الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لكونه على وفق الدليل المقتضى لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين وهذا هو الصحيح عندي وقولهم الأصل عدم القيد لا يصح مع ثبوت وجوده فإن الأصل بعد ثبوت وجوده إنما هو بقاؤه ومنهم من سوى بينهما وتجري هذه الأقوال في تعارض الخبر المثبت والنافي في خبر الطلاق والعتاق أيضا كخبر بلال دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه وخبر أسامة لم يصل فيه
ونقل إمام الحرمين هنا عن جمهور الفقهاء ترجيح الإثبات ثم قال وهو يحتاج إلى من يدل تفصيل عندنا فإن كان الذي ينقله الناقل إثبات لفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتضاه النفي فلا يرجح عن ذلك اللفظ المتضمن للإثبات لأن كل واحد من الراويين مثبت فيما ينقله ومثاله أن ينقل أحد الراويين أنه أباح شيئا وينقل الآخر أنه قال لا يحل وأما إذا نقل أحدهما قولا أو فعلا ونقل الآخر أنه لم يقله ولم يفعله فلإثبات مقدم لأن الغفلة تتطرق إلى المصغي المستمع وإن كان محدثا والذهول عن بعض ما يجري أقرب من تخيل شيء لم يجر له ذكر وهذا التفصيل حق ولا يتجه معه خلاف في الحالتين بل ينبغي حمل كلام القائل بالاستواء على الحالة الأولى
والقائل بتقديم الإثبات على الثانية ولا يجعل في المسألة خلاف نعم قد يقال في الحالة الثانية بعدم ترجيح الإثبات إذا كان النفي محصورا كخبر أسامة فإن قوله لم يصل نفي محصور في وقت يمكن نفي الفعل فيه فهذا له احتمال الخامس ترجيح الخبر النافي للحد على الموجب له خلافا لقوم واستدل عليه المصنف بأن الحد مدرء بقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرؤا الحدود بالشبهات" وهذا الحديث لا يعرف بهذا اللفظ إلا في مسند أبي حنيفة لأبي محمد البخاري وروى الترمذي: "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم1" ثم صحح أنه موقوف ووجه
1 روي هذا الحديث من عدة طرق باللفظ الأول ابن عدي من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما كما رواه الترمذي والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها – دون قوله "الشبهات" ولفظه كما في جامع الترمذي 4/33: "أدرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له فخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" ورواية السيوطي في الجامع الصغي 1/14 "ادرؤا الحدود بالشبهات وأقيلو الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالي" رواه ابن عدي في جزء له من حديث ابن عباس وروي صدره أبو مسلم الكجي وابن السمعان في الذيل عن عمر بن عبد العزيز مرسلا ومسدد في سنده عن ابن مسعود موقوفا
الحجة أن الخبر المعارض لوجوب الحد أقل درجاته أنه يكون شبهة والشبهة تدرأ الحد للحديث "فائدة" الخلاف في أنه هل يرجح النافي للحد جر في أنه هل يرجح النافي للحد جر في أنه هل يرجح العلة المثبتة للعتق على النافية له لتشوق الشارع إلى العتق ذكره ابن السمعاني
قال "السابع
بعمل أكثر السلف
"
"ش" الترجيح بالأمر الخارجي على وجوه اقتصر منها في الكتاب على عمل أكثر السلف فالمختار ترجيح أحد الخبرين بعمل أكثر السلف به لأن الأكثر يوفق له الأقل وهذا ما جزم به المصنف ومنع قوم من حصول للترجيح به لأنه لا حجة في قول الأكثر ومن فروع المسألة التقديم بعمل الشيخين ولذلك قدمنا رواية من روى في تكبيرات العيدين سبعا وخمسا على رواية من روى أربعا كأربع الجنائز لأن الأول قد عمل به أبو بكر وعمر وقد بقيت مرجحات أخر في كل قسم من الأقسام السبعة أهملهما المصنف فتابعناه في ذلك لأن الخطب فيها يسير وهل المدار إلا على زيادة ظن بطريق من الطرق وقد انتحت أبوابها بما ذكرناه فلا يحتاج الفطن من بعده إلى مزيد تطويل ففيما ذكرناه إرشاد عظيم لما نذكره
في تراجيح الأقيسة
بحسب العلة
…
قال "الباب الرابع في تراجيح الأقيسة
وهي بوجوه الأول بحسب العلة
فترجح المظنة ثم الحكمة ثم الوصف الإضافي ثم العدمي ثم الحكم الشرعي والبسيط والوجودي للوجودي والعدمي للعدمي"
"ش" قال إمام الحرمين رحمه الله هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب وفيه تنافس القياسيين وفيه اتساع الاجتهاد واعلم أن ترجيح الأقيسة بوجوه
الأول:بحسب العلة وهو مفرع على جواز التعليل بكل واحد من الأوصاف التي نذكرها وذلك خمسة أمور أولها يرجح القياس المعلل بالوصف
الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع بين القياسين على صحة التعليل بالمظنة ومن أمثلته ترجيح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة
وثانيها: يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي لأن العدم لا يكون علة إلا إذا علم اشتماله على الحكمة فإذا كانت العلة الحكمة لا ذلك العدم كان التعليل بها أولى فإن قلت قضية هذا أن يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف الحقيقي قلت نعم ولكن التعليل الحقيقي راجح من جهة كونه منضبطا ولذلك الاتفاق عليه قوله ثم الوصف الإضافي اعلم أن هذا ساقط في بعض النسخ ولإسقاطه وجه وجيه لدخوله تحت العدمي إذ الإضافات من الأمور العدمية وقد قررنا أن التعليل بها مرجوح ولإثباته وجه من جهة أنه مختلف في كونه وجوديا ومثال تعارض التعليل بالحكمة والوصف الإضافي أن يقول القائل في النكاح بلا ولي ناقضة بالأنوثة فلا ينفذ منها عقد النكاح كالصغيرة فيكون أولى منه أن يقول قلة العقل والدين مع فرط الشهوة حكمة تقتضي أن تسلب الولاية فإن هذا التعليل بالحكمة وذاك بالنقصان وهو أمر إضافي
وثالثها: وإن شئت قلت رابعها على صحة إحدى النسختين يرجع القياس المعلل حكما بالوصف العدمي على المعلل حكمه بالحكم الشرعي لأن التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبا للحكم والحكم الشرعي لا يكون علة إلا بمعنى الأمارة والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة وهذا ما اختاره المصنف وصاحب التحصيل وصفي الدين الهندي والإمام ذكر في المسألة احتمالين ولم يرجح شيئا أحدهما هذا والثاني عكسه قال لأن الحكم الشرعي أشبه بالموجود فإن قلت لا نسلم ذلك وهذا لأن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية بدليل أنه يجوز لها ولغيرها بحسب الأشخاص والأزمان والأمان والأمور الاعتبارية أمور عدمية قلت لما كان الحكم هو الخطاب المتعلق ولا شك أن الكلام أمر وجودي سقط هذا
ورابعها: يرجح المعلل بالحكم الشرعي على المعلل حكمه بغيره ما عدا
الأقسام المذكورة كالوصف التقديري مثلا لكون التقديري على خلاف الأصل
وخامسها: المعلل بالبسيطة مرجح على المعلل بالمركبة وهذا هو الذي جزم به المصنف وهو رأي المتأخرين وعليه الجدليون وعلل بأمر أحدهما أن البسيطة تكثر فروعها فوائدها والآخر أن الاجتهاد يقل فيها وإذا قل الاجتهاد قل الحظر له وقال بعضهم بترجيح المركبة وقيل هما سواء قال القاضي في التلخيص لإمام الحرمين ولعله الصحيح وقد اعترض إمام الحرمين على ما اعتل به الأولون بأنه لا ترجيح بكثرة الفروع ثم إنه رب علة ذات وصف لا يلزم فروعها وربما كانت قاصرة وأما ترجيح البسيطة بقلة الاجتهاد فقول ركيك إذ النظر في الأدلة وترجيح بعضها على بعض لا يتلقى من جهة الحظر قال والذي يحقق هذا أن صاحب العلة ذات الوصف الواحد إذا لم يناظر في ذات الوصفين فاجتهاده قاصر وهو على رتبة المقلدين أو المقتصرين على طرف من الاجتهاد وإن نظر في ذات الوصفين ولم ير التعلق بهما فقد كثر اجتهاده وتعرض للغرور ولكن أدى اجتهاده إلى النفي وإن رأى ذات الوصف صحيحة فذات الوصفين عنده عديمة التأثير في أحد وصفيها وكل ذلك بعد نهاية الاجتهاد فسقط الركون إلى قلة الاجتهاد وتبين أن اقتحام النظر حتم على من يجتهد ومن أمن أمثلة الفصل قول الشافعي في الجديد العلة الطعم في الأشياء الأربعة مع ضمه في القديم التقدير إلى الطعم
وسادسها: يرجح القياس الذي يكون فيه الوصف وجوديا والحكم وجوديا على ما إذا كان أحدهما عديما أو كانا عدميين ويرجح تعليل العدمي بالعدمي على ما إذا كان أحدهما وجوديا هذا حاصل ما في الكتاب فقوله والوجودي للوجودي أي ويرجح الوصف الوجودي لتعليل الحكم الوجودي على الأقسام الثلاثة وقوله ثم العدمي للعدمي أي يرجح على القسمين الباقيين ومما ينبه عليه المعتني بلفظ الكتاب أن المصنف إنما أتى بالواو في قوله والبسيط لكونه شروعا في ترجيح الأقيسة باعتبار آخر ونختم الفصل بقوله ما اقتضاه كلام المصنف من ترجيح التعليل بالعدمي للعدمي على التعليل بالوجودي للعدمي وعكسه هو ما صرح به الإمام معتلا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي للعدمي
وعندنا في هذه وقفة فإن مخالفة الأصل فيه أكثر من القسمين الباقيين فكان يجب أن يقضي عليه بالمرجوحية بالنسبة إليهما وإنما قلنا إن مخالفة الأصل فيه أكثر لأن العلية والمعلولية وصفان وجوديان ولا يمكن حملهما على المعدوم إلا إذا قدر موجودا وهو خلاف الأصل وزيادة المناسبة والمشابهة لا تصلح مقاومة لمخالفة الأصل بل لقائل أن يقول إذا كانت العلية والمعلولية صفتين وجوديتين كما صرح به الإمام هنا فيستحيل قيامهما بالمعدومين فإن لم يقتض ذلك منع هذا القسم فلا أقل من اقتضائه المرجوحية
ومما يلتحق بأذيال ما قررناه الترجيح بين العدمي بالوجودي وعكسه وقد سكت عنه المصنف لتوقف الإمام فيه ونحن نقول هو أولى من عكسه لأن المحذور في عكسه أشد لحصوله في أشرف الجهتين وهو العلية
مثال الوجوديين مع العدميين قولنا الخلع طلاق لأنه فرقة ينحصر ملكها في الزوج فيكون طلاقا كما لو قال أنت طالق على ألف مع قول القديم هو فسخ لأنه لا رجعة فيه فلا يكون طلاقا كالرضاع ومثال العدميين مع الوصف في العدمي والحكم الوجودي قولنا المرأة لا تلي القضاء فلا تلي النكاح قياسا على المجنون مع قولهم لا تمنع من التصرف في المال فتتصرف في النكاح قياسا على العاقل ومثال العدميين مع الوصف الوجودي والحكم العدمي أن يقال في عتق الراهن تصرف صادف الملك فلا يلغى كما لو كان غير راهن فيقال لم يتصرف فيه وهو مطلق التصرف فيه فلا يعتبر كما لو أعتقه غير المالك ومثال الوصف العدمي والحكم الوجودي مع عكسه أن يقال في عتق الراهن ليس تصرفا من غير مالك فيكون معتبرا فيقال تصرف يبطل حق الغير وهو المرتهن فلا يعتبر
قال "الثاني
بحسب دليل العلية
فيرجح الثابت بالنص القاطع ثم الظاهر اللام ثم إن والباء ثم بالمناسبة الضرورية الدينية ثم الدنيوية ثم التي في حيز الحاجة الأقرب اعتبارا فالأقرب ثم الدوران في محل ثم في محلين ثم السير ثم الشبه ثم الإيماء ثم الطرد"
"ش" الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم على أقسام
الأول: يرجح القياس الذي يثبت عليه الوصف لحكم أصله بالنص القاطع على ما لم يثبت بالقاطع لأنه لا يحتمل فيه عدم العلية بخلاف ما ليس بقاطع
الثاني: يرجح ما ثبتت علية الوصف فيه بالظاهر على ما لم يثبت بالظاهر من سائر الأدلة سوى النص القاطع والألفاظ الظاهرة في إفادة العلية ثلاثة اللام وإن والباء وأقواها اللام لأنها أظهر في العلية من أن والباء وقد اقتضت عبارة الكتاب مساواة أن للباء والإمام تردد في أيهما يقدم واختار صفي الدين الهندي تقديم الباء لكونها أظهر في التعليل بالاستقراء
الثالث: يرجح ما ثبت علية الوصف فيه بالمناسبة على ما عداها من الدوران وأشباهه لقوة دلالة المناسبة واستقلالها في إفادة العلية ويرجح من المناسبة من هو واقع في محل الضرورة على ما وقع في محل الحاجة وهو المصلحي أو التتمة وهو التحسيني كما تقدم شرح ذلك في كتاب القياس وترجح الضرورية الدينية على الضرورة الدنيوية لأن ثمرتها السعادة الأخروية التي هي انجح المطالب وأروح المكاسب فإن قلت بل ينبغي العكس لأن حق الآدمي مبنى على الشح والمضايقة وحق الله تعالى مبنى على المسامحة والمساهلة
ولهذا كان حق الآدمي مقدما على حق الله تعالى لما ازدحم الحقان في محل واحد وتعذر استيفاؤهما منه كما يقدم القصاص على القتل في الردة والقطع في السرقة كذا الدين على زكاتي المال والفطر في أحد الأقوال قلت الذي نختاره تقديم حق الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الخثعمية: "فدين الله أحق بالقضاء1" وفي المسائل التي ازدحم فيها الحقان كثرة والرأي الأصح تقديم الحج والعمرة والزكاة فسقط السؤال بالنسبة إلى الصور الثلاث وأما القتل والقطع فإن المقصود من الشرع إزالة مفسدة الردة ولا غرض له في القتل بل لما كان وسيلة إلى إزالة تلك المفسدة شرع فلما اجتمع مع حقي الآدمي ولم
1 رواه البخاري أنظر سبل السلام 2/182
يتعارض القصدان إذ ليس غرض الآمدي سوى التشفي بالاقتصاص سلمناه إلى ولي الدم ليستوفي منه فيحصل القصدان في ضمن ذلك فلم يتقدم حق الآدمي وكذلك القول في القطع فتأمل هذا
ومن المسائل اجتماع الكفارات مع حق الآدمي وقد أجرى الأصحاب فيها أقوال الزكاة والأصح تقديم حق الله تعالى قوله الأقرب اعتبارا فالأقرب أي يرجح من ذلك ما هو أقرب اعتبارا في الشرع من صاحبه فيرجح ما ثبت اعتبار نوع وصفه في نوع الحكم على المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم أو المعتبر جنس وصفه في نوع الحكم وهما مرجحان على المعتبر جنس وصفه في جنس الحكم وما المرجح منهما قال الإمام هما كالمتعارضين وقال صفي الدين الهندي الأظهر تقديم المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم على عكسه وهو كما ذكر لحصول الخصوصية وقلة الإيهام في أشرف الجهتين وهي العلية
الرابع: يرجح القياس الذي تثبت علية وصفه بالدوران على الثابت بالسير وما بعده لاجتماع الإطراد والانعكاس في العلية المستفادة من الدوران دون غيره بل قد قدمه بعضهم على المناسبة محتجا بأن المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية وهذا ضعيف فإن سبيل العلل الشرعية سبيل الإمارات والعقلية عند القائل بها موجبة فلا يمكن اعتبار تلك بهذه قال القاضي أبو بكر في التلخيص وباختصار إمام الحرمين في الكلام على البسيطة والمركبة مضاهاة العلل العقلية لا أصل له فإن السمعية لا تضاهي العقلية أبدا فتدبر ذلك ثم القياس الثابت عليته بالدوران الحاصل في محل واحد مرجح على الثابت عليته بالدوران الحاصل في محلين لقلة احتمال الخطأ في الأول لأنه يفيد القطع بعدم علية ما عدا الدوران بخلاف الدوران في محلين فإنه لا يفيد ذلك فإنا لما رأينا أن العصير لما لم يكن مسكرا لم يكن محرما ثم صار محرما بالإسكار وانعدم بعدمه حصلنا على قطع بأن ما عدا المسكرية من الصفات الثابتة في الأحوال الثلاثة ليس بعلة للحرمة وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم أما الدوران في محلين فليس كذلك ألا ترى أن الحنفي إذا قال في مسألة الحلى كونه ذهبا موجب للزكاة لأن التبر لما كان ذهبا وجب فيه الزكاة
وثياب البذلة لما لم يكن ذهبا لم يجب فيها الزكاة لم يكن القطع بأن ما عدا كونه ذهبا ليس علة لوجوب الزكاة لاحتمال أن يكون المجموع المركب من كونه ذهبا وكونه غير معد للاستعمال هو العلة هكذا قرروه ولك أن تقول لا نسلم أن الدوران الحاصل في محل واحد يقبل القطع بعدم علية ما عد الدوران كما تقرر في موضعه وإنما قصراه على الرأي المختار إفادة الظن نعم الظن الحاصل فيه أقوى من الحاصل في محلين وقوة الظن كافية في الترجيح
الخامس: يرجح القياس الذي يثبت علية وصفه بالسير على الثابت بالشبه وما بعده واستدلوا عليه بأنه أقوى في إفادة الظن ومنهم من قدمه على المناسبة لإعادة ظن العلية ونفي المعارض بخلاف المناسبة فإنها لا تدل على نفي المعارض واختاره الامدي وابن الحاجب ويلزم منه تقديمه على الدوران أيضا عند من يقدم الدوران على المناسبة ثم محل الخلاف في غير المقطوع به متعين وليس من قبيل الترجيح لما علم أن تقديم المقطوع على المظنون ليس من الترجيح في شيء وإنما النزاع في السير المظنون في كل مقدماته
وأما ما اشتملت مقدماته على القطعي والظني فذلك مختلف باختلاف القطع والظن فإن كان الظن الحاصل من السير الذي بعض مقدماته قطعي أكثر من الظن الحاصل بالمناسبة فهو أولى وإلا فهما متساويان والمناسبة أولى ومن أمثلة السبر مع الشبه قول الحنفي في الدليل على أنه إذا أفلس المحال عليه فللمحتال الرجوع على المحيل عجز عن الرجوع مع بقاء عينه فليرجع لمشابهة البائع من المفلس فنقول الحوالة وصف فإما أن لا تقتضي شيئا أو تقتضي شيئا وبطلان الأول ظاهر فيثبت الثاني وحينئذ فذلك الشيء إما أن يكون هو تحول الحق عن المحيل أولا والثاني باطل وإلا لزم أن يدوم له المطالبة كما في الضمان فثبت الأول ووجب أن تبرأ ذمته ولا يعود إليه كما لو أبرأه
السادس: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء والطرد كذا ذكره المصنف فإما تقديمه على الطرد فظاهر أن لا يمتري الطاردون في ضعف الظن الحاصل منه وأما على الثابت بالإيماء فهو بحث ذكره الإمام بعد أن حكى اتفاق الجمهور على أن ما ظهرت عليته بالإيماء راجع على ما ظهرت عليته
بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر ووجهه بأن الإيماء لما لم يوجد فيه لفظ يدل على العقلية فلا بد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ ولما بحثنا لم نجد شيئا يدل على عليته إلا أحد أمور ثلاثة المناسبة والدوران والسبر على ما تقدم في الإيماء وإذا ثبت أن الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق كانت هي الأصل والأصل أقوى من الفرع فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات
وهذه لا يقتضي ترجيح دلالة الشبه على الإيماء إلا إذا ساوى الشبه الأمور الثلاثة أو كان أقوى منها وهو خلاف ما رتبه في الكتاب ثم أنه مدخول من وجهين أحدهما أن ما ذكره هو من الدليل وهو استقباح أكرم الجاهل وأهن العالم على أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية دليل غير هذه الثلاثة فلم يلزم افتقار دلالة الإيماء إلى أحد الطرق الثلاثة فلا يلزم كون الطرق العقلية أصلا لها فلا يلزم رجحان الطرق العقلية عليها وثانيهما أنه اختار عدم اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه ولم يشترط فيه الدوران والسير وفاقا فجاز وجدان عليته بدون هذه الأمور الثلاثة ومما نذنبه على هذا الموضع أن القاضي أبا بكر مع قوله ببطلان قياس الأشباه قال هنا الأظهر أنه يجوز الترجيح به وإن لم يجز التمسك به ابتداء وقد حكينا هذا في الكلام على قياس الشبه
السابع: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء على الثابت بالطرد لأن الطرد لا يناسب الحكم أصلا والإيماء قد يناسب ولقصور الطرد عند الطاردين عن مراتب إخوانه من الأدلة وأما نحن فلا نقيم للطرد وزنا هذا شرح ما في الكتاب وقد يؤخذ منه أن تنقيح المناط متأخر الرتبة عن الطرد لأنه رتب الأدلة ترتيبا ختم به الطرد ومقتضاه تقديم الطرد على ما لم يذكره وهذا لا ينقسم بل الصواب تقديم تنقيح المناط ولا احتفال بما اقتضاه سياق الكتاب فإنه على هذا الترتيب يقتضي أيضا تأخر رتبة ما ثبت عليته بالإجماع حيث لم يذكره ولأمريه في أنه ليس كذلك
قال "الثالث
بحسب دليل الحكم
فيرجح النص ثم الإجماع لأنه فرعه" ش يرجح من القياسيين المتعارضين ما يكون دليل حكم أصله أقوى من دليل
حكم أصل الآخر ومن فروع المسألة أنه يرجح القياس الثابت حكم أصله بالنص سواء كان كتابا أم سنة على القياس الثابت حكم أصله بالإجماع وذلك لأن الإجماع على النص لتوقف ثبوته على الأدلة اللفظية والأصل يقدم على الفرع وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه والإمام إنما ذكره بحثا بعد أن نقل أنهم قالوا بتقديم الإجماع معتلين بأن الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية يقبل التخصيص والتأويل والإجماع لا يقبلهما وهذا هو المختار وما ذكره الإمام مدخول وقوله الأصل يقدم على الفرع قلنا على فرعه أما على فرع آخر فلم لا يقدم وكيف لا يقدم الإجماع مع أنه إن كان صادرا عن نص فالمتعارض إذ ذاك ليس الإنصاف يرجح جانب أحدهما بالإجماع وإن كان عن قياس فدليلان عارضهما دليل واحد وأيضا فالإجماع متفق عليه والنص والحالة هذه غير متفق عليه والمجمع عليه مقدم على المختلف فيه وإن فرضت أن النص غير مختلف فيه فذلك حينئذ إجماع عن نص عارض مثله وليس صورة المسألة
قال "الرابع
بحسب كيفية الحكم
وقد سبق لأن الترجيح بحسب كيفية الحكم قد ذكرنا فيه قولا بليغا في باب ترجيح الأخبار فاعتبر مثله هنا
بموافقة الأصول في العلة
…
قال الخامس موافقة الأصول في العلة أو الحكم والاطراد في الفروع"
"ش" هذا الوجه في الترجيح بحسب الأمور الخارجية وهو على ثلاثة أضرب
أولها: أن يكون أحد القياسين موافقا للأصول في العلة بأن يكون علة أصله على وفق الأصول الممهدة في الشريعة دون الآخر فيرجح الأول لشهادة كل واحد من تلك الأصول لاعتبار تلك العلة وكلما كان العدول عن القياس فيه أكثر كان أضعف
وثانيها: ترجح الموفق للأصول في الحكم بأن يكون حكم أصله على وفق الأصول المقررة على ما ليس كذلك للاتفاق على الأول
الثالث: يرجح الذي يكون مطرد الفروع بأن يلزم الحكم عليته في جميع الصور على ما لا يكون كذلك وبنجاز هذا تم كتاب التعادل والترجيح واعلم أن طرق الترجيح لا تنحصر فإنها تلويحات تجول فيها الاجتهادات ويتوسع فيها
الكتاب السابع
في الاجتهاد
والافتاء
في الاجتهاد
تعريفه
قال رحمه الله الكتاب السابع في الاجتهاد والإفتاء
وفيه بابان الأول في الاجتهاد وهو استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية ش الاجتهاد لغة هو استفراغ الوسع في تحصيل الشيء وقد علمت من ضرورة كونه استفراغ الوسع أنه لا يكون إلا فيما فيه مشقة وكلفة وفي الاصطلاح ما ذكره في الكتاب بقوله استفراغ الوسع جنس وقوله في درك الأحكام فصل خرج به استفراغ الوسع أنه لا يكون إلا فيما فيه مشقة وكلفة وفي الاصطلاح ما ذكره في الكتاب بقوله استفراغ الوسع جنس وقوله في درك الأحكام فصل خرج به استفراغ الوسع في فعل من الأفعال العلاجية مثلا وقوله الشرعية فصل ثان تخرج اللغوية والعقلية والحسية والأحكام الشرعية تتناول الأصول والفروع ودركها أعم من كونه على سبيل القطع أو الظن هذا مدلول لفظه ويجوز أن يريد بالأحكام الشرعية خطاب الله تعالى المتعلق فيخرج الاجتهاد في الأصولية وهذا التعريف الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل وهو من أجود التعاريف فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعاريف كبير فائدة