الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السادس عشر في
ذكر ارتفاع قصبة حلب فقط
ذكر منتخب الدين أبو زكريّاء يحيى بن أبي طيءّ النجّار الحلبيّ في الكتاب الّذي وضعه في تأريخ حلب وسمّاه عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر قال: حدّثني كريم الدولة بن شرارة النصرانيّ وكان مستوفي دار حلب يومئذ أنّه عمل ارتفاع حلب سنة تسع وستّمائة في الأيّام الظاهريّة دون البلاد الخارجة عنها والضياع والأعمال فكان مبلغه ستّة ألف ألف وتسعمائة ألف وأربعة وثمانين ألف وخمسمائة درهم. وممّا أحطتُ به علماً في أيّام السلطان الملك الناصر أنّ ارتفاعها على القاعدة في ارتفاعها في آخر دولته مع حلوله دمشق وخلوّها منه فكان تفصيل ذلك: ألف ألف ومائَتْي ألف دار الزكاة ستّمائة ألف العشر مائتَيْ ألف الوكالة ثلاثمائة ألف وثمانين ألفاً سوق الخيل والجمال والبقر ثلاثمائة ألف وخمسين ألفاً دار كورة الجوانيّة مائة ألف البطيخ ثمانين ألفاً دار كورة البرّانيّة العنب خمسين ألفاً الخضر مائة ألف وخمسين ألفاً المدبغة مائة ألف دكّة الرقيق ثمانين ألفاً صبغ الحرير أربعمائة ألف وخمسين ألفاً سوق الغنم ثلاثمائة ألف سوق التركمان للغنم خمسين ألفاً عرصة الخشب أربعين ألفاً ضمان الأوتار خمسة آلاف المسابك عشرين ألفاً البيلونة عشرين ألفاً سمسرة الخضر خمسين ألفاً البساتين مائة ألف دار الضرب أربعمائة ألف درهم الرباع مائة ألف درهم الحكورة عشرين ألف درهم ذخيرة الحطب والفحم عشرة آلاف درهم المصابن مائة ألف درهم عداد العرب ثلاثمائة وخمسين ألف درهم الملح المجلوب مائة ألف درهم المسالخ مائة ألف درهم الاجتياز بخان السلطان عشرين ألف درهم القلي مائة ألف درهم الساسة مائة ألف وخمسين ألف درهم عداد التركمان بحلب ثلاثين ألف رأس قيمتها ستّمائة ألف درهم وغنم مائة ألف درهم الجوالي ستّمائة ألف درهم الفرح واللَطَف ثمانين ألف درهم حمَّام السلطان ستّين ألف درهم السجون خمسين ألف درهم نحيرة الذمّة عشرين ألف درهم البقل خمسين ألف درهم القبّانين خمسين ألف درهم الحديد خمسين ألف درهم القنَّب ثمانين ألف درهم الحرير ثلاثين ألف درهم الخراج عشرة آلاف درهم ضمان المزابل ثلاثمائة ألف درهم.
المواريث الحشريّة تقديراً لا تحريراً
الباب السابع عشر في
ذكر ما مُدحت به حلب نثراً ونظماً
ذكر الحسن بن أحمد المهلّبيّ في كتاب المسالك والممالك الّذي وضعه للعزيز الفاطميّ: فأما حلب فهي قصبة قنّسرين العظيمة ومستقرّ السلطان وهي مدينة جليلة عامرة آهلة حسنة النازل عليها سور من حجر في وسطها قلعة على تل. هذا قوله والصحيح أنها في طرفها. ثمّ قال: لا تُرام وعليها سور حصين وبحلب من الكور والضياع ما يجمع سائر الغلاّت النفيسة وكان بلد مَعَرّة مِصرين إلى جبل السُماق بلد التين والزبيب والفستق والسّماق والحبّة الخضراء يخرج عن الدّفي الرخص ويُحمَل إلى مصر والعراق ويُجهَّز إلى كلّ بلد وبلد الأثارب وأرْتاح إلى نحو جبل السّماق أيضاً بمثل بلد فلسطين في كثرة الزيتون ولها ارتفاع جليل من الزيت العراق يُحمل إلى الرقّة إلى الماء إلى كلّ بلد.
فأمّا خلق أهلها فهم أحسن الناس وجوهاً وأجساماً والأغلب على ألوانهم الدرّيّة والحمرة والسمرة وعيونهم سود وشهل وهم أحسن الناس أخلاقاً وأتمّهم قامةً. وذكر كلاماً كثيراً لا يليق بما نحن بصدده أضربنا عنه وعلى كلّ حال فإنها أعظم البلاد جمالاً وأفخرها رتبة وجلالاً مشهرة الفخار عالية البناء والمنار ظلّها ضاف وماؤها صاف وسعدها واف ووردها لعليل النفوس شاف وأنوارها مشرقة وأزهارها مؤنقة وأنهارها غدقة وأشجارها مثمرة مورقة نشرها أوضع من نشر العبير وبهجتها أبهج منظراً من الزمن النضير خصيبة الأرزاق جامعة من أشتات الفضائل ما تعجز عنه الآفاق لم تزل منهلاً لكلّ وارد وملجأ لكل قاصد يستظلّ بظلّها العفاة ويُقصَد خيرها من كلّ الجهات لم تَرَ العيون أجمل من بهائها ولا أطيب من هوائها ولا أحسن من بنائها ولا أظرف من أبنائها فلله درّ سعد الدين محمّد بن الشيخ الإمام محيي الدين محمّد بن عليّ بن العربيّ الطائيّ الحاتميّ رحه حيث يقول حين حلّ بفنائها وشاهد ما يقصر عنه الوصف من محاسن أبنائها:
حَلَبٌ تَفُقُ بِمائِها وَهَوائِها
…
وَبِنائِها وَالزُهْرِ مِنْ أَبنائِها
نُورُ الغَزالّةِ دُونَ نورِ رَحابِها
…
وَالشهْبُ تَقْصُرُ عَنْ مَدا شُهْبانِها
طَلَعَتْ نُجُومُ النَصرِ مِن أَبْراجِها
…
فِبُرُوجُهأ تَحْكي بُرُوجَ سَمائِها
وَالسُورُ باطِنُهُ فَفِيهِ رَحْمَةٌ
…
وَعَذابُ ظاهِرِهِ عَلَى أعْدائِها
بَلَدٌ يَظَلُّ بِهِ الغَرِيبُ كَأنَّهُ
…
فِي أهْلِهِ فاسْمَعْ جَمِيلَ ثَنائِها
وقد مدحها جماعة من الفضلاء ومن هو معدود من أكابر العلماء مثل البحتريّ والمتنبيّ والصنوبريّ وكُشاجِم والمعرّيّ والخفاجيّ وابن حَيّوش والوزير المغربيّ وأبو العبّاس الصفريّ وأبو فراس والحَلَويّ وابن سَعْدان وابن حرب الحلبيّ وابن النحّاس وابن أبي حصينة وابن أبي الحديد وابن العجميّ والملك الناصر. فمّما قاله البحتريّ:
أَقامَ كُلُّ مُلِثِّ الوَدْقِ رَجَّاسِ
…
عَلَى دِيارٍ بِعُلْوِ الشَأْمِ أَدْراسِ
فِيها لِعَلْوَةَ مَصْطافٌ وَمُرْتَبَعُ
…
مِنْ بانَقُوسا وَبابِلاّ وَبِطْياسِ
مَنازِلٌ أَنْكَرَتْنا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ
…
وَأُوحِشَتْ مِنْ هَوانا بَعْدَ إِيناسِ
يا عَلْوَ لَوْ شِئْتِ أَبْدَلْتِ الصُدُودَ لَنا
…
وَصْلاً وَلانَ لِصَبٍّ قَلْبُكِ القاسي
هَلْ ِلي سَبِيلٌ إِلَى الظُهْرانِ مِن حَلَبٍ
…
وَنَشْوَةٍ بَيْنَ ذاكَ الوَرْدِ وَالآسِ
وله من أبيات:
نَاهِيكَ مِنْ حُرَقٍ أَبِيتُ أُقاسِي
…
وَجُرُوحَ حُبٍّ ما لَهُنَّ أَواسِ
تَجْرِي دُمُوعِي حِينَ دَمْعِكَ جامِدٌ
…
وَيَلِينُ قَلْبِي حِينَ قَلبُكَ قاسِ
يا بَرْقِ أَسْفَرَ عَنْ قُوَيْقَ فَطُرَّتْي
…
حَلَبٍ فَأعْلَى القَصْرِ مِنْ بِطْياسِ
عَنْ مَنْبَتِ الوَرْدِ المُعَصْفَرِ صِبْغُهُ
…
فِي كُلِّ ضَاحِيَةٍ وَمَجْنَى الآسِ
أَرْضٌ إِذا استَوْحَشْتُ ثُمَّ أَتَيْتُها
…
حَشَدَتْ عَليَّ فَأَكْثَرَتْ إِيناسي
ومما جاء في شعر المتنبّي في ذكر حلب:
كُلَّما رَحَّبَتْ بِنا الرَوْضُ قُلنا:
…
حَلَبٌ قَصْدُنا وَأَنْتِ السَبيلُ
فِيكَ مَرْعَى جِيادِنا وَالمطَايا
…
وَإِلَيْها وَجِيفُنا وَالذَمِيلُ
وَالمُسَمُّونَ بِالأَمِيرِ كَثِيرٌ
…
وَالأَمِيرُ الَّذِي بِها المأْمُولُ
الَّذي زُلْتُ عَنْهُ شَرْقًا وَغَرْباً
…
وَنَداه مُقابِلِي مَا يَزُولُ
وممّا قاله أبو بكر أحمد بن الحسن الصنوبري في وصفها الأبيات الطنانة التي يصف فيها حلب وقراها ومنازلها ومتنزهاتها:
أَحبَسا العِيسَ اْحَبساها
…
وَاْسأَلا الدارَ اسْأَلاها
أَسْأَلا أَيْنَ ظِباءُ الد
…
ارِ أَمْ أَيْنَ مَهاها
حَبَّذا الباءَتُ باءَا
…
تُ قُوَيْقٍ وَرُباها
بانَقُوساها بِها با
…
هَى المُباهِي حِينَ باها
وبِبا صَفْراوبابِ
…
لاّ وَبامضتْلِي وَتاها
لا قَلَى صَحْراءَ بافر
…
قل شوقي لا قلاها
لا سَلا أَجْبالَ باس
…
لِّينَ قَلْبي لا سَلاها
وَبِباسَلِّينَ فَلْيَبْ
…
غِ رِكابِي مَنْ بَغاهِا
وَإلى باشَلَقِيتا
…
ذُو التَناهِي يَتَناهَى
وَبُعاذِينَ فَواها
…
لِبُعاذِينَ وَواها
بَيْنَ نَهْرٍ وَقَناةٍ
…
قَدْ تَلَتْهُ وَتَلاها
وَمَجارِي بِرَكٍ يَجْ
…
لُو هُمُومِي مُجْتَلاها
وَرِيَاضٌ تَلْتَقِي آ
…
مالُنا فِي مُلْتَقاها
زادَ أَعْلاها عُلُوّاً
…
جَوْشَنٌ لَمّا عَلاها
وَازْدَهَتْ بُرْجَ أَبِي الحا
…
رِثِ حُسْناً وَازْدَهَاها
وَاطَّبَتْ مُسْتَشْرِفَ الحِص
…
نِ اشْتِياقاً وَاطَّباها
وَلَدَي المُنْيَةِ فَازَتْ
…
كُلُّ نَفْسٍ بِمُناها
وَمَقِيلِي بِرْكَةُ التَ
…
لِّ وَسَيْباتُ رَحاها
بِرْكَةٌ تُرْبَتُها الكا
…
فُورُ وَالدُرُّ حَصاها
كَمْ غَزانِي طَرَبِي حِي
…
تانُها لَمّا غزاها
بِمُرُوجِ النَهْرِ أَلْقَتْ
…
عِبرُ لَذّاتِي عَصاها
وَبِمَغْنَى الكامِلِيّ اس
…
تَكْمَلَتْ نَفْسِي غِناها
كَلأَ الرامُوسَةَ الحَسْ
…
ناءَ رَبِّي وَرَعاها
وَجَزَى الجَنَّاتِ بالسَعْ
…
دِيّ نُعْمَى أَنْ جَزاها
وَفَدَى البُسْتانَ مِنْ فا
…
رِسَ صَبٌّ وَفَداها
وَعَرَتْ ذا الجَوْهَرِيّ
…
المُزْنُ مَحْلُولاً عُراها
وَاذْكُرا دارَ السّلَيْما
…
نِيَّةِ اليَوْمِ اذْكُراها
فَهْيَ فِي مَعْنَى اسْمِها حَذْ
…
وبحذوٌ وَكَفاها
وَصِلا سَطْحِي وَأَحْوا
…
ضِي خَلِيليَّ صِلاها
وَرِدا سَاحةَ صِهْرِي
…
جِي عَلَى شَوْقٍ رِداها
وَامْزُجا الراحَ بِماءٍ
…
مِنْهُ أَوْ لا تَمْزُجاها
ثم جاءت الأبيات التي قدمناها في وصف الجامع. ثم قال:
وَعَلَى حالِ سُرُورِ ال
…
نَفْسِ مِنّي وَأَساها
جشَجْوُ نَفْسِي بابُ قِنَّسْ
…
رِينَ رَهْنٌ وَشَجاها
جَدَثٌ أَبْكِي الَّتي فِي
…
هِ وَمِثْلي مَنْ بَكاها
يعني بُنَيَّةً ماتت بحلب ودفنها خارج باب قنّسرين وبنى على قبرها قبّةً وكتب عليها أشعاراً يرثيها:
أَنا أَحمِي حَلَباً دا
…
راً وأََحْمِي مَنْ حَماها
أَيُّ حُسْنٍ ما حَوَتْهُ
…
حَلَبٌ أَوْ ما حَواها
سَرْوُها الدانِي كَما تَدْ
…
نُو فَتاةٌ لِفَتاها
آسُها الثاني القُدُودَ ال
…
هِيفَ لمّا أَنْ ثَناها
نَخْلُها زَيْتُونُها أَوْ
…
لا فَأََرْطاها عَصاها
قَبجُها دُرّاجُها أَوْ
…
فَحُباراها قَطاها
ضَحِكَتُ دُبْسَيَّتاها
…
وَبَكتْ قُمْرِيتاها
بَيْنَ أَفْنانٍ يُناجي
…
طائرَيْها طائِراها
رُبَّ مُلقَى الرَحْلِ مِنْها
…
حَيْثُ يَلقَى بِيعَتاها
طَيَّرَتْ عَنْهُ الكَرَى طا
…
ئِرَةٌ طارَ كَراها
وَدَّ إِذْ فاهَتْ بِشَجْوٍ
…
أَنَّهُ قبَّلَ فاها
صبَّةٌ تَنْدُبُ صَبّاً
…
قَدْ شَجَتْهُ وَشَجاها
زُيِنَتْ حَتَّى انْتَهَتْ فِي
…
زَيْنَةٍ فِي مُنتَهاها
فَهْيَ مَرْجانٌ شَواها
…
لازَوَرْدٌ دَفَّتاها
وَهْيَ تِبْرٌ مُنْتَهاها
…
فِضَةٌ قِرْطَمتاها
قُلِدَتْ بِالجَزْعِ لمَّا
…
قُلِدَتْ سالِفَتاها
حَلَبٌ أَكْرَمُ مَأْوّى
…
وَكَريمٌ مَنْ أواها
بَسَطَ الغَيْثُ عَلَيْها
…
بُسْطَ نُوْرٍ ما طَواها
وَكَساها حُلَلاً أَبْ
…
دَعَ فِيها إذْ كَساها
حُلَلاً لُحْمَتُها السَوْ
…
سَنُ وَالوُرْدُ سُداها
إِجْنِ خَيْريًّا بِها بِال
…
لَحْظِ لا تَسْأَمْ جَناها
وَعُيُونُ النَرْجِسِ الُمنْ
…
هَلِّ كَالدَمْعِ نَداها
وَخُدُودّا مِنْ شَقِيقِ
…
كَلَظَى الخَمْرِ لَظاها
وَثَنايا أُقْحُوَانا
…
تِ سَنَى الدُرِّ سَناها
ضاعَ آذَرْيُونُها إِذْ
…
ضاعَ مِنْ تِبْرٍ ثَراها
وَطَلا الطَلُّ خُزاما
…
ها بِمسْكٍ إِذْ طَلاها
واقْتَضَى النِيلُوفِرُ الشَوْ
…
قَ قُلُوباً وَاقْتَضاها
بِحَواشٍ قَدْ حَشاها
…
كُلُّ طِيبٍ إِذْْ حَشاها
وَبِأَوْساطٍ على حذْ
…
وِ الزَنابِيرِ حَذاها
فاخِرِي يا حَلَبُ المُزْ
…
نَ تَزِدْ جاهَكَ جاها
إِنَها إِنْ تَكُنْ المُدْ
…
نُ رِخاخاً كُنْتِ شاها
وقال أيضاً:
سَقَى حَلبَ الُمْزنُ مَغْنَى حَلَبْ
…
فَكَمْ وَصَلتْ طَرَباً بِالطَرَبْ
وَكَمْ مُسْتَطابٍ مِنْ العَيْشِ لَذَّ
…
بِها لي إِذا العَيْشِ لِمْ يُسْتَطَبْ
إِذا نَشَرَ الزَهْرُ أَعْلامَهُ
…
بِها وَمَطارِفُهُ وَالعَذَبْ
غَدا وَحَواشِيهِ مِنْ فِضَّةٍ
…
تِرُوقُ وَأَوْساطُهُ مِنْ ذِهَبْ
زَبَرْجَدُهُ بَيْنَ فِيرُوزَجٍ
…
عَجِيبٍ وَبَيْنَ عَقيقٍ عَجَبْ
يُلاعِبُهُ الرِيحُ صَدْرَ الضُحَى
…
فَيَجْلِي إِلَيْنا جَلاءَ اللُعَبْ
وقال أيضاً:
سَقَى حلباً ساقِي الغَمامِ وَلا وَنَى
…
يَرُوحُ عَلَى أَكْنافِها وَيُبَكْرُ
هِيَ المَأَلَفُ المَأْلُوفُ وَالمَوْطِنُ الَّذِي
…
تَخَيَّرْتُهُ مِنْ خَيْرِ ما أَتَخَيَّرُ
صَحِبْتُ لَدَيْها الدَهْرُ وَالدَهْرُ أَبْيَضٌ
…
وَنادَمْتُ فِيها العَيْشَ وَالعَيْشُ أَخْضَرُ
لَنا في بُعاذيِنٍ مَصِيفٌ وَمَرْبَعٌ
…
وَفِي جَوِ باَصفْرا مَبْدَى وَمَحْضرُ
رِباعُ بَنِي الهَمَّاتِ حَيْثُ تَشاءَمُوا
…
لِيُعْرَفَ مَعْرُوفٌ وَيُنْكَرَ مُنْكَرُ
تُرَى تُرَبٌ شَتَّى فَتُرَبٌ مُصَنْدَلٌ
…
يُنَافِسُهُ في الحُسْنِ تُرَبٌ مُزَعْفَرُ
وَرَوْضَا تَلاقى بَيْنَ أَثْناءِ نَبْتِهِ
…
مُمَسَّكُ نَوْرٍ يُجْتَنَى وَمُعَنْبَرُ
وممّا قاله أبو الفتح محمود بن الحسن بن السندي المعروف بكُشاجِم يصف حلب:
أَرَتْكَ يَدُ الغَيْثِ آثارَها
…
وَأَعْلَنَتِ الأَرْضُ أَسْرارَها
وَكانَتْ أَكَنَّتْ لِكانُونِها
…
خَبِيّاً فَأَعْطَتْهُ آذارَها
فَما تَقَعُ العَيْنُ إِلَاّ عَلَى
…
رِياضٍ تُصَنِّفُ نُوّارَها
يُفَتِّحُ فِيها نَسِيمُ الصَبا
…
جَناها فَيَهْتِكُ أَسْتارَها
وَيَسْفَحُ فِيها دَماءَ الشَقِي
…
قِ إِذا ظَلَّ يَفْتَضُّ أَبْكارَها
وَيُدْنِيْ إِلى بَعْضَها بَعْضَها
…
كَضّمِ الأَحِبَّةِ زُوّارَها
تَغُضُّ لِنَرْجِسِها أَعْيْناً
…
وَطَوْراً تُحَدِّقُ أَبْصارَها
إِذا مُزَنَةٌ سَكَبَتْ ماءَها
…
عَلَى بُقْعَةٍ أَشْعَلَتْ نارَها
وَما أَمْتَعَتْ جارَها بَلْدَةٌ
…
كَما أَمْتَعَتْ حَلَبٌ جارَها
هِيَ الخُلْدُ تَجْمَعُ ما تَشْتَهِي
…
فَزُرْها فَطُوبَى لِمَنْ زارَها
وَلِلَّهْوِ فِيها شُهُورُ الرَبِي
…
عِ حِينَ تُعَطِّرُ أَزْهارَها
إذا ما اسْتَمَدَّ قُوَيْقُ السَما
…
ءَ بِها فَأَمَدَّتْهُ أَمْطارُها
وَأَقْبَلَ يَنْظِمُ أَنْجادَها
…
بِفَيْضِ المِياهِ وَأَغْوارَها
وَدار بِأَكْنافِهِا دَوْرَةً
…
فَنَسَّى الأَوَائِلَ بِرْكارَها
كأَنَّ هُلُوكاً حَبَتْهُ السِوا
…
رُ أَوْ سَلَبَ الكَفُّ أُسْوارَها
ومما قاله أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ في مدحها:
ياشاكِي النُوبِ إنْهَضْ طالِباً حَلَباً
…
نُهُوضَ مُضْنىً لِجِسْم الداءِ مُلْتَمِسِ
وَاخْلَعْ حِذاءَكَ إنْ حاذَيْتَها وَرَعاً
…
كَفِعْلِ مُوسى كَلِيمِ اللهِ فِي القُدُسِ
وقال أيضاً:
حَلَبٌ لِلوارِدِ جَنَّةُ عَدْنٍ
…
وَهْيَ لِلغادِرِينَ نارُ سَعِيرُ
وَالعَظِيمُ العَظِيمُ يَكْبُرُ في عَيْ
…
نَيْهِ مِنْها قَدْرُ الصَغِيرِ الصَغِيرِ
فَقُويْقُ في أُنْفُسِ القَوْمِ بَحْرُ
…
وَحَصَاةٌ مِنْه نَظِيرُ ثَبِيرِ
ومما قاله أبو محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجيّ الحلبيّ متشوّقاً لحلب وهو بديار بكر:
خَلِيليَّ مِنْ عَوْفِ بنِ عُذْرَةَ إِنَّني
…
بِكُلِّ غَرامٍ فِيكُما لَجَدِيرُ
كَفى حَزَناً أَنِّي أَبِيتُ وَبَينَنَا
…
وَسِيعُ الفَلا وَالسامِرُونَ كَثِيرُ
وَأُصْبِحُ مَغْلوباً عَلَى حُكْمِ رَأْيِهِ
…
وَقَدْ عِشْتُ دَهْراً مَا عَليَّ أَمِيرُ
أَشِيمُ رِكابِي فِي بِلادٍ غَرِيبَةٍ
…
مِنَ العِيسِ لَمْ يُسْرَحْ بِهِنَّ بَعِيرُ
فَقَدْ جُهِلَتْ حَتَّى أَرادَ خَبِيرُها
…
بِوِادِي القَطِينِ أَنْ يُلُوحَ سَنِيرُ
وَكَمْ طَلَبَتْ ماءَ الأَحصِّ بِآمِدٍ
…
وَذَلِكَ ظُلمٌ للرَجاء كبيرُ
عِدُوها قُوَيْقاً وُاطْلُبُوا لِجَنِينِها
…
بِجلنبِ جِسْمِي أَنْ تَهُبَّ دَبُورُ
فَواللهِ ما رِيحُ الصَبا بِحَنِينِهِ
…
إِلَيْها وَلا ماءُ الأَحَصِّ نَمِيرُ
سَقَى الهَضْبَةَ الأَدْماءَ مِنْ رُكْنِ جَوْشَنٍ
…
سِحابٌ يُسَدِّي نَوْرَهُ وَيُنِيرُ
وَحَلَّ عُقُودَ المُزْنِ فِي حَجَراتِهِ
…
نَسِيمٌ بِأَدْواءِ القُلُوبِ خَبِيرُ
فَما ذَكَرَتْهُ النَفْسُ إِلَاّ تَبادَرَتْ
…
مَدامِعُ لا يُخْفَى بِهِنَّ ضَمِيرُ
وقال أيضاً في مثل ذلك:
قُلْ لِلنَسّيمِ: إِذا حَمَلْتَ تَحيَّةً
…
فَاهْدِ السَلامَ لِجَوْشَنٍ وَهِضابِهِ
وَاسْأَلْهُ: هَلْ سَحَبَ الرَبِيعُ رِداءَهُ
…
فِيها وَجَرَّ الفَضْلَ مِنْ هُدّابِهِ
وَتَبَسَّمَتْ عَنْهُ الرِياضُ وَأَفْصَحَتْ
…
بِثَناءٍ بارِقِهِ وَمَدْحِ سَحابِهِ
وَلَقَدْ حَنَنْتُ وَعادِلي مِنْ نَحْوِهِ
…
شَجَنٌ بَخِلْتُ بِهِ عَلى خُطّابِهِ
وَصَبابَةٌ عَلِقَتْ بِقَلْبِ مُتَيَّمٍ
…
وَصَلَ الغَرامُ إِلَيْهِ قَبْلَ حِجابِهِ
وَإِذا الغَرِيبُ صَبا إِلى أَوْطانِهِ
…
شَوْقاً فَمَعْناهُ إِلى أَحْبابِه
وممّا قاله أبو الفتيان محمّد بن سلطان بن حيّوس من قصيدة مدح بها الأمير شرف الدولة أبا المكارم مسلم بن قريش لمّا فتح حلب في شهور سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة:
ما أَدْرَكَ الطَلَباتِ غَيْرُ مُصَمِّمِ
…
إِنْ أَقْدَمَتْ أَعداؤُه لَمْ يُحْجِمِ
لا يَشْتَكُونَ إِلَيْكَ نائِبَةً سِوَى
…
تَقْصِيرِهِمْ عَنْ شُكْرٍ هذِي الأَنْعُمِ
أَقْدَمْتَ أَمْنعَ مُقدِمٍ وَغَنِمْتَ أَوْ
…
في مَغْنَمِ وَدِمْتَ أَسْعَدَ مَقْدَمِ
وَلَقَدْ ظَفِرْتَ بِما يَعِزُّ مَرامُهُ
…
إلآَّ عَلَيْكَ فَدُمْ عَزِيزاً وَاسْلَمِ
كانَتْ تُعَدُّ مِنَ المَعاقِلِ بُرْهَةً
…
وَسَمَتْ بِمُلْكِكِ وَهْي بَعْضُ الأَنْجُمِ
فَضَلَتْ عَلى كُلِّ البِقاعِ وَبَيَّنَتْ
…
فَضْلَ الصَبُورِ عَلى المُمِضِّ المُؤْلِمِ
مَنْ ذادَ عَنْها نَخْوَةً لَمْ يَخْشَ مِنْ
…
عَنَتِ العِتابِ وَلا مَلامِ اللُوَّمِ
ومّما قاله الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعرّيّ حين ظفر معزّ الدولة أبو علوان ثِمال بن صالح بن مِردْاس برفق الخادم حين ندبه المستنصر صاحب مصر لمحاصرة حلب فهرب أصحاب رفق وأُسر بعد أن أقام محاصراً حلب مدّةً ووقع برأسه ضربةٌ مثخنة فتُوفّي بها:
يا رفْقُ رِفْقاً رُبَّ فَخْلٍ غَرَّه
…
ذا المَشْرَبُ الأَهْنَى وَهذا المَطْعَمُ
حَلَبٌ هِيَ الدُنيا وَمَطْعَمُها لَنا
…
طَعْمانِ شُهْدٌ فِي المَذاقِ وَعَلْقَمُ
قَدْ رامَها صِيدُ المُلُوكِ فَعاوَدُوا
…
عَنْها وَما غَنِمُوا وَلكِنْ أَغْنَمُوا
وممّا قاله الوزير أبو القاسم الحسين بن عليّ بن الحسين بن المغربيّ في ذلك:
أَمّا إلى حَلَبِ فَقَلْبِي نازِحٌ
…
أَبَداً وَماءُ عَلاقَتِي مُتَصَوِّبُ
بَلَدٌ عَرَفْتُ بِها العَذُولَ مُكَمَّماً
…
عَنِّي وَشَيْطانَ الغَوايَةِ يَحْلِبُ
أَيّامَ أَرْكَبُ مِنْ شَبابِي جامِحاً
…
فَيَمُرُّ بِي فِيما يَشاءُ وَيَذْهَبُ
هَيْهاتَ لا تِلْكَ اللَيالي عُوَّدٌ
…
أَبَداً وَلا ذاكَ الزَمانُ مُعَقِّبُ
لَهْفِي عَلَيْهِ وَإِنْ تَمَطَّقَ عاذِلٌ
…
فِيهِ وَأَفْصَحَ عَنْهُ حَيْسٌ مُهْذَبُ
وقال أيضاً:
يا صاحِبَيَّ إِذا أَعْياكُما سَقَمِي
…
فَلَقِيانِي نَسِيمَ الرِيحِ مِنْ حَلَبِ
مِنَ البِلادِ الَّتِي كانَ الصِبا سَكَتي
…
فِيها وكانَ الهَوَى العُذْريُّ مِنْ أَرَبي
وقال أيضاً:
مِلْ بِي إِلى حَلَبٍ أُعَلِّلْ ناظِري
…
فِيها غَداةَ تَحُثُّ بِي الأَشْواقُ
بَلَدٌ أَرَقْتُ بِهِ مِياهَ شَبِيبَتي
…
حَيْثُ النَجِيعُ إِذا أَرَدتُ مُراقُ
وممّا قاله أبو العبّاس بن عبد الله الصفريّ في مثل ذلك:
سَقى الأَكْنافَ مِنْ حَلَبِ سَحابٌ
…
يُتابِعُ وَدْقهْ الُمنهِلَّ وَدْقُ
وَلا بَرِحَتْ عَلَى تِلْكَ المَغانِي
…
مَزادُ المُزْنِ مَتْأَقَةً تُشَقُّ
وقال أيضاً يتشوقّ حلب وهو في دمشق:
مَنْ مُبلغ حلب السلام مضاعفاً
…
من مغرم في ذاك أَعْظِمُ حاجِه
أَضْحَى مُقِيماً فِي دِمَشْقَ يَرَى بِها
…
عَذْبَ الشَرابِ مِنَ الأَسَى كأُجاجِه
وممّا قاله أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في مثل ذلك:
أَلشامُ لا بَلَدُ اَلجزِيرَةِ لَذَّتِي
…
وَقُوَيْقُ لا ماءُ الفُراتِ مُنائِي
وَأَبِيتُ مُرْتَهَنَ الفُؤَادِ بِمَنْبِجَ ال
…
سَوْداءِ لا بالرَقَّةِ البَيْضاءِ
وقال أيضاً:
ارْتاحَ لَمّا جازَ إِرْتاحاً
…
وَلاحَ مِنْ جَوْشَنَ ما لاحا
لَمّا رَأَى مَسْحَبَ أَذْيالِهِ
…
باحَ مِنَ الحُبِّ بِما باحا
مَلْعَبُ لَهْوٍ كُلَّما زُرْتُهُ
…
وَجَدْتُ فِيهِ الرُوحَ وَالراحت
وممّا قاله أبو الحسن عليّ بن الحسن بن عنتر بن ثابت الحلويّ:
لَئِنْ سَمَحَتْ أَيْدي اللَيالِي بِرِحْلةٍ
…
إِلى حَلَبٍ حَلَّ الحَيا عِندَها الحُبا
شَكَرْتُ لِما أَوْلَتْ يَداً غُرْبَةُ النَوَى
…
زَمانِي بِها شُكْرَ المُجازَى عَلَى الحِبا
وقابَلْتُ مَغْناهُ وَقَبَّلْتُ مَبْسِماً
…
يُحَيّي فَيَحْيا عِنْدَهُ مَيِّتُ الصِبا
فأَهْلاً وَسَهْلاً بِالشَمالِ تأَمُّهُ
…
وَسَقِياً وَرَعياً لِلجَنوبِ وَلِلصَبا
وممّا قاله المهذّب عيسى بن سعدان الحلبيّ من أبيات يتشوّق إليها:
عَهْدِي بِها فِي رِواقِ الصُبْحِ لامِعَةً
…
تلْوِي ضَفائِرَ ذاكَ الفاحِمِ الرَجِلِ
وَقَوْلُها وَشُعاعُ الشَمْسِ منْخَرِطٌ:
…
حُيّيْتَ يا جَبَلَ السُمّاقِ مِنْ جَبَلِ
يا حَبَّذا التَلَعَاتُ الخُضْرُ مِنْ حَلَبٍ
…
وَحَبَّذا طَلَلٌ بِالسَفْحِ مِنْ طَلَلِ
يا ساكِني البَلَدِ الأَقْصَى عَسَى نَفَسٌ
…
مِنْ سَفْحِ جَوْشَنَ يُطفي لاعِجَ الغَلَلِ
طالَ المُقامُ فَواشَوْقي إِلى وَطَنٍ
…
بَيْنَ الأَحَصِّ وَبَيْنَ الصَحْصَحِ الرَمِلِ
ماذا يُرِيدُ الهَوَى مِنِّي وَقَدْ عَلِقَتْ
…
إِنِّي أَنا الأَرْقَمُ بنُ الأَرْقَمِ الدَغِلِ
وقال أيضاً:
يا دِيارَ الشَامِ حَيّاكِ الحَيا
…
وَسَقَى ساحَتَكِ الغَيْثُ الهَمُولْ
وَتَمَشَّتْ فِي نَواحِي حَلَبٍ
…
شارِداتُ الرَوْضِ وَالساارِي البَلِيلْ
تَدْرُجُ الرِيحُ عَلَى ساحاتِها
…
وَيُحَيِها الفُراتُ السَلْسَبِيلْ
كُلَّما مَرَّ عَلَيْها سُحْرَةً
…
عَبَّقَ المِسْكُ بِها وَالزَنْجَبِيلْ
لا عضدا الثأثُورَ مِنْ شَرْقِيّها
…
عَقْبَهُ المَنْدِلُ وَالريِحُ البَليلْ
ومما قاله الخطيب أبو عبد الله محمّد بن الواحد بن حرب وهو بالبيرة يتشوق حلب من أبيات:
يَقَرُّ لِعَيْنِي أَنْ أَرُوحَ بِجَوْشَنٍ
…
وَماءُ قُوَيْقٍ تَحْتَهُ مَتَسَرِّبا
لَقَدْ طُفْتُ فِي الآفاقِ شَرْقاً وَمَغْرِباً
…
وَقَلّبْتُ طَرْفِي بَيْنَها مَتَقَلِّبا
فَلَمْ أَرَ كَالشَهْباءِ فِي الأَرْضِ مَنْزِلاً
…
وَلا كَقُوَيْقِ فِي المَشارِبِ مَشْرَبا
جَعَلْتُ استِعارَ الوجْدِ لِي بَعْدَ بُعْدِكُمْ
…
شِعاراً وَمَجْرَى مُذهَبِ الدَمْع مَذْهَبا
لَعَلَّ زَماناً قَدْ قَضَى بِفِراقِنا
…
يُرِيني قَرِيباً شَمْلَنا مُتَقَرِبا
وممّا قاله أبو نصر محمّد بن محمّد بن الخضر الحلبيّ:
يا حَلَباً حُيّيْتِ مِنْ مِصْرِ
…
وَجادَ مَغْناكِ حَيا القَّطرِ
أَصْبَحْتُ في جِلَّقَ حَرّانَ مِنْ
…
وَجْدِ إِلَى مَرْبَعِكِ النَضْرِ
وَالعَيْنِ مِنْ شَوْقِ إِلَى العَيْنِ وَال
…
فَيْضِ غَدَتْ فائِضةً تَجْرِي
ما بَرَدَى عِنْدِي وَلا دِجْلَةٌ
…
وَلا مَجارِي النِيلِ مِنْ مِصْرِ
أَحْسَنُ مَرْأًى مِنْ قُوَيْقٍ إِذا
…
أَقْبَلَ في المَدِّ وَفي الجَزْرِ
يا لَهْفَتا مِنْهُ عَلَى جُرْعَةٍ
…
تُبَلُّ مِنْهُ غُلَّةُ الصَدْرِ
كَمْ فِيكَ مِنْ يَوْمٍ وَمِنْ لَيْلَةٍ
…
مَرَّ لَنا مِنْ غُرَرِ الدَهْرِ
ما بَيْنَ بِطْياسٍ وَحَيْلانَ وَال
…
مَيْدانِ وَالجَوْسَقِ وَالجِسر
وَرَوْضُ ذاكَ الجَوْهَريّ الَّذِي
…
أَرْواحُهُ أَذْكَى مِنَ العِطْرِ
وَزَهْرُهُ الأَحْمَرُ مِنْ ناضِرِ ال
…
ياقُوتِ والأَصْفَرُ كَالتِبْرِ
وَالنَوْرُ فِي أَجْيادِ أَغْصانِهِ
…
مُنَظَّمٌ أَبْهَى مِنَ الدُرِّ
مَنازِلٌ لا زال خَلْفُ الحيا
…
عَلَى رُباها دائِمُ الدَرِّ
تاللهِ لا زِلْتُ لَها ذاكِرا
…
ما عِشْتُ فِي سِرِّي وَفي جَهْرِي
وَكَيْفَ يَنْساها فَتىً صِيغَ مِنْ
…
تُرْبَتِها الطَيِّبَةِ النَشْرِ
وَكُلُّ يَوْمٍ مَرَّ فِي غَيْرِها
…
فَغَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنَ العُمْرِ
إنْ حَنَّ لي قَلْبٌ إِلَى غَيْرِها
…
فَلا غَرْوَ حَنِينُ الطَيْرِ لِلوَكْرِ
يا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَراها وَهَلْ
…
يَسْمَحُ بالقُرْبِ بِها دَهْرِي
قال الأمير ركن الدين أحمد بن قرطايا: أنشدني موفّق الدين أبو القاسم ابن أبي الحديد الكاتب يتشوَّق حلب من أبيات:
وَكَيْفَ أُداوِي بِالعِراقِ مَحَبَّةً
…
شامِيَّةً إنَّ الدَواءَ بَعيدُ
فعملتُ له أوّلاً وهو:
سَلامٌ عَلَى الحَيَّ الَّذي دُونَ جَوْشَنٍ
…
سَلامٌ يُرِثُّ الدَهْرَ وَهُوَ جَدِيدُ
تَضُوعُ بِمَسْراه البِلادُ كَأَنَّما
…
ثَراها مِنَ الكافُورِ وَهْوَ صَعِيدُ
فَليِ أَبَدًا شَوْقٌ إِلَيْهِ مُبَرِحٌ
…
وَلِي كُلُّ يَوْمٍ أَنَّةٌ وَنَشِيدُ
وَكَيْفَ أُداوِي بِالعِراقِ مَحَبَّةً
…
شَامِيَّةً إِنَّ الدَواءَ بَعِيدُ
ومن القصائد البديعات المستحسنات قصيدة قالها أبو محمّد عبد الرحمان بن بدر بن الحسن بن المفرّج النابُلُسيّ يذكر فيها ظاهر حلب ممّات يلي الميدان الأخضر الّذي جدّده الملك الظاهر غازي بن يوسف:
فَحَبَّذا فِي حَلَبٍ مَسارِحٌ
…
لِلحُسْنِ رُوحُ الرُوحِ فِي عِيانِها
وَحَبَّذا ما تَمْرَحُ الأََعيُنُ فِي
…
مُرُوجِهِ الفَيْحاءِ مِنْ مَيْدانِها
وَما اكْتَسَتْ أَقطارُهُ مِنْ حُلَلٍ
…
تَنَوَّقَ الصانِعُ فِي أَلْوانِها
وَما جِرِى حَوْلَيْهِ مِنْ جَداوِلٍ
…
عْيْنُ الَحياةِ الوِرْدُ مِنْ غُدْرانِها
رَحْبُ مَجالِ الَخيْلِ مُمْتَدُّ مَدَى ال
…
سابِقِ فِي الَحلْبَةِ مِنْ فُرْسانِها
لا يَبْلُغُ الغايَةَ مِنْ أَقطارِهِ
…
إِلَاّ فَتًى يُطْلِقُ مِنْ عِنانِها
يَشْرَحُ إِذ يُحلُّهُ صَدْرُ الفَتَى
…
وَتَمْرَحُ الِجيادُ فِي أَرْسانِها
فَما لَمِلْكٍ لَذَّةٌ أَحْلَى بِهِ
…
مِنْ كُرَةِ اللَعِبِ وَصَوْلَجَانِها
مُمَهَدُ البُقْعَةِ للمَجْرَي بِهِ
…
مَنَزِّهُ الرُقْعَةِ عَنْ شَيْطانِها
كَأَنَّهُ بَعْضُ مُرُوجِ الجَنَّةِ ال
…
فَيْحاءِ قَدْ زُحْزِحَ عَنْ رِضْوانِها
ثمّ ذكر القصر الذي بُني هناك فأضربنا عن ذكره إذ هو ليس مما نحن بصدد ذكره.
قال أبو المحاسن بن نوفل الحلبيّ:
صَبٌّ بِأنْواعِ الهُمُومِ مُوَكَّلُ
…
وَأَقَلُّها لا يُستَطاعُ فَيُحْمَلُ
فَدُمُوعُهُ لا تَأْتَلي مَسْفُوحَةً
…
لِوَمِيضِ بَرْقٍ أَوْ حَمامٍ يَهْدِلُ
أَوْ نَفْحَةٍ نَقَلَتْ لَهُ مِنْ جَوْشَنٍ
…
وَهِضابِهِ الأَخْبارَ فِينا تَنْقُلُ
تَأْتِي وَذَيْلُ رِدائِها مِنْ ماءِ وَرْ
…
دِ قُوَيْقِهِ عِطْرُ النَسِيمِ مُصَنْدَلُ
فَتَظَلُّ وَهُوَ مَكَرَّرٌ تَسْأَلُها
…
تَتْلُو عَلَيْهِ وَذُو الصِبابَةِ يَسْأَلُ
فَتُعِيدُ جامِحَهُ ذَلُولاً طائِعاً
…
وَالشَوْقُ لِلصَعْبِ الجَمُوحِ مُذَلِّلُ
شَوْقَاً إِلَى بَلَدٍ يَكادُ لِذِكْرِهِ
…
يَقْضي جَوىً لَكِنَّهُ يَتَحَمَّلُ
وَيَلُوذُ بِالآمالِ عَلَّ بَعِيدَها
…
يَدْنُو وَجامِحَها يَلِينُ وَيَسْهُلُ
وقال نور الدين عليّ بن موسى بن سعيد الغرناطيّ ببغداد يتَشوّق حلب:
حادِيَ العِيسَ كَمْ تُنِيخُ المَطايا
…
سُقْ فَرُوحِي مِنْ بُعْدِهِمْ فِي سِيلقِ
حَلَباً إِنَّها مَقَرُّ غَرامِي
…
وَمَرامِي وَقِبْلَةُ الأَشْوَاقِ
لا خَلا جَوْشَنٌ وَبِطْياسُ وَالسَعْ
…
دِيُّ مِنْ كُلِّ وَابِلٍ وَغَيْداقِ
كَمْ بِها مَرْتَعاً لِطَرْفٍ وَقَلْبٍ
…
فِيهِ يُسْقَى المُنَى بِكَأْسِ دِهاقِ
وَتَغَنّي طُيُورِهِ لاِرْتِياحٍ
…
وَتَثَنِّي غُصُونِهِ للِعِناقِ
وَعَلَى الشَهْبَآءِ حَيْثُ اسْتَدارَتْ
…
أَنْجُمُ الأُفْقِ حَوْلَها كَالنِطاقِ
وَمَجَرُّ الصَبا بِشَطِّ قُوَيْقٍ
…
لا عَدَتْهُ حَدائِقُ الأَحْداقِ
وقال الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمّد بن الملم الظاهر يتشوّق حلب وهو بدمشق:
سَقَى حَلَبَ الشَهْبَآءَ فِي كُلِّ لَزْبَةٍ
…
سَحابةُ غَيْثٍ نَوْءها لَيْسَ يُقْلِعُ
فَتِلْكَ رُبُوعِي لا العَقِيقُ وَلا الحِمَى
…
وَتِلْكَ دِيارِي لازَوَردٌ وَلَعْلَعُ
وعلى أثر ذكر الشهباء فإنّ من أحسن ما نبتُه من أوصافها ما قاله السريّ الرّفاء في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
وَشاهِقَةٍ يَحْمِي الحِمامَ سُهُولُها
…
وَيَمْنَعُ أَسْبابَ المَنايا وَعُورُها
إذا سَتَرَتْ غُرَّ السَحابِ وَقَدْ سَرَتْ
…
جَوانِبُها خِلْتَ السِحابَ سُتُورَها
وَإِنْ عادَ خَوْفاً مِنْ سُيوفِكَ رَبُّها
…
يَدُورُ بِها أَضْحَى لَدَيْكَ أَسِيرَها
مُقِيماً يَمُرُّ الطَيْرِ دونَ مَقامِهِ
…
فَلَيْسَ تَرَى عَيْناهُ إِلَاّ ظُهُورَها
بَعَثْتَ إِلَى عَلْيائِها الأُسْدَ فَانْثَنَتْ
…
تُساوِرُ بِالبِيضِ الصَوارِمِ سُورَها
وللخالديين من قصيدتَيْن مدحا بهما سيف الدولة ويهنّيانه فيهما بفتح حلب جاء في إحداهما في صفة القلعة:
وَخَرْقَآءُ قَدْ تاهَتْ عَلَى مَنْ يَرُومُها
…
بِمَرْقَبِها العالِي وَجانِبِها الصَعْبِ
يَزُرُّ عَلَيْها الجَوُّ جَيْبَ غَمامِهِ
…
وَيُلْبِسُها عِقْداً بِأَنْجُمِهِ الشُهْبِ
إِذا ما سَرَى بَرْقٌ بَدَتْ مِنْ جِلالِهِ
…
كَما لَاحتِ العَذْرآءُ مِنْ جِلَلِ الحُجْبِ
فَكَمْ ذِي جُنُودٍ قَدْ أَماتَتْ بِغُصَّةٍ
…
وَذِي سَطواتٍ قَدْ أَبانَتْ عَلَى عَتْبِ
سَتَموْتَ لَها بالرَأْيُ يُشْرِقُ فِي الدُجَى
…
وَيَقْطَعُ فِي الجُلَّى وَيَصْدَعُ فِي الهَضْبِ
فَأبْرَزْتَها مَهْتُوكَةَ الجَيْبِ بِالقَنا
…
وَغادَرْتَها مَلْطُومَةَ الخَدِّ بِالتُرْبِ
وجاء في الأخرى:
وَقَلْعَةٍ عانَقَ العَيُّوقَ سافِلها
…
وَجازَ مِنْطَقَةَ الجَوْزاءِ عالِيها
لا تَعْرِفُ القَطْرَ إِذْ كانَ الغَمامُ لَها
…
أرْضاً تَوَطَّأَ قُطْرَيْهِ مَواسِيها
إذا الغمامَةُ راحَتْ خاضَ ساكِنُها
…
حِياضَها قَبْلَ أَنْ تُهْمَى عَزالِيها
يُعَدُّ مِنْ أَنْجُمِ الأَفْلاكِ مَرْقَبُها
…
لَوْ أَنَّهُ كانَ يَجْرِي فِي مَجارِيها
عَلَى ذُرىً شامِخٍ وَعْرٍ قَدِ امْتَلأَتْ
…
كِبْراً بِهِ وَهْوَ مَمْلُؤٌ بِها تِيها
لَهُ عُقابُ الجَوِّ حائِمَةٌ
…
مَنْ دُونِها فَهْيَ تَخْفَى فِي خَوافِيها
رَدَتْ مَكائِدَ أَمْلاكٍ مَكائِدُها
…
وَقَصَّرَتْ بِدَواهيهِمْ دَواهِيها
أوْطَأْتَ هِمَّتَكَ العَلْياءَ هامَتَها
…
لَمَّا جَعَلْتَ العَوالِي مِنْ مَراقِيها
فَلَمْ تَقِس بِكَ خَلْقاً فِي البَرِّيَّةِ إِذْ
…
رَأَتْ قَسِيَّ الرَدَى في كَفِّ باريها
وقال الفقيه الوزير أبو الحسن عليّ بن ظافر بن حسين المعروف بابن أبي المنصور يصف قلعة حلب من قصيدة مدح بها الملك الظاهر بن يوسف بن أيّوب:
وَفَسِيحَةُ الأَرْجآءِ سامِيَةُ الذُرَى
…
قَلَبَتْ حَسِيؤاً عَنْ عُلاها الناظِرا
كادَتْ لِفَرْطِ سُمُوِّها وَعُلُوِّها
…
تَسْتَوْقِفُ الفَلَكَ المُحِيطَ الدائرا
وَرَدَتْ قَواطِنُها المَجَرَّةَ مَنْهَلاً
…
وَرَعَتْ سَوابِقُها النُجومَ أزَاهِرا
شَمَّآءُ تَسْخَرُ بِالزَمانِ وَطالَما
…
بِشواهِقِ البُنيانِ كانَ الساخِرا
وَيَظَلُّ صَرْفُ الدَهْرِ مِنْها خائِفاً
…
وَجِلاً فَما يُمْسِي لَدَيْها حاضِراً
وَيَشُوقُ حُسْنُ رَوائِها مَعَ أَنَّها
…
أَفْنَتْ بِصِحَتِها الزَمانَ الغابِرا
فَلأَجْلِها قَلْبُ الزَمانِ قَدِ انْثَنَى
…
قَلِقَاً وَطَرْفُ الجَوِّ أمْسَى ساهِراً
غَلَاّبَةٌ غُلْبَ المُلُوكِ فَطالَما
…
قَهَرَتْ مَنِ اغْتَصَبَ المَمالِكَ قاهِرا
غَنِيَتْ بِجُودِ مَلِيكِها وَعَلَتْ بِهِ
…
حَتَّى قَدِ امْتَطَتِ الغَمامَ الماطِرا
فَتَرَت وَتَسْمَعُ للِغَمتمِ بِبَرْقِهِ
…
وَالرَعْدِ لَمْعاً تَحْتَها وَزَماجِرا
وأنشد لي الشيخ الإمام العالم الفاضل بهاء الدين محمّد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النحّاس الحلبيّ لنفسه يتشوّق حلب:
سَقَى حَلَبَاً سُحْبٌ مِنَ الدَمْعِ لَمْ تَزَلْ
…
تَسُحُّ إذا شَحَّ السَحابُ غَمائِما
وَحَيَاً الحَيا قِيعانَها وَأَكامَها
…
وَأَخْرَجَ فِيها لِلرَبِيعِ كَمائِما
بِلادٌ بِها قَضَّيْتُ لَهْوي وَصَبْوَتِي
…
وَصاحَبْتُ فِيها العِيشَ جَذْلانَ ناعِما
وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جَلَدِي تُرابُها
…
وَعَقَّ بِها عَنِّي الشَبابُ تَمائِما
وله أيضاً:
سَقَى زَماناً تَقَضَّى فِي رُبا حَلَبٍ
…
مِنَ السَحابِ مُلَثُّ المُزْنِ هَطَّالُ
وَلا عَدا رُبْعَها غِيثٌ يُراوِحُهُ
…
يَجُثُّهُ مِنْ حُداةِ الرَعْدِ أَزْجالُ
مَنازِلٌ لَمْ أَزَلْ أَلهُو بِمَرْبَعِها
…
بِها نَعَمْتُ فَلا حالَتْ بِها الحالُ
أَصْبُو إِلَيْها وَلا أُصْغي لِلائِمةٍ
…
ما لَذَّةُ العِشقإِلَاّ القِيلُ وَالقالُ
فصل. - قد أوردنا في وصف حلب وقلعتها من المنظوم محاسن ما وقفنا عليه وأوصلتنا الاستطاعة إليه ورأينا ما أثبتناه منه وإن كان قليلاً كافياً ولما يلحق النفوس من داء التضجّر شافياً ولا غِنى له عن أن يُضاف إليه من المنثور ما يفوق الدرّ ويزيّن لو رُصّع في التيجان الجباه الغرّ إذ هو حليفه وصديقه لا بل توءمه وشقيقه فربّ مؤخّر يُراد به التقديم ومصغّر وفُر حظّه من التحبيب والتعظيم.
من رسالة للقاضي الفاضل كتب بها عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أخيه الملك العادل أبي بكر محمد بفتح حلب: قد علم المجلس السامي موضع حلب من البلاد وموقعها من المراد وفاتحة النجدة بها من الله في الجهاد وفادحة فتحها في الكفّار والأضداد وكتابنا وقد أُنعم بها ما شفيت للسيف فيها غُلّة ولا أُتي فيها بما يشقّ على أهل الملّة ولا عدَوْنا ما يبني للمسلمين العزّة ويورث عدوّهم الذلّة وعُوّض عماد الدين عنها من بلاد الجزيرة سِنجار ونصِيبين والخابور والرقّة وسَروج فهو صرف بالحقيقة أخذنا فيه الدينار وأعطيناه الدرهم ونزلنا عن السوار وأحرزنا المعصم وكتابنا هذا وقد تمكنّتُ أعلامنا موفيةً على قلعتها المنفية وتفرّقتُ نوّابنا في مدينتها موفّيةً بمواعد عدلنا الجليلة اللطيفة فانتظم الشمل الّذي كان نثيراً وأصبح المؤمن بأخيه كثيراً وذهب الكلال وأُرهف الكليل ونُزع الغُلّ وشفي الغليل.
وكتب عماد الدين أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن حامد الأصفهاني في مثل ذلك: صدرت هذه المكاتبة مبشّرةً بما منّ الله تع به من الفتح العزيز والنصر الوجيز والنجح الحريزوالنعمة الّتي جلت الغمّاء فجلّت وحلت في مداق الشكر وحلت وعلت بها كلمة الدين فانهلت وأنهلت وعلّت وطالت يدها بالطول وبأيديها أطلّت وذلك فتح حلب الّذي درّ حلبه ونجح طلبه وبلغ أمد الفلج غلبه ووضّح لحب هذه الدولة القاهرة لحبه فإنه قد سُكنت الدهماء مذ سكنت الشهباء وبشَّرت أختها السوداء لمّا كانت لنا في فتحها اليد البيضاء فاخضرت الغبراء وآلت ألاّ تغبر بعدها إلاّ في سبيل الله الخضراء وتلاها فتح حارم الّتي انجلت به الداهية الحمراء وعلت بالعواصم لفتح بني الأصفر رايتنا الصفراء واهتزت طرباً إلى الجهاد في أيدي شائميها ومشرعيها البيضاء والسمراء فقد زال الشغب وأسفر عن الراحة التعب واتّحدت كلمة الإسلام وعساكره وصدقت زواجره وربحت بالتنقل في الأسفار متاجره وكتب محي الدين محمّد بن علي بن الزكي قاضي دمشق إلى الملك الناصر بفتح حلب:) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم (وبعدُ فالحمد لله الّذي أنجز لملانا فتح الله على يدَيْه مشارق الأرض ومغاربها ووطّأ له ذرّ الممالك وغواربها وبلغ نفسه النفيسة من الدنيا والآخرة آمالها ومطالبها وأنال ملّة الإسلام ببقائه أوطارها ومآربها وأعز به معتقدها ومصاحبها وأذلّ بسطوته ملحدها ومحاربها ولا زالت عزماته مؤيدةً منصورة وراياته على رؤوس المعاقل مرفوعة منشورة وأعلامه على وهاد الأرض ويفاعها موصوفة مشهورة وقلوب المؤمنين بحياته ونصره جذلةً مسرورة وجموع الكفر وصور الصلبان بسيفه مغلولة مكسورة من النصر المتينوالفتح المبين والقدرة والانتصار والنصر والاقتدار والظفر والاستظهار ونيل الأمل وبلوغ الآوطار من فتح هذا المعقل الّذي أجمعت العقول على اختياره وتفضيله وعجزت الخواطر لولا ظهوره إلى عالم الحسّ عن تصويره في عالم الخيال وتمثله وسار ذكره والعجب به في الأقطار وطار بأجنحته التيه والترفع عن حصون الأرض كل مطار وشمخ بأنف العجب عن عدّه مع غير السحب بل الشهب فيا لها من شهباء ليس لها سوى السحاب سرج والريح لجام وعذراء لم يُفضَض لها بغير اختيار ختام وحسناء حليتها الأنجم الزهر وخمارها الغمار وذات إباء لا تعطي كفاً للأمس إلا حكم له بها الإسلام وناشز على الخطاب فلا تأذن في عقد إلا إذا كان خطيبة الإمام وصعبة على المذلّلين فلا تُؤخذ إلا بكف من اجتمعت عليه الكلمة لها زمام سافر النقية لمحولة لثمها وعليها من الحماية والحميّة نقاب ولثام فهي نهد والأرض لها صدر وألِف والبلاد لها سطر وطائر والمعاقل عندها غواشِ وراكب الحصون بين يديها مواشِ وفارس والمدن رجالاتهاوعانس والسعادة دلالاتها ونجم الأرض وسماؤه وموج البحر ماؤه وعَلَم والبلاد جيشه لا بل طود حلم يؤمِن على تعاقب الأيام وتوالي الأعوام عجلته وطيشه تفي إذا غدر الزمان وتصفو إذا تكدّر الإخوان وتحفظ إذا أضاع الأعوان وتظهر الحبّ والمقة إذا فركت الحرب العوان ترفّع سمعها عند العذل ولا يصل إليها كلام الواشٍ وتسمو بنظرها عن الخديعة فلا يميل بناظرها ساعٍ بها ولا ماشٍ وتأنف أن تعطي مقادتها إلا لأكرم الأكفاء ولا ترضى أن تستشعر من جهازها إلاّ بشعار الوفاء فهي بالإضافة إلى سائر الحصون المانعة كإضافة سميّها في جلالة قدره ومنافعه إلى سائر المائعات.
وذكر الشيخ الصالح الإمام العالم أبو جعفر أحمد بن جُبَيْر في كتاب وضعه ذكر رحلته وم رأى فيها من البلاد حلب فقال: بلدة قدرها خطير وذكرها في كل زمان يطير خطّابها الملوك كثير ومحلها من النفوس أثير فكم هاجت من كفاح وسُلّت عليها من بيض الصفاح لها قلعة شهيرة الامتناع ثابتةالارتفاع معدومة الشبيه والنظير في القلاع تناهت حصانةً أن تُرام أو تُستطاع قاعدة كبيرة ومائدة في الأرض مستديرة منحوتة الأرجاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها عتيقة في الأزل حديثة وإن لم تزل قد طاولت الأيام والأعوام وشيّعت الخواصّ والعوامّ.