الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم إنه سار إلى قسطنطين وأعلمه بحال الهدنة والصلح. ففرح بذلك فرحا عظيما، وقال له: تمن علي ما أردت! فقال: مالي حاجة في الدنيا، ولكني أسألك أن أبني في موضعي دوارا للغنم، وبيعة داخل الدوار. وأريد منك المعونة على ذلك. فكتب الملك له إلى هذه الديار بإطلاق يده فيما يريد.
فأتى إلى هذه الخطة وقطع الحجر، وحرق الآجر، وبنى البيعة في رأس التل، وأحاط بها سورا ضعيفا. ثم استأذن الملك في بناء بنية تحصنه من العدو فأذن له. فبنى البرج المعروف ببرج الملك. وبنى به بيعة وكتب اسم الملك عليها. فوشي به إلى الملك وقيل: إنه قد بنى بنية عظيمة، وربما خرج عن الطاعة!! فسير الملك ثقاته، وأمرهم أنهم أن وجدوا اسم الملك مكتوبا على ما عمره " فأبقوا على ما عمر " وإلا فاهدموا ما عمره.
فلما وصلوا وعاينوا البيعة وعليها اسم الملك عادوا إليه وأخبروه بذلك. فتقدم الملك إلى وزرائه بإفراد ارتفاع البلاد من قاطع القسطنطينية إلى آخر ولاية نصيبين. وجباية الأموال وحملها إلى مروثا وأمره بإتمام المدينة. فجمع الصناع، وأدار السور، وأكمل العمارة، وسميت ميافارقين، وتفسيره بالعربي: مدينة الشهداء، لعظام الشهداء المنقولة إليها وهي إلى يومنا هذا لم تؤخذ بالسيف عنوة.
وآمد إلى جانبها أقوى منها وأحصن، وقد أخذت بالسيف مرارا.
ثم إن هيلانة شرعت في بناء البيعة الكبيرة، وهي أول بيعة بنيت لأن الصليب مصور بالمذبح، وذلك يعمل في أول بيعة تبنى.
وتقدم الملك إلى وزرائه الثلاثة ببناء أبرجة: فبنى أحدهم برج الرومية، والبيعة بالعقبة.
- وبنى الآخر برج الزاوية ويعرف ببرج علي بن وهب، وبيعة كانت تحت التل وهي الآن خراب وأثرها باق مقابل حمام النجارين -.
- وبنى الثالث برج باب الربض والبيعة المدورة.
وعمل بها من الطلمسات مالا يوسف.
وجعل لها ثمانية أبواب: " 1 " -: باب أرزن ويعرف بباب الجنائز.
" 2 " -: وباب قلوفح وهو بين برجي الطبالين.
ويسمى: باب المرآة. لأنه كان عليه مرآة في أعلاه بين البرجين، فكانت إذا طلعت الشمس يرد شعاعها الجبل من فرسخ. وأثر المرأة باق إلى الآن، وبعض الضبات الحديد باقية بين الأحجار.
" 3 " - " وباب الشهوة وهو من برج الملك.
" 4 " -: وباب مقابل باب أرزن - نصبا - ويعرف: بباب الجبل.
" 5 " -: وباب بالربض أيضا بين البرجين.
" 6 " -: وباب الفرج والغم، وصورتا الفرج والغم منقوشتان في الحجر، مما يلي القبلة، من ركن الباب صورة الفرج رجل يصفق بيديه، وصورة الغم رجل قائم على رأسه صخرة.
فما عُلم أنه بات بمياقارقين أحد مغموما ولا مهموما إلا النادر من الناس، بخلاف آمد فإن الغريب بها من العصر يأخذه الغمُّ وينزل عليه الحزن، ويسمى هذا باب القصر العتيق الذي بناه بنو حمدان.
" 7 " -: وباب في أسفل العقبة، عند مخرج الماء.
" 8 " -: وباب فتحه سيف الدولة يعرف بباب الميدان.
وفي من هذه الأبواب، على ما شاهدت عند قدومي عليها أربعة:" 1 " -: باب المُحدثة - وهو قبليها -.
" 2 " -: والباب الجديد - عند القصر -.
" 3 " -: وباب الربض.
" 4 " -: وباب آخر يفتح من القصر - شمالي البلد -.
" 5 " -: وآخران مسدودان.
ذكر ما جُدِّد فيها من العماير بعد الفتح
بني أحمد بن عيسى بن الشيخ منارة الجامع، واسمه مكتوب عليها في لوح تاريخه سنة ثلاث " وسبعين ومائتين ".
وبنى البرج القبلي واسمه أيضا مكتوب عليه.
ولما وليها سيف الدولة ابن حمدان رمَّ سورها، وكان قد تشعث.
" ولم يكن على الباب الأوسط باب، بل كان له مشط من الحديد، فكسره القاضي عبد الله بن الخليل وزاد عليه وضرب الحديد مصراعين، وركبهما على الباب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ووزن المصراعين ثلاثة آلاف وثلاث مائة رطل بالظاهري.
وكان على الفصيل باب ضعيف حديد، فكسره القاضي أيضا، وزاد عليه، فصار وزن المصراعين ألفين وأربعمائة وستين رطلاً بالظاهري واسم سيف الدولة والقاضي مكتوبان على البابين حفرا ".
" وكان شراب أهل ميافارقين من الآبار، فأجرى سيف الدولة من العين التي بالربض المعروفة برأس العين قناة، وساقها في وسط البلد، ودخل بها من باب الربض، وجاءت بين السورين، وأجراها في المدينة إلى أن أوصلها إلى القصر العتيق، وهي أول قناة سقت إلى المدينة ".
ولما مات سيف الدولة اهتمت جميلة أخته في عمل الخندق حول ميافارقين. وكان سيف الدولة قد شرع فيه.
ويقال: إن المال الذي صُرف في حفرة هذا الخندق أصله أن رجلا من الحفارين حفر يوما ظاهر البلد، من جهة باب الهوة حفيرا، فهوي به إلى هوة فنزل فيها فرأى مالا عظيما، فقصد جميلة - أخت سيف الدولة - وزوجته العُقيلية فأطلعها على ما وجد فنقلاه. وأخذت جميلة نصفه فصرفته في حفر الخندق. وأخذت العقيلية نصفه الآخر، وصرفته في بناء سور الربض.
ولما استولى الحاجب أبو الوفاء طاهر بن محمد على ميافارقين ولى فيها أبا علي الحسن بن علي التميمي فبنى ما تشعث من سورها وكتب عليها اسم عضد الدولة.
ولما ملكها ممهد الدولة أبو منصور " سعيد " بن مروان رمَّ في سورها مواضع، وكتب اسمه عليها.
وتهدم باب من أبواب المدينة في سنة تسع وسبعين وثلاث مائة ففتح الناس باب قلوفح وكان مسدودا مدة عمارة هذا الباب فلما فرغ منه غلق باب قلوفح.
ولما ملكها نصير الدولة أراد أن يعمر بها قصرا يسكنه فأشير عليه بعمارته على رأس التل، فأشار عليه خواجا أن يعمره موضعه الآن، ليكون برج الملك داخلا تحت حكمه.
فابتدأ في عمارته في سنة ثلاث وأربعمائة. واسمه مكتوب عليه.
وبنى المنظرة العتيقة.
وغرس بستان القصر ويقال: إنه كان مكانه بيعة.
وساق إلى القصر الماء من رأس العين التي بالربض.
وبنى نصر الدولة بها البيمارستان ووقف عليه الضياع والأملاك.
وبنى جسر الحسينية الذي على تل بنان.
وبنى قصرا على الشط، وعمل له بابا من الصفر، وهو الآن على الجامع.
وأقام الأسواق.
وبنى الحمامات.
وبنى جامع المحدثة والمصلى سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة، ووقف عليهما أملاكا.
وبنى حمامي العقبة ووقفهما على السور.
" وكان في زمانه بالبلد شيخ من أعيان التجار يعرف بأبي بكر بن جرى استأذنه في إجراء قناة إلى الجامع من عين حنباص، فأذن له، فساقها في طرف البلد في الربض الغربي إلى أن دخل بها بين السورين من عند باب الفصيل الذي للربض وأدخلها من السور. فيقال: إنه غرم على عملها خمسين ألف دينار. ولما أجراها عبر بها على باب داره ولم يدخل منها إلى داره شيئا، لئلا يقال: إنما أجراها لمنفعته.
وبنى نصر الدولة الحصن الجديد الذي بجهة السناسنة فصار حدا وسدا في وجوههم.
وبنت ست الملك بنت نصر الدولة في سنة ست وخمسين وأربعمائة قبة إلى جانب الجامع بالميدان، ونقلت إليها أباها فدفن بها.
ولما وليها العميد قوام الملك أبو علي البلخي من قبل السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان سمع في بعض الليالي ناقوسا، فلما أصبح سأل عنه، فقيل له: إنه دير على الجبل. فجمع الناس، ومضى إليه ليهدمه، فأعطى فيه النصارى خمسين ألف دينار، على أن يتركه لهم، فأبى وهدمه.
وسقط من الجامع الجهة القبلية في ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فعمر جديدا.
وابتدأ في نقض برج الأربعين وعمره في شهور سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
هذا ما كانت عليه قديما.
ولما دخلتها اعتبرت حالها وما هي مشتملة عليه من المباني: فكانت عدة أبرجة سورها اثنين وأربعين برجا. ودون هذا السور فصيل وبينها خمسة عشر ذراعا. ولها خندق جميعه برك قد فصل بينهما بمقاطع عدته ستون بركة. تسمى الغدران أصل مائها من حنباص. وللسور أربعة أبواب.
- باب المحدثة وهو من القبلة.
- والباب الجديد وهو من الشرق.
- وباب الربض وهو من الغرب.
- وباب الهوة - يفتح من القصر - وهو من جهة الشمال.
وبها، داخل البلد قصر عظيم، كان دار السلطنة - قد تقدم ذكر من بناه - وللمدينة ربض من شمالها في وسطه عين تسمى عين الحفيرة يدخل ماء العين إلى البلد، وعليه داخل البلد أربعة أرحاء.
ولها من جهة القبلة ربض يسمى المحدثة، فيه الحانات والأسواق. وفي طرفها سوق الخيل. وفي رأس سوق الخيل جامع يعرف " بجامع " بني مروان. وفي شمالي البلد جبل يسمى حرم عباد لأن على قمته ديرا يسمى: دير عباد. وفي الجبل أديرة تسمى الحصون لمنعتها معمورة بالرهبان. وفي شرقيها ميدان وجوسق من إنشاء شهاب الدين غازي.
وبها من المدارس: - مدرسة للحنفية من إنشاء شهاب الدين غازي.
- ومدرسة للحنابلة عند باب الجامع.