الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان الممهد أعطى لشروة حصن الهتاخ وكان مطلا على مستنزهات. وكان الأمير يخرج إليه أيام الربيع، فيقيم به أياما يتصيد ويتنزه ظاهره. فلما أن جاء الربيع جاءه شروة في الصيد والأكل والشرب. وحمل إليهم ابن فيلوس شيئا عظيما من الإقامة. فجلسوا يوما للشرب، فرتب ابن فيلوس على الباب جماعة من الجند، وأمرهم ألا يُمكِّنوا أحدا من الدخول إليهم، وأقبلوا على الأكل والشرب، والأمير متوفر على مسرّته، ويحلف على شروة بالجلوس، وهو يقبل الأرض ولا يفعل ويناوله القدح ويشرب بيسارة. وكلما سكر واحد من الجماعة من بني عم الأمير وأصحابه قد أخذه شروة وأخرجه كأنه يمضي به إلى منامه، فقبض عليه ويُريه أن هذا برأي الأمير، إلى أن لم يبق غير المغنين وثلاثة نفر وخادم على رأسه يسمى شرقا. فلما ظهر السكر في وجهه قال له شروة: إن رأى مولانا أن ينهض إلى منامه. فقال: قد بقي لي هذا القدح، أشربه أنا وأنت بحياتي عليك!! قال: السمع والطاعة، فشرباه. ثم انتقل الأمير إلى مجلس منامه وأذخ الخادم رجليه في حجزه يغمزها فقال ابن فيلوس لشروة: قد أمكنتك الفرصة وهذا وقتك!! فقال: والله ما تطاوعني نفسي على ذلك، فقال له: لابد من ذلك وإلا هلكنا جميعا. فقال شروة: أنا لا أفعل ولكن إذا أردت أنت فافعل. فدخل ابن فيلوس وبيده سيف مجرد فأحس به الأمير فقال: ما دخولك في هذا الوقت؟! فقال: دخلت إلى الخدمة فقال: اذهب ولا تعد فوقف موضعه، فوثب الأمير يطلب سيفه، وكان لا يفارقه فلم يجده، فقال: ياشروة! أين السيف؟ فوثب شروة وأخذ السيف وضرب به الأمير حلَّ عاتقه فقال: ياشروة عملتها عليَّ! واتبعت غرض ابن فيلوس ولاله لا أفلحت بعده!.
ثم قبضوا على الخادم وأيقظ شروة من يأمنه من الجند وأعلمهم بما جرى، واستحلف الخادم وأطلقه، وأطلق من الجماعة من وثق به، وسار في باقي ليلته إلى ميافارقين مجدا، فوصلها وقت السحر. وكان الحراس بها والحفّاظ لا يفتحون الباب إذا عاد الأمير في مثل ذلك الوقت حتى يعاينوا الخادم، فلما وصلوا صاحوا إليهم الخادم فنزلوا وفتحوا الباب ودخل شروة وابن فيلوس وبين أيديهما المشاعل والجند. فلما لم يروا الأمير مسكوا شروة وألقوه عن فرسه، فعاد عليهم ابن فيلوس وقتل منهم ثلاثة نفر، ودخل شروة وأصحابه وابن فيلوس البلد ونزلوا بقصر بني حمدان، وكان الممهد نازلا به، واستولى على الخزائن.
وسير من الغد سرية، فيها خمسمائة فارس، ليقبضوا على الأمير أبي نصر - أخي الأمير - بإسعرد. وكان لما قُتل الأمير أبو علي مع أخيه أبي منصور غائبا. فلما عاد وملك الممهد وبقي عنده مدة، فقال له يوما: يا أخي رأيت البارحة كأن القمر وقع في حجري. فقال له: هذه الرؤيا تدل على أنك تملك الملك فلا تُريني وجهك وأعطاه أسرد فتوجه إليها، ولم يرَ أخاه مدة حياته.
وكان أخوه إذا عوتب في أمره يقول: رأيت في منامي كأن الشمس سقطت في حجري، فوثب أخي فناهبني إياها وأخذها من حجري فمالي قُدرة على رؤيته.
وكانت الحنطة يومئذ يساوي الجريب عشرة دنانير، فقال الأمير أبو نصر: اللهم إن مُلكت الملك لأتصدقن كل يوم بجريب حنطة في الجامع.
وكانت ولاية الممهد أربع عشرة سنة، من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة إلى إحدى وأربعمائة.
ذكر ولاية نصر الدولة أبي نصر بن مروان
ولما سير شروة السرية لقبض الأمير أبي نصر بأسعرد نفذ فتسلم جميع الحصون بخاتم الأمير.
ونقذ سرية مع عبد الرحمن بن أبي الورد الدنبلي إلى أرزن، وكان بها رجل شيخ متقدم يسمى خواجا أبا القاسم. وكان أعجميا من إصبهان من مدن ولاية الأمير علي " و " الممهد. وكان ذا رأي وعقل وتدبير، فحضر عبد الرحمن عنده، وتحدث معه ومع أصحابه، فلم يقدر أن يسند منهم أحدا.
ثم إنهما خرجا إلى الصيد، فانفرد خواجا أبو القاسم فرأى رجلا مجدا، فلحقه وقال: ما وراءك؟!.
فقال: إن شروة قتل الأمير وملك ميافارقين وقد مسك الطرقات لئلا يشيع الخبر. وقد سير سرية لقبض الأمير أبي نصر وأنا ماض أعلمه بذلك.
فوجم خواجا من ذلك، وعاد إلى عبد الرحمن وخدعه إلى أن صعد القلعة، فندم عبد الرحمن على تمكينه من صعود القلعة.
وكان " خواجا شيخ العشائر ومدبرها قدر باد ولاء. وكان " مقدما في الأكراد، موسوما بالشجاعة، فحين حصل بالقلعة شق ثيابه وجمع الناس، ونفذ إلى الأمير أبي نصر فقال له: تعطي الحيل أعنتها إلى أرزن وتبادر بالسبق فوصل إليه من غدوه فأعلمه بالحال، وأقام بأرزن إلى أن عبرت خيل شروة في طلبه، فلما علموا أنه قد حصل في قلعة أرزن وأمن على نفسه، عادوا إلى شروة وأن خواجا اجتمع بالأمير وعرفه الحال، وأنه له وبين يديه. وأحضر خواجا أبا الأمير - مروان - وأمه من تربة الأمير أبي عليّ وتحدث معهم، وحلف بين أيديهم أنه لا يخالف أمره، وأحضر القاضي والشهود واستوثق منه بين أيديهم. فلما وثق منه خرج وجمع الأكراد والعشائر. ونادى بثأر الأمير أبي منصور فأطاعته العشائر بأسرها، وحلفوا ألا يعودوا دون قتل شروة ولا يطالبوه بعطاء إلى أن يملك البلاد. فسار في خلق عظيم وكبس الربض وقتل خلقا عظيما، وأخذ أموالا عظيمة لا تحصى كثرة، وانهزم عسكر شروة وغنموا ما كان معهم وقتلوا منهم خلقا وعادوا إلى أرزن.
وكان مقدم العساكر خواجا أبو القاسم، والأمير مقيم بأرزن فأطلق لهم جميع الغنيمة، وحكم لأبي القاسم في بيوت الأموال فأعطى الناس.
وخرج ثانية بنفسه وجميع العشائر وخواجا، ونزل على أربعة فراسخ من البلد، فأقام هناك. فندم شروة على ما كان منه " لأنه " كان قد أساء إلى جماعة من أهل البلد، فعاد أحسن إليهم. فأشار عليه ابن فيلوس بمكاتبة ملك الروم فنفذ إليه هدايا وتحفا، فسمع بذلك أهل البلد فكرهوه، ولعنوا شروة وابن فيلوس فكانا يسمعان لعنتهما.
ثم إن شروة جمع ما كان عنده من الأموال والجواهر في صناديق. وكان بينه وبين أبي طاهر بن دمنة محبة ومودة فنفذ إليه وقال له: إما أن تسير إلي وإما أن تنفذ لي ثقتك، فنفذ له حاجبه وصهره على ابنته القائد مرتج فسلم إليه تلك الأموال على سبيل الوديعة بعد ما أراه إياها قطعة قطعة، وكيسا كيسا، وزنا وعينا ووصفا، وحملت الأموال إلى آمد. وحلف له ابن دمنة وحلف شروة أيضا أنهما يكونان يدا واحدة
…
فمضى شروة إلى آمد واستوثق منه، وعاد إلى ميافارقين وثبت في قلوب الناس أن شروة معول على تسليم البلد إلى ملك الروم، والإيقاع بهم يوم الجمعة عند الصلاة.
" فلما كان يوم الجمعة حضر ابن فيلوس، ومعه خلق عظيم فلم يشك الناس، وكانوا وجلين من نوبة الأمير " أبي " علي ويوم العيد فثاروا عليه فانهزم منهم فطلبوه. فرموهم الكرج بالنشاب فقتل منهم جماعة وخرج شروة، وسكن الناس فقاتلوه فدخل القصر وفتح الخزاين وفرقها على الجند، وقاتل، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، وانهزم شروة وقتل ابن فيلوس وجر الصبيان جثته في أزقة المدينة ومثلوا به، ونجا شروة فتحصن ببرج الملك واستصرخ بمشايخ البلد فجاءوا إليه فاستأمنهم فأمنوه، وتوسطوا أمره مع الأمير أبي نصر فنزل إليهم واستحلفهم في دار رجل منهم كان مقدما مسموع الكلمة يسمى أبا الطيب محمد بن عبد المجيد ابن المحور، وهو جد أب شيخ الشيوخ أبي الحسن علي بن المحور، فاجتمعوا عليه مدة ثم اختلفوا، فنهاهم فلم ينتهوا، وهدموا القصر العتيق ونهبوا ما فيه واستولوا عليه، وكتبوا إلى الأمير أبي نصر أن يحضر إليهم فحضر وطالبهم بتسليم البلد وشروة فلم يفعلوا، وقالوا: فَدْ أمّنّاه على نفسه وماله.
ووقع الخلف بينهم فنهاهم الشيخ أبو الطيب بن المحور فلم يقبلوا، فأخرج نفسه من بينهم، وانفرد في داره وقال: لا أدخل فيما أنتم فيه، فقدموا رجلا آخر يُعرف بابي طاهر بن الحمامي، وكان ممن يُرجع إلى رأيه مدة، ثم رأى خُلفهم، فانعزل عنهم.
فرجعوا إلى شيخ منهم من مقدمي السوق، يسمى أحمد ابن وصيف البزاز، وكان من الشهود. وكان له صديق يعرف بابن " أبي " الريحان، وكان له أتباع فأحضره، واتفقا كلاهما، وشرعا في حفظ البلد، والنظر في أحوال الناس وقويت يده، واسترجع بعض ما نهب، وحصَّل مالا عظيما.
ثم إن الأمير أبا نصر أوقع بالناس القتال، وجدَّ في حصار وقطع الميرة، وضايق البلد مضايقة شديدة، فخاف ابن وصيف أن يستجيب العامة للأمير أبي نصر ويبقى هو العدو. فراسل الأمير أبا نصر يطلب أيمانه وأيمان خواجا أبي القاسم، وشرط لنفسه ما أراد، واستظهر بما أمكنه فأجيب إلى ذلك.
فلما وثق من الأمير جمع المشايخ إلى الجامع وقال لهم: إلى متى ما نحن فيه؟ قد خربت بيوتنا وأملاكنا، وبطلت مكاسبنا، وطال هذا الأمر، ومالنا من نستند إليه، وأمير فما يجيء منا، وقد انقلعنا في هوى من؟!. قالوا: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تُصلح أحوالنا ونكاتب الأمير وخواجا في هذا الأمر، ونخاطبه في شروة ونسأله العفو عنه. فإن فعل وإلا فيتلف نحن بأسرنا. فقالوا الأمر إليك. فاتفقوا.
فخرج منهم " جماعة " إلى الأمير فأكرمهم وكتب لهم الأمان على كل ما طلبوه، وأمّن شروة، ودخلوا البلد وباتوا وأصبحوا وفتحوا أبواب البلد بأسرها. ودخل الأمير أبو نصر وخواجة والعساكر ونزل الأمير في دار شروة لأن قصر الإمارة كان قد خرب ونزل إليه شروة من برج الملك.
وكان دخوله البلد آخر سنة إحدى وأربعمائة ونظر في أمور لناس. واستوزر خواجا أبا القاسم لا يصدر إلا عن رأيه. وطرد أقواما مفسدين من الجند، وهرب من خاف من الباقين.
وولى أبا الحسن " أحمد " بن وصيف ناحية طنزى وتل فافان، ونفذه إليها.
وبقي مدة ثم قبض على شروة ونفذه إلى الموضع الذي قُتل فيه الممهد وصلبه هناك وجماعة من المفسدين، وأخلى ميافارقين ممن كان يرى رأي شروة وممن طلب الفساد. " وحمل تابوت الأمير أبي منصور إلى أرزن إلى قبة الأمير أبي علي - وكان مروان قد عمي، وهو وزوجته مقيمان هناك - فدُفن عند أخيه في القبة. ولم يُعقب الممهد.
ولما قُتل شروة انهزم ابن وصيف من تل فافان وقصد بغداد وأقام بها.
" واستقر ملك الأمير أبي نصر ولُقب بنصر الدولة واستولى على جميع ديار بكر، وراسلته الملوك.
ونفذ ابنُ دمنة إليه صهره مرتج إلى ميافارقين ومعه هدايا وتُحف، وألطاف. ودخل تحت حكمه، على ما كان مع أخيه ممهد الدولة من الحطبة والسكة، وحمل ما جرت به العادة ".
" وأن نصر الدولة أراد أن يُعمر قصره يسكنه. فعزم على عمارة القصر العتيق فأشاروا عليه أن يعمر القلعة على رأس التل ويكون القصر فيها فعزم على ذلك. فأشار خواجا أبو القاسم أن يعمر القصر موضعه الآن، وأن يكون برج الملك تحت حكمك. ويكون من جملة القصر. فابتدأ في عمارته في سنة ثلاث وأربعمائة ". واسمه مكتوب على باب القصر الوسطاني.
" وبنى المنظرة العتيقة. وغرس بستان القصر وقيل: كان في موضعه بيعة، وكان بعض دار السيدة بيعة ونقل شاهدها إلى بيعة الملكية ".
" وساق الماء إلى القصر من رأس العين وعمل البرك والحمامين في القصر ". وعند فراغ القصر، وهو آخر سنة ثلاث وأربع مائة - قبل العيد الكبير بثلاثة أيام -.
ووصل خادم من خداع الخليفة القادر بالله ومعه حاجب من فخر الملك ابن بويه يسمى أبا الفرج محمد بن محمد بن مزيد. ووصلته الخلع، والمنشور بديار بكر جميعها، ولقب بنصر الدولة وعمادها ذي الصرامتين.
وكانت الخلعة سبع قطع: قباء، وفرجية، وعمامة سوداء معممة، وطوق، وسوارين ذهب مرصعة، وسيف محلى، وفرس بمركب ذهب والتوقيع بجميع ديار بكر وقلاعها وحصونها.
وليس الأمير الخلع. وقرئ المنشور بحضرة القاضي والشهود، وأكابر الناس.
وفي عشية ذلك اليوم وصل رسول خليفة مصر الإمام الظاهر لإعزاز دين الله - وكان ولي بعد أبيه الحاكم - وورد معه الخلع والتحف والهدايا. وخرج إلى لقائه كل من في الدولة ".
" فلما كان في اليوم الثالث، بكرة ورد رسول ملك الروم ومعه من النقود، والجنايب، والهدايا، ما لم يسر مثله ".
" وأصبح اليوم الرابع العيد، وجلس الأمير نصر الدولة على التخت. وحضر رسول الخليفة ورسول السلطان فجلسا عن يمين نصر الدولة ورسول خليفة مصر، ورسول ملك الروم فجلسا عن الشمال. وحضر جميع الناس، والأمراء، وقرئ المنشور، وكان يوما مشهودا، خلع فيه الأمير خلعا عظيمة ". وكان ذلك كله برأي خواجا - الوزير - ومشورته.
" وكبر شأن نصر الدولة وتقررت مملكته، وفعل الخير، وعدل في الناس ".
وكان قد تهدم من السور مواضع عديدة فبناها، ووقف على السور وقفا من ضياع وغيرها، وجعل يتصدق كل يوم بجريب حنطة إيفاء بنذره الأول في سنة ثمان وأربع مائة، ثم إنه أفكر وقال: ربما أشتغلُ في بعض الأوقات فلا أكون قد وفيت بنذري فأحضر الشيخ أبا محمد الحسن بن محمد بن عبيد بن المحور، وكانت الأوقاف تحت يده وقال له: تجلس في الديوان عند خواجا أبي القاسم وتفرد ضيعة يكون دخلها ثلاث مائة وستين جريبا حنطة، حتى أوقفها على الفقراء والمساكين، فوقع اختيارهم على قرية العطشا - غربي ميافارقين - فوقفها نصر الدولة على الفقراء والمساكين. فكان مغلُّها في كل سنة إلى صحن الجامع، ويتصدق به مدة ولايته، وهي باقية إلى الآن، فلعنة الله على من يصرفها لغير مستحقيها، وفي غير وجهها.
" وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة بني نصر الدولة البيمارستان من ماله، بتولي أبي سعيد الحارث بن بختيشوع " ووقف عليه الضياع، وأقام به المرضى.
وكان قد انهدم جامع الراضي فجدده وبنى منارته.
" وتزوج بنت فضلون بن منوجهر - صاحب أرمينية الكبير وأران جميعها - ورزق منها الأمير سعيد والأمير شاهان شاه - وهو الأكبر - والأمير أبا الحسن ".
" ثم تزوج السيدة بنت معتمد الدولة قرواش بن المقلد وبنى لها دار السيدة - إلى جانب القصر - ".
" ثم اشترى جارية كانت لرجل يعلمها الغناء يُّسمى الفرج فلما سمع بها بالغ في ثمنها، إلى أن اشتراها، فلما وصلت إليه اشتغل بها عن جميع نسائه. فخرجت الفضلونية إلى بيت أبيها على سبيل الزيارة، فلم ترجع، وبقي الأمير سعيد عند أبيه، وماتت هناك ".
" وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة وصل مُرتج من عند ابن دمنة من آمد، ومعه الحمل، والتحف والهدايا على العادة، وكان صهر ابن دمنة - على ابنته - فطلب من الأمير خلوة، فلما خلا به قال له: هل لك في آمد؟ قال: نعم فقال مرتج: تحلفُ لي على ما أريد؟ فاستحلفه على أملاك ابن دمنة وأمواله، وألا يقبل فيه قول أحد من الناس، فحلف واستوثق منه.
وكان مرتج قد حصل له آمد وأملاكا كثيرة، ومالا عظيما، وكان ابن دمنة يحسده على أملاكه، فخاف مرتج منه ثم عاد إلى آمد. واستحلف جماعة على ما أراد، فلما وثق منهم تقد إلى أربعة نفر معروفين بالشهامة، ذووا البأس، وأمرهم أن يصعدوا ويطلبوا من ابن دمنة استحقاقهم، وكان مرتج ليحجب عنه، فدخل، وأولئك الأربعة معه فطالبوه - وكان على سرير لطيف - ولم يكن عنده غير فرَّاش واحد، فأغلظ لهم في الكلام، فوثبوا عليه بالسكاكين فقتلوه، فصاح الفرَّاش بالناس، فازدحم الناس في باب القصر " فدخلوا " فوجدوا ابن دمنة يخور في دمه. فصاح " الفرَّاش ": الغلمان، ودخلوا إلى البيت الذي فيه بنت ابن دمنة، وقالوا " لها " إن زوجك قد قتل أباك، فخرج أولاد مرتج، واجتمع الناس فوثب الفرَّاش على مرتج فقتله، وفتح الخزانة، وأخذ جواهر لها " قيمة "، وفتح الباب، وخرج يطلب ميافارقين.
وزحفت أهل آمد إلى القصر فنهبوا ما فيه. وملك أولاد مرتج القصر والسور، ونفذوا في الحال أعلموا نصر الدولة. فركب لوقته، ومعه خواجا فلقيهم الفرّاش في الطريق فأخبره بالحال. فأخذ نصر الدولة ما كان معه من الجواهر، وعرَّفه أين هو مال ابن دمنة، ومن أخذه، وأين ودائعه، فسار إلى آمد فملكها وعاد إلى ميافارقين ".
" وفي شعبان منها توفي خواجا أبو القاسم - الوزير - وقيل: في رمضان، فوجد عليه وجدا عظيما ".
وكان الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي قد وصل إلى ميافارقين، " فاستوزره، ورد الأمور كلها إليه. وكان رجلا عاقلا فاضلا. قيل: إنه لم يزر لملك ولا لخليفة أكفأ منه رجلا، وسار بالناس سيرة حسنة.
وبنى نصر الدولة النصرية أحسن بناء وبنى جسر الحسينية الذي على تل بنان وبنى بالنصرية قصرا حسنا على شاطئ الشط وعمل له بابا من الصفر، وهو الآن بجامع ميافارقين وعمل دولابا على شط ساتيدما.
وبنى كلٌ من بني عمه وأولاده دورا، وغرسوا بها البساتين، وأقام الأسواق، وبنى الحمامات، وحصلت ميافارقين على أحسن ما يكون من العمارة.
وقصد سليمان بن فهد.
و" قصده " الملك العزيز بن بويه وحمل الحبل الياقوت الأحمر، وكان وزنه سبعة مثاقيل ومصحفا بخط أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقال له: قد حملت لك الدنيا والآخرة. فأجازه بعشرة آلاف دينار.