الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع ذلك أيضا واعترض صفي الدين الهندي على الاستدلال بقوله أحل لكم الطيبات بأنه لا يفيد العموم لأنه يجوز أن يكون للعهد وهو ما أحل في الشرع مما يستطاب طبعا وحينئذ لا يحمل على العموم لتقدم العهد عليه ولك أن تقول يلزم مما قررت أن يكون قوله أحل خبر إلا إنشاء والحمل على الإنشاء أولى لكونه أكثر فائدة على أنا لا نسلم أن ما أحل في الشرع يجوز أن يكون معهودا هنا لأنه لم يتقدم له ذكر في الكلام ولا تعلق بحال الخطاب والمعهود ليس إلا ما كان كذلك وأما الاستدلال بقوله قل من حرم زينة الله فهو مبني على أن المفرد المضاف يفيد العموم فإن قلت لا نسلمه ولو سلمناه فالدليل خاص بالزينة والدعوة عامة
قلت أما الأول فمبين في موضعه وأما الثاني فإذا دل على الزينة دل على ما لا زينة فيه من المنافع ضرورة أنه لا قائل بالفصل كما علمت نعم لقائل أن يقول الآية دالة على عدم الحرمة ولا يلزم من ذلك الإباحه إلا أن يستدل مع ذلك باللام في قوله أخرج لعباده من حيث أنها للإختصاص النافع على ما سلف
"فائدة" قد علمت قول الجماهير أن الأصل في المنافع الإباحة ولك أن تقول الأموال من جملة المنافع والظاهر أن الأصل فيها التحريم لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماؤكم وأموالكم" الحديث وهو أخص من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة فيكون فاضيا عليها إلا أنه أصل طارئ على أصل سابق فإن المال من حيث كونه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة ومن خصوصية الأصل فيه التحريم بهذا الحديث
قال "الثاني
الاستصحاب
حجة خلافا للحنفية والمتكلمين"
"ش" الاستصحاب يطلق على أوجه أحدهما استصحاب العدم الأصلي وهو الذي عرف العقل نفيه بالبقاء على العدم الأصلي كنفي وجوب الصلاة سادسة وصوم شوال فالعقل يدل على انتفاء وجوب ذلك لا لتصريح الشارع لكن لأنه لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي لعدم ورود السمع به والجمهور على العمل بهذا وادعى بعضهم فيه الاتفاق فإن قلت قصارى دلالة الاستصحاب الظن وعدم وجوب
الصلاة السادسة وصوم شوال قطعي فكيف يستفاد من الاستصحاب قلت عدم السمعي الناقل قد يكون معلوما كما في هذين المثالين ويدل الاستصحاب فيه على القطع وقد يكون مظنونا كعدم وجوب الوتر والأضحية وزكاة الخيل والحلي
والثاني استصحاب العموم إلى أن يرد مخصص وهو دليل عند القائلين به واستصحاب النص إلى أن يرد ناسخ وهو دليل على دوام الحكم ما لم يرد النسخ كما دل العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع متغير
الثالث استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان فعل الملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو إلزام فإن هذا وإن لم يكن حكما أصليا فهو شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ولولا دلالات الشرع على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه فالاستصحاب ليس بحجة إلا مما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دل على البراءة العقلية وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي
ومن هذا القبيل الحكم بتكرر الأحكام عند تكرار أسبابها كشهور رمضان ونفقات الأقارب عند مسيس الحاجات وأوقات الصلوات لأنه لما عرف حملة الشريعة قصد الشارع صلوات الله عليه إلى نصبها أسبابا وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في الطلب
والرابع استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف مثاله من قال إن المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة لأن الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها وطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع الفجر وسائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصلاة حتى يدل الدليل على أن رؤية الماء قاطعة فهذا ليس بحجة عند كافة المحققين وذهب الصيرفي والمزني وأبو ثور إلى صحته وهو مذهب داود قال الشيخ أبو إسحاق وكان القاضي يعني أبا الطيب
يقول داود لا يقول بالقياس الصحيح وهنا يقول بقياس فاسد لأنه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علة جامعة وللخصم في هذا أن يقول أجمعنا على أن رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة مبطلة فكذا بعد الدخول استصحابا لحال وكذا إذا كان الكلام في زوال ملك المرتد بالردة ويؤدي ذلك إلى تكافؤ الأدلة وهذه الأقسام الأربعة وردها الغزالي كما ذكرناها
والخامس الاستصحاب المقلوب وهو استصحاب الحال في الماضي كما إذا وقع البحث في أن هذا المكيال مثلا هل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول القائل نعم إذ الأصل موافقة الماضي للحال وكما رأيت زيدا جالسا في مكان وشككت هل كان جالسا فيه أمس فيقضي بأنه كان جالسا فيه أمس استصحابا مقلوبا وأعلم أن الطريق في إثبات الحكم به يعود إلى الاستصحاب المعروف وذلك لأنه لا طريق له إلا قولك لو لم يكن جالسا أمس لكان الاستصحاب يفضي بأنه غير جالس الآن فدل على أنه كان جالسا أمس
وقد قال به الأصحاب في صورة واحدة وهي ما إذا اشترى شيئا وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة فإن أطبق عليه الأصحاب ثبوت الرجوع له على البائع بل لو باع المشتري أو وهب وانتزع المال من المتهب أو المشتري منه كان للمشتري الأول الرجوع أيضا وهذا استصحاب للحال في الماضي فإن قيل السنة لا توجب الملك ولكنها تظهره فيجب أن يكون الملك سابقا على إقامتها ويقدر له لحظة لطيفة ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي ولكنهم استصحبوا مقلوبا وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحابا للحال وقال الأصحاب فيما إذا وجدنا ركازا مدفونا في الأرض ولم يعرف هل هو من دفين الجاهلية أو الإسلام فالمنقول عن نصه أنه ليس بركاز وفيه وجه أنه ركاز لأن الموضع يشهد له وعلى هذا الوجه استصبحنا مقلوبا لأنه استدللنا بوجه أنه في الإسلام على أنه كان موجودا قبل ذلك
وإذا عرفت هذه الأقسام فنقول اختلف الناس في استصحاب الحال المشار إليه في القسم الثاني والثالث وكذا الأول إن لم نجعله محل وفاق على مذاهب بعد اتفاقهم على أنه لا بد من استفراغ الجهد في طلب الدليل وعدم وجدانه
أحدها أنه حجة وبه قال الأكثرون وهو مختار الإمام وأتباعه منهم المصنف
والثاني أن ليس بحجة وبه قال الحنفية كما نقله في الكتاب تعبا لغيره وكثير من المتكلمين والثالث ما اختاره القاضي أبو بكر في كتابه التقريب والإرشاد أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى فإن لم يكلف إلا أقصى الطلب الداخل في مقدوره على العادة فإذا فعل ذلك ولم يجد دليلا أخذ بنفي الوجوب ولا يسمع منه إذا انتصب مسؤولا في مجالس المناظرة فإن المجتهدين إذا تناظرا وتذاكرا طرق الاجتهاد فما يفي المجيب قوله لم أجد دليلا على الوجوب وهل هو في ذلك إلا مدع فلا يسقط عنه عهدة الطلبة بالدلالة وهذا التفصيل عندنا حق متقبل والرابع وهو المعمول به عند الحنفية كما صرح به أصحابهم في كتبهم أنه لا يصلح حجة على الغير ولكن يصلح لإبداء العذر والدفع ولذلك قالوا حياة المفقود باستصحاب الحال تصلح حجة لإبقاء ملكه لا في إثبات الملك له في مال مورثه والخامس أنه يصلح للترجيح فقط
قال "لنا أن ما ثبت ولم يظهر زواله ظن بقاؤه ولولا ذلك لما تقررت المعجزة لتوقفها على استمرار العادة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عهده عليه السلام لجواز النسخ ولكان الشك في الطلاق كالشك في النكاح ولأن الباقي يستقي عن سبب أو شرط جديد بل يكفيه دوامها دون الحادث ويقل عدمه لصدق عدم الحادث على ما لا نهاية له فيكون دوامها راجحا" ش استدل على حجية الاستصحاب بأوجه
أحدها أن ما علم حصوله في الزمان الأول ولم يظهر زواله ظن بقاؤه في الزمن الثاني ضرورة وحينئذ فيجب العمل به على علم من وجوب العمل بالظن
الثاني أنه لو لم يكن حجة لما تقررت المعجزة لأنها فعل خارق للعوائد ولا يحصل هذا الفعل إلا عند تقرير العادة ولا معنى للعادة إلا العلم بوقعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد أنه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه وهذا عين الاستصحاب
الثالث أنه لو لم يكن حجة لم تكن الأحكام الثابتة في عهد النبي ثابتة في زماننا وتلازم باطل فكذا الملزوم وجه الملزمة أن دليل ثبوت الأحكام في زماننا هو اعتقاد استمرارها على ما كانت عليه وهذا هو الاستصحاب فإذا لم تكن حجة لم يمكن الحكم بثبوتها لجواز تطرق النسخ
الرابع لو لم تكن حجة لتساوي الشك في الطلاق والشاك في النكاح لاشتراكهما في عدم حصول الظن بما مضى وهو باطل اتفاقا إذ يباح للشاك في الطلاق دون الشاك في النكاح ولك أن تجعل هذه الأوجه الأربعة وجها واحدا في الدليل فنقول ما ثبت ولم يظهر زواله ظن بقاؤه لما تقررت المعجزة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عهده عليه السلام ولتساوي الشك في الطلاق والنكاح وعلى ذلك جرى العبري في شرحه وكلام المصنف محتمل للأمرين فارن قوله ولولا ذلك يحتمل أن يريد ولولا حجة الاستصحاب وأن يريد ولولا ظن البقاء
الخامس أن الباقي لا يفتقر إلى سبب جديد وشرط جديد بل يكفيه دوام السبت والشرط أي لا يحتاج إلى مؤثر والحادث مفتقر إلى هذين فيكون الباقي راجحا في الوجود على الحادث والعمل بالراجح واجب فيجب العمل بالاستصحاب لا استلزامه العمل بالباقي وإنما قلنا إن الباقي مستغن عن المؤثر لأنه لو افتقر إليه فإما أن يصدر منه والحالة هذه أثر أو لا وهذا الثاني محال لأن فرض مؤثر مفتقر إليه مع أنه لم يصدر منه أثر البتة جمع بين النقضين الأول إن كان أثره عين ما كان حاصلا قبله فيلزم تحصيل الحاصل وإن كان غيره فيقتضي أن يكون الأثر الصادر عنه حادثا لا باقيا والفرض خلافه ولما كان افتقار الباقي إلى المؤثر يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلا وأما كون الحادث مفتقرا إليه فمتفق عليه بين العقلاء هذا تقرير الدليل المذكور وعليه من الاعتراضات والأجوبة عنها ما لا يحتمل هذا الشرح ذكره قوله ويقل عدمه هذا يصلح أن يكون دليلا سادسا وأن يكون دليلا على أن الباقي راجح في الوجود على الحادث وتقريره أن عدم الباقي أقل من عدم الحادث