولى إلى الأصوات الصامتة أو "الحروف"، على حين كانوا ينظرون إلى الحركات قصيرها وطويلها- كما لو كانت شيئا ثانويا أو شيئا عارضا
يلحق بهذه "الحروف"1، ولا توجد إلا بوجودها. وهناك في اللغة العربية من الأدلة ما يشير إلى هذه الحقيقة ويؤكدها.
أولا: يبدأ كل من الاسمين "واو" و"ياء" بالصوتين "و" و"ي" بوصفهما صامتين لا بوصفهما حركتين، تمشيا مع القاعدة المشهورة الخاصة بالأصوات العربية، وهي أن قيم هذه الأصوات يعبر عنها دائما بصدر أسمائها.
وليس لنا أن نفترض أن يكون المقصود بهذين الاسمين الواو والياء بوصفهما حركتين، وذلك للسببين الآتيين:
1-
نطق صدر الاسمين "واو" و"ياء" إنما ينطبق على الواو والياء بوصفهما الأول دون الثاني، إذ جاء هذا الصدر متلوا بحركة، كما وقع في ابتداء الكلمة، وهما أمران غير جائزين بالنسبة للحركات في اللغة العربية.
2-
الحركات الطويلة "long vowels""واوًا كانت هذه الحركات أو ياء أو ألفا" تعد في نظر العرب أصواتا ساكنة، ومن ثم -في نظرهم أيضا- لا يمكن النطق بها وحدها، أو البدء بها في النطق، ولهذا كان من الضروري دعمها بصوت متحرك، كاللام مثلا، كما حدث للألف المدية، حيث وردت في الألفباء الإملائية بالصورة "لا"، عند أولئك الذين يرون ضرورة تخصيص رمز لها2. فعدم مجيء الواو والياء على هذا النهج ونحوه دليل قاطع على أن المراد بهذين الاسمين "على الأقل في أصل الوضع" إنما هو الواو والياء الصامتتان.
1 قد يطلق المصطلح "الحروف" أيضا على الواو والياء بوصفهما حركتين، ولكن القاعدة حينئذ: وجوب إضافة كلمة المد أو المد واللين إلى هذا المصطلح، بحيث إذا ذكر بدون هذه الإضافة انصرف في الحال إلى الأصوات الصامتة وحدها.
2 انظر: سر صناعة الإعراب لابن جني، جـ1 ص48-49.
ثانيا: يشير ترتيب سيبويه للأصوات العربية من حيث مخارجها إلى أن المقصود بالواو والياء هو مدلولهما الأول، وهو كونهما صوتين صامتين. لقد وضع هذا العالم الياء مع الجيم والشين، ونص على أن مخرجها إنما يكون "
…
وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك الأعلى"، كما وضع الواو بصحبة الباء والميم وقرر أنها "مما بين الشفتين". وقد سلك ابن جني هذا المسلك نفسه من حيث ترتيبهما في الألفباء الصوتية، ومن حيث تحديد مخرجيهما، وحرص على أن ينقل كلمات سيبويه في هذا المجال بنصها دون أدنى تغيير1. وما قرره هذان العالمان بهذا الشأن إنما يناسب الواو والياء غير المديتين، إذ الواو والياء المديتان أو الحركتان إنما ينسب نطقهما إلى وضع اللسان في الفم من حيث ارتفاعه وانخفاضه، ومن حيث جزؤه المرتفع أو المنخفض، كما سنرى فيما بعد عند مناقشة الواو والياء بوصفهما حركتين.
أما الخليل فقد سلك في هذا الأمر مسلكا آخر، إذ هو قد وضع الواو والياء "ومعهما الألف والهمزة" في ترتيب يخالف ما أتى به الشيخان المذكوران. لقد وضع الخليل هذه "الحروف" الأربعة في نهاية ألفبائه الصوتية في مجموعة واحدة بعد تلك الحروف التي سماها هو "الحروف الصحاح". ويبدو أن هذا الترتيب لهذه الأصوات الأربعة ليس ترتيبا مخرجيا وإنما هو ترتيب لها من حيث مخالفتها للحروف الأخرى من الناحية الصرفية، أي: من حيث ما يطرأ عليها من تغير أو اعتلال في الكلمة: فهذه الحروف -في نظره- حروف علة والحروف الأخرى حروف صحاح2.
1 الكتاب لسيبويه، جـ2 ص404-405، وسر صناعة الإعراب لابن جني جـ1 ص50-53.
2 كتاب العين للخليل بن أحمد، تحقيق د. عبد الله درويش جـ1 ص53 و65. ومن الواضح أن الخليل قد أخطأه التوفيق في وضعه الهمزة مع الألف والياء والواو، إذ الهمزة في كل صورها وحالاتها صوت صامت أو حرف صحيح "على حد تعبيرهم" وليس حرف علة. أما ما يحدث من عدم نطقها في لهجة التخفيف أو التسهيل كما يقولون، فهذا أمر آخر، ينبغي أن ينظر إليه على حالته الموجودة بالفعل، لا على أساس أنه الصوت الموجود مكان الهمزة "ألفا كان أو ياء أو واوا" المقلوب عنها.
ومن هذا الترتيب الذي صنعه الخليل يصعب على المرء أن يحدد صفة الواو والياء من الناحية الصوتية، أو أن يبين بالدقة ما إذا كان المقصود بهما كونهما صامتين أو كونهما حركتين. وتتأكد هذه الصعوبة حين نعلم أن خاصة الاعتلال تطبق على الواو والياء بصفتيهما المذكورتين.
على أن هناك في أثناء كلامه على مدارج الحروفي وأحيازها "مخارجها" ما يوحي بأنه يعني بهذين الحرفين الواو والياء المديتين أو الحركتين، إذ هو يصفهما "ومعهما الألف والهمزة" وصفا أقرب ما يكون إلى الحركات لا الأصوات الصامتة. يقول الخليل:
"في العربية تسعة وعشرون حرفا، منها خمسة وعشرون حرفا صحاحا، لها أحياز ومخارج، وأربعة هوائية، وهي: الواو، والياء، والألف اللينة، والهمزة". ومرة أخرى، يسقط الهمزة من هذه المجموعة، ويضم الواو والياء إلى الألف وينسب الثلاثة إلى حيز واحد وهو "الهواء"1. فنسبة هذه الأصوات إلى الهواء أو وصفها بأنها هوائية قد يعني -بشيء من الحذر- ما نعرفه اليوم عن أهم خاصة من خواص الحركات في النطق. وهذه الخاصة تتمثل في مرور الهواء من خلال الحلق ووسط الفم حرا طليقا لا يقف في طريقه عائق أو مانع من أي نوع.
ونقول -بشيء من الحذر، لأن هناك احتمالا آخر يسوغ لنا افتراضه في هذا المقام- لعل الخليل هنا يعني الواو والياء الصامتتين، ولكنه أخطأ في مذاقهما، أو لعله ذاقهما مذاق الحركات، فكان هذا الوصف المشار إليه.
وذواق الواو والياء الصامتتين ذواقهما حركتين أمر ليس ببعيد على الخليل أو غير الخليل من قدامى ومحدثين. فمن الثابت أن نطق صوتي الواو والياء الصامتتين يشبه نطق صوتيهما بوصفهما حركتين إلى حد ما، ولهذا كانت تسميتها "أنصاف حركات" Semi-vowels، ومن هنا كانت مظنة الخلط
1 المرجع السابق ص64-65.
بين الحالتين. ولهذا السبب نفسه يرى المحققون من الدراسين أن التفريق بين حالتي الواو والياء إنما ينبغي أن يكون على أساس الوظيفة التي تقوم بها هذه الأصوات في التركيب الصوتي للغة، لا على أساس النطق الصرف.
ثالثا: لم تذكر الواو والياء في الألفباء الإملائية ذات الترتيب المألوف لنا الآن "أب ث ج ح خ
…
إلخ" إلا مرة واحدة. وتشير دلائل الأمور في مجموع التراث اللغوي عن العرب إلى أن المراد بهما الواو والياء الصامتتان لا الحركتان. وهذا الافتراض يتمشى مع اتجاههم العام الذي ينحو نحو الاهتمام بالأصوات الصامة دون الحركات. ولنا أن نفترض كذلك أن هذا الوضع كان هو المقصود في الأصل في الأقل. ولم يكن هناك ما يمنع -بالطبع- من استغلال رمزي هذين الصوتين واستخدامهما في كتابة الواو والياء "الحركتين" كما حدث في الماضي وما هو حادث الآن بالفعل.
ويؤيدنا في هذا الفهم ما جاء عن باحث حديث، مشيرا إلى هذا الاتجاه من علماء العربية نحو الحركات عموما، أو ما سماها هذا الباحث أصوات اللين. يقول:"وأصوات اللين مع أنها عنصر رئيسي في اللغات ومع أنها أكثر شيوعا فيها، لم يعن به المتقدمون من علماء العربية، فقد كانت الإشارة إليها دائما سطحية، لا على أنها من بنية الكلمات بل كعرض يعرض لها، ولا يكون منها إلا شطرا فرعيا. وليست العربية وحدها هي التي أهمل في بحثها أصوات اللين. بل شاركتها في هذا أخواتها السامية. ولعل الذي دعا إلى هذا الانحراف أن الكتابة السامية منذ القديم عنيت فقط بالأصوات الساكنة "الصامتة" فرمزت لا برموز. ثم جاء عهد عليها أحس الكتاب بأهمية أصوات اللين الطويلة كالواو والياء الممدودتين فكتبوهما في بعض النقوش والنصوص القديمة"1.
1 دكتور إبراهيم أنيس: "بحث في اشتقاق حروف العلة"، مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية المجلد الثاني سنة 1944، ص104، 105.