المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وصارت البلاد في يد مولانا السلطان الملك الظاهر بعد قتل - الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة

[عز الدين ابن شداد]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي

- ‌المقصد الأوّل فيذكر الشام واشتقاق اسمه

- ‌المقصد الثاني فيذكر أوّل من نزل به

- ‌المقصد الثالث فيذكر ما ورد من فضل الشام

- ‌المقصد الرابع فيذكر موضعه من المعمور وحدوده

- ‌القسم الأوّلأمر البلد وما اشتمل عليه بنيانه ظاهراً وباطناً

- ‌ الباب الأوّل في

- ‌ ذكر موضعها من المعمور

- ‌الباب الثاني فيذكر الطالع الذي بُنيت فيه ومن بناها

- ‌الباب الثالث فيذكر تسميتها واشتقاقها

- ‌الباب الرابع فيذكر صفة عمارتها

- ‌الباب الخامس فيذكر عدد أبوابها

- ‌الباب السادس فيذكر بناء القلعة الّتي بحلب والقصور القديمة

- ‌فصل في ذكر القصور

- ‌الباب السابع فيذكر ما ورد في فضل حلب

- ‌الباب الثامن فيذكر مسجدها الجامع وما بظاهرها من الجوامع

- ‌ذكر الصهريج الّذي في الصحن

- ‌ذكر المنارة

- ‌ذكر ما آل إليه أمر المسجد الجامع في عصرنا

- ‌ذكر ما مُدح به هذا المسجد

- ‌ذكر ما بظاهر حلب من الجوامع

- ‌الباب التاسع فيذكر المزارات الّتي في باطن حلب وظاهرها

- ‌ذكر ما كانت الأمم السالفة تعظّمه من أماكن بمدينة حلب

- ‌ذكر ما بظاهرها من المزارات

- ‌ذكر ما في قرى حلب وأعمالها من المزارات

- ‌الباب العاشر فيذكر المساجد الّتي في باطن حلب وظاهرها

- ‌المساجد الّتي بين أبواب المدينة

- ‌ذكر المساجد الّتي بأرباض حلب

- ‌مساجد الحاضر السليماني ّ

- ‌ذكر مساجد الرابية وجورة جفّال

- ‌ذكر المساجد الّتي بالظاهريّة

- ‌ذكر المساجد الّتي بالرمادة

- ‌ذكر مساجد بانقوسا

- ‌ذكر مساجد الهزّازة

- ‌ذكر المساجد الّتي بخارج باب إنطاكية

- ‌ذكر مساجد المضيق

- ‌ذكر المساجد الّتي كانت بالقلعة

- ‌الباب الحادي عشر فيذكر ما بباطن حلب وظاهرها من الخوانق والرُبُط

- ‌الخوانق الّتي للنساء

- ‌الخوانق الّتي بظاهر حلب

- ‌ذكر الرُبط

- ‌الباب الثاني عشر فيذكر ما بباطن حلب وظاهرها من المدارس

- ‌المدارس الشافعيّة الّتي بظاهر حلب

- ‌ المدارس الحنفيّة

- ‌شعر:

- ‌ المدارس الحنفيّة التي بظاهر حلب

- ‌ذكر ما بحلب من مدارس المالكيّة والحنابلة

- ‌ذكر أدر الحديث بحلب

- ‌الباب الثالث عشر فيذكر ما بحلب وأعمالها من الطلسمات والخواص ّ

- ‌ذكر الحمّات الّتي يُنتَفَع بمائها في أعمال حلب

- ‌الباب الرابع عشر فيذكر ما بباطن حلب وظاهرها من الحمّامات

- ‌حمّامات الدور بحلب

- ‌ذكر الحمّامات الّتي بظاهرها

- ‌الحمّامات الّتي بالمقام

- ‌الحمّامات الّتي بالياروقيّة

- ‌الحمّامات الّتي خارج باب إنطاكية

- ‌الحمّامات الّتي بالحَلْبة

- ‌الحمّامات الّتي بالبساتين

- ‌الحمّامات الّتي خارج باب الجنان:

- ‌الحمّامات الّتي بالرَمادة:

- ‌الباب الخامس عشر فيذكر نهرها وقنيّها الداخلة إلى البلد

- ‌ذكر القنيّ المتفرّعة عن القناة العظمى

- ‌الباب السادس عشر فيذكر ارتفاع قصبة حلب فقط

- ‌الباب السابع عشر فيذكر ما مُدحت به حلب نثراً ونظماً

- ‌القسمُ الثاني منَ الكِتاب فيذكر ما هُو خارج عن دمشق

- ‌الباب الأول فيذكر أنهارِهَا وقَنَوَاتِهَافي ذكر أنهارها

- ‌ذكْرُ القُنِيّ

- ‌الباب الثاني‌‌ في ذكْر ما بنواحي دمشق من الجبال

- ‌ في ذكْر ما بنواحي دمشق من الجبال

- ‌الباب الثالث فيذكر ما احتوى عليه جُنْدُ دمشق من الكور

- ‌ كورة البقاع:

- ‌ذكر بعلبك

- ‌كورة حورانوقصبتها بصْرى

- ‌قلعة صرخد

- ‌كورة البثينةومدينتها أذرعات

- ‌كورة الجبال ومدينتها عرندل

- ‌ومعان

- ‌ومؤتة

- ‌ومما هو مستحدث ذكره في هذه الكورة من البلادالكرك والشوبك

- ‌كورة الشراة

- ‌وأرض البلقاء

- ‌قلعة الصلت

- ‌قلعة عجلون

- ‌ذكرُ ما في هذا الجند من البلادِ الساحلية

- ‌جُبيل

- ‌صيدا

- ‌بيروت

- ‌أطرابلس

- ‌ما كان في يد الفرنج

- ‌الباب الرابع فيذكر بلاد جند الأردن ومن ملكها

- ‌بيسان

- ‌بانياس

- ‌ذكرُ حصون هذا الجندصفد

- ‌هونين وتبين

- ‌شقيف أرنون

- ‌شقيف تيرون

- ‌كوكب

- ‌قلعةُ الطور

- ‌ذكر ما في جند بلاد الأردن من البلاد الساحلية

- ‌عكا

- ‌حيفا

- ‌الباب الخامس‌‌ فيذكر بلاد جند فلسطين

- ‌ فيذكر بلاد جند فلسطين

- ‌إيلياء

- ‌لمعة من فضائله

- ‌فضل الصخرة

- ‌ذكر خراب بيت المقدس بعد بنائه ِ

- ‌المرة الأولى:

- ‌المرة الثانية:

- ‌مدينة بيت المقدس

- ‌ذكر فتحها وملوكها

- ‌ومن رسالة للقاضي الفاضل

- ‌خطبة القاضي محيي الدين بن الزكي

- ‌مدينة الخليل عليه السلام

- ‌ نابلس

- ‌قيسارية

- ‌أرسوف

- ‌يافا

- ‌عسقلان

- ‌ غزة

- ‌الباب السادس فيذكر ما بمجموع هذه الأجناد الثلاثة من المزاراتما يختص بلاد جند دمشق

- ‌ومما بنواحي حوران

- ‌جبلُ بني هلال

- ‌الطُّور - ومؤتة

- ‌مدينة نابلس:

- ‌ما في بلاد جُند الأردن من المزاراتمدينة طبرية

- ‌عكا:

- ‌زيارات جند فلسطين

- ‌ذكر الجزيرة

- ‌بسم الله الرحمن الرحيموصلى الله على سيدنا محمد وآله

- ‌ذكر من ولي الجزيرةبمجموعها من الأمراء والوزراء إلى حين تفرقت بلادها

- ‌ذكر ديار مضروقصبتها حرّان

- ‌ذكر بنائصوإلى من تنسب

- ‌ذكر ملوكها

- ‌ارتفاعها لمّا ملكها السلطان الملك الناصر صلاح الدين

- ‌جملين والموزر

- ‌ذكر الرقة

- ‌ذكر الرُّها

- ‌ذكر فتحها

- ‌سروج

- ‌ قلعة جعبر

- ‌ البيرة

- ‌ذكر ديار ربيعة من الجزيرة

- ‌ دارا

- ‌رأس العين

- ‌قرقيسيا

- ‌سنجار

- ‌ذكر فتح مدينة سنجار وملكها

- ‌ذكر من وليها بعد خروج الجزيرة عن أيدي

- ‌ذكر ولاية عماد الدين زنكي الموصل

- ‌ذكر استيلاء نور الدين على سنجار

- ‌ذكر ملك نور الدين الموصل وسنجار

- ‌ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين من عز الدين صاحب الموصل

- ‌ذكر ملك صلاح الدين سنجار

- ‌ذكر وفاة عماد الدين زنكي بن مودود

- ‌ذكر حصار الملك العادل سنجار

- ‌ذكر وفاة صاحب سنجار وملك ابنه وقتله وملك أخيه

- ‌ذكر ملك الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل مدينة سنجار

- ‌ذكر حصار بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سنجار

- ‌ذكر ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب دمشق

- ‌ذكر تمليك بدر الدين لؤلؤ سنجار

- ‌ذكر تملك الملك الصالح سنجار وترتيب ولده فيها

- ‌ذكر قصد التتار شمس الدين البزلي وكسرهم له

- ‌ذكر استيلاء التتار على سنجار

- ‌جزيرة ابن عمر

- ‌ذكر من ولي الجزيرة، جزيرة ابن عمر

- ‌ذكر وفاة عز الدين مسعود

- ‌ملك عماد الدين زنكي جزيرة ابن عمر

- ‌ذكر حمايته ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها

- ‌ذكر ملك معز الدين سنجرشاه الجزيرة

- ‌ذكر قتل سنجر شاه وملك ابنه محمود

- ‌ذكر وفاة معز الدين محمود وتولية ولده الملك المسعود وشاهان شاه

- ‌ودخلت سنة تسع وأربعين وستمائة

- ‌ذكر ملك بدر الدين لؤلؤ الجزيرة

- ‌ذكر ما كان بيد الملك الناصر من بلاد الجزيرة

- ‌ذكر ديار بكر

- ‌المصر الأول من أمصار ديار بكرآمد

- ‌ميافارقين

- ‌ذكر ما جُدِّد فيها من العماير بعد الفتح

- ‌ذكر من فتح ميافارقين آمد ووليهما

- ‌ذكر من ولي ديار بكر بأسرها ومن ولي منها مكانا بمفرده

- ‌ذكر عصيان عيسى بن الشيخ بديار بكر

- ‌ذكر قصد المعتضد الجزيرة وديار بكر

- ‌ذكر ابتداء ملك بني حمدان لديار بكر

- ‌ذكر ولاية سيف الدولة ديار بكر من قبل أخيه ناصر الدولة

- ‌ذكر محاولة استيلاء الروم على آمد بحيله

- ‌عدنا إلى أخبار ميافارقين وسيف الدولة

- ‌ذكر حصار الروم آمد وميافارقين

- ‌ذكر قتل نجا غلام سيف الدولة وملك سيف الدولة خلاط

- ‌ذكر وفاة سيف الدولة بن حمدان

- ‌ذكر ولاية أبي المعالي شريف ولد الأمير سيف الدولة

- ‌ذكر ولاية عضد الدولة ديار بكر وديار ربيعه

- ‌ذكر ملك باد الكردي ميافارقين وآمد

- ‌ذكر ابتداء ملك ابن دمنة آمد

- ‌ذكر قتل عبد البر وتمليك ابن دمنة

- ‌ذكر تمليك أبي علي بن مروان

- ‌ذكر ملك ممهد الدولة أبي منصور بن مروان

- ‌ذكر قتل ممهد الدولة وملك شروة

- ‌ذكر ولاية نصر الدولة أبي نصر بن مروان

- ‌وفاة الأمير نصر الدولة

- ‌ذكر وفاة الأمير سعيد بن نصر الدولة

- ‌ذكر قتل سلار خراسان واخوة الأمير

- ‌ذكر قصد السلطان ألب أرسلان بن السلطان جغري بك الشام والسواحل

- ‌ذكر خروج عساكر الروم وكسرهم

- ‌ذكر وفاة السلطان ألب أرسلان

- ‌ذكر وفاة الأمير نظام الدين

- ‌ذكر توجه الوزير فخر الدولة بالعساكر وملك ميافارقين وآمد

- ‌الجميع بلور

- ‌ذكر ملك عميد الدولة ديار بكر

- ‌ذكر ملك ناصر الدولة ميافارقين

- ‌ذكر ملك تاج الدولة تتش ميافارقين وآمد

- ‌ذكر وفاة السلطان تاج الدولة تتش

- ‌ذكر وفاة الأمير ناصر الدولة

- ‌ذكر ميافاقينذكر ولاية شمس الملوك دقاق ميافارقين استقلالا بعد وفاة أبيه تاج الدولة

- ‌ذكر وفاة شمس الملوك دقاق

- ‌ذكر ملك السلطان قليج أرسلان بن سليمان ن قطر مش السلجوقي ميافارقين

- ‌ذكر ملك سقمان القطبي ميافارقين

- ‌ذكر وفاة سقمان القطبي

- ‌ذكر ملك قراجا الساقي ميافارقين

- ‌ابتداء ولاية نجم الدين إيلغازي بن سقمان بن أرتق وملكه ميافارقين

- ‌ذكر وفاة نجم الدين إيلغازي

- ‌ذكر ولاية ولده السعيد حسام الدين

- ‌ذكر قتل شرف الدين حبشي

- ‌ذكر وفاة الأمير داود صاحب حاني

- ‌ذكر وفاة السعيد حسام الدين

- ‌ذكر نُّوابه بميافارقين

- ‌ذكر ملك نجم الدين ألبي بن السعيد حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي بن سكمان

- ‌ذكرُ حصار الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ميافارقين وفتحها

- ‌ذكر ملك تقي الدين عمر بن شاهنشاه ابن أخي صلاح الدين الملك الناصر

- ‌ذكر ملك الملك الأشرف ميافارقين

- ‌ذكر تمليك شهاب الدين غازي أرزن

- ‌ذكر مقتل جلال الدين وتفرُّق عسكره

- ‌ذكر حصار عسكر حلب ميافارقين

- ‌ذكر كسر عسكر حلب شهاب الدين غازي

- ‌ذكر نزول التتر على ميافارقين

- ‌ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين

- ‌ذكر نزول التتر على ميافارقين ثاني مرة ورحيلهم عنها

- ‌ذكر توجه الملك الكامل إلى منكوقاآن

- ‌ذكر عود صاحب ميافارقين من عند منكوقاآن

- ‌ذكر أخذ صاحب ميافارقين آمد

- ‌ذكر ما اعتمده صاحب ميافارقين بعد عوده

- ‌ذكر نزول التتر على ميافارقين

- ‌ذكر توجُّهي رسولاً من التتر الذين على ميافارقين

- ‌ذكر ما جرى لي مع نواب صاحب ميافارقين

- ‌ذكر عودي إلى حلب

- ‌ذكر استيلاء التتر على ميافارقين

- ‌ذكر ما لقي أهل ميافارقين م الشدة في الحصار

- ‌ذكر آمد

- ‌ذكر مُلك الأمير صادر آمد

- ‌ذكر ملك الملك الناصر صلاح الدين آمد وإقطاعها لنور الدين قرا أرسلان

- ‌ذكر وفاة نور الدين محمد بن قرا أرسلان

- ‌ذكر ملك الملك الكامل ناصر الدين آمد

- ‌حصن كَيفَا

- ‌أرْزَن

- ‌ذكر فتحها

- ‌ذكر ملك شهاب الدين غازي أرزن

- ‌مارِدين

- ‌ذكر فتحها ومن مَلَكَها

- ‌ذكر قتل الملك المنصور أرتق صاحب ماردين

- ‌ذكر حصار التتر ماردين واتفاقهم مع الملك السعيد صاحبها

- ‌ذكر وفاة صاحب ماردين وتولي ولده

- ‌ذكر توجُّه الملك المظفر إلى التتر إلى عند هولاكو

الفصل: وصارت البلاد في يد مولانا السلطان الملك الظاهر بعد قتل

وصارت البلاد في يد مولانا السلطان الملك الظاهر بعد قتل الملك المظفر، وتغلّب الأمير علم الدين سنجر الحلبي على دمشق، ونُعت بالملك المجاهد ولّي في بعلبك وبقيت في يده إلى أن قُبض عليه وحمل إلى مصر في سادس عشر صفر من سنة تسع وخمسين وستمائة.

وملك السلطان الملك الظاهر دمشق وبعلبك فيما ملك من البلاد، فأمر بعمارة قلعتها وتشييد سورها وبناء دورها، وقوّاها بالعَدَدِ والعُدَد، وشحنها بما لم تسمح به نفس أحد، ونوّابه متصرفون فيها إلى الوقت الذي وضعنا فيه كتابنا هذا وهو سنة أربع وسبعين وستمائة.

ولم يزل الولاة من قبله عليها إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى، وانتقلت جميع الممالك إلى ابنه السلطان الملك السعيد بعهدٍ من والده. فأقر الوالي الذي من جهة والده على حاله وهو نجم الدين حسن أحد رجال الحلقة المنصورة بدمشق المحروسة.

وأول من ولي عليها من قبل السُّلطان الملك الظاهر - رحمه الله تعالى - عزّ الدين أيبك الإسكندراني الصالحي ثم نقل إلى الرحبة. وولي كمال الدين إبراهيم بن شيت إلي أن توفي بحلبا في حادي عشر صفر سنة أربع وسبعين وستمائة. وولي نجم الدين ُحسن واستمر به السلطان الملك السعيد بعد أبيه - كما قد ذكرنا - إلى أن خرج الُملكُ عن الملك السعيد الى أخيه الملك العادل سيف الدين سُلامش وتسلّم المُلك الملك المنصور سيف الدّين قلاوون الألفي العلائي أتابكا. فسير عليها نوّاب الملك العادل، فلم تزل بها إلى أن جلس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون المذكور على تخت الملك، يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رجب في سنة ثمان وسبعين، فسيّر إليها نوابه واستمرت في يده.

‌كورة حوران

وقصبتها بصْرى

وهي مدينة على سيف البرية، لها ذكر في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه دخلها قبل بعثته، وهو تاجر لخديجة، وفيها لقي بُحيْرا الراهب وبها قبره إلى عصرنا. طولها سبعون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، طالعها برج السنبلة، ساعة بنائها عطارد.

قال البلاذُري: اجتمع المسلمون عند قدوم خالد ابن الوليد على بُصْرى، ففتحوها صلحاً، وانبثوا في أرض حَوران فغلبوا عليها.

وفي هذه الكورة:

‌قلعة صرخد

وهي محدثة، فصارت القصبة لكورة حوران. طولها سبعون درجة وخمس دقائق، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وعشرون دقيقة.

ولم تزل " بُصرى " و " صرخد " على الإضافة لدمشق يليهما نائب من جهة من يليها، إلى أن ملك " تاج الدولة تُتُش " دمشق، ولّى فيها ولديه تكين وفلّوس.

فلما مات تاج الدولة أقرهما فيهما أخوهما شمس الملوك دُقاق لما ملك دمشق بعد أبيه. وبقيت في أيديهما إلى أن أستبد ظهير الدّين طغتكين الأتابك بدمشق، وطلب منهما أن ينزلا عنهما، فلم يجيبا فقاتلهما، حتى عجزا عن دفعه. فطلبا منه الأمان على أنفسهما وأموالهما ويسلّمانها إليه بمهلة اقترحاها عليه، وإقطاعاً يعوضهما عنهما، فأجابهما إلى غير ذلك ورحل عنهما. فلما انقضى أجل المدة سلماها إليه، ووفى لهما بما وعدهما به من الأمان والإقطاع، وذلك في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.

فولاّهما ظهير الدين فخر الدولة كمشتكين التاجي لما أخذ منه بعلبك. فكان مقامه بقلعة صرخد ومملوكه التنتاش ببصرى، واستمرت ولايتهما إلى أن مات فخر الدولة كمشتكين " ليلة الأحد سابع من شهر ربيع

سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فصار التنتاش إلى " صرخد " فملكها واظهر مشاققة ظهير الدين طغتكين، فبعث معين الدين أنر إلى صرخد بعسكر، فالتقى بالفرنج ومعهم التنتاش فكسرهم، وعادوا مخذولين. وسار معين الدّين فنزل على الحصن في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين، وقاتلهما حتى أخذهما في المحرم سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.

ثم انفصل التنتاش عن الفرنج، وعاد إلى دمشق بغير تقرير حالٍ ولا أمان، وكان في أيام ولايته قبض على أخيه " خُطلخ " وكحله، وأخرجه من صرخد فأقام بدمشق. فلما وصل إلى دمشق حاكمه أخوه عند القاضي فقضى له عليه بالكاحل فكحله.

ولما فتح معين الدين " صرخد " و " بُصرى " سلّم " صرخد " للأميرمجاهد الدين بثزان بن مامين الكردي، وسلّم بصرى على حاجبه فارس الدّولة صُرخك. فأما صرخد فأقام بها مجاهد الدّين إلى أن توفي ليلة الجمعة ثاني صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.

ص: 70

وتسلمها ولده سيف الدين محمد. فلما ملك الملك العادل " نور الدين محمود " دمشق، أخذها منه بعد امتناع وحصار، وعوضه عنها حصن " بو قبيس "، وذلك في شوال من السنة.

وأما بصرى فاستمر فيها فارس الدولة إلى أن قتله فيها زوج ابنته ابن الحاجب حوله في المحرّم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، واستولى عليها.

فأخذها منه الملك العادل وأعطها وصرخد لغلامه صديق. وما زالا في يده إلى أن قتله ابن أخته في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، واستولى عليهما.

فاحتال عليه صلاح الدين وأخذهما منه لماّ ملك دمشق، وولّى فيهما من قبله، وما زالا في يده أن فرّق البلاد بين أولاده وأقاربه، فأعطى الشام لولده الملك الأفضل خلا " الكرك " فانه كان للملك العادل فدخل صرخد وبصرى فيما صار في حوزه، فأنعم على أخيه " الظافر " ببصرى. ولم تزل صرخد في يده مع غيرها إلى أن قصد أخوه الملك العزيز صاحب مصر وعمّه العادل، وأخذا منه دمشق في رجب سنة اثنتين وتسعين.

واستبد العادل بدمشق وأعمالها خلا " صرخد " فإنه أقرها في يده، وأخذ " بُصرى " من الملك الظافر.

ولم تزل " صرخد " في يد الأفضل إلى أن توفي الملك العزيز بمصر، وترك ولداً صغيراً جعله ولّي عهده ولقبه الملك المنصور، وأوصى للملك الأفضل بتدبيره وكفالته. فسار إلى مصر في المحرم سنة خمس وتسعين. ثم خرج منها في شعبان إلى دمشق، وحاصر الملك العادل فيها - كما حكيناه في أمراء دمشق - ثم عاد إلى مصر فسار الملك العادل، إليه، وأخرجه منها وعوّضه عنها " سُميْسَاط " وغيرها، مضافة إلى " صرخد ".

فلما وصل إلى الشام جمع غلمان أبيه ووعدهم وعوداً ضمن لهم الوفاء بها إن ساعدوه على أخذ دمشق. وعجّل من وعوده " صرخد " لزين الدين قراجا، وذلك في سنة سبع وتسعين فولّى فيها من قبله. ثم غدر بالأفضل، وصار إلى الملك العادل في سنة ثمان وتسعين.

وعجز الأفضل عن حصار دمشق، فصالح الملك العادل، وسار إلى حمص فأخرج زين الدين نساءه وحريمه من " صرخد ".

ولم تزال صرخد في يد قراجا إلى أن توفي سنة أربع وستمائة، وبقيت في يد أولاده إلى سنة إحدى عشرة فأخذها الملك المعظّم بمرسوم أبيه الملك العادل. وبقيت في يده مدة، ثم أنعم بها على غلامه عز الدين أيبك.

ولم تزل في يده إلى أن حاصر الملك الكامل دمشق وفيها الملك الناصر داود ابن الملك المعظم، وعز الدين أيبك. فلما لم يكن للملك الناصر طاقة به بذل له تسليمها على شروط قرّرها، منها: إبقاء صرخد على عز الدين أيبك، فأجابه إلى كل ما التمسه خلا عز الدين.

وألجأت الملك الناصر ضرورة إلى تسليم دمشق، فلما تسلّمها الملك الكامل خاف عز الدين واستجار بفخر الدين ابن الشيخ.

فلما ركب الملك الكامل في موكبه ركب عز الدين فيه، ولما عاد ونزل دار السعادة، دخل في جملة الأمراء. فلما وضع السماط وجلس الأمراء في مراتبهم، بقي عز الدين قائماً فالتفت الملك الكامل إلى فخر الدين، وأمره أن يأمر عزّ الدين بالجلوس إلى جانبه، فجلس محتشماً، فقال فخر الدين للملك الكامل: إن الأمير عز الدين يريد أن يأكل من الخافقية التي بين يدي السلطان، فرفعها بيده وناوله إيّاها، فقام وقبّل الأرض.

فلمّا فرغ السماط، وخرج الأمراء، وقام الملك الكامل، ودخل إلى الحجرة، وتقدّم إلى جوهر النوبيّ الخادم بأن لا يترك عز الدين يخرج، فاستشعر عزّ الدين القبض عليه، وأقام حتى خرج إليه ومعه ما كان على الملك الكامل من اللباس فألبسه إياه ثم أخذ بيده، وأدخله عليه، فقال له الملك الكامل:" يا عزّ الدين، ما أردت أن يكون للملك النَّاصر عليك منّة. أنا أحق بها منه ". وأمر له بعشرة آلاف دينار وألف قطعة قماش، وأذن له في المسير إلى " صرخد ". فلما خرج قدّم له مركوب السلطان الذي نزل عنه.

ص: 71