الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأجاب المصنف عن الثاني بأن الآية الأولى دلت على وجوب الطاعة في الأقضية والأحكام جمعا بين الأدلة وأيضا المتبادر إلى الفهم من إطلاق أولي الأمر والأمراء والحكام
وأجاب عن الثالث بأن المراد من سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لزوم العدل والإنصاف والسنن المرضي في جميع الحالات لأنه من المتبادر إلى الذهن من السيرة وأيضا في سند الحديث سفيان ابن وكيع وقد قال فيه أبو زرعة متهم بالكذب
ما يجوز فيه التقليد وما لايجوز
…
قال "الثالثة إنما يجوز في الفروع وقد اختلف في الأصول ولنا فيه نظر وليكن آخر كلامنا وبالله التوفيق"
"ش" هذه المسألة فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز فنقول أما الاستفتاء في الفروع فهو جائز على ما سلف فيه من الكلام وهو عمل العامي بقول المجتهد تقليدا فيه ما أوردناه عن القاضي والأصوليين
وأما الاستفتاء في الأصول فذهب كثير من الفقهاء وبعض المتكلمين كعبيد الله بن الحسين العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه وربما بالغ بعضهم فقال التقليد واجب والنظر في ذلك حرام وذهب الباقون إلى عدم جوازه وأنه يجب على كل أحد معرفة الله وما يجب له من الأوصاف ويجوز عليه ويتقدس عنه وكذلك جملة العقائد بالنظر والاستدلال ولما كان محل المسألة علم الكلام لم يطل المصنف فيها ولتقاوم الأدلة عنده لم يجزم بشيء بل قال إن له فيه نظرا ونحن نورد نزرا يسيرا من معتصمات الفريقين أما مجوزو التقليد فاحتجوا بوجوه منها أن النظر في أصول الدين منهي عنه لقوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا1} {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ2} والنظر يفضي إلى فتح باب الجدال وروى أنه صلى الله عليه وسلم نهى
1 سورة غافر آية 4
2 سورة الزخرف آية النحل 58
الصحابة لما رآهم يتكلمون في مسألة القدر وإذا كان منهيا عنه فلا يكون واجبا فيكون التقليد جائزا
وأجيب عنه بمنع كون النظر منهيا عنه والآيات محمولة على النهي عن الجدال بالباطل جمعا بين الأدلة فإن قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 1} {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 2} وأثنى الله تعالى على الناظرين بقول: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ 3} وأما الحديث فلعل النبي صلى الله عليه وسلم لما علم صحة اعتقادهم وحقيقة يقينهم بما تلقوه عنه وشاهدوا من المعجزات الخوارق علم أن الجدال بعد ذلك لا يفيد شيئا وربما ورث شكا فنهاهم لذلك أما الشارح الذي لم يثبت عنده شيء فكيف لا يجب عليه السعي في إثبات يقينه والذب عن تأكيد دينه
ومنها أن النظر فيه مظنة الوقوع في الشكوك والشبهات والخروج إلى البدع وأجيب بأن التقليد لا بد أنه ينتهي إلى النظر والاستدلال لامتناع التسلسل وحينئذ ما ذكرتم من المحذور لازم التقليد مع زيادة محذور احتمال كذب المقلد فيما أخبر به المقلد عن اعتقاده وأما المانعون فاعتصموا بوجوه منها أن تحصيل العلم في أصول الدين كان واجبا على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: "فأعلم أنه لا إله إلا الله" فيكون واجبا على أمته بقوله فاتبعوه ومنها أن التقليد مذموم شرعا في قوله تعالى حكاية عن قوم في معرض الذم لهم {إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ 4} ووجوه الحجج في المسألة عديدة وقد ذكرنا أن محلها علم الكلام فمن أراد الإحاطة به فهو محال على كتبه وبنجاز هذه المسألة تم هذا الشرح المبارك أسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم موجبا للفوز لديه وأن يعم النفع به بمحمد وآله وصحبه
وقد راعينا فيه جانب التوسط لأن الكتاب مختصر فالأليق بشارحه أن يحذو حذوه ولا يتعدى ممشاه فوق خطوة وقد كنا نروح ونغدو على المسألة وربما لم
1 سورة النحل آية 125
2 سورة العنكبوت آية 46
3 سورة آل عمران آية 191
4 سورة الزخرف آية 23
نخرج عن حد الشرح قدر أنملة وفي النفس حزازات من مباحث نترك ذكرها خشية التطويل ونسلك في الإضراب عنها سبيل غيرنا
وإن كنا لا نرتضي تلك السبيل على أنا لم نأل جهدا فيما وضعناه ولم نرض إلا أن نحله محل النجم وفي الظن أنا ما أنصفناه فإنا لم نغادر صغيرة ولا كبيرة مما يطالب الشارح بها إلا وقد جمعناها فيه مع زيادات من نقول وفوائد يهيم الفهم إذا سمعها طربا وينطق شاكرها ملء فيه ومباحث ما للبدر الكوامل إلا ما تطلع ولا العرب الأفراب إلا ما تفوه به بنات فكرها وتسمع لكن الكتاب مع أن الروض المبدعة ازهاره والواضح الجلي الذي ينضال لديه النهار وأنواره لم يعن على نفسه لقلة ما أودع فيه من المسائل ولم يبن عن جمع كبير فلم نهتم له ولا به وكيف لا وقد كنا نكتب فيه بأطراف الأنامل ونجيء إليه وقد سلمنا الطيب وقد وقالت النفس حطة وتعد عليه فنقول من رأى القلم يكتب والمهمة تملى عليه أما القلم قد أبل وليس في تلك شطة وفي عزمي والله الميسر أن أضع شرحا على مختصر ابن الحاجب بسيطا لا عذر لي إذا لم آت فيه بالعجب العجاب محيط بهذا العلم على أتم وجه لا أميط عنه إلا القشر عن اللباب والله المسؤول أن يوفقنا لصالح الأعمال ويجمعنا على العلم ونشره في كل حال بمنه وكرمه إنه المرجو خيره المأمول بسره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين
قال المصنف أيده الله فرغت منه صبيحة يوم الجمعة السادس عشر من صفر المبارك سنة اثنين وخمسين وسبعمائة أحسن الله تقضيها بالمدرسة العادلية منزل سيدي ووالدي أحسن الله إليه من دمشق المحروسة وكتب مؤلفه عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي أصلحه الله تعالى وكان له والحمد لله وحده وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.