الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيجابي في السوق العلمية. وهو تفاعل من شأنه أن يزيد في محصولنا العلمي وينمي قدراتنا على الابتداع والابتكار، ومن ثم يصبح لنا "هوية" علمية، وشخصية فاعلة لها دورها وموقعها في كتائب الزاحفين نحو خير البشرية بالنظر والدرس والإنتاج الأصيل. ينبغي أن نضيف لبنة إلى البناء، ولا يعقل أن نظل قاعدين أو متفرجين أو ناقلين، فنعرض أنفسنا للتخلف أو الضياع وسط هذا العالم المائج بالأفكار في شتى حقول العلم والمعرفة.
وليس يخفى على أحد أن تعريب الفكر "في حقول العلم في الأقل" قد يأخذ وقتا طويلا لكثرة عوامله وعناصره، وتشابكها، الأمر الذي يقتضي منا النظر في هذه العوامل والعناصر، واختيار أقربها منالا وأهمها فعالية في هذا السبيل. ذلك العامل أو العنصر في رأينا هو التعريب اللغوي، فلنبدأ به، ولكن بتخطيط محكم وتطبيق واع، وإن التدريج.
التعريب اللغوي: مؤيدوه ومعارضوه:
المؤيدون:
التعريب اللغوي هو المنطلق الحقيقي لتعريب الفكر، ونحن نراه خطوة أساسية في هذه السبيل. بالإضافة إلى أنه أصبح ضرورة قومية وعلمية، لصالح العرب والعربية ذاتها. وفيما يلي جملة من الأسباب التي ترشح الرأي المؤيد للقبول.
1-
التعريب مطلب قومي:
ليس من المقبول شكلا وموضوعا أن يظل العلم "أو بعض فروعه" في البلاد العربية أسيرا للغات الأجنبية تفكيرا وتناولا وتحصيلا حتى هذه اللحظة، ذلك أن إيثار اللغات الأجنبية على لغتنا القومية فيه تقليل لشأنها وإضعاف لمنزلتها بين الناس. وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى خلق جو علمي ثقافي
مضطرب، لا هو إلى الأجنبي ينتمي، ولا هو إلى العروبة ينتسب. وإنما هو جو فاقد "الهوية" مشتت السمات مشوه القسمات، ليس له حدود ضابطة ولا أصول ثابتة. وهذا هو الضياع القومي والانهيار الفكري الذي ينذر بمحو روح الانتماء التي تعد اللغة قطبها الذي يتجسد وتتمثل فيه كل القيم والمثل وأنماط السلوك الفارقة بين قوم وقوم والمميزة لأمة من أخرى.
2-
التعريب مطلب علمي:
توظيف العربية في العلوم ييسر للطالب والباحث العربي العملية العلمية والتعليمية، ويساعدهما على سرعة الفهم والتحصيل والانتاج. والقول بأن الطالب العادي تعوزه أدوات التعبير بالعربية الفصيحة الصحيحة قول يحمل بطلانه في طياته. إذا كان هذا الطالب ضعيفا في لغته القومية فهو في اللغة الأجنبية أضعف، وإذا كان عاجزا عن توظيف اللغة العربية فهو في التعامل مع اللغات الأجنبية أعجز. ومنطق الأشياء يقرر أن الإنسان مهما تزدد حصيلته من اللغة الأجنبية، فلن يقوى على التعامل بها أو توظيفها بالقدر الذي يمنحه لسان أمه، الذي استقر في عقله ووجدانه ولازمه منذ نعومة أظفاره، ويروى أن "كلوت" بك ناظر مدرسة الطب المصرية في عهودها الأولى، كان حريصا على ترجمة المواد الطبية من الفرنسية إلى العربية، وفاء بهذا المعنى نفسه. ويقول في ذلك:"إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة، كما لا ينتج منه توطيد العلم أو تعميم نفعه".
3-
التعريب مطلب لغوي:
التعريب يمنح لغتنا القومية فرصة ذهبية بتمكينها من التفاعل الحي والكشف عن طاقاتها، تلك الطاقات والقدرات التي لم يحاول بعض الدارسين تنشيطها واستغلالها، وتركوها معطلة -قصدا أو عن غير قصد- حتى غدت في نظرهم عاجزة عن الوفاء بحاجاتهم من وسائل التعبير وأدواته. ومن ثم
توهموا عجزا طبيعيا فيها وعقما خلقيا في مادتها، فانصرفوا عنها وألقوا بها خارج أسوار معاهدهم واستبدلوا بها لسنا أعجمية.
ومنح العربية فرصة التفاعل في البيئات العلمية يزيد من ثروتها، وينمي محصولها، كما يساعد الدارسين على التفكير بها، الأمر الذي يؤدي إلى ألفها والتعامل بها، وبذلك ينزاح عنها توهم ضعفها واتهامها بالعجز عن ملاحقة العلوم وما يجد فيها من تطور.
4-
التعريب مطلب اجتماعي:
الإصرار على توظيف اللغات الأجنبية في العلوم قد يؤخذ دليلا على وجود نوع من النزعة إلى إظهار التفوق والامتياز، على أساس أن هذه اللغات هي لأقوام محسوبين في عداد الأمم التي ينظر إليها على أنها جديرة بالتقليد في مجالات الحياة بوجه عام وفي مجال العلوم في أقل تقدير.
وهذه النزعة -إن صح وجودها ويبدو أن الأمر كذلك- لها وجهان من الخطأ والخطر من الوجهة الثقافية والاجتماعية على المستويين العام والخاص. أما أول هذين الوجهين فيتمثل في إحداث هزة في السلوك الاجتماعي، إذ ربما تستهوي هذه النزعة بعضا من الناس -مثقفين وغير مثقفين- وتجرهم إلى السير في هذا الدرب الخادع، وينحازون -قصدا أو عن غير قصد- إلى كل ما هو مستورد أو منقول من ألوان العلم والثقافة، ويحاولون التزين أو التجمل بهذه الألوان تكلفا واصطناعا، أو ادعاء بأنهم طبقة متميزة أو أنهم قطعوا شوطا في الوصول إلى مدارج رفيعة من سلم الطبقات الاجتماعية. ومن ثم نرى هؤلاء الناس وأمثالهم يعلنون ويلحون في الإعلان عن أنفسهم باتخاذ أنماط من السلوك الاجتماعي، توحي بهذا الامتياز المتوهم. ويأتي على القمة من وسائل هذا الإعلان توظيف اللغات الأجنبية في حياتهم العامة والخاصة، والتشدق بكلمات منها مشوهة، مغلوطة نطقا واستخداما، كلما ألحت عليهم